Indexed OCR Text

Pages 1-20

شرح مشكل الأخر
تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقية المفَسِّر
أِ جَعْفَرَ أحْمَدْ مُحَمَّد برْسَلَامَة الطِّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
معَّه وضبط نصّه، وفرّج أحاديثُه، وعلّى عليه
شعيب الأرنؤوط
الجزء الأول
مؤسسة الرسالة

-0
بِسِّـ
€.1
ל
- 3
ـتعالى
.

لله تعالى
شرح مشكل الأخر
١

جميع الحقوق محفوظة
لمؤسسة الرسالة
ولا يحوّ لآية جهَة أن تطبع أو تعطي حق
الطبع لاحَد سواء كان مؤسسة رسمية أو أفرادًا
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
الطّبعَة الأولى
العالى
مؤسسة الرسالة مؤسِّسَة الرّسَالة بَيرُوت - شارع سوريا - بنَاية صَمَدِي وَصَالحَة
للطباعة والنشر والتوزيع هَاتف: ٦٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص.ب: ٧٤٦٠. بَرقيً: بيُورَان

مقدمة التحقيق
إِنَّ الحمدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ به من شرور
أنفسِنا، وَمِن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلُّ له، ومن يُضْلِل،
فلا هادي له.
وَأَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً
عبده ورسوله.
﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقِّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأَنْتُم
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وخَلَق
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنهما رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءً واتّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
والأرْحَامَ إنَّ الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١].
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ ورسُولَه فَقَدْ فَازَ فَوْزاً
عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
أما بَعْدُ، فهذا كتابُ (شَرحِ مُشْكِلِ الآثار)) تصنيفُ الإِمامِ العلَّمَةِ
الحَافِظِ الكَبِيرِ، مُحدِّثِ الدِّيارِ المصرية وفقيهِها أبي جعفر أحمد بن محمد
ابن سَلامة بن سَلَّمة الأزدي الحَجْري المصري الطَّحاوي، نَضَعُه بِتَمَامِه بَيْنَ

يَدَي القُرَّاء لأوَّلٍ مرة(١)، بعد أن اضطلعنا بأعباءِ تحقيقِه، وضَبْطٍ نَصِّه،
وتَخريج أحاديثِه، والتعليقِ عليه، على نَحْو يُيَسِّرُ الفائدَةَ منه، ويُحقِّقُ
رغبةً أهلِ العلم الَّذينَ طالما تَمَنُّوا أن يُنْشَرَ هذا الكتَاب نشرةً علمية
محرِّرَةٌ مُتقنة، كاملةً غَيْرَ منقوصة، لِيُفِيدُوا منه علماً يَتَعَذِّرُ وجودُه في غيرِهِ
من التصانيف التي هي مِن بابته.
وقَدٍ اتجهت مِمَّة الإِمَامِ الطحاوي إلى إفراد هذا النوعِ بالتأليف
- وهُو مما يَضطُرُّ إلى معرفته جَميعُ العلماءِ على اختلافٍ مشاربهم -
في أواخِرِ سِني حَياتِه حين آنسَ من نفسه القُدرة على اقتحامِه، وخَوْضٍ
غماره، وتَذْلِيلٍ صعابه، بما تحقَّقَ فيه مِن ذِهنٍ وَقَّاد، وحَافِظَة واعية،
وَعِلْمٍ وافر، ومَلَكَةِ استنباطٍ، وَفَقَاهَةِ نفس، ودُرْبَةٍ طويلة، وإمامة مَلْمُوسَةٍ
في الحَدِيثِ والفقه(٢).
وهو كتاب جليل يحتوي على معان حسنة عزيزة، وفوائد جمة
غزيرة، ويشتمل على فنون من الفقه، وضروب من العلم، دعاه إلى
تأليفِه - كما يقولُ في مقدمته - أنه نَظَرَ في الآثار المروية عنه صلَّى الله
عليه وسَلَّم بالأسانيدِ المقبولة التي نَقَلَها ذوو التثَّبتِ فيها، والأمانَةِ عليها،
وحُسْنِ الأداءِ لها، فَوَجَدَ فيها أشياءَ مما يَسْقُطُ مَعْرِفَتُها، والعِلْمُ بها عن
(١) ذاك أن المطبوع المتداول قد سقط منه أكثر من نصف الكتاب.
(٢) قال الحافظ الإِمام ابن حجر في ((إنباء الغمر)) ٦٢/١ في ترجمته لابن رافع السّلامي
صاحب ((الوفيات)) المتوفى سنة ٧٧٤هـ: والإنصافُ أن ابن رافع أقربُ إلى وصف
الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير، لعنايته بالعوالي والأجزاءِ والوفيات
والمسموعات دونَ ابن كثير، وابن كثير أقربُ إلى الوصف بالحفظ على طريقة
الفقهاء، لمعرفته بالمتون الفقهية، والتفسيرية دون ابن رافع، فيُجمعُ منهما حافظً
كاملٌ، وقَلْ من جَمَعهما بعد أهل العصر الأول كابن خزيمة، والطحاوي، وابن
حبان، والبيهقي، وفي المتأخرين شيخنا العراقيّ.
٦

