Indexed OCR Text

Pages 41-60

عن أبي حنيفة، وعن بكرٍ بن محمد العَمِّي، عن محمد بنِ سَمَاعَة، عن
محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة .
ولا يَغُضُّ مِن شأنه أنه لا تُعرف له رِحْلَةٌ إلى غيرِ الشام، فقد كانت
مِصْرُ إذ ذاك تَزْخَرُ بالشيوخ مِن أهل العلم والرِّواية، وكان العلماء
المشهودُ لهم بالمعرفةِ والحفظ يختلفون إليها مِن كافةِ الأقطارِ الإِسلامية،
فَتُعْقَدُ لهم مجالِسُ التحديثِ والإِملاءِ، وهم ينتسِبُون إلى مذاهِبَ
مختلفة، ولهم تَخَصُّصَاتٌ متعددة تُمَثِّلُ ثقافَةَ عصرهم، وكان هو حريصاً
على الإفادةِ منهم، والأخذِ عنهم، والتفقهِ بهم، وقد أتاحت له حافظتُه
الواعية، وشَغَفُه البالغُ، ودأبُه في الطلب أن يستنزِفَ علومَهم، ويستوعِبَ
مروياتهم، وقد زادَ عددهم على سبعين ومئتي شيخٍ ، منهم ما يُقَارِبُ مئةٌ
وخمسين في كتابه هذا، وأَثّرُ هؤلاء الشيوخ في تكوين ثقافته المتنوعة
وَاضِحٌ كُلِّ الوضوحِ في تصانيفه التي انتهى إلينا بَعْضُها، وفيما يلي
التعريفُ بطائفة منهم.
شيوخه :
١ - الإِمامُ العلاّمة، فقيهُ المِلَّةِ، عَلَمُ الزُّهادِ، إسماعيلُ بنُ
يحيى بنِ إسماعيل بنِ عمرو بن مسلم المُزَنِيُّ المصريّ، صاحِبُ الإِمامِ
الشافعي، وناصِرُ مذهبه، المتوفى سنة ٢٦٤ هـ.
له من المصنفات ((المختصر)) و((الجامع الكبير))، و((الجامع
الصغير))، و((المنثور))، و((المسائل المعتبرة))، و((الترغيب في العلم))،
وغيرها.
وكان مجتهداً، يُصَرِّحُ أحياناً بمخالفته للشافعي في مواضِعَ من
كتابه ((نهاية الاختصار))، وله اختياراتٌ خارجةً على المذهب الشافعي،
وبَيْنَ علمائِهِ خلافٌ في تفرداته أهي مِنَ المذهبِ، أم هي خارجةٌ عليه؟
وهو يُوضح اتجاهه في مقدمة ((مختصره)) بقوله: اختصرتُ هذا الكتاب
٤١

من علم محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، ومِنْ معنى قولِه لِأُقَرِّبَهُ
على مَنْ أراده - مع إعلاميه نهيَه عن تقليدِهِ، وتقليدٍ غَيْرِه - لِينظُرَ فيه
لدينه، ويحتاطَ فيه لنفسه. وهُوَ أَوُّلُ مَنْ كتب عنه الطحاوي الحديثَ،
وبه تفقه على مذهب الشافعي، وسَمِعَ منه ((مختصره)»، وجمع سنن
الشافعي من مسموعاته عنه. ((سير أعلام النبلاء)) ٤٩٢/١٢.
٢ - الإِمامُ العلامةُ، شيخُ الحنفية، أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ
أبي عِمْرَانَ موسى بنِ عيسى، البغداديُّ الفقيهُ، المُحَدِّثُ الحَافِظُ،
المتوفى سَنَةَ ٢٨٠هـ.
تفقه على أصحاب أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني،
وقد قَدِمَ إلى مصرَ مع أبي أيوب صاحِبِ الخراج حوالي سنة ٢٦٠هـ،
فلازمه أبو جعفر، وتفقُّه به مُدَّةَ عشرين سنة، مكّنته من الإحاطةِ بمذهب
الحنفية، ومَعْرِفَةِ دقائقه، واختلافٍ رواياته.
8
وكان ابنُ أبي عمران مِن بحور العلم، يُوصَفُ بحفظٍ وذكاءٍ
مُفْرٍِ، وروى شيئاً كثيراً مِن الحديث مِنْ حفظه، وكان له تأثير كبير في
تحوُّل الطحاوي إلى مذهب أبي حنيفة كما صرح به هو في قصة رواها
عنه أبو سليمان بن زبر.
وكان أبو جعفر يَفْخَرُ بهِ، ويُكْثِرُ الروايةَ عنه إلى درجةٍ أثارت انتباهَ
1
القاضي أبي عبيد، وحرَّكت غيرته، إذ كانت جل روايات الفقه عن
طريقه .
قال ابن زولاق: وكان أبو جعفر الطحاويُّ إذا ذاكر أبا عُبَيْدٍ يقولُ كثيراً
في كلامه: قال ابنُ أبي عمران - يعني أستاذَه -، فلما طال هذا على
٤٢

