Indexed OCR Text
Pages 221-240
ففي هذا الحديث ما قد دلَّ على أنها قد كانت خرجت من عُمرتها التي صارت مكانَ حجتها بتركها الطوافَ لها حتى تشاغَلَت بما تشاغلت به من أمر حجتها. وقد روى عُرْوَةُ بنُ الزبير هذا الحديثَ عن عائشة، فبيَّن فيه معنىَّ غيرَ هذا المعنى كان هو السببَ لِخروجِها من العمرة ٢٤٣١ - كما حدثنا أبو بَكْرَةَ بَكَّارُ بن قُتَيْبَة ومحمد بن خُزَيْمة، قالا: حدثنا عثمانُ بنُ الهَيْثَم بن الجَهْم، قال: أخبرني ابن جُرَيْج، قال: حدثني هِشَامُ بن عُرْوة، عن عُرْوةً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أَمَرَنا النبيُّ ◌َ أنْ نُهِلَّ بالحجِّ ومن شاء، فليُهلَّ بالعُمرة. قالت: فكنتُ مِمِّن أهلَّ بعمرة، فحِضْتُ، فدخل عليَّ النبيِ بَ ◌َّ، فأمرني أنْ أَنقُضَ رأسِي، وأمْتَشِط وأُدَع ◌ُمْرَتِي(١). = وعروة عنها أنَّها أَهَلَّتْ بالحج مفرداً، وتُعقب بأن قول عروة عنها: إنها أهلت بعمرة صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحج))، فليس صريحاً في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابربن عبد الله الصحابي كما أخرجه مسلم عنه، وكذا طاووس ومجاهد عن عائشة، ويحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلَّتْ عائشة بالحج مفرداً كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن تبعه ((ثم أمر النبي كل أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة)» ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزَّلُ حديث عروة: ((ثم لما دخلت مكة وهي حائضٌ فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرَها أن تُحرمَ بالحجِّ». (١) إسناده صحيح، عثمان بن الهيثم بن الجهم: ثقة من رجال البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين. - ٢٢١ - = وقد وافق عروة فيما رواه من ذلك عن عائشة رضي الله عنها ابنُ أبي مُلَيْكة، وعكرمةُ مولى ابن عباس، فرويا عنها مثلَ ذلك ٢٤٣٢ - كما حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا يوسفُ بن عَدِيّ، قال: حدثنا ابنُ أبي زائدة، عن نافعٍ بن عُمر الجُمَحِي، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشةَ رضي الله عنها، ثم ذكر مثلَه(١). ٢٤٣٣ - وكما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا يوسف بن عَدِيّ، قال: حدثنا ابنُ أبي زائدة، عن إسرائيل، عن زيد بن الحسن، عن عِكْرمة، عن عائشة، ثم ذكر مثلَه (٢). فكان في هذه الأحاديث أنها إنما خرجت من عُمرتها بإذن النبيِّ ورواه البخاري (١٧٨٦) عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن هشام، = بهذا الإِسناد. ورواه مالك في ((الموطأ)) ٤١٠/١ عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﴿ في حجّة الوداع، فأهللنا بعمرة .. . 5 ورواه من طريق مالك البخاري (٤٣٩٥)، ومسلم (١٢١١)، وأبو داود (١٧٨١)، والنسائي ١٦٥/٥-١٦٦، وابن حبان (٣٩١٧). (٤) إسناده صحيح على شرط البخاري، يوسف بن عدي من رجال البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين. ابن أبي زائدة: هو يحيى، وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله التيمي المدني. (٢) إسناده صحيح. زيد بن الحسن: هو ابن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، كان من سادات بني هاشم، وكان يتولى صدقات رسول الله صل بالمدينة، مات في حدود عشرين ومائة وهو ابنُ تسعين سنة. - ٢٢٢ - وَل﴿ بنقض رأسِها وامتشاطِها وتركِها إِيَّاها. وهذه الأحاديثُ أَوْلَى من حديث القاسم، لأَنَّه قد بُيِّنَ فيها ما لم يُبين في حديث القاسم. وفي ذلك ما قد دلَّ على أنَّ نقضَ النبي مَ ◌ّ لما كان عليه المشركون مما ذكرنا، إنما كان بفسخهم الحجّ وإحرامهم بالعُمرة، لا بعمرة عائشة التي أحرمت بها ليلةَ الحصبة، لأنَّ تلك العُمرة إنما كانت قضاءً من عُمرة كانت فيها كسائر الناس كانوا في عُمَرِهِم التي كانوا فيها، وخرجوا مِن الحج إليها، وخرجت عائشة رضي الله عنها من تلك العُمرة التي هي كعُمَرِهِمْ بالخَيْض الذي