أكثرِ النَّاسِ، فمال قَلْبُه إلى تأمُّلِهَا، وتِبِيَانِ ما قَدَرَ عليه مِنْ مُشْكِلِهَا، وَمِن
استخراج الأحكامِ التي فيها، وَمِنْ نفي الإِحَالاتِ عنها، وجَعَل ذلِكَ
أبواباً، وذكر في كُلُّ باب منها ما يَهَبُ اللَّهُ عز وجل له مِن ذلك مِنْها،
حتى أتى فيما قَدَرَ عليه منها كذلك، ملتمِسَاً ثواب الله عز وجل منها.
وبيّنَّ مِن كلامه هذا أنَّ الأحاديثَ الصحيحةَ التي تتضمن معانيَ
مُشْكِلَةٍ، أو تحتوي على أحكامٍ فيما يبدو للمجتهد متعارضة، هي الغَرْض
الرئيس الذي أُلَفَ مِن أجله كتابَه هذا، وصنيعُه هذا قريبٌ مما أُطْلِقَ عليه:
علمُ اختلافِ الحديث، وهو عِلْمٌ يُبْحَثُ فيه عن التوفيق بينَ الأحاديثِ
المتناقِضَةِ ظاهراً إما بتخصيصِ العامِّ تَارَةٌ، أو بتقييدِ المطلق،
أو بالحملِ على تعدُّدِ الحادثة، أو بغير ذلك من وجوه التأويل والترجيح
والتوفيق، إلا أن شَرْحَ المشكل أعمُّ من هذا ومن الناسخ والمنسوخ، لأن
الإشكالَ - وهو الالتباس والخفاء - قد یکونُ ناشئاً مِن ورود حدیث
يُنَاقِضُ حديثاً آخر من حيث الظاهرُ، أو من حيث الحقيقة ونفس الأمر،
وقد ينشأ الإِشكالُ مِن مخالفة الحديثِ للقرآن أو اللغَةِ، أو العقلِ،
أو الحِسِّ، والمؤلّفُ يرفع هذا الإشكالَ إِما بالتوفيقِ بين الحديثين
المتعارضين، أو ببيانٍ نسخ في أحدِهما، أو بشرح المعنى بما يتفق مع القرآن،
أو اللغة، أو العقل، أو بتضعيف الحديث الموجب للإشكال ورده،
أو بغير ذلك.
والطريقةُ التي اتَّبعها المؤلِّفُ في كتابه هذا هي أَنَّه يُدْرِجُ تَحْتَ كُلِّ
بَابٍ حَدِيثَيْن(١) ظَاهِرُهُما التَّعَارُض مما يَتَضمَّنهما العُنْوَان الذي وَضَعَه
لَّهُما، فيُورِدُ أسانيدَهُما، ويَسْرُدُ طُرُقَهُما ورواياتِهما، ثم يَبْسُطُ القَوْلَ في
(١) ولم يخصه بنوع معين من الأحاديث، بل أودعه من الأحاديث التي رآها مشكلة خفية
المعنى، سواء أكانت تلك الأحاديث في العقيدة أو التفسير أو الفقه أو اللغة أو الفضائل.
٧