أبي عُبيدٍ قال: يا هذا، كم قال ابنُ أبي عمران !.. قد رأيتُ هذا
الرجلَ بالعراقِ ولم يكن بذاك، إنَّ الْبُغَاثَ بِأَرْضِكُم يَسْتَنْسِرُ. قال:
فطارت هذه الكلمةُ، وصارت بمصرَ مثلاً. ((سير أعلام النبلاء))
٣٣٤/١٣.
٣ - الفقيهُ العلامَةُ قاضي القُضاةِ، أبو خازم عَبْدُ الحميد بنُ
عبدِ العزيز السَّكوني البصريُّ، ثم البغداديُّ الحنفي، ولي القضاءَ بالشام
والگُوفِ وکرخ بغداد، وحُمِدَتْ سِيرَتُه فیه.
تفقه عليه الطحاويُّ عند قدومه إلى الشام سنة ٢٦٨ هـ، وقَدْ بَرَعَ
القاضي في مذهب أهل العراق حتى فاق مشايخَه، وكان ثقةً ديناً ورعاً،
عالماً أحذقَ النَّاسِ بعمل المحاضر والسجلات، بصيراً بالجبر
والمقابلة، فارضاً ذكيًّا، يُضرب به المثل في العقل، توفي سنة ٢٩٢هـ.
((سير أعلام النبلاء)) ٥٣٩/١٣.
٤ - القاضي الكبير، العلامةُ المُحدِّثُ، أبو بكرة بَكَّارُ بنُ قتيبة
البصريُّ، قاضي القضاةِ بمصر، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
دخل مِصر قاضياً مِنْ قِبَلِ المتوكل يَوْمَ الجُمُعة لثمان خلونَ مِن
جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سِتُّ وأربعين ومئتين، كان عالماً فقيهاً مُحَدِّثاً، عظيمَ
الحُرْمَةِ، وافِرَ الجلالة، لا يخشى في الحقِّ لَوْمَةَ لاثمٍ، مَضْرِبَ المثلِ
في الزهد والصَّلاحِ والاستقامة، اتصل به الإِمامُ الطحاويُّ وهو شاب،
وسَمِعَ منه، وتأثَّر بمنهجه، وأَكْثَرَ الرّواية عنه، وَبِهِ انتفعَ وتَخَرَّجَ، إلا أن
انتفاعَه به كان في الحديثِ أكثر منه في الفقه، فإنه لم يكن يَتَخَلَّفُ عن
مجلسه في إملاءِ الحديث.
٤٣

قال الطحاويُّ: كان أحمدُ بنُ طولون يجيء إلى مجلسٍ بکارٍ
وهو يُمْلِي، ومَجْلِسُه مملوءٌ بالنَّاس، فيتقدم الحاجِبُ، ويقولُ: لا يَتَغَيّرْ
أحدٌ مِن مكانه، فما يَشْعُرُ بكارٌ إلَّ وأحمدُ إلى جانبه، فيقولُ له: أيها
الأميرُ ألا تركتني كُنْتُ أقضي حَقَّكَ وأقوم. قال: ثُمَّ فَسَدَتِ الحالُ بينهما
حتى حَبَسَه، وفعلَ به ما فَعَلَ. وقد صنف كتاباً يَنْقُضُ فيه على الشافعي
رَدَّه على أبي حنيفة. ((سير أعلام النبلاء)) ٥٩٩/١٢.
٥ - القاضي العَلَّمَةُ المُحَدِّثُ الثبتُ، قاضي القضاة، أبو عُبَيْد
عليُّ بن الحسين بن حرب بنِ عيسى البغدادي، من أصحابِ الشافعي،
المتوفى سنة ٣١٩هـ.
كان عَارِفاً بعلم القرآن والحديثِ، عالماً بالاختلافِ والمعاني
والقياسِ ، فصيحاً عاقلاً عفيفاً، قوَّالاً بالحق .
قال أبو سعيد بنُ يونس: هو قاضي مِصْرَ، أقامَ بها طويلاً، كان
شيئاً عجباً، ما رأينا مثلَه لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَه، وكان يتفقّه على مذهبٍ
أبي ثور، وعُزِلَ عن القضاءِ سَنَةَ إحدى عشرة، لأنه كَتَّبَ يستعفي مِن
القضاء، ووجّه رسولاً إلى بغداد يَسْأَلُ في عزله، وأغلقَ بابه، وامتنعِ مِنَ
الحُكْمِ ، فَأُعْفِيَ، فَحَدَّثَ حين جاء عزله، وأملى مَجالِسَ، وَرَجَعَ إلى
بغداد، وكان ثقةً ثبتاً.
قلتُ: حدث عنه الطحاويُّ في ((المشكل)) وكان يُجَالِسُه ويُحِبُّه،
وهو الذي عدَّله في سنة ٣٠٦، فتولى منصبَ الشهادة أمامَ القاضي،
وهو منصب لا يحظى به إلا من اشتهرت عدالتُه، وتواتر علمه وفضله.
وهما صاحبا الكلمة التي صارت مثلاً وحفظها الناس: لا يُقَلِّدُ
إلا عَصَبِيٍّ أو غَبِيٍّ .
٤٤

وكان لأبي عبيد عشيَّ كُلِّ يومٍ مجلسٌ يَخُصُّ به واحداً من
الفضلاء، يُذَاكِرِهُ في مسائِل العلم، وكان أبو جعفر واحداً مِنْ هؤلاء،
فقال له يوماً في بعضِ كلامه ما بلغه عَنْ أمناء القاضي، وحضه على
محاسبتهم، فقال القاضي أبو عُبيد: كان إسماعيلُ بنُ إسحاق القاضي
لا يُحَاسِبُهُم. فقال أبو جعفر: قد كان القاضي بَكْارٌ يُحاسِبُهم. فقال
القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل ... وقال أبو جعفر: قد حاسَبَ رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم أُمَنَاءَهُ، وذكر له قصةَ ابن اللُّتْبية (١). فلما بلغ
ذلك الأمناء، لم يَزَالُوا حتى أوقعُوا بَيْنَ أبي عُبَيدٍ وأبي جعفر، وتَغَيَِّ كُلّ
منهما للآخر، وكان ذلك قُرْبَ صرفِ أبي عبيد عن القضاء، ولم تكن
هذه الخصومة لِتمنع أبا جعفر من الاعتراف بفضل أبي عبيدٍ وعلمه،
فعندما جاءه ابنُه علي بن أحمد يُهنىء أباه بَعْدَ صرف أبي عُبَيْدٍ عن
القضاء، قال له: وَيْحَكَ، أهذه تهنئة، هذه والله تَعْزِيَةٌ، مَنْ أُذَاكِرُ بَعْدَهُ،
أو مَنْ أُجَالِسُ؟ ((سير أعلام النبلاء)) ١٤ /٥٣٦)
٦ - الإِمامُ الحافِظُ الثبت، أبو عبدالرحمن أحمدُ بنُ شعيب بنِ
علي بن سِنان بن بحر الخُراسانيُّ النسائيُّ، المتوفى سنة ٣٠٣هـ.
رحل في طَلَب العلم إلى خُراسانَ والحجاز ومصر والعراقِ
والجزيرةِ والشامِ ، ثم استوطن مِصْرَ، ورَحَلَ الحُفَّاظُ إليه.
(١) حديثُ ابن اللتبية أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧١٩٧) في الأحكام: باب محاسبة
الإِمام عماله، ومسلم (١٨٣٢) في الإمارة: باب تحريم هدايا العمال، من حديث
أبي حميّدٍ الساعدي قال: استعملَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على
صدقات بني سُلَيْمٍ يُدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسَبَهُ، قال: هذا الذي لكم، وهذه
هديةٌ أُهديت لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فهلاّ جلست في بيتٍ أبيك
وبيتِ أمك حتى تأتِيَكَ هديْتُكَ إن كنت صادِقاً ... )).
٤٥

