Indexed OCR Text
Pages 341-360
ففيما روينا أن جبريلَ وعد رسولَ الله عليهما السَّلامُ أن يأتيه إلى منزله في ساعةٍ بعينها بلا استثناء كان في وعده إياه بذلك، ثم تأخّر (١) عن إتيانه إيَّه فيها إلى منزله، إذ كان فيه ما يَمْنَعُ من دخوله إياه، وهو الكلبُ الذي كان فيه، لأن في الشريعة أنه لا يدخل بيتاً فيه كَلْبٌ ولا صُورة، وكان ذلك بالشريعة مستثنىٍّ من وعده، وإن لم يكن استثناؤه منه بلسانه . فمثلُ ذلك الرجلُ يَعِدُ الرجلَ بالجلوسِ عنده في منزله لما يسأله الجلوس عنده فيه في وقتٍ يذكره، فيكونُ في منزله في ذلك الوقت ما تمنعه الشريعةُ من دخول ذلك المنزل، وهو فيه من خمر يُشْرَبُ فيه، أو مما سواها من المعاصي التي تمنعه الشريعةُ من حضورها، فيتخلف مِن دخولٍ منزله لذلك، فلا يدخلُ بتخلفه ذلك في حكم مَنْ وَعَدَ وعداً فأخلفه. ومثل ذلك أيضاً أن يَعِدَ زوجته بوطئه إِيَّاها في وقت يذكره لها، = القرشي العامري خال ابن أبي ذئب - فقد روى له أصحاب السنن، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الدارمي: يروى عنه، وهو مشهور. ورواه أحمد ٢٠٣/٥ عن عثمان بن عمر، والطبراني في «الكبير» (٣٨٧) من طريق خالد بن يزيد العمري، كلاهما عن ابن أبي ذئب، بهذا الإِسناد. قلت: خالد بن يزيد العمري كذبه أبو حاتم ويحيى، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، فلا يفرح بهذه المتابعة. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤٤/٤-٤٥ من رواية أحمد، وقال: ورجاله رجال الصحيح، وأورده أيضاً من رواية الطبراني، وقال: وفيه خالد بن يزيد العمري، وهو ضعيف جداً، ثم أورده ١٧٣/٥ من رواية الطبراني أيضاً، وقال: وفيه خالد بن يزيد العمري، ولم أعرفه؟ (١) في (ر): استأخر. ٣٤١ فيدركها الحيضُ في وقتها ذُلك، فلا يكونُ بتركه وطأها في حكم مَنْ وَعَدَ وعداً ثم أخلفه . ومثل ذلك الرجل يجعل على نفسه صومَ غدِ الليلة التي يَقْدَمُ فيها فلان، فَيَقْدَمُ فلان في ليلة يكون غدُها النَّحْرَ، فيترك صومه لحرمة صومه، فليس بتركه ذلك مذموماً، بل هو محمودٌ فيه، وغيرُ داخل في من وعد وعداً فأخلفه، إذا(١) كان الذي منعه من الوفاء لما قال الشريعة . ومثلُ ذلك الرجل يَعِدُ الرجلَ أن يجلِسَ له في مكانه منتظراً له حتى يأتيه، فتحضر الصلاةُ، فيقوم لها، ويدع انتظارَه، فليس هو بذلك مُخْلِفَ وعدد(٢) إذ كان قيامهُ إليها قياماً إلى ما دعاه الله إليه قبلَ وعده الرجل الذي وعده بانتظاره إِيَّاه في مكانه ذلك، وكان ذلك مستثنى بالشريعة، وإن لم يستثنه مَنْ وَعَدَهُ بلسانه. وقد رُوِيَ عن إبراهيم النخعي مثلُ ذلك أيضاً. كما حدَّثنا بكارٌ، حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوزير، حدَّثنا إسماعيل بنُ زكريا الخُلْقاني، عن الحسن بن عُبيد الله (٣) قال: قلتُ لإِبراهيم النخعيِّ: الرجل أُعِدُه أن أنتظره، فيُبطىء عليَّ، إلى متى أنتظره؟ فقال: إلى أن يحضر وقتُ صلاة(٤). فكان ما روينا عن إبراهيم موافقاً لما ذكرنا، والله نسأله التوفيق. (١) في (ر): إذ. (٢) في الأصل: ((مخلفه موعد))، والمثبت من (ر). (٣) في (ر): ((عبد الله))، وهو خطأ. (٤) رجاله ثقات رجال الصحيح. إبراهيم بن أبي الوزير: هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم أبو إسحاق بن أبي الوزير المكي، والحسين بن عبيد الله: هو ابن عروة النخعي أبو عروة الكوفي. ٣٤٢ ١٣٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ في الكبائر التي وَعَدَ الله تعالى مجتنبيها من عباده بتكفير سيئاتهم سواها قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهِ نُكَفِّرْ عنكم سيِّئَاتِكم ونُدْخِلْكُمْ مُدْخِلاً كريماً﴾ [النساء: ٣١]. فكان ما كان منه تعالى (١) نهاية الكرم ، لأنه كَفَّرَ عن مجتنبي هذه الكبائر سيئاتِهم سواها، ووعدهم بذلك أن يُدْخِلَهم مُدخلاً كريماً بلا عملٍ كان منهم يُوجبُ ذلك لهم، ولكن لحق(٢) عليهم وكرامته لهم جلَّ وتعالى. ثم رجعنا إلى طلب هذه الكبائر ما هي؟ ٨٨٨ - فوجدنا يزيدَ بنَ سنان، وابنَ مرزوق قد حدَّثانا، قالا: حدثنا أبو عامر العقديُّ، حدثنا سفيانُ، عن منصورٍ، والأعمشِ (٣)، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل عن عبدِ الله، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الذُّنْب أكبرُ؟ قال: ((أن تجعلَ لخالقك نِدًّاً وقد خلقك!)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدَك خشيةً أن يأكل معك)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((أن تُزَانِيَ حليلةً (١) في (ر) زيادة بعد قوله تعالى: في هذا. (٢) في المطبوع: ((لحقه)). (٣) في (ر): ((عن منصور عن الأعمش)) وهو خطأ. ٣٤٣ جارك))، قال: ثم نزل القرآن بتصديق قولِ النبيِّ عليه السَّلامُ: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ... ) إلى آخر الآية (١) [الفرقان: ٦٨]. ٨٨٩ - ووجدنا يزيدَ بنَ سنان قد حدَّثنا، قال: حدثنا محمدُ بنُ كثير العَبْدِيُّ، حدثنا سفيانُ، عن الأعمش، ومنصورِ، وواصل الأحدبِ، عن أبي وائلٍ، عن عمروبن شرحبيل، عن عبد الله مثلَه(٢). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عامر العقدي: هو عبد الملك بن عمرو القيسي، وسفيان: هو الثوري، ومنصور: هو ابن المعتمر. ورواه البخاري (٤٧٦١) و(٦٧١١)، والترمذي (٣١٨٢) ما بعده، والنسائي ٩٠/٧، وفي التفسير من ((الكبرى)) (٣٨٩) كما في ((التحفة)) ١١٧/٧، والبيهقي ١٨/٨ من طريقين عن سفيان بهذا الإِسناد. ورواه البخاري (٤٤٧٧) و(٧٥٢٠)، ومسلم (٨٦) (١٤١)، والنسائي في ((الكبرى)) من طرق عن جريربن عبد الحميد، وأحمد ٤٣٤/١ من طريق ورقاء، كلاهما عن منصور، عن أبي وائل، به. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٤٤١٤) و(٤٤١٥) و(٤٤١٦). (٢) إسناده على شرط الشيخين. ورواه البغوي (٤٢) من طريق محمد بن كثير العبدي، بهذا الإسناد. ورواه البخاري (٦٠٠١)، وأبو داود (٢٣١٠)، وابن حبان (٤٤٦١) من طريق محمد بن كثير العبدي، عن سفيان، عن منصور، به. ورواه أحمد ٤٣٤/١، والترمذي (٣١٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٤٧٦) كما في ((التحفة)) ١١٧/٧، والبيهقي ١٨/٨ من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن واصل، به. ورواه أحمد ٤٣٤/١ ٤٦٢، والترمذي (٣١٨٣) من طريقين عن شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، ولم يذكر عمروبن شرحبيل. وقال الترمذي: حديث سفيان عن منصور والأعمش أصح من حديث = ٣٤٤ ٨٩٠ - ووجدنا يزيد قد حدَّثنا، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عمربن شقيق، حدَّثنا جريرُبنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عمروبنِ شُرَحْبِيلٍ قال: قال ابنُ مسعودٍ: قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله، أيُّ الذُّنْب عندَ الله أكبرُ؟ .. ثم ذكر نحوه(١). فبان لنا على لسان رسول الله ◌َ﴿ أنَّ هذه الثلاثةَ الأشياءِ المذكورة في هذا الحديث من الكبائر، وأن أكبرها أن يجعل الله ندّاً، ثم الذي يتلوه منها قتل الرجل ولده خشيةَ أن يأكل معه، ثم الذي يتلوه منها مزاناتُهُ حليلةَ جاره، ولم يكن في هذا الحديثِ منها سوى هذه الثلاثة الأشياء، ونعوذُ بالله منها، وفيه أنَّ بعضها أكبرُ من بعض، ولم يكن في سؤال عبد الله رسولَ اللهِ وَّ ما يوجب له جواباً أكبر مما أجابه به عن ما سأله عنه مما ذكر فيه سؤاله إيَّه عنه. ٨٩١ - ووجدنا أبا أمية قد حدَّثنا، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بن موسى، حدَّثنا شيبانُ، عن فراسٍ ، عن الشعبيِّ عن عبدِ الله بن عمرو، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ عليه السَّلامُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما الكبائرُ؟ قال: ((الإِشراك بالله)) قال: ثمّ ماذا؟ قال: ثُمَّ عقوقُ الوالدين)) قال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم اليمينُ الغموسُ))(٢). = واصل، لأنه زاد في إسناده رجلاً. (١) إسناده على شرط البخاري، رجاله رجال الشيخين غير الحسن بن عمربن شقیق، فمن رجال البخاري. ورواه البخاري (٦٨٦١) و(٧٥٣٢)، ومسلم (٨٦) (١٤٢) من طرق عن جريربن عبد الحميد، بهذا الإِسناد. وانظر الحديثين السابقين. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. شيبان: هو ابن عبدالرحمن النحوي،= ٣٤٥ قال لنا أبو أميةً في كتابي(١) في موضعٍ : شيبان، وفي موضع آخر: سفيان في إسنادٍ هذا الحديثِ. فكان جوابُ رسول الله وَّ سائلَه في هذا عن الكبائر ما هي أنها الإِشراك بالله، كجوابه لابن مسعود أن الشَّرْكَ أكبرُ الكبائر، وأن الذي يتلوه منها عقوقُ الوالدين، وأن الذي يتلوه منها اليمينُ الغموسُ. فاحتمل أن يكونَ ذلك على أن قتلَ الولد وعقوقَ الوالدين منها في درجة واحدة، ويمين الغموس منها، ومزاناة الرجل حليلَةً جاره في درجة تتلوها حتى لا يُخالف واحدٌ من حديثي ابن مسعود، وعبدِ الله بن عمرٍوٍ الحديث الآخر، ويكون جوابُه الأول من مُساءلة(٢) المذكورين فيهما كما أجابه به في الحديث المذكور سؤاله إِيَّه عما سأله عنه، غير أنَّا تأمُّلنا بعدَ ذلك هذين الحديثين، فوجدنا في تأويلهما ما هو أولى بهما مِن هذا التأويل الذي ذكرنا، ووجدنا جائزاً أن يكونَ قَتْلُ الرجل ولدَهُ خشيةً أن يَأْكُلَ معه، وعقوقه لوالديه في درجةٍ واحدةٍ تاليةٍ للشرك بالله تعالى، فأجابَ ابنُ مسعودٍ بأحدهما، وأجاب سائلَه في حديثٍ ابن عمرو بالآخر منهما. ومثلُ هذا من الكلام الصحيح أن يقال للرجل: مَنْ أَشْجَعُ الناسِ؟ فيقول: فلان، ثم يُقالُ له: ثم مَن؟ فيقول: ثم فلان لِرجلٍ آخر هو كذلك، وهناك آخر مثلُه قد سكت عن اسمه، فلم يذكره، فيكون ذلك كلاماً صحيحاً. = وفراس: هو ابن يحيى الهمداني الكوفي. ورواه البخاري (٦٩٢٠)، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٢٣)، والبيهقي ٣٥/١٠ من طرق عن عبيد الله بن موسى، بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان (٥٥٦٢) من طريق عبيدالله بن موسى، به، وانظر تمام تخريجه فيه. (١) في (ر): في كتاب. (٢) في الأصل: ((سائله))، والمثبت من (ر). ٣٤٦ فمثل ذلك جوابُ رسولِ الله ◌َ﴿ لابن مسعودٍ، وجوابه في حديث ابن عمرو، وفي ذلك ما قد دلَّ أَنْ لا تضادَّ في واحدٍ منهما للآخر، ثم كان مَنْ في المنزلةِ الثَّالثة في حديثِ ابن مسعود، وابن عمرو كمن هو في المنزلة الثانية في حديثهما جميعاً على ما ذكرناه فيهما. ٨٩٢ - وقد حدثنا علي بن مَعْبَدٍ، حدثنا عبدُ الوهّاب بنُ عطاء، حدثنا الجُريريُّ، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، عن النَّبِيِّ عليه السَّلامُ أَنَّه قال: ((ألا أُنْبِئُكُم بأكبر الكبائر؟)) قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: ((الإِشراك بالله عز وجل، وعقوقُ الوالدين)) قال: وكان متكئاً، فجلس، فقال: ((ألا وقولُ الزور، أو وشهادةُ الزور)) - شكَّ الجريري(١) - فما زال يقولُها حتى قُلنا: لَيْتَهُ سَكَتَ(٢). فكان الذي في هذا الحديث في الدرجة الأولى مِن الكبائر كالذي (٣) فيها في الحديثين الأولين، وكان ما في هذا الحديث من قوله (١) لفظ: ((شك الجريري)) سقطت من الأصل، واستدركت من (ر) ومن المطبوع . (٢) حديث صحيح، علي بن معبد: ثقة، روى له الترمذي والنسائي، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير عبد الوهّاب بن عطاء، فمن رجال مسلم، وقد تابعه عليه إسماعيل بن علية، وبشربن المفضل، وهما ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط . ورواه أحمد ٣٦/٥ و٣٨، والبخاري (٢٦٥٤) و (٥٩٧٦) و(٦٢٧٣) و(٦٢٧٤) و(٦٩١٩)، ومسلم (٨٧)، والترمذي (١٩٠١) و(٣٠١٩)، وأبو عوانة ٥٤/١، والبيهقي ١٢١/١٠، والبغوي (٤٣) من طرق عن سعيد بن إياس الجريري، بهذا الإِسناد. (٣) في الأصل و(ر): كذي، والتصويب من ((المعتصر)) ٢٧٣/٢ . ٣٤٧ عليه السَّلامُ: ((وعقوق الوالدين، أو قول الزور، أو وشهادة الزور)) مما قد يحتمِلُ أن تكونَ تلك الأشياء الثلاثة جُمِعَتْ بالواو، والمراد فيها كالمراد في ((ثم)) في الحديثين الأولين. ومثل ذلك أن يقال للرجل: مَن أشجعُ الناس ؟ فيقول: فلان وفلان، وأحدهما في الشجاعة فوق الآخر منهما. ٨٩٣۔ وقد حدّثنا أبو أمیة، حدثنا يونس بن محمد المؤدِّب، حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن هشام بن سعدٍ، عن محمد بنِ زيد بنِ مهاجر بنِ ٤ قُنْفُذٍ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري. عن عبد الله - وهو ابن أنّيْسٍ - عن النَّبِيِّ عليه السَّلامُ قال: ((إن مِن أكبر الكبائر الشُّرْكَ بِاللهِ، وعقوق الوالدين، واليمينَ الغَمُوسِ ، وما حَلَفَ حالِفٌ بالله يمينَ صَبْرٍ، فأدخل فيها مِثْلَ جناح بعوضة إلا كانت نُكتَةً في قلبه يَوْمَ القيامة))(١). 