طَرَأْ عليها قبلَ طوافِها لِعمرتها، فلم يَصْلُحْ لها مع ذلك المضي فيها بعد إحرامها بالحجة التي أحرمت بها كما أحرم سائرُ الناس بمثلها، لأنها تكونُ لو فعلت ذلك واقفة بعرفة لحجتها ومحله بَعْدَ ذلك من حجتها ومعها عمرة لم تكن طافت لها. وقد دلَّ على ما ذكرنا من ذلك ما خاطب به سراقةُ بنُ مالك بن جُعْشُم رسول الله وََّ في تلك العمرة التي أُحْرَم الناسُ بها بأمر رسولِ الله ◌ََّ إِيَّاهم مكانَ الحج الذي كانوا أحرموا به، وفسخوه إليها ٢٤٣٤ - كما حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا حاتِمٌ، قال: حدثنا جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه عن جابر في حديثه في الحج قال: فأَهَلَّ - يعني - رسولُ اللهِ وَّة بالتوحيد، وأَهَلَّ الناس بهذا الذي يُهلُّون به، ولم يرد رسول الله مَلآ عليهم شيئاً. قال جابر: لسنا نرى إلّ الحجَّ، لسنا نعرف العُمْرَةَ حتى - ٢٢٣ - إذا كُنَّا آخرَ طواف على المَرْوَةَ، قال: ((إِنِّي لو استقبلتُ مِن أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْي وجعلتُها عُمرة، فمن كانَ ليسَ معه هَدْيٌّ، فَلْيَحْلِلْ ولْيَجْعَلْهَا عُمرةً)) فحلَّ الناسُ وقصَّرُوا إلَّ النبيِّ نَّهِ وَمَنْ كان معه الهَدْيُ، فقام سراقةُ بنُ مالك بن جُعْثُم، فقال: يا رسولَ الله عُمْرَتُنا هذه لِعامِنَا هذا أمْ للأبدِ؟ قال: فشَبَّك رسولُ اللهِ وَّ أصابعَهُ فِي الأخيرة، فقال: (دَخَلَتِ العُمْرَةُ هُكذا في الحَجِّ))(١). ٢٤٣٥ - وكما حدثنا محمد بن حُميد بن هشام الرُّعَيْنِي، قال: حدثنا عليُّ بِنُ مَعْبَد، قال: حدثنا موسى بن أُعْيَن، عن خُصَيْف، عن عطاء عن جابرٍ، قال: لما قدِمْنَا مع رسولِ الله وَلّ مكّة في حجة الوداع سأل الناسَ: ((بماذا أحرمتم))؟ فقال أناسٌ: أهللنا بالحجِّ. وقال آخرون: قدمنا مُتَمَتِّعينَ. وقال آخرون: أهلَلْنا بإهلالِكَ يا رسولَ الله. فقال لهم رسولُ اللهِ وَّهَ: ((مَنْ كان قَدِمَ ولم يَسُقْ هدياً فَلْيَحْلِلْ، فإني لو استقبلتُ مِنْ أمري ما استذْبَرْتُ، لم أُسُقِ الهَدْي حتَّى أكونَ حلالًاً)» فقال سراقةُ بنُ مالك بن جُعْشمٍ: يا رسولَ الله: عُمرتنا هذه لعامِنَا أُمْ (١) إسناده صحيح، أسد بن موسى روى له أبو داود والنسائي وهو ثقة، ومن فوقه على شرط مسلم. حاتم: هو ابن إسماعيل المدني. ورواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٧٢/٢، وابن ماجه (٣٠٧٤)، والدارمي ٤٤/٢-٤٩ من طرق عن حاتم بن إسماعيل، بهذا الإسناد. - ٢٢٤ - للأبدِ؟ فقال: ((لا بل لأبدِ الأبدِ))(١). وهذا الحرف الذي في هذا الحديث من قول جابر: ((وقال آخرون: قدِمنا متمتعين)) يَبْعُدُ في القلوب، لأن المتمتعين إنما يبتدئُون إحرامَهم بالعُمرة ثم يُعقبونها بالحج، وهم فلم يكونوا يعرفون العمرةَ في أشهر الحج حينئذٍ، فكيف يتمتعون التمتعَ الذي لا يكونُ إلَّ بعمرةٍ؟ وهذا عندنا وهمٌ من خُصَيْف. فأمَّا غيرُه من أصحاب عطاء، فرواه عن عطاء، عن جابر بخلاف ذلك، منهم: قيسُ بنُ سعد ٢٤٣٦ - كما حدثنا محمد بنُ خُزَيْمة، قال: حدثنا حجَّاج بنُ منْهال، قال: حدثنا حمَّدُ بنُ سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء عن جابر رضي الله عنها، قال: قَدِمَ رسول الله وَّهَ لأربعٍ خَلَوْنَ من ذي الحِجَّةِ، فلما طافوا بالبيت وبيْنَ الصفا والمروة، قال رسولُ الله وَّة: ((اجعلُوها عُمرةً)) فلمَّا كان يومُ التروية لَبَّوْا، فلما كان يومُ النحر قَدِمُوا، فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بَيْنَ الصفا والمروة(٢). فكيف يجوز أن يأمرهم جميعاً أن يَحِلُّوا إلى العُمرة، وبعضهم في (١) إسناده ضعيف. خصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري، ضعّفه غير واحد من جهة حفظه. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود (١٧٨٨) عن موسى بن إسماعيل، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٤١/٢ عن هلال بن العلاء، عن حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد. - ٢٢٥ - عُمرة؟! وكذلك روى غير(١) جابرٍ هذا الحديث أنهم قدموا مكة مُلِّين بالحج خاصةً منهم ابنُ عمر. ٢٤٣٧ - حدثنا محمدُ بنُ خُزَيْمة، قال: حدثنا حجَّاج، قال: حدثنا حمّاد، قال: حدثنا حُمَيْد، عن (٢) بكر بن عبد الله عن ابن عُمَر رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ◌َّةٍ وأصحابَه قَدِمُوا مَكَّة مُلَبِّين بالحجِّ، فقال رسولُ الله ◌ِوَهِ: ((مَنْ شاءَ أنْ يجعلها عُمرة إلَّ مَنْ كانَ معه الهدي)»(٣). ومنهم: أبو سعيد الخدري (١) تحرفت في الأصل إلى: ((عن)). (٢) تحرفت في الأصل إلى: ((بن)). (٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. حجاج: هو ابن المنهال، وحماد: هو ابن سلمة، وحميد: هو الطويل. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٢/٢، ورواه أحمد ٢٨/٢ عن روح وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد. ورواه البخاري (٤٣٥٣) عن مسدد، عن بشر بن المفضل، ومسلم (١٢٣٢) عن سريج بن يونس، عن هشيم، كلاهما عن حميد، حدثنا بكر أنه ذكر لابن عمر أن أنساً حدثهم أن النبيَّ ﴿ أهلِّ بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي ◌َّ بالحج، وأهللنا به معه، فلما قدمنا مكة، قال: من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة. ورواه النسائي ١٥٠/٥ عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن حميد، به. ورواه مسلم (١٢٣٢) (١٨٦) عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، وأبو يعلى (٤١٥٤) عن أبي خيثمة، عن سعيد بن عامر، كلاهما عن حبيب بن الشهيد، عن بکر بن عبد الله، به. - ٢٢٦ - ٢٤٣٨ - كما حدثنا محمدُ بنُ خُزَيْمة، قال: حدثنا حجَّاج بن مِنْهَال، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدثنا داود، عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: خرجنا من المدينة نَصْرُغُ بالحج صُراخاً، فلماقَدِمْنا، طُفْنَا، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اجعلُوها عمرةً، إِلَّ مَنْ كانَ معه الهَدْي))(١). ومنهم: أسماء ابنةُ أبي بكرٍ ٢٤٣٩ - حدثنا نصرُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا الخَصِيبُ بن نَاصِح، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن منصور بنِ عبد الرحمن، عن أُمِّه عن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قَدِمَ رسولُ الله حَ﴿ وأصحابه مُهلِّين بالحجِّ، وكان مع الزبير الهَدْيُ، فقال رسولُ الله ﴿﴿ لأصحابه: ((مَنْ لم يكن معه الهَدْيِ فَلْيَحْلِلْ)) (٢). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. داود: هو ابن أبي هند القشيري مولاهم البصري، وأبو نضرة: اسمه المنذر بن مالك بن قطعة العَبْدي العَوقيُّ . ورواه مسلم (١٢٤٧) عن عُبيد الله بن عمر القواريري، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا داود، بهذا الإِسناد. ورواه أيضاً (١٢٤٨) عن حجاج الشاعر، عن معلى بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن أبي نضرة، عن جابر، وعن أبي سعيد الخدري. (٢) إسناده قوي. الخَصيبُ بن ناصح: روى له النسائي، وهو صدوق، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ٠ وهيب: هو ابن خالد، ومنصور بن عبد الرحمن: هو ابن طلحة بن الحارث العبدري الحجبي المكي، وأمَّه: هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة - ٢٢٧ - وفيما ذكرنا من هذا دليلٌ على ما وصفنا غير أنه قد رُويَ عن أنس بن مالك أيضاً في ذلك ما يدخل في المعنى الذي أنكرناه من حديث خُصَيْف. ٢٤٤٠ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا حَبَّانُ بن هلال، قال: حدثنا وُهَيْبٌ، قال: حدثنا أيُّوب، عن أبي قِلَابة عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي ◌َّ صلَّى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلَّى العصر بذي الحُلَيْفَةِ ركعتين، وبات بها حتّى أصبح، فلما صلَّى الصبح، رَكِبَ راحلته فلما انبعثت به، سبَّح وكَبَّر حتى إذا استوت به على البَيْدَاءِ، جمع بينهما، فلما قدمنا