قال الذهبي في ((السير)): هو أحذقُ بالحديث وعلله ورجالِه من
مسلم ومن أبي داود ومن أبي عيسى، وهو جَارٍ في مِضْمَارِ البخاري
وأبي زُرْعَةً .
وقد أكثر الإِمامُ الطحاوي مِن الرواية عنه في كتاب ((مشكل الآثار))
لأن النسائي كان قُدُومُه إلى مصر في آخر القرن الثالث تقريباً، وليست له
رواية عنه في كتبه التي ألفها قبل ذلك. ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٥/٤.
٧ - الإِمامُ الحافِظُ، شيخُ الإِسلامِ، أبو موسى يونسُ بنُ
عبدالأعلى الصَّدَفي المِصري، المتوفى سنة ٢٦٤هـ.
تفقُّه بالشافعي، وقرأ القرآنَ على ورشٍ صَاحِبِ نافعٍ، وسَمِعَ
الحديث من الشافعي، وسفيانَ بنِ عيينة وعبدِ الله بن وهب وجمع، وكان
كبيرَ المُعَدّلين والعلماء في زمانه بمصر، وثقه النسائي، وقال ابنُ
أبي حاتم: سَمِعْتُ أبي يُوثّقه، ويَرْفَعُ من شأنه.
وقال الطحاوي: كان ذا عقلٍ، لقد حدثني علي بنُ عمروبن
خالد، سمعتُ أبي يقول: قال الشافعي: يا أبا الحسن انظُرْ إلى هذا
البابِ الأولِ مِن أبواب المسجد الجامع. قال: فنظرتُ إليه، فقال:
ما يَدْخُلُ مِنْ هذا البابِ أحدٌ أعقل مِن يونس بن عبد الأعلى. ((سير أعلام
النبلاء)) ٣٤٨/١٢.
٨ - الإِمَامُ المُحَدِّثُ الفقيهُ الكبيرُ، أبو محمدٍ الربيعُ بنُ سُلَيْمَانَ
المُرَادِيُّ مولاهم، المصريُّ، صاحبُ الإِمامِ الشافعي وناقِلُ علمه،
وشيخٌ المؤذنين بجامع الفُسطاط، المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
روى عنه خلقٌ كثيرٌ، وطال عُمُرُهُ، واشتهر اسمُه، وازدحم عليه
٤٦

أصحابُ الحديث، ونِعْمَ الشيخُ كان، أفنى عُمُرَهُ في العلم ونشرِهِ،
ولكن ما هُو بمعدودٍ في الحُفّاظ.
قال النسائي وغيرُه: لا بأسَ به. وقال أبو سعيد بن يونس وغيره:
ثقة. ((سير أعلام النبلاء)) ٥٨٧/١٢.
٩ - الشيخُ الإِمامُ الصَّادِقُ، محدثُ الشَّامِ، أبو زرعة
عَبْدُ الرحمن بنُ عمرو بنِ عبدالله بن صفوانَ بنِ عمرو النّصْريُّ الدمشقيُّ،
المتوفى سنة ٢٨١هـ.
روى عن خلقٍ كثير بالشامِ والعراقِ والحجازِ، وجَمَعَ وَصَنَّفَ،
وذاكرَ الحفاظَ وتميَّزَ، وتَقَدَّمَ على أقرانه، وكان ثقةً صدوقاً. له مصنف
في تاريخ دمشق، طُبعَ في مجمع اللغة العربية بِدِمَشْق في مجلدين
بتحقيق شكرالله بن نعمة الله القُوجاني. ((السير)) ٣١١/١٣.
١٠ - الإِمامُ الحافِظُ المُتْقِنُ، أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ أبي داود
سليمانَ بنِ داود الأسدي، الكوفيُّ الأصلِ، الصُّورِيُّ المولدِ، البَرلْسيُّ
الدار - وبرلْس: بليدة مِن سواحل مصر - المتوفى سنة ٢٧٠هـ.
وقد روى عنه الطحاويُّ فأكثرَ، ووصفه ابنُ يونس بأنَّه أحدُ الحفاظ
المُجَوِّدين الثقاتِ الأثبات. ((السير)) ٦١٢/١٢.
١١ - الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عبدالله بن البَرْقِي، المتوفّى سنة
٢٧٠ هـ.
سَمِعَ من عمروبنِ أبي سلمة وطبقتِهِ، وله مُصَنْفٌ في معرفةٍ
الصحابة، وكان من الحفاظ المتقنين. ((تذكرة الحفاظ)) ٢/ ٥٧٠.
٤٧

١٢ - الحافِظُ الحُجَّةُ، أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ مرزوق البصري،
نَزِيلُ مِصْرَ، المتوفى سنةَ ٢٧٠هـ.
قال النسائيُّ: صالحٌ، وقال ابنُ يونس: كان ثِقَةً ثبتاً. ((سير أعلام
النبلاء)) ٣٥٤/١٢.
١٣ - الإِمامُ الحُجَّةُ، أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ منقذ بن عيسى
الخولانيُّ مولاهم المِصري العُصْفُرِيُّ، المتوفى سنة ٢٦٩ هـ.
قال أبو سعيد بنُ يونس: هوثِقَة رِضى. ((السير)) ٥٠٣/١٢.
١٤ - الإِمَامُ المُحَدِّثُ الثقة، أبو عبدالله بَحْرُ بنُ نصر بنِ سابق
الخولاني مولاهم المِصْرِيُّ، المتوفّى سنة ٢٦٧ هـ.
وثَّقَهُ ابنُ أبي حاتم، ويونسُ بنُ عبدالأعلى، وابنُ خزيمة.
((السير)) ٥٠٢/١٢.
١٥ - الحافِظُ الثبتُ، أبو علي الحسينُ بنُ معارك البغداديّ،
صِهْرُ الحافِظِ أحمدَ بن صالح، نَزَلَ مصر، وتوفي سنة ٢٦١ هـ.
قال ابنُ أبي حاتم: مَحَلُّه الصِّدْقُ. وقال ابنُ يونس: ثقةٌ ثبت.
((السير)) ٣٧٦/١٢.
١٦ - الربيعُ بنُ سليمانَ الأزديُّ مولاهم، المِصريُّ الچِيزِيُّ
الأعرجُ، المتوفى سنة ٢٥٦هـ.
قال ابنُ يونس: كان ثقةً. وقال الخطيب: كان ثقةٌ. وقال النسائي
في أسماء شيوخه: لا بأسَ به. وقال مَسْلَمَةُ بنُ القاسم: كان رجلاً
صالحاً، كثيرَ الحديث، مأموناً ثقةً. ((السير)) ٥٩١/١٢.
٤٨