8 فالكلامُ في هذا الحديثِ کالكلام في حديث أبي بكرة الذي رويناه قبله . (١) إسناده حسن على شرط مسلم، هشام بن سعيد - وإن خرّج له مسلم - مختلف فيه، وقال الذهبي: حسن الحديث، وفي ((التقريب)): صدوق له أوهام. ورواه أحمد ٤٩٥/٣، والترمذي (٣٠٢٠)، والحاكم ٢٩٦/٤، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٢٧/٧ من طرق عن الليث بن سعد، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: أبو أمامة الأنصاري: هو ابن ثعلبة، ولا نعرف اسمه، وقد روى عن النبي ◌َّ أحاديث، وهذا حديث حسن غريب. قلت: قال فى ((التقريب)): اسمه إياس، ويقال: عبد الله بن ثعلبة، وقيل: ثعلبة بن عبد الله، أو ابن سهيل، صحابي، له أحاديث. وصحح الحاكم إسناده، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) ٤١١/١٠. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٥٥٦٣). ٣٤٨ ٨٩٤ - وحدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا ابنُ وهبٍ، حدثنا سليمانُ بنُ بلال، عن ثورِبن زيدٍ (١)، عن أبي الغيثِ عن أبي هُريرة أن رسولَ اللهِص ◌ِهِ، قال: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الموبقاتِ»، قيل: وما هِيَ يا رسولَ الله؟ قال: ((الشِّركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتلُ النفس التي حَرَّمَ الله إلا بالحقِّ، وأكلُ مالٍ اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصناتِ الغافِلاتِ المؤمناتِ))(٢). ولم يذكر لنا الربيعَ في حديثه من السبعة التي ذكرها فيه غير هذه الستة التي ذكرناها عنه، فاعتبرنا هذا الحديثَ برواية غيره إيّاه، هل نَجِدُ فيه الشيء السابع تتمة هذه السبعة. ٨٩٥ - فوجدنا رَوْحَ بَنَ الفَرَج قد حَدَّثنا قال: حَدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد الفهمي المعروف بالبيطريٍّ، حدثنا سليمانُ بنُ بلالٍ ... ثم ذكر حديثَ الربيع ببقية إسناده، وبمتنه، وبنقصانِ الواحدِ من عدد السبعة التي ذكرها فيه(٣). (١) في (ر): ((يزيد))، وهو خطأ. (٢) إسناده صحيح. الربيع بن سليمان المرادي، روى له أصحاب السنن، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. أبو الغيث: اسمه سالم مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود. ورواه النسائي ٢٥٧/٦، وفي التفسير من ((الكبرى)) (٣٨١) كما في ((التحفة)) ٤٥٨/٩، وأبو عوانة ٥٤/١ ٥٥، وابن منده في ((الإِيمان)) (٤٧٦)، والبيهقي في ((الاعتقاد) ص ٢٥٠ من طريق الربيع بن سليمان المرادي، بهذا الإِسناد. ورواه مسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤) من طريقين عن ابن وهب، به. وعندهم جميعاً ذكر الموبقة السابعة، وهي: ((وأكل الربا))، ووقع عند النسائي: و((الشح)) بدل ((والسحر)). (٣) إسناده صحيح. عبد الله بن محمد الفهمي: وثقه أحمد وابن حبان = ٣٤٩ فوقفنا بذلك على أن نقصَ السابع من هذا الحديث لم يكن سقوطُه كان عن الربيع، ولا عن مَنْ حَدَّث به الربيعُ عنه، ولكنه كان في نفس الحديث، والله أعلمُ. وليس في هذه السبعة الأشياءِ المذكورةِ في هذا الحديث ذكرُ تغليظ بعضها على بعض، فانتفى بذلك أن يكونَ فيه خلاف لشيءٍ من الأحاديث التي ذكرناها قبلَه في هذا الباب، ولكنها كبائِرُ كلها، فموضع الشِّرْكِ منها كموضعه الذي في حديثي ابن مسعود وابنٍ عمرو، والأشياء الآخر منها لها دَرَجٌ، الله أعلمُ أيُّ الدَّرَجِ هي، وهل تستوي أو تختلف؟ ٨٩٦ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حدثنا عمرو بنُ عثمانَ بنِ سعیدٍ، حَدَّثنا بقيةُ بنُ الوليد، عن بَحِير - وهو ابنُ سعد - عن خالدٍ - وهو ابنُ مَعْدَان - حدثني أبو رُهْمِ السَّمْعِيُّ أنَّ أبا أيوب الأنصاري حدَّثه أنْ رَسُولَ اللهِ وَله قال: ((مَنْ مَاتَ يَعْبُدُ الله لا يُشْركُ به شيئاً، ويُقِيمُ الصَّلاةَ، ويؤْتِي الزَّكَاةَ، ويَصُومُ شهرَ رمضانَ، ويجتنِبُ الكبائرَ، فله الجَنَّةُ))، فسأله رَجُلٌ: ما الكبائر؟ قال: ((الإِشراك بالله تعالى، وقَتْلُ النفس التي حَرَّمَ الله، وفِرَارٌ يومَ الزحف))(١). = وغيرهما، ومن فوقه على شرط الشيخين. وقوله: ((وبنقصان الواحد من عدد السبعة التي ذكرها فيه)) كذا وقع للمصنف. وقد رواه البخاري (٢٧٦٦) و(٥٧٦٤) و(٦٨٥٧)، وابن حبان (٥٥٦١)، والبغوي (٤٥)، وأبو عوانة ٥٥/١، وابن منده (٤٧٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٤٩/٨ من طريقين عن سليمان بن بلال، به. وقد ذكروا جميعاً الموبقة السابعة وهي: ((وأكل الربا)). (١) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن. أحمد بن شعيب: هو الإِمام النسائي = ٣٥٠ فالكلام في هذا كالكلام في أحاديث أبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي أيوب سواء. ٨٩٧ - حدثنا ابنُ مرزوقٍ، حدثنا وهبُ بنُ جريرِ، حدثنا شعبةُ، عن عُبَيْدِ الله بن أبي بكر عن أنسٍ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((أكبرُ الكبائر الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدين، وقَتْلُ النفس، وشهادةُ الزور - أَو وَقَوْلُ الزور-)»(١). = صاحب ((السنن))، وأبو رُهم السمعي: اسمه أحزاب بن أسيد، وقد صرَّح بقية بن الوليد بالتحديث عند أحمد وغيره، فانتفت شبهة تدليسه. وهو في ((السنن الكبرى)) (٣٤٧٢) و(٨٦٥٥) كما في ((التحفة)) ٨٧/٣. ورواه أحمد ٤١٣/٥ و٤١٣-٤١٤، والنسائي ٨٨/٧، والطبراني في ((الكبير)) (٣٨٨٥) من طرق عن بقية بن الوليد، بهذا الإِسناد. ورواه الطبراني (٣٨٨٦) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عُبيد قال: كان أبو رهم يحدث أن أبا أيوب حدثه فذكره. وهذا إسناد حسن في الشواهد. ورواه ابن حبان (٣٢٤٧)، وابنُ منده في ((الإِيمان)) (٤٧٨)، والحاكم ٢٣/١ من طرق عن محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنا عبيد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه، عن أبي أيوب. وهذا سند قوي على شرط الصحيح . (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٢٦٥٣) عن عبد الله بن منير، عن وهب بن جرير، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ١٣١/٣ ١٣٤، والطيالسي (٢٠٧٥)، والبخاري (٥٩٧٧) و(٦٨٧١)، ومسلم (٨٨)، والترمذي (١٢٠٧) و(٣٠١٨)، والنسائي في ((المجتبى))= ٣٥١ فالكلامُ في هذا الحديث كالكلام في حديث أبي بكرة أيضاً. ٨٩٨ - وحدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا مُعاذ بنُ هانىء، حدثنا حربُ بنُ شدَّاد، حدثنا يحيى بنُ أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنان، عن عُبيدِ بنِ عُمَّيْرِ بنِ قتادة الليثي أنَّه حدَّثْه أبوه - وكان مِن أصحاب النبي عليه السَّلامُ - أنه قال في حَجَّةِ الوداع: ((ألا إنَّ أولياءَ الله المَّصَلُّونَ))، وأن رسولَ الله وَ ◌ّ- قال: ((من يُقيم الصلواتِ الخَمْسَ اللاتي كتبن عليه، وصيام شهر رمضان، ويحتسِبُ صومَه، ويرى أنَّه عليه حَقُّ، ومَنْ أعطى زكاتَه وهو يَحْتَسِبُهُا، واجتنب الكبائرَ التي نهى الله عنها)»، ثم إن رجلاً من أصحابه قال: يا رسولَ الله، ما الكبائرُ؟ قال: «تِسْعٌ، أعظَمُهُنَّ الإِشراك بالله تعالى، وقتلُ المؤمن بغير حق، وفرارٌ يومَ الزَّحْفِ، والسحرُ، وأكلُ مال اليتيم، وأكلُ الربا، وقَذْفُ المحصنةِ، وعقوقُ الوالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، واستحلالُ بيت الحرام قبلتِكم أحياءً وأمواتاً)) ثم قال: ((لا يموتُ رَجُلٌ لم يعمل هذه الكبائر، ويقيمُ الصلاةَ، ويؤتي الزكاة إلا رافق(١) محمداً وَلَّ في دارٍ(٢). محبوبة، مصاريعُها(٣) من ذهب))(٤). = ٨٨/٧/ ٥ ٨٨-٨٩ ٣/٨، وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٨٥/١، وأبو عوانة ٥٤/١، وابن منده في ((الإِيمان)) (٤٧٣) و(٤٧٤) و(٤٧٥)، والبيهقي في ((الاعتقاد)) ص٢٤٩ -٢٥٠ من طرق عن شعبة، به. (١) في الأصل: ((وافق))، والمثبت من (ر) ومصادر الحديث. (٢) في الأصل: ((دكة))، والمثبت من (ر) و((المستدرك))، وفي رواية الطبراني: في بحبوحة جنة أبوابها مصاريع الذهب. (٣) في (ر): مصراعها. (٤) رجاله ثقات غير عبد الحميد بن سنان، لم يرو عنه غيرُ يحيى بن أبي كثير، = ٣٥٢ فكان ما في هذا الحديثِ ليس فيه تقديمُ بعض التسعة الأشياء المذكورة فيه على بعضٍ غيرَ أن فيه أشياءً مما في حديثي ابن مسعود، وابن عمرو، فموضِعُها من الكبائر موضِعُها منها في ذيْنِكَ الحديثين. ٨٩٩ - حدثنا يونسُ، حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف وحدثنا ابنُ خزيمة، وفهد، قالا: حَدَّثنا عبدُ الله بن صالح، ثم قال كلُّ واحد من يونس، وابن خزيمة، وفهد في حديثه: حدثني الليثُ بنُ سعد، حدثني ابنُ الهادِ، عن سعدِ بنِ إبراهيم، عن حُميد بنِ عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سَمِعَ رسولَ الله عليه السَّلامُ = ولم يوثقه غيرُ ابن حبان، وقال البخاري: في حديثه نظر. ورواه مطولاً ومختصراً أبو داود (٢٨٧٥)، والنسائي ٨٩/٧، والحاكم ٥٩/١، والمزي في ترجمة عبد الحميد بن سنان من ((تهذيب الكمال))، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤٨٢/٢ من طرق عن معاذ بن هانئء، بهذا الإِسناد. وقال الحاكم: قد احتجا برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان، وقال الذهبي: قلت: لجهالته ووثقه ابن حبان. ورواه الطبراني في «الكبير)» ١٧/(١٠١)، والحاكم ٢٥٩/٤-٢٦٠، والبيهقي ١٨٦/١٠ من طريقين عن حرب بن شداد، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩١٨٩) عن سليمان بن ثابت الخراز، قال: أخبرنا سلم بن سلام، قال: أخبرنا أيوبُ بنُ عتبة، عن يحيى، عن عُبيد بن عمير، عن أبيه، ولم يذكر عبد الحميد بن سنان، وأشار ابن كثير في ((تفسيره)) ٤٩٣/١ إلى رواية الطبري هذه، ثم قال: ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان، وهذا يدل على أن إسقاطَه من السند ليس من النساخ، وربما يكونُ من أيوب بن عتبة. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤٨/١ كما هنا وقال: عند أبي داود بعضه، وقد رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله موثقون. ٣٥٣ يقول: ((مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرجلِ والِدَيْهِ))، قالوا: يا رسولَ الله، وهل يَشْتِمُ الرجلُ والدَيْهِ؟! قال: ((نعم، يَسُبُّ أبا الرجل، فيسب أباه، ويَسُبُّ أُمَّ الرجلِ، فيُسبُّ أمَّه))(١). موضعُ هذا الحديث هو موضعُ(٢) العقوق من حديثي ابن مسعود وابن عمرو اللَّذَيْن ذكرنا في هذا الباب، فهذا وجهُ ما وجدناه في هذا الباب عن رسولِ الله 18َ في عدد الكبائر. وقد وجدنا عن ابن مسعود، وابن عباس فيها مما نعلمُ أنهما لم يقولاه رأياً، ولا استنباطاً، ولا استخراجاً، لأن مثلَه لا يُقَالُ بذلك، وأنهما لم يقولاه إلا توقيفاً مِنْ رسولِ اللهِ وَلّه: ما حدَّثنا أحمدُ بنُّ داود، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا عبدُ الله بنُ داود، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ عن عبدِ الله قال: الكَبَائِرُ من أوَّل سورةِ النساءِ إلى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبوا كَبَائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]. فقلتُ لمسلم: إن إبراهيمَ حدَّثني! (١) حديث صحيح. عبد الله بن صالح - وإن كان في حفظه شيء - قد توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد . ورواه مسلم (٩٠)، والترمذي (١٩٠٢) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، بهذا الإِسناد. ورواه من طرق عن سعد بن إبراهيم: أحمد ١٦٤/٢ و١٩٥ و٢١٤ و٢١٦، والبخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، والطيالسي (٢٢٦٩)، وأبو داود (٥١٤١)، والبغوي (٣٤٢٧). (٢) في (ر): موضوع. ٣٥٤ قال: أنا حدثتُ(١) إبراهيم، فقلت لإِبراهيم، فقال: حدثني علقمةُ، عن عبد الله(٢). وما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا مسدَّد، حدثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ عن ابن عبّاس: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عِنْهُ﴾، قال: من أوَّل السورةِ إلى هذا الكلام(٣). فهذا أيضاً مما نعلمُ أنه قد وقفا عليه مما قد زاد في عَدَدِ الكبائر التي قد ذكرناها عن رسولِ الله ◌ِّ في هذا الباب مما في سورة النساء إلى: ﴿إِنْ تَجِتِبوا كَبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ﴾، وأن جميعَ ما في هذه السورة مِن الكبائر، وما في الأحاديثِ التي رويناها عن رسولِ اللهِ لَّ في هذا الباب قد لَحِقَ بعضُها ببعض، وقد يحتمِلُ أن يكونَ لا كبائرَ (١) في الأصل: ((حديث))، والمثبت من (ر). (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. مسدد وعبد الله بن داود - وهو الخريبي - من رجال البخاري، ومن فوقهما من رجال الشيخين. ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩١٦٨) من طريق سفيان، و(٩١٧٣) من طريق أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإِسناد. ورواه الطبري (٩١٧١) و(٩١٧٢)، والبزار (٢٢٠١) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود. ورواه الطبري أيضاً (٩١٧٧) و(٩١٧٨) من طريقين عن عاصم بن أبي النجود، عن زربن حبيش، عن ابن مسعود. ، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤/٧، ونسبه للبزار، وجود إسناده. (٣) إسناده ضعيف. خالد بن عبد الله - وهو الواسطي - سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٠٦/٢ ونسبه لابن المنذر. ٣٥٥ سواها، وقد يحتملُ أن يكونَ هناك كبائر سواها لم يُطْلِع الله عبادَه عليها ليكونوا على حَذَرٍ من الوقوع فيها، وليكون ذلك زاجراً لهم عن السيئاتِ كُلِّها خوفاً أن يكونَ ما يقعون فيه منها من تلك الكبائر. فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يمنعوا من شيء لا يَتَبَيِّنُ لهم ما هو حتى يجتنبوه، فلا يقعونَ فيه؟ قِيلَ له: هذا عندنا - والله أعلمُ - كمثل ما قد رويناه عن رسولِ اللهِ وَُّ فيما تقدَّم منَّا في كتابنا هذا مِنْ قوله: ((الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبين ذلك أمورٌ مشتبهات، الواقعُ فيها كالراتع إلى جانب الحِمى يُوشِكُ أن يُواقِعَهُ)) فلم يُبينها الله لهم على لسانِ رسوله، ولو شاء لأبانها لهم، ولكنّه قد يجوز أن يكونَ تَرَكَ ذُلك ليجتنبوا الشبهاتِ كُلُّهَا. ومثلُ ذلك ما قد رُوِيّ عنه في ليلة القدر أنها في رمضان، ثم سألوا في أيُّها منه، فأعلمهم أنها في العشر الأواخر منه، ولم يُخْبِرْهُم أيُّ ليلة هي من لياليه، وقال لهم في حديث أبي ذرِّ عنه في ذلك: (لو شاءَ أن يُطْلِعَكم عليها لَأَطْلَعَكُمْ عليها)) وسنذكر ذلك في بابه فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء الله، وكان تركُ إعلامهم أيُّ ليلة هي من ليالي العشر الأواخر، لِيعملوا فيها كلها(١) عَمَلَ طالبيها رجاءَ موافقتها، فمثل ذلك إن كانت كبائرُ من السيئات سوى ما ذكرنا في هذا الباب في الآثار قد يحتمل أن يكونَ ترك تبيانها، ليكون ذلك سبباً لتركهم السيئات كُلُّها، لأنها منها، وبالله التوفيق. (١) في الأصل: ((كلهم))، والمثبت من (ر). ٣٥٦ ١٣١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ من قوله لابن عمر ولأصحابه لما رَجَعُوا إليه بَعْدَ فِرارهم من الزَّحْفِ، وقولهم له: نحن الفَرَّارون، قال: بل أنتم العَكَّارون ٩٠٠ - حدثنا أبو أمية، حدَّثنا الحسنُ بنُ موسى الأشيب، حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، حدثنا يزيدُ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عُمَرَ، قال: كنتُ فِي سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ اللهِ ﴾، فَجَاضَ النَّاسَ جَيْضَةً(١)، وكنتُ فيمن جَاضَ، فقلنا: كيف نَصْنَعُ وقد فَرَرْنا من الزحف، وبؤنَا بالغضب، فقلنا: لو دخلنا المدينةَ، فبتنا بها، فقلنا: لو عرضنا أنفسَنا على رسولِ اللهِ ﴾، فإن كانت لنا توبةٌ، وإلا ذهبنا، فأتيناه قَبْلَ صلاة الغداة، فخرج، فقال: ((مَن القومُ؟)) قلنا: نحن الفرَّارونَ(٢)، قال: ((بل أنتم العَكَّارون، أنا فئتكم، أو أنا فئة المسلمين)» فأتيناه حتى قَبِّلْنا يَدَهُ(٣). (١) قال صاحب ((النهاية)) ٣٢٤/١: جاض في القتال: إذا فرّ، وجاض عن الحق: عدل. وأصل الجيض: الميل عن الشيء، ويروى بالحاء والصاد المهملتين. (٢) في (ر): نحن الفرارون من الزحف. (٣) إسناده ضعيف. يزيد بن أبي زياد: هو الكوفي، أحد علماء الكوفة، المشاهير على سوء حفظه، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه أحمد ٧٠/٢ عن الحسن بن موسى، بهذا الإسناد. ورواه الشافعي ١١٦/٢، والحميدي (٦٨٧)، وسعيد بن منصور (٢٥٣٩)،= ٣٥٧ ٩٠١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنان، حدثنا الحسنُ بنُ عُمربن شقيق، حدثنا جريرُبنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، قال: قال ابنُ عمر ... ثم ذكر هذا الحديث، إلا أنَّه قال فيه: ((فَخَاصَ الناسُ حَيْصَةً)» مكانَ ما في حديث أبي أمية ((فجاضَ النَّاسُ جيضة)) ولم يذكر فيه: ((فأتيناه، فقبلنا يده))(١). ٩٠٢ - حدثنا روحُ بنُ الفرج، حدثنا يوسفُ بنُ عدي، حدثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن قال: حدثني عبدُ الله بنُ عمر أنه كان في سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ الله وَ*، فحاصَ الناسُ حيصة ... ثم ذكر نحوَ(٢) حديث أبي أمية سواءً(٣) . = وأحمد ٥٨/٢ و٨٦ و١٠٠ و١١٠-١١١، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٧٢)، والترمذي (١٧١٦)، وابن ماجه (٣٧٠٤)، وابن الجارود (١٠٥٠)، والبيهقي ٧٦/٩ و٧٦-٧٧، والبغوي (٢٧٠٨) من طرق عن يزيد بن أبي زياد، به. وانظر ما بعده. وقوله: ((بل أنتم العكارون)): هو بالعين المهملة وتشديد الكاف، قال ابن الأثير: أي: الكرارون إلى الحرب العطافون نحوها، يقال للرجل يولي عن الحرب، ثم يكر راجعاً إليها: عكر واعتكر، وعكرت عليه: إذا حملت. وقوله: ((أنا فتكم)) قال ابن الأثير: الفئة: الفرقة والجماعة من الناس في الأصل، والطائفة التي تقيم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجؤوا إليهم، وهو من: فأيتُ رأسه وفأوته: إذا شققته، وجمع الفئة: فئات وفئون. وقال الخطابي: قوله: ((أنا فئة المسلمين)) يمهد بذلك عذرهم، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿أو متحيزاً إلى فئة﴾. (١) إسناده ضعيف كسابقه. (٣) إسناده ضعيف كسابقيه. (٢) في (ر): بقية . ٣٥٨ فقال قائل: العكَّارون عند العرب: هم الكرَّارون، فكيف جازَ في هذا الحديث أن يقال هذا القول للفرّارين؟ فكان جوابُنا له في ذلك: أن المرادَ بذلك أنَّهم لمّا کروا إلى رسول الله وَرُ وهو فئتهم لِيَرْجِعُوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم فيه، كان ذلك كرّاً منهم إليه، وعوداً منهم إلى ما كانوا عليه من بذلٍ (١) أنفسهم لِقتال عدوّهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكّارين، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفي هذا الحديث مما يجب أن يُوقَفَ عليه مما يلحق بالكبائر، وهو أن بعضَ الناس قد ذهب إلى أن قولَه تعالى: ﴿ومن يُوَلَّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] إنما ذلك في أهل بدر خاصّة دونَ مَن سواهم، لأنه لم يكن للمسلمين فئةٌ يومئذٍ إلا وهي حاضرة ببدرٍ. كما حدثنا عُبَيْدُ بنُ رجال، حدثنا بكرُبنُ خلفٍ، حدثنا بشرُبن المفضل، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ قال: نزلت يَوْمَ بدر: ﴿وَمَنْ يُؤَلَّهِمْ يومئذٍ دُبْرَهُ﴾(٢). = ورواه ابن أبي شيبة ٥٣٥/١٢ -٥٣٦ عن عبد الرحيم بن سليمان، بهذا الإسناد. (١) في الأصل و(ر): بذله. (٢) إسناده صحيح. بكر بن خلف: روى له البخاري تعليقاً، وأبو داود وابن ماجه، ووثقه أبو حاتم، وابن حبان، ومسلمة بن القاسم، وابن خلفون، وقال ابن معين: صدوق، ومن فوقه من رجال الصحيح. أبو نضرة: هو المنذربن مالك بن قطعة . ورواه أبو داود (٢٦٤٨)، والنسائي في ((الكبرى)) كما فى ((التحفة)) ٤٥٥/٣، والطبري في ((جامع البيان)) (١٥٧٩٩) و(١٥٨٠١) من طرق عن بشربن المفضل، بهذا الإسناد. = ٣٥٩ وكما حَدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، حدثنا أبو داود - يعني الحرَّاني - حدثنا أبو زيدٍ الهرويُّ، حدثنا شُعبةُ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَومِئِذٍ دُبْرَهُ﴾ قال: نزلت في أهلِ بدر(١). وليس فيما روينا عن أبي سعيدٍ أن هذه الآية نزلت يومَ بدرٍ أو في أهل بدر على أن يكونَ الحكمُ الذي فيها في غير أهل بدر، كهو في أهل بدر، وعلى أنه بعدَ بدرٍ كهو يوم كان في بدر، والدليلُ على ذلك أن دخولَ ابنِ عُمَرَ في المقاتلة بإدخال رسولِ اللهِ وَ إِيَّاه فيهم إنما كان عامَ الخندق، وبعد ردِّه إياه قبل ذلك وتركه إدخاله فيهم، وهذا بعد بدر. فدلَّ ذلك أن حُكْمَ الفرار من الزحف بغير تحرُّفٍ إلى قتال أو تَحَيُّزٍ إلى فئةٍ باقٍ حكمه إلى يومِ القيامة، وداخلٌ في الكبائر، والله نسألُهُ التوفيقَ. ورواه الطبري (١٥٧٩٨) من طريق خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، به . (١) إسناده صحيح. أبو داود الحراني - واسمه سليمان بن سيف - روى له النسائي وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الصحيح. أبو زيد الهروي: هو سعيد بن الربيع. وهو عند النسائي في التفسير والسير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٥٦/٣. ورواه الطبري (١٥٨٠٠)، والحاكم ٣٢٧/٢ من طريقين عن شعبة، بهذا الإِسناد. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ٣٦٠