مَكَّة أمرَهم رسولُ اللهِ وَ أَنْ يَحِلُّوا، فلما كان يومُ التروية، أَهْلُّوا بالحجِّ(١). = العبدرية لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ◌َّة، وأنكر الدارقطني إدراكها. ورواه مسلم (١٢٣٦) (١٩٢) عن عباس بن عبد العظيم العنبري، والنسائي ٢٤٦/٥ عن محمد بن عبد الله بن المبارك، كلاهما عن أبي هاشم المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب بن خالد، بهذا الإِسناد. ٠ ورواه مسلم (١٢٣٦) (١٩١)، وابن ماجه (٢٩٨٣) من طرق عن ابن جريج، حدثني منصور بن عبد الرحمن، به. بلفظ: ((خرجنا محرمين))، وليس فيه التقييد بالحج كما في رواية وهيب. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهيب: هو ابن خالد، وأيوب: هو ابن تميمة السختياني، وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد الجرمي. ورواه البخاري (١٥٥١)، وأبو داود (١٧٩٦) عن موسى بن إسماعيل، والبخاري (١٧١٤) عن سهل بن بكار، كلاهما عن وهيب، بهذا الإسناد. 1 - ٢٢٨ - قال أبو جعفر: فذلك أيضاً مما يَبْعُدُ في القلوب أنْ يكونوا جَمَعوا بين الحجِّ والعُمرة، وهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج، ويَعُدُّونَها مِن أفجر الفجور، وكيف يجوزُ أنْ يُؤمَّرُوا بالإِحلال من الإِحرام الذي كانوا فيه، وفيه عمرة إلى عمرة، وقد كان ابنُ عمر أنكَرَ هذا على أنس بن مالك، وأخبر أنَّ إحرامهم إنما كان بالحجِّ لا عُمرة معه ٢٤٤١ - كما حدثنا حسينُ بنُ نصرِ، قال: حدثنا أحمدُ بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدثنا حُمَيْد، قال: وحدثني بكرُ بنُ عبد الله عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ أنه لَبَّ بِعُمرةٍ وحجةٍ، قال: لبيكَ بِعُمْرَةٍ وحجٍّ. فذكر ابنُ عبد الله المُزَنِي لابن عُمر قولَ أنس فقال: وَهِلَ أَنْسُ إِنَّما أُهَلَّ رسولُ اللهِ وَِّ بالحج وأَهْلَلْنَا به معه، فلما قَدِمْنَا مكة، قال: ((مَنْ لم يكن معه هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ)) قال بكر: فرجعتُ إلى أنس فأخبرتُه بقول ابن عُمر، فلم يزل يذكر ذلك حتَّى مات (١). ٢٤٤٢ - وكما حدثنا حسينُ بن نصر، قال: سمعتُ يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حُمَيد، فذكر مثلَه بإسناده. وزاد فلما قَدِمَ رسول الله وََّ قال: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ))، وكان مع رسولِ الله ◌َُّ هدي فلم يَحِلَّ(٢). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار ١٥٢/٢ بإسناده ومتنه، وانظر (٢٤٣٧). (٢) إسناده صحيح على شرطهما وهو مكرر ما قبله، وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٢/٢ بإسناده ومتنه. - ٢٢٩ - قال أبو جعفر: وفيما روينا من هذه الآثار ما قد دلَّ على أن الذي نقض به رسولُ الله ◌ِّر ما كانوا عليه في الجاهلية من تحريمهم العُمرة في شهور الحج إنما كان بفسخِهِ الحج وأمره أصحابَه به، وإحرامِهم بالعُمرة، لا بأمره عائشة بالاعتمار بعد الحج في ذي الحجة (٣). والله نسأله التوفيق. وقد ذكرنا في هذا الباب حديثَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله وََّ قال للناس: ((مَنْ شاءَ أنْ يُهلَّ بالحج، ومن شاء فَلْيُهلَّ بالعُمرة)) فذلك عندنا - والله أعلمُ - على قول كان منه لهم بعد أن فسخُوا الحج الذي كانوا أحرموا به، وقدموا مَكَّة عليه، فقال لهم: من شاء فليُّهل بالعمرة حتى يكون بها متمتعاً ومنْ شاء أنْ يهل بالحج بلا عُمْرة معه، لأنه قد قامت الحجة بإحلالهم من الحج قبل ذلك، فعقل عنهم أنَّ ذلك لم يكن إِلَّ لسببٍ أُرِيد به إباحة العمرة لهم حينئذٍ، لأنها كانت محرمةً عليهم، ولأنَّه لا يصلحُ إدخالُ العُمرة على الحج ويصلُح إدخال الحج على العُمرة، فأمرّهم بالخروجِ من الحجِّ بذلك لَيَتَسِع لهم الإِحرامُ بالعُمرة لمن شاء أنْ يُحْرِمَ بها، واستئنافُ حجّه لمن شاء أن يُحرم بها بلا عُمرة معها، فيرجع بحجة ١ لا عُمرة(٢) معها. والله نسأله التوفيق. (١) انظر لزاماً (فتح الباري) ٤٢٧/٣-٤٣٠. (٢) في الأصل: ((بعمرة)). - ٢٣٠ - ٣٨٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِوٍَّ من قوله: ((لا يُجْلَدُ فوق عشر جلدات إلَّ في حدٍّ من حدود الله عز وجل)) وفي وجوب الاقتصار على ذلك وفيما رُوِيَ عنه مما يوجب خلافَ ذلك وفي الأولى منهما ما هو ٢٤٤٣ - حدثنا يونس، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: حدثنا اللَّيْث، عن يزيد بن أبيْ حَبِيب، قال: حدثني بُكَيْر بن الأشْجِ وحدثنا الربيعُ المُرادي، قال: حدثنا شُعَيْبُ بنُ اللیث، قال: حدثنا الليثُ، عن يزيد، عن بُكَيْربن عبد الله بْنَ الْأَشَجِّ، عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بُرْدَةً بن نِيَار أن رسولَ الله وََّ كان يقولُ: ((لا يُجْلَدُ فَوْقَ عشرِ جَلْدَاتٍ إلَّ في حدٍّ من حُدُودِ اللهِ))(١). (١) إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يوسف فمن رجال البخاري، وشعيب بن الليث فمن رجال مسلم .. ورواه البخاري (٦٨٤٨)، ومن طريقه البغوي (٢٦٠٩) عن عبد الله بن يوسف، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٤٦٦/٣ ٤٥/٤ عن هاشم، وحجاج، وأبي سلمة الخزاعي، وابن = - ٢٣١ - قال أبو جعفر: فلم يذكر الليثُ عن يزيد في هذا الحديث بَيْنَ عبد الرحمن بن جابر وبين أبي بُرْدَة أحداً، وقد ذكر غيره بينهما أباه جابراً(١). ٢٤٤٤ - كما حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرني محمد بن وَهْب بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حدثني زيدُ بنُ أبي أَنْيْسَة، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن بكر بن عبد الله عن سليمان بن يَسَار، قال: بينا أنا عندَ سليمان إِذْ جاءَّهُ عبدُ الرحمن بن جابر، فحدَّث سليمان، ثم أقبل عليهم سليمانُ، فقال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ جابر أنَّ أباه حدَّثه أنه سَمِعَ أبا بُرْدَة الأنصاريَّ يقولُ: سمعت رسولَ الله وَله يقول: ((لا جَلْدَ فَوْقَ عَشْرَةٍ أُسْواطٍ إلَّ في حدٍّ من حُدُودِ اللهِ عز وجل))(٢). = أبي شيبة ١٠٧/١٠ عن شبابة، وأبو داود (٤٤٩١)، والترمذي (١٤٦٣)، والنسائي كما في ((التحفة)) ٦٦/٩ عن قتيبة، وابن ماجه (٢٦٠١) عن محمد بن رمح، والطبراني ٢٢/ (٥١٧) عن عبد الله بن صالح سبعتهم عن الليث، بهذا الإِسناد. ورواه ابن حبان (٤٤٥٢) من طريق عبد الله بن يزيد المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، به. وانظر تمام تخريجه فيه. (١) قلت: انظر ((الفتح)) ١٧٧/١٢، فقد رجح قول الليث ومنْ وافقه. (٢) إسناده صحيح. محمد بن وهب بن أبي كريمة روى له النسائي وهو صدوق، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. وهو في الرجم من ((السنن الكبرى)) للنسائي كما في ((التحفة)) ٦٦/٩، وانظر الحديث الآتي (٢٤٤٦). - ٢٣٢ - وقد وافق زيداً على ما رَوى من ذُلك زيادة على ما رواه الليثُ فيه: أسامةُ بنُ زيد الليثي وعمروبن الحارث الأنصاري، فروياه عن بُگیر کذلك ٢٤٤٥ - كما حدثنا صالحُ بنُ حكيم النصري التَّمَّار أبو شُعيب، قال: حدثنا أبو يعلى محمد بن الصلت التَّوَّزِي، قال: حدثنا عبدُ العزيز بن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن بُكَيْربن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه عن أبي بُرْدَةَ بن نِيَارِ، أنَّ النبي ◌ََّ، قال: ((لا يحِلُّ لرجلٍ أنْ يجلدَ فوقَ عشرةٍ أَسْوَاطٍ إِلا في حَدٍّ من حُدُودِ اللهِ عزَّ وجلَّ)) (١). ٢٤٤٦ - وكما حدثنا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وَهْبٍ، قال: حدثنا عَمِّي عبدُ الله بنِ وَهْب، قال: حدثني عَمْرو بنُ الحارث الأنصاري، عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأَشَجِّ، قال: كنت عندَ سليمان بن يَسَار إذ جاءَه عبدُ الرحمن بنُ جابر، فحدَّث سليمان بنُ يَسَار، ثم أقبل علينا سليمانُ بن يَسَار، فقال: حدثني عبدُ الرحمنِ بنُّ جابر أنَّ أباه حدَّثه أَنَّه سمع أبا بُرْدَة بن نِيَار، يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((لا يُجْلَدُ فوقَ عَشْرَةِ أُسْوَاطٍ إِلَّ فِي حَدٍّ من حُدودِ اللهِ عزَّ وجلَّ))(٢). (١) إسناده حسن. أسامة بن زيد - وهو الليثي - صدوق حسن الحديث علق له البخاري، وخرج له مسلم في الشواهد، وروى له أصحاب السنن، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن الصلت، فمن رجال البخاري. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه أحمد ٤٥/٤، والبخاري (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨)، وأبو داود (٤٤٩٢)، والحاكم ٣٦٩/٤-٣٧٠، والبيهقي = - ٢٣٣ - فقال قائل: هذا الحديث قد تركوه أهلُ العلم جميعاً، لأنَّهم لم يختلفوا في التعزير أنَّ للإِمامِ أنْ يتجاوزَ به عشرةَ أسواطٍ، وإنَّما يختلفون فيما لا يتجاوزه بعدَها في ذلك، فتقول طائفة منهم: لا يتجاوزُ به تسعة وثلاثين سوطاً، ومِمِّن قال ذلك: أبو حنيفة ومحمدُ بنُ الحسن والشافعي، وتقول طائفةٌ منهم لا يتجاوز خمسةً وسبعين سوطاً، وممن قال ذلك منهم ابنُ أبي ليلى، وتقول طائفةٌ منهم: لا يتجاوز تسعة وسبعين سوطاً. ومِمَّن قال ذلك منهم أبو يوسف مرَّة، وتقول طائفة منهم: إنه يتجاوز به إلى ما رأى وإن تجاوز ذلك أكثرَ الحدود التي حدَّها الله عز وجل لعباده على قدر الجُرْم، وممن قال ذلك منهم مالك بن أنس وأبو يوسف مرَّةً، وقال مرَّةً أخرى القولَ الذي ذكرناه عنه، وقال مَرَّةً أخرى بقول أبي حنيفة. وفي ذلك ما قد دلَّ على تركهم هذا الحديث، فمن أين جاز لهم تركُه؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَّ وعونه أنَّ هؤلاء الذين ذكرنا من الفقهاء الذين سمَّينا وإنْ كانوا قد خالفوا ما في الحديث وتركوه، فقد قال به مَنْ سِوَاهم من فقهاء الأمصارِ وهو الليثُ بنُ سعدٍ، قال به مرَّةً وتركه مَرَّةً أُخرى، وقال في قوله الذي قال به فيه يخالفُ بين العشرة على مقدار الجُرْم، فإن كان غليظاً، غلَّظ في العشرة، وإنْ كان خفيفاً خَفَّفَ فيها. فقال هذا القائل: فهل للآخرين حُجَّةٌ في خلافهم هذا الحديث؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ الحجة لهم في اتساع = ٣٢٧/٨ من طرق عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد. - ٢٣٤ - خِلافهم له ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ بََّ في جَلْدِه في الخمر. ٢٤٤٧ - كما حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا مُسَدَّد، قال: حدثنا يحيى القَطَّان، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن الدَّانَاجِ، عن خُضَيْن بن مُنْذِرِ الرَّقَاشِي أَبِي سَاسَان عن علي رضي الله عنه، قال: جَلَّدَ رسول الله مَّ في الخمر أربعين وأبو بكر رضي الله عنه أربعينَ، وكَمَّلَها عُمر رضي الله عنه ثمانين، وكلُّ سُنَّةٌ(١). ٢٤٤٨ - وحدثنا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حدثنا مُسْلِمُ بن إبراهيم، (١) إسناده صحيح. مسدد من رجال البخاري، وحضين بن منذر من رجال مسلم، وباقي السند من رجال الشيخين، ويحيى القطان سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط. الداناج: بنون خفيفة وجيم، وهو العالم بالفارسية، واسمه: عبد الله بن فيروز، وحضين بن المنذر كان من سادات ربيعة، وهو صاحبُ راية علي يوم صِفِّين، وله يقول القائل: إِذا قِيلَ قَدِّمْها حُضَيْنُ تَقَدَّمَا لِمَنْ رايةٌ حمراءُ يَخْفِقُ ظِلُّها حِياضَ المَنايا تَقْطُرُ الموتَ والدَّمَا ويَدْنو بِها فِي الصَّفِّ حتّى يُزِيرَهَا أبى فيه إلا ◌ِزَّةٌ وَتَكَرُّمَا تراهُ إذا ما كان يَوْمَ عَظِيمَةٍ ورواه أبو داود (٤٤٨١) عن مسدد، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٨٢/١، ومسلم (١٧٠٧)، وابن ماجه (٢٥٧١)، وأبو يعلى (٥٩٨) عن إسماعيل بن عُلية، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٦٨/٧ من طريق يزيد بن زريع، وأحمد ١٤٠/١ عن محمد بن جعفر، و١٤٤-١٤٥ عن يزيد بن هارون، أربعتهم عن سعيد بن أبي عروبة، بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده. - ٢٣٥ - قال: حدثنا عبدُ العزيز بنُ المختار الأنصاري، قال: حدثنا عبدُ الله الدَّانَاج، قال: حدثنا حُضَيْن بن المُنْذِرِ الرِّقَاشِي، قال: شهدتُ عثمانَ بن عقَّن رضي الله عنه وقد أُتي بالوليد بن عُقْبة وقد صلَّى بأهل الكُوفة الصبح أربعاً، وقال: أزيدُكم؟ قال: فشهد عليه حُمْرَانُ، ورجلٌ آخر، فشهد أحدُهما أَنَّه رآه يَشْرَبُهَا، وشهدَ الآخرُ أنَّه رآه يَقِيتُهَا، فقال عثمان: إنه لم يَقِئْهَا حتى شَرِبَها، فقال عثمان لِعلي رضي الله عنهما: أَقِمْ عليه الحدَّ. فقال علي رضي الله عنه لابنه الحسن: أقِمْ عليه الحَدَّ. فقال الحسن: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تولَّى قارَّها. فقال علي لعبدِ الله بن جعفر: أقم عليه الحَدَّ، فأخذ السَّوْطَ وجعل يَجْلِدُه وعليٍّ يَعُدُّ حتى بلغ أربعين ثم قال: أمسِكْ، ثم قالَ: إِنَّ النبيَّ وَ﴿ِ حدَّ أربعين، وجلَدَ عُمَرُ ثمانين وكلَّ سُنَّةٌ. قال علي رضي الله عنه: وهذا أحبُّ إليَّ(١). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حضين بن المنذر، فمن رجال مسلم. 5 ورواه الدارمي ١٧٥/٢ عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٧٠٧) عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن حماد، وأبو داود (٤٤٨٠) عن مسدد بن مُسَرْهَد، وموسى بن إسماعيل، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٦٨/٧ عن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأبو يعلى (٥٠٤) عن أبي الربيع الزهراني، خمستهم عن عبد العزيزبن المختار، بهذا الإسناد. قال الخطابي: وقوله: ولِّ حارها من تولى قارَّها)) مثلٌ، أي: ولِّ العقوبة والضربَ من توليه العملَ والنفعَ، والقار: البارد. وقال الأصمعي: ولِّ شديدها مَنْ تولَّى هينها، وكلاهما قريب. - ٢٣٦ - فكان في هذا الحديث أن رسولَ اللهِ وَ# جلد في الخمر أربعين، فاحتمل أنْ يكونَ ذلك، لأَنَّه كان الحدَّ في الخمر، واحتمل أن يكونَ ذلك، لا لأنه كان حدّاً فيها، ولا لأنَّ رسول الله وَّ قصد في ذلك إلى جلدٍ معلوم، فنظرنا في ذلك، فوجدنا سليمان بن شُعَيْب قد حدثنا، قال: حدثنا الخَصِيبُ بن ناصح، قال: حدثنا عبدُ العزيزبن مسلم، عن مُطَرِّف، عن عُمَيْربن سعيد النَّخَعِي، قال: قال علي رضي الله عنه: مَنْ شربَ الخمر، فجلدناهُ، فماتَ، ودَيْنَاهُ، لأَنَّه شيءٌ صَنَعْنَاهُ(١). ٢٤٤٩ - ووجدنا فهدَ بنَ سليمان قد حدثنا، قال: حدثنا محمدُ بنُ سعيد بن الأصبهاني، قال: حدثنا شَريكٌ،، عن أبي حَصِين، عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه، قال: ما حدَدْتُ أحداً حدّاً فمات فيه، (١) إسناده صحيح. الخصيب بن ناصح صدوق من رجال النسائي، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ورواه ابن ماجه (٢٥٦٩) عن عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مطرف، سمعته عن عمير بن سعيد، قال: قال علي بن أبي طالب ... ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٢٧٢) وكما في ((التحفة)) ٤٣٨/٧ عن عمروبن يحيى بن الحارث، عن أحمد بن أبي شعيب، عن موسى بن أعين، عن مطرف، عن الشعبي، عن عمیر بن سعيد، به. - ٢٣٧ - فَوَجَدْتُ في نفسِي شيئاً إِلَّ الخَمرِ، فإنَّ رسولَ اللهِوَ له لم يَسُنّ فيها شيئاً(١). فوقفنا بذلك على أنَّ رسولَ الله وََّ لم يكن جَلَّدَ شاربَ الخمر على ما في حديث حُضَين عن علي رضي الله عنه أربعين قصداً منه إلى الأربعين، ولكن قصداً منه إلى جلد لا توقيتَ فيه، ودلَّ على ذلك أيضاً ما قدرُوِيَ عن علي رضي الله عنه من غير هذه الجهة كما حدثنا عليُّ بِنُ شَيْبَة، قال: حدثنا أبو نُعَيْم، قال: حدثنا سفيانُ، عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه، قال: أُتي علي بالنَّجَاشِي قد شَرِبَ الخمر في رمضان، (١) حديث صحيح. شريك - وهو ابن عبد الله القاضي، وإن كان سبىء الحفظ - قد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن سعيد الأصبهاني، فمن رجال البخاري . أبو حصين: اسمه عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي . ورواه أبو داود (٤٤٨٦)، وأبو يعلى (٥١٤)، وابن ماجه (٢٥٦٩) عن إسماعيل بن موسى الفزاري ابن بنت السدي، عن شريك، بهذا الإسناد. ورواه البخاري (٦٧٧٨) عن عبد الله بن عبد الوهّاب، عن خالد بن الحارث، ومسلم (١٧٠٧) عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٢٧١) وكما في ((التحفة)) ٤٣٨/٧ عن محمد بن بشار، ومسلم (١٧٠٧) (٣٩) عن محمد بن المثنى، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو يعلى (٣٣٦) عن عُبيد الله، عن یزید بن زريع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن أبي حصین، به. ورواه أحمد ١٢٥/١ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، به. ورواه أيضاً ١٣٠/١ عن وكيع عن مسعر وسفيان، كلاهما عن أبي حصين، به. - ٢٣٨ - فضربه ثمانين، ثم أُمَرَ به إلى السجن، ثم أخرجه من الغَدِ، فضربَهُ عِشرين، ثم قال: إنَّما جلدتُك هذه العشرين لإِفطارك في رمضانَ وجُرأتِك على الله عز وجل(١). قال: فدلَّ ذُلك مِن تجاوز علي الأربعينَ إلى ما فوقها في الخمر أن الذي كان من النبي ◌َّ في الجلد فيها لم يكن طلباً منه لعددٍ معلوم. وفي ذلك ما قد دلَّ على أنَّه لم يكن حدّاً، وإنما كان تعزيراً. وقد دلَّ على ذلك أيضاً ما قد رواه غيرُ علي رضي الله عنه عن النبي ﴾ّ في ذُلك. (١) إسناده حسن. عطاء بن أبي مروان روى له النسائي، ووثقه هو وأحمد، وابن معين، وابن حبان، وأبوه: أبو مروان الأسلمي: اسمه مغيث، وقيل: اسمه سعيد، وقيل: عبدالرحمن، روى عن جمع، وروى عنه اثنان، وذكر البخاري في الكنى من ((تاريخه)) ص٧٤، وابن أبي حاتم ٤٤٥/٩ فلم يأثرا عنه جرحاً ولا تعديلاً وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو نعيم: هو الفضل بن دُکین. والنجاشي هذا: اسمه قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب من كهلان، شاعر هجّاء مخضرم، له إدراك، أصله من نجران، وانتقل إلى الحجاز، واستقر بالكوفة، لازم علياً وكان معه في صفين وكان يمدحه، فلما جلده في الخمر، فرّ إلى الشام، وامتدح معاوية. قال البكري: هو من أشراف العرب إلا أنه كان فاسقاً، وكانت أمه من الحبشة، فَنُسِبَ إليها. انظر ((الشعر والشعراء)) ص٣٢٩-٣٣٣، و((سمط اللآلي)) ٨٩٠، و((الإصابة)) ٥٥١/٣-٥٥٢، و((خزانة الأدب)) للبغدادي ١٠ / ٤٢٠-٤٢٢. - ٢٣٩ - فمنهم: عبد الرحمن بن أُزْهَر ٢٤٥٠ - كما حدثنا عليُّ بِنُ شَيْبَة، قال: حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادة، قال: حدثنا أسامةُ بنُ زيد، قال: حدثنا ابنُ شِهَاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن أَزْهَر الزهري، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله يوم حُنَّيْن يتخلَّلُ الناسَ يسألُ عن منزل خالدٍ بن الوليد، فأتي بسكران، فأمر من كان عنده، فضربُوه بما في أيديهم، ثم حَثًا عليه الترابَ، ثم ٤ أتي أبو بكر رضي الله عنه بسكران، فتوخّى الذي كان من ضربهم عندَ رسول اللّه ◌َل*، فضربَهُ أربعين، ثم أتي عمر رضي الله عنه بسكران، فضربه أربعين(١). (١) أسامة بن زيد: وهو الليثي مولاهم المدني - وإن كان صدوقاً - يقع له الوهمُ وفي تصريح الزهري بسماعه من عبد الرحمن بن أزهر نظر، فقد قال الإِمام أحمد: ما أراه سَمِعَ عبد الرحمن بن أزهر إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يُحدث، فيقول معمر وأسامة عنه: سمعت عبد الرحمن ولم يصنعا عندي شيئاً. وقال أبو داود في ((السنن)): أدخل عقيل بن خالد بين الزهري، وبين ابن الأزهر في هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٤٦/١-٤٤٧: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالا: لم يسمعه الزهري من عبد الرحمن بن أزهر. ورواه أبو داود (٤٤٨٧) عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابنُ وهب و(٤٤٨٩) عن الحسن بن علي، عن عثمان بن عمر، كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر. ورواه أيضاً (٤٤٨٨) حدثنا ابنُ السرح، قال: وجدت في كتاب خالي عبد الرحمن بن عبد الحميد، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبره أن عبد الله بن عبد = - ٢٤٠ -