١٧ - أبو جعفر عَبْدُ الغني بنُ رِفاعة بنِ عبدالملك اللَّخْمِي
المصريُّ، المتوفى سنة ٢٥٥ هـ.
وروى عنه أبو داود، وإبراهيم بن مَتويه الأصبهاني، وأبو بكر بنُ
أبي داود.
قال ابنُّ يونس: كان فرضياً ثِقَةً. ((تهذيب التهذيب)) ٣٦٦/٦.
١٨ - الإِمامُ الحَافِظُ الصَّدُوقُ أبو الحسن عليُّ بن عبدِ العزيز
البغويُّ، شيخُ الحرم المكي، ومُصَنَّف المسند)»، المتوفى سَنَّةَ ٢٨٠هـ.
قال الدَّارقطني: ثقةً مأمونٌ. وقال ابنُ أبي حاتم: صدوقٌ.
((السير)) ٣٤٨/١٣.
وقد روى عنه كتاب ((غريب الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن
سلام.
١٩ - الإِمامُ الفقيهُ المُحَدِّثُ، أبو موسى عيسى بنُ إبراهيم بنِ
مثرود الغافقي مولاهم، المِصريُّ مِن ثقات المسندين، المتوفى سنة
٢٦١ هـ.
قال النسائي: لا بأسَ به. وقال مَسْلَمَةُ بنُ قاسم: مِصري ثقة.
((السير)) ٣٦٢/١٢.
٢٠ - الإِمَامُ المُحَدِّثُ الثقةُ، شيخ الحرم، أبو جعفر محمدُ بنُ
إسماعيل بنِ سالمٍ القُرَشِيُّ العَبَّاسِيُّ مولى المهدي البغدادي نزیل مكة،
المتوفّى سنة ٢٧٦هـ.
قال ابنُ أبي حاتِمٍ: صدوقٌ. ((السير)) ١٦١/١٣.
٤٩

٢١ - الإِمَامُ شَيْخُ الإِسلامِ، أبو عبدالله محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ
عبدِ الحكم بنِ أعين بنٍ ليث المِصْرِيَّ الفقيهُ، عالِمُ الديارِ المصرية في
عصره مع المزنيّ، المتوفى سنة ٢٦٨هـ.
وثقه النسائيُّ، وقال مرةً: لا بأسَ به. وقال ابنُ خزيمة: ما رأيتُ
في فقهاء الإِسلامِ أعرفَ بأقاويلِ الصحابة والتابعين مِن محمد بن
عبدالله بن عبدالحكم، وكان أعلمَ مَنْ رأيتُ على أديمِ الأرضِ بمذهب
مالك، وأحفظهم له، سمعتُه يقول: كنتُ أتعجّبُ ممن يقولُ في
المسائل: لا أدري.
وقال ابنُ أبي حاتم: ابنُ عبدِالحكم ثقةٌ صدوق، أحدُ فقهاء مِصْرَ
من أصحاب مالك. ((السير)) ٤٩٧/١٢.
٢٢ - الإِمامُ الحافِظُ المُجَوِّدُ أبو بكرِ محمدُ بنُ علي بن داود بن
عبدالله البغدادي نزيل مصر، ويُعْرَفُ بابنِ أخت غزال.
قال أبو سعيد بن يونس: كان يَحْفَظُ الحديثَ وَيَفْهَمُ، حدَّث
بمصر، وخرج إلى قريةٍ من أسفل بلادٍ مصر، فَتُوفِّي بِها في ربيع الأولِ
سنة أربعٍ وستين ومئتين، قال: وكان ثِقَةً حَسَنَ الحَدِيثِ. ((السير))
٣٣٨/١٣.
٢٣ - الإِمامُ العلامةُ الحافِظُ، شيخ بغداد، أبو بكرٍ عَبْدُ الله بنُ
سليمان بنِ الأشعث السِّجستاني، المتوفّى سنة ٣١٦هـ.
صَنْفَ (السنة)) و((المصاحف)) و((شريعة المقارىء)) و((الناسخ
والمنسوخ)) و(البعث)) وأشياء، وكان فقيهاً عالماً حافظاً. ((السير))
٢٢١/١٣.
١٠

٢٤ - الإِمامُ المُحَدِّثُ العَدْلُ، أبو الحسن عليُّ بنُ أحمد بنِ
سليمان بن ربيعة بن الصيقل علَّن المصري، المتوفّى سنة ٣١٧ هـ.
وكان ثقةً كثيرَ الحديثِ، وكان أَحَدَ كُبراء العدول. ((السير))
٤٩٦/١٤.
٢٥ - الإِمَامُ الحافِظُ البارِعُ، أبو بشرٍ محمدُ بنُ أحمد بن
حماد بن سعيد بنِ مسلم الأنصاري الدُّولابي، المتوفّى سنةَ ٣١٠هـ.
وهو صَاحِبُ كتاب ((الكنى والأسماء)). قال الدارقطنيُّ: يتكلّمُونَ
فيه، وما يتبيَّنُ مِن أمره إلا خَيْرٌ(١). ((السير)) ٣٠٩/١٤.
٢٦ - الإِمامُ الكَبِيرُ الحافِظُ الثُّقَةُ، أبو زكريا يحيى بنُ زكريا بن
يحيى النيسابوري الأعرج، المتوفى سنة ٣٠٧هـ.
قال ابنُ يونس: كان حافظاً فاضلاً نبيلاً. ((السير)) ٢٤٣/١٤.
٢٧ - العلامةُ الحافِظُ الأخباريُّ، أبو زكريا يحيى بن عثمانَ بنِ
صالح بنٍ صفوانَ السَّهْمي المصْري، المتوفى سنة ٢٨٢ هـ.
قال ابنُ يونس: كان عالماً بأخبارِ مصرَ، وبموت العلماء، حافظاً
للحديث، وحَدَّثَ بما لم يكن يُوجَدُ عندَ غيره. ((السير)» ٣٥٤/١٣.
٢٨ - الإِمامُ الثُّقَةُ المسندُ، أبو يزيد يوسفُ بنُ يزيد بن كامل بن
حكيم الأموي مولاهم، المصريُّ القراطيسيُّ، المتوفّى سنةَ ٢٨٧ هـ.
كان عالماً مُكثراً مجوِّداً معمِّراً رأى الشافعي.
(١) وقد تحرف في المطبوع من (ميزان الاعتدال)) ٤٥٩/٣ إلى: ((تكلموا فيه لما تبين من
أمره الأخير)). وهو تحريف قبيح، راج على المعلمي اليماني في ((التنكيل)) ٥٠٨/١،
فأثبته كما هو، وتابعه عليه محققاه.
٥١

وقال الحافظُ أحمدُ بن خالد الجبَّاب: أبو يزيد مِن أوثق الناسِ ،
لم أر مثلَه، ولا لَقِيتُ أحداً إلا وقد مُسِّ، أو تُكُلُّمَ فيه إلا هو، ويحيى بن
أيوب العلاف، ورفع مِن شأنه. ((السير)) ٤٥٥/١٣.
٢٩ - الإِمامُ الحَافِظُ المجوِّدُ الرَّحَّالُ، أبو أمية محمدُ بنُ
إبراهيم بنِ مسلم البغدادي، ثم الطَّرَسُوسي، نَزِيلُ طَرسُوسَ ومحدِّثُها،
وصاحِبُ ((المسند)) والتصانيف، المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.
قال ابنُ يونس: كان فَهْماً حَسَنَ الحديث، وقال أبوبكر الخلاّل
الفقيه: أبو أمية رفيعُ القدرِ جداً، كان إماماً في الحديث. ((السير))
٩١/١٣.
٣٠ - الإِمامُ العَلَّمَةُ المتفنُّنُ، القاضي الكبير، أبو جعفر
أحمدُ بن إسحاق بن بُهلول بن حسان التنوخي الأنباريُّ، الفقيه الحنفي،
المتوفى سنة ٣١٨هـ.
كان مِن رجال الكَمَالِ ، إماماً ثقة ثبتاً، جيّد الضُّبْطِ، متفيِّناً في
علوم شتى، منها: الفقه لأبي حنيفة، وربما خالَفَهُ، وكان تامِّ اللغةِ،
حَسَنَ القيامِ بنحو الكوفّين، صَنَّف فيه، وكان واسِعَ الحفظِ للأخبار
والسِّيَرِ والتفسيرِ والشِّعْرِ، وكان خطيباً مُفَوَّهاً، شاعِراً لَسِناً، ذا حَظ مِن
الترسل والبلاغة، وَرِعاً متخشناً في الحكم. ((السير)» ٤٩٧/١٤.
٣١ - الإِمامُ الحافِظُ المُجَوِّدُ، أبو جعفر أحمدُ بنُ سنان بنِ
أسد بن حِبَّن الواسطيُّ القطّانُ، المتوفّى سنة ٢٥٨ هـ تقريباً.
سمع أبا معاوية الضريرَ، ووكيعَ بنَ الجراح، وطبقتَهما، وصَنَّف
«المسند».
٥٢

قال ابن أبي حاتم فيه: هو إمامُ أهلِ زمانه. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ
صَدُوقٌ. ((السير)) ٢٤٤/١٢ .
٣٢ - الإِمامُ الحَافِظُ الثبتُ، شيخُ الوقتِ، أبو بكر جعفرُ بنُ
محمد بن الحسن بن المستفاض الفريابي نقاضي، المتوفى سنة
٣٠١هـ، صاحبُ التصانيف النافعة.
وقال الخطيب البغدادي: كان ثِقَّةً حُجَّةٌ، مِن أوعية العلم، ومِن
أهل المعرفة والفهم، طوَّف شرقاً وغرباً، ولَقِيَ الأعلامَ. وقال
أبو أحمد بن عدي: كنا نَشْهَدُ مجلسَ جعفر الفِريابي، وفيه عشرةُ آلاف
أو أكثر. ثم إنَّه في سنة ٣٠٠ أَنِسَ مِن نفسه تَغَيُّراً، فتورَّع، وَتَرَكَ
الرِّواية. (السير)) ٩٦/١٤ج
٣٣ - روحُ بنُ الفرج أبو الزِّنباع بن الفرج بنِ عبدالرحمن القطان،
مولى الزبير بن العوام، المتوفى سنة ٢٨٢هـ.
عالمٌ فقيهٌ بمذهبٍ مالك، كان أوثقَ الناسِ في زمانه، ورَفَعَه اللَّهُ
بالعلم، وله رواياتٌ في القراءات عن يحيى بن سليمان الجعفي، وقد
أَخَذَ الإِمامُ أبو جعفر قراءة عاصم حرفاً حرفاً عنه، عن يحيى بنِ سليمان
الجعفي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ بنِ
أبي النجود. كما صَرَّح بذلك في كتابه هذا ٢٢٧/١ و٢٦٣. مترجم
في ((الديباج المذهب)) ٤٦٥/١.
٣٤ - محمودُ بنُ حسان النحويُّ أبو عبدالله، المتوفّى في رجب
سنة ٢٧٢ هـ.
قال ابن يونس في ((تاريخ مصر)): كان نحوياً مجوِّداً، روى عن
عبدالملك بنِ هشام، عن أبي زيدٍ، عن أبي عمرو بن العلاء. ((مغاني
الأخيار)) ١٠٩/٢.
٥٣

٣٥ - الوليدُ بنُ محمد التميمي النحوي، المشهور بولاد،
المتوفى سنة ٢٦٣هـ، كان نحويّاً مجوّداً ثقة، أصلُه مِن البصرة، ونّشَأَ
بِمِصْرَ، ودَخَلَ العراقَ، ولم يكن بمصر كبيرُ شيء مِن كتب اللغة والنحو
قبلَه. روى عنه أبو جعفر ((غريب الحديث)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى
المتوفى سنة ٢١٠هـ. ((بغية الوعاة)). ٣١٨/٢.
المناصب التي وليها :
١ - اختارَه القاضي محمد بن عبدة لِيكون كاتبه(١)، لِمَا عُرِفَ
عنه من الصفات التي تُؤْمِّلُه لهذا المنصب، وقد تَوَطَّدَت صِلَتُه بالقاضي
حتى استخلفه، وجعله نائباً عنه، وأغدق عليه وأغناه، وكان الطحاويُّ
يجلس بَيْنَ يديه، ويقولُ للخصوم وهُمْ بين يديه: مِنْ مذهبِ القاضي
- أيده الله - كذا وكذا. حاملاً عنه، ومُلقناً له، فأحسَّ القاضي تِيهاً من
أبي جعفر واستظهاراً عليه، فقال له: ما هذا الذي رأيتُ منك !! والله
لئن أرسلتُ قصبةً، فنصبت في حارتك، لَتَرِيَنَّ الناسَ يقولون: هذه قصبةٌ
القاضي، فاحْذَرْ يا أبا جعفر.
واستمرَّ في هذا المنصب يعمل مع القاضي أبي عبيدالله إلى سنة
٢٩٢هـ.
٢ - ثم تولَّى منصباً آخر، وهو الشهادةُ أمامَ القاضي(٢)، ولم يكن
(١) ويذكر صاحب ((الجواهر المضية)) ص ١٠٣ : أن الطحاوي كان كاتباً لبكار بن قتيبة.
(٢) كان القضاةُ - في الماضي - إذا شَهِدَ عندهم أحدٌ وكان معروفاً بالسّلامة قبله
القاضي، وإذا كان غيرَ معروف بها أُوقِفَ، وإن كان الشاهد مجهولاً لا يُعْرَفُ سُئِل
عنه جيرانُه، فما ذكروه به مِن خيرٍ أو شَرِّ عُمِلَ به، حتى كان (غوث بن سليمان)
في خلافة المنصور، فسأل عنهم في السِّرِّ، فمن عُدِّل عنده قبله، ثم يعود الشاهد
:
٥٤

يَظْفَرُ به إلا من أَقَرَّ له أهل العلم بعلمه ومعرفته وتقدمه، وعدالته ونزاهته،
ورفعة شأنه، وكان الشهودُ قَبْلَ ذلك ينفَسون على أبي جعفر بالشهادة
لِئلا يجتمع له رياسةُ العلمِ وقبول الشهادة، فلم يَزّلِ القاضي أبو عبيد
علي بن الحسين بن حرب - وهو ممن تخيَّر منهج الشافعي في
الاستدلال - حتى عدَّله في سنة ٣٠٦هـ، وكان أكثرُ الشهودِ في تلك
السَّنَةِ قد حَجُوا، وجاوروا بمكة، فَتَمَّ لأبي عبيد ما أراد مِن تعديله،
واستمر على ذلك إلى نهاية حياته.
صفاته :
كان الطحاويُّ رحمه الله حافظاً لِكتاب الله، عارفاً بأحكامه
ومعانيه، وبما أُثِرَ عن الصحابة والتابعين مِن تفسيرِ آبِهِ، وأسبابٍ نزوله،
له ثقافةٌ ممتازة بِعِلْمِ القِراءات، حافظاً لِلحديثِ، واسِعَ المعرفةِ بطرقه
ومتونه وعِلله وأحوالٍ رجاله، ذاحظٍ كبيرٍ من العلم بلسانِ العرب،
= واحداً من الناس، ولم يكن أحد يُوسَمُ بالشهادة ولا يشار إليه بها، وبهذا كان غوث
أوَّلَ من سأل عن الشهود بمصر، ثم إن القاضي (المفضل بن فضالة) ولي سَنَّةً
(١٦٨ هـ) ثم (١٧٤ هـ) عَيْنُ رجلًا يُسمى صاحبَ المسائل ليسأل عن الشهود
ويشهدَ عليهم، حتى وَليَ القاضي (عبدالرحمن بن عبدالله العمري) قضاءً مصر من
قبل الرشيد سنة (١٨٥ هـ) فاتخذ الشهودَ، وجَعَلَ أسماءَهُمْ في كتاب، وهو أول من
فعل ذلك ودوِّنَهم، وأسقط سائرَ الناسَ ثم فعلت ذلك القضاة من بعده حتى
اليوم
وكان بعض القضاة يتتبعون الشهود المعدلين بَعْدَ كل مدة ليقف من حدثت له
جرحةٌ، ويسقط من سجل الشهود، وكذلك اتخذ من بين الشهود قوماً جعلهم مِن
بطانة القاضي.
انظر كتاب ((الولاة والقضاة)) ص ٣٦١ و٣٨٥ و٣٩٤ و٤٤٤ و ٤٣٧.
٥٥

ومواقِعٍ كلامها، وسَعَةِ لُغتها واستعاراتها ومجازها، وعمومٍ لفظ مخاطبتها
وخصوصه، وسائر مذاهبها، وَاسِعَ الاطلاع على مذاهب الصحابة
والتابعين، والأئمة الأربعة المتبوعين، وغيرهم من الأئمة المجتهدين
كإبراهيم النَّخَعِي وعثمان البَتَّي والأوزاعي ، والثوري، والليث بن سعد،
وابن شُبْرُمَةَ، وابن أبي ليلى والحسن بن حَي، بارعاً في علم الشروط
والوثائق، وكانت له شخصيةً مستقِلَّةٌ في البحث، لا يُقْلِّدُ أحداً، لا في
الأصولِ ولا في الفروع، فهو يدورُ مع الحق الذي أداه إليه اجتهادُه،
وكان يتبع منهج السلف في المعتقد، وعلى هذا المنهج ألّف عقيدته
المشهورة، وكان، رحمه الله، في مجلس السماع يقظاً يعي كُلِّ
ما يسمعُه، ويستثبته في ذاكرته بعد ما ينقضي المجلس، ويميِّزُ الفروق
الدقيقة بَيْنَ الروايات، ويُدُوِّن ذلك في مصنفاته، وهذه الصفاتُ التي
اجتمعت له أتاحت له أن يُصنَّف التصانيفَ المتنوعة الفريدة في بابها،
المقدَّمة في موضوعها، المشحونةَ بالفوائِد أكثرَ من غيرها.
وكان سَمْحَ النفس، رَضِيَّ الخُلُق، طَيِّبَ العِشْرَةِ، وافِرَ الأدب،
يَتَّصِلُ بالأمراء، ويُسدي إليهم النصح بأدب وتواضع(١)، ويُخَالِطُ القضاةَ
(١) قال صاحبُ (((تحفة الأحباب)) فيما نقله عنه صاحبُ ((الحاوي)) ص ٢٥-٢٦:
يقال: إنَّ أميرَ مصر أبا منصور تكين الخزرجي (المتوفى سنة ٣٢١هـ) دَخَلَ على
الطحاويِّ يوماً. فلما رآه دَاخَلَه الرُّعْبُ، فأكرمه الأميرُ، وأحْسَنَ إليه، ثم قال لَهُ:
يا سَيِّدي، أُريدُ أن أزوِّجَكَ ابنتي، فقال له: لا أَفْعَلُ ذلك، فقال له: ألك حاجةٌ
بمالٍ؟ قال لَهُ: لا ، قال: فهل أَقْطَعُ لَكَ أرضاً؟ قال: لا، قال: فاسألني ما شئتَ،
قال: وَتَسْمَعُ؟ قال: نَعَمْ، قال: احْفَظْ دِينَك لِئَلا يَنْفَلِتَ، واعْمَلَ فِي فَكَاكِ نَفْسِكَ
قَبْلَ الموتِ، وإِيَّك ومَظَالِ العِبَادِ. ثم تركه ومَضَى، فيقال: إنه رَجَع عن ظلمهِ
لأهل مصرَ.
٥٦٠

وَأَهْلَ المعرفةِ، يذاكرهم في مسائل العلم فيستفيدُ منهم ويُفيدُهم،
ويحضُرُ مجالِسَ المظالمِ، ويُؤْخَذُ رأيه في المعضلات والخفيات،
ويَعْقِدُ حلقاتِ العلم في مسجد عمرو بنِ العاص يُمْلِي فيها الحديثُ،
ويقرأ الناسُ عليه تصانيفه، وكان مَوضِعَ ثقة الأمراء، فهو مِنْ بين الأربعة
الذين سُمِحَ لهم بالاستمرار في إقامة حلقاتِ العلم في جامعِ عمرو بنٍ
العاص، وذلك في صفر سنة ٣٢١هـ، وقد أقرَّ الموافِقُ والمخالِفُ
بعدالته، وصِدْقٍ لهجته، وورعه وزُهده، وعِفْته عن المحارم، وبُعده عن
الرِّيب، وقد بلغ من ثقة أهل العلم به أن أبا عُبید بن حربويه ـ- وهو من
أصحاب الشافعي - سعی في تعدیله وقبول شفاعته، وقد استمر یکتبُ
للقضاة على اختلاف مذاهبهم، ويُعَدِّل الشهودَ بَيْنَ يَدَيْهِم إلى أن وافته
المنية .
صراحته في الحق :
وَمما امتاز به الإِمامُ الطحاوي أنه كان صريحاً في الحق الذي
يعتقده، لا يُجامِلُ فيه أحداً مهما كان شأنه، ويظهرُ ذلك في :
١ - تحوُّله مِن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة في بَلَدٍ
لم يكن لمذهب أبي حنيفة رَوَاجٌ فيه. وبسبب هذا التحولِ استُهْدِفَ
لحملاتٍ كثيرةٍ ظالمةٍ من المتأخرين، لم تَقُمْ على معايير علميةٍ
صحيحة .
٢ - تَظَلّمه لأحمد بن طولون وهو والي مصر بشأنٍ ضيعةٍ له،
ومناظرته له، قال أبو جعفر: اعترضت لنا ضيعةٌ بالصعيدِ مِن ضِياع جدِّي
سلامة، فاحتجتُ إلى الدخول إليه، والتظلَّمِ مما جرى لي، وأنا يومئذ
شابٌّ، إلا أن العلم والمعرفة بالحاضِرين بَسَطّني على الكلام والتمكُّن
٥٧

مِن الحُجَّةِ، فخاطبتُه في أمرِ الضيعة، فاحتجُّ علي بِحُجَجٍ كثيرةٍ، وأجبتُه
عنها بما لزمه الرجوعُ إليه، ثم ناظرني مناظرةَ الخُصُومِ بغير انتهارٍ
ولا سَطْوةٍ علي، وأنا أُجيبه وأحلَّ حجَتَه، إلى أن وَقَفَ، ولم يَبْقَ له
حُجَّةٌ، فأمسك عني ساعةً، ثم قال لي: إلى هذا الموضعِ انتهى كلامي
وكلامُك، والحجةُ قد ظَهَرَتْ لك، ولكن أجّلنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن ظهرت
لي حُجَّةٌ، وإلا سلمتُ الضيعةَ إليك. فقمتُ منصرفاً، فلما خرجتُ، قال
ابنُ طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبحَ ما أشهدتُكم على نفسي،
أقولُ لرجل مِن رعيتي: ظَهَرَتْ لَكَ حُجَّةٌ، أجلني إلى ثلاثة أيام إلى أن
أطلب حجةً، وأبطل الحكم الذي قد أوجبته، مَنْ يمنعُني إذا وجبت لي
حجةٌ أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والله الغَصْبُ، وأنتم رُسُلِي إليه بأني
بعد أن أُلزمت حجته أزلتُ الاعتراضَ عن الضَّيْعَةِ، وقد قالَ رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُقَدَّسُ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ الحَقُّ لِضَعِيفها
مِنْ قَوِيُّه))(١). وتقدم بالكتاب له، وعرف الطحاويُّ الحالَ من
الحاضرين، فذهب إلى الديوانٍ، وأخذ الكتابَ بإزالة الاعتراض،
وتسليم الضيعة، وصارت هذه تُتْلَى مِن مناقب أحمد بن طولون. ((العقد
(١) أخرجه الشافعي في (مسنده) ١١٤/٢ - ١١٥ من طريق سفيان بن عيينة، عن
عمروبن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
أقطع الناس الدور، فقال حيّ من بني زهرة يقال لهم: بنوزهرة: نَكِّب عنا ابن
أم عبد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلمَّ ابتعثني الله إذاً؟! إنّ الله لا يقدِّس
أمة لا يؤخذ للضعيف فیهم حقه».
ورجاله ثقات لكنه مرسل، وقد وصله الطبراني في «الكبير)) (١٠٥٣٤) من طريق
عبدالرحمن بن سلام الجمحي، عن سفيان بن عيينة، عن عمروبن دينار، عن يحيى بن
جعدة، عن هبيرة بن مريم، عن ابن مسعود، وهذا سند قوي، وله شاهد من حديث
أبي سفيان بن الحارث عند البيهقي ٩٣/١٠، والخطيب ١٨٨/٤، والراوي عن =
٥٨

الفريد للملك السعيد)» ص ٥٨ - ٥٩، لأبي سالم محمد بن طلحة
القرشي النصيبي الوزير.
٣ - تغليطه لأبي خازم في كتابة وثائق الأحباس لابن طولون
لما بنى البيمارستان، وأراد أن يقف عليه وعلى المسجد العتيق أحباساً،
وأراد أن يكتب وثائق أحباسه، فتولى كتابة ذلك قاضي دمشق أبو خازم،
فلما جاءت الوثائق أحضر ابن طولون علماء الشروط لينظروا هل فيها
شيء يفسدها؟ فنظروا فقالوا: ليس فيها شيء، فنظر أبو جعفر
- وهو يومئذ شاب - فقال: فيها غلط، فطلبوا منه بيانه، فأبى، فأحضره
أحمد بن طولون وقال له: إن كنت لم تذكر الغلط لرسلي فاذكره لي.
فقال: ما أفعل؟ قال: ولم؟ قال: لأن أبا خازم رجل عالم، وعسى أن
يكون الصواب معه وقد خفي علي. فأعجب ذلك ابن طولون وأجازه،
وقال له: تخرج إلى أبي خازم وتوافقه على ما ينبغي، فخرج إليه،
فاعترف أبو خازم بالغلط، فلما رجع الطحاوي إلى مصر وحضر مجلس
ابن طولون، سأله، فقال: كان الصواب مع أبي خازم، ورجعت إلى
قوله. وستر ما كان بينهما، فزاد ذلك في نفس ابن طولون، وقربه
وشرفه .
٤ - انتقاده للقاضي أبي عبيد بن حربويه، في حثه على محاسبة
أمنائه، واستشهاده بمحاسبة النبي صلى الله عليه وسلم ابن اللتبية أحد
عماله على الصدقة، مما أثار حفيظة أمناء القاضي، فما زالوا يوقعون
بينهما حتى تغير كل منهما للآخر.
= أبي سفيان لم يسمّ، وباقي رجاله ثقات، فهو حسن لغيره.
٥

الطحاوي إمامٌ مجتهد :
لقد درسَ الطحاويُّ مذهبَ الشافعي على خالِهِ المزني، ثم دَرَسَ
مذهبَ الحنفية ولم يتعصب لأحدٍ من أثمته، بل يختارُ مِن أقوالهم ما يَعْتَقِدُ
صوابَه لِقوة دليله، وإذا وافق أحداً من الأئمة فيما ذهب إليه، فإنما يُوافِقه
عن بينةٍ واستدلالٍ، لا على مجرد التقليد، شأنه في ذلك شأنُ علماء عصره
الذين لم يكونوا يَرْضَوْنَ لأنفسهم التقليد، لا حفّاظ الحديث، ولا أئمة
الفقه، قال ابنُ زولاق: سمعتُ أبا الحسن عليَّ بن أبي جعفر الطحاوي
يقول: سَمِعْتُ أبي يقول - وذكرِ فَضْلَ أبي عُبيد بن حربويه وفقهَه -
فقال: كان يُذاكرني بالمسائل، فأجبتُه يوماً في مسألةٍ، فقال لي: ما هذا قولَ
أبي حنيفة. فَقُلْتُ له: أيها القاضي أوكُلّ ما قاله أبو حنيفة أقولُ به؟!
فقال: ما ظَنْتُكَ إِلا مُقَلِّداً، فقلتُ له: وهل يُقَلِّدُ إلا عَصَبِيٍّ؟! فقال لي:
أَوْ غَبِيَّ. قال: فطارت هذه الكلمةُ بمصر، حتى صارت مثلاً، وحَفِظَها
النَّاسُ.
وفي مقدمة «شرح معاني الآثار) ما يَدُل على أنه كَانَ يَتْبِعُ الدليل
حَيْثُما كان، ويأخُذُ به، فقد جاء فيها: أنَّ بعض أصحابِه مِن أهل العلم
سأله أن يَضَعَ له كِتاباً يَذْكُرُ فيه الآثارَ المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الأحكام التي يَتَوَهَّمُ أهلُ الإلحادِ والضعفةِ من أهل الإِسلامِ أن
بَعْضَها يَنْقُضُ بعضاً لِقِلَّة علمهم بناسخها مِن منسوخها، وما يجب به
العملُ منها، لما يَشْهَدُ له مِن الكتاب الناطِقِ والسُّنَّةِ المجتَمَعِ عليها، وأن
يجعل لذلك أبواباً يَذْكُّرُ في كل كتابٍ منها ما فيه مِن الناسخِ والمنسوخ،
وتأويل العلماءِ، واحتجاجِ بعضهم على بعضٍ، وإقامة الحجة لمن
صَحَّ عندَه قولُه منهم بما يَصِحُ به مِثْلُهُ مِن كتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ أو تواتر
من أقاويل الصحابة أوتابعيهم، وأنه نظر في ذلك، وَبَحَثَ عنه بحثاً
شديداً، فاستخرج منه أبواباً على النحو الذي سأل.
٦٠