مَواضِع الخلاف فيهما، ثُمَّ يَتْنَاوَلُهُمَا بِالشَّرْحِ والْبَيَانِ والتَّحلِيلِ حَتَّى
تَأَتَّلِفَ مَعَانِيهِما، ويَنْتَفِي عَنْهما الاخْتِلافُ ويَزُول التعارُضُ، إلا أنَّه رَحِمَه
اللَّهُ لم يُرَاعِ ضَمُّ كُلِّ بابٍ إلى شَكْلِهِ، ولا إلحاقَ كُلِّ نَوْعٍ بِجِنْسِهِ،
فهو يُورِدُ الأبوابَ كما اتَّفَقَتْ له، فَتَجِدُ أحاديثَ الوضوءِ فيه مُتَفَرِّقَةٌ مِن
أوَّلِ الكتاب إلى آخره، وكذلك أحاديثُ الصَّلاة والصيامِ وسائرِ الشَّرَائِعِ
والأحْكَامِ، لا تَكَادُ تجد فيه بَابَيْنِ مُتْصِلَيْنٍ مِنْ نَوْعِ وَاحِدٍ، مما يَشُقُّ على
طالبِ العِلْمِ الحُصُولُ على مبتغاه منه، بخلافٍ صنيعه في ((شرح معاني
الآثار))، فإِنَّ رتبه ترتيباً محكماً أقامَه على الكُتُب والأبواب، ويُمْكِنُ أن
يُعْتَذَرَ له عن ذلك أن كتابه هذا ليس مقصوراً على استخراج الأحكام
حتى يُرتبه على أبواب الفقه، أو أن كثيراً من بحوثه لا يوجد لها نظائر
تنضم إليها.
وقد اشترط في التوفيق بَيْنَ الحديثين المتعارِضَيْن أن يكونَ كُلِّ
منهما في مرتبةٍ واحِدَةٍ من الصِّحَّةِ والسِّلامة، فإذا كان أحدُهما ضعيفاً
اطرحه وأخذ بالقوي، لأن القوي لا تؤثِّرُ فيه معارضةُ الضعيف.
أما إذا كانا في مرتبةٍ واحدةٍ من الصحة والسلامة، فهو لا يألو جُهْداً
في البحثِ عن معنى يُوفُّق بينهما، ويُزِيلُ تَعَارُضَهُما، وإذا تضادًّا،
ولا سبِيلَ إلى الجمع بينهما، فإنْ عَلِمَ تاريخ كُلِّ واحِدٍ منهما، حَكْمَ على
المتقدِّم بالنسخ، وصَارَ إلى الناسخِ المتأخر، وإذا جَهِلَ تاريخَهما، فإنه
يلجأ إلى ترجيحٍ أَحَدِهِما بما يَعْتَدُّ به مِنْ وجوه الترجيح، وَهِي كثيرةٌ
بَسَطّها في أكثرَ مِنْ مَوْضعٍ من كتابه هذا، وهُنَا تَظْهَرُ براعَتُه الفَائِقَةُ،
وطريقْتُه الفَذَّةُ، وغوصُه على المعاني الدقيقة التي قَلما تَتْفِقُ لغيره.
ولم يلتزِمْ فيه مذهباً معيناً، بل هو دائرٌ مع معنى الحديث، يستنبِطُ
٨

منه الحُكْمَ المناسِبَ عنده بمقتضى القواعدِ التي التزمها، وقَيَّدَ نفسه بها،
وهي مِما أداه إليها اجتهادُه، ولا بِدْعَ في ذلك، فهو إمامٌ مجتهدٌ حَصَّل
الأدلَّة التفصيلية كتاباً وسُنةٌ على أوسَعِ نطاقٍ، واستنبط منها الأحكامَ
مباشرةً، وحَصَّلَ آراء الفقهاء عامةً من أئمة الصحابة والتابعين، ومَنْ
بعدهم مِن الأئمة المتبوعين دونَ الاقتصار على إمام معين، وسَواء أكان
ما انتهى إليه من الرأي يُوافِقُ مذهبه الذي ينتسِبُ إليه أو يُخالفه، وانتسابُه
إلى مذهب أبي حنيفة إنما يعني سلوكَه طريقَه في الاجتهادِ، واقتناعَه
بمنهجه في الاستدلال، قال ابنُ زولاق: سمعتُ أبا الحسن عليَّ بنَ
أبي جعفر الطحاوي يقولُ: سمعتُ أبي يقول - وذَكَرَ فَضْلَ أبي عبيد بن
حربويه وفِقْهَهُ - فقال: كانَ يُذاكرني بالمسائل، فأجبتُه يوماً في مسألةٍ،
فقال لي: ما هذا قَوْلَ أبي حنيفةٍ! فقلتُ له: أيُّها القاضي، أَوَكُلُّ ما قاله
أبو حنيفة أقولُ به !! فقال: ما ظننتُكَ إِلا مُقَلِّداً. فقلتُ له: وهل يُقَلِّدُ
إلا عَصَبِي؟ فقال لي: أو غَبِيّ. قال: فطارت هذه الكلمةُ بمصر حَتَّى
صارت مثلاً، وحَفِظَها الناسُ.
ما أُلٌّفَ في هذا النوعِ قَبْل الإِمام الطحاوي:
وأوَّلُ مَنْ أفرد هذا النوعَ بالتأليف الإِمامُ الشافعي، رحمه الله،
المتوفى (٢٠٤ هـ) ولم يَسْتَوعِبْ، بل ذَكَرَ جُمْلَةٌ منه يُنَبِّهُ بها على طريقِه،
وقد سمّاه ((اختلافَ الحديث))، وهو مطبوع في هامِش الجزء السابع من
((الأم)) له في مطبعة بولاق سنة ١٣٢٥هـ، ثُمَّ طُبعَ على حِدَة، وألحِقَ
بكتاب ((الأم)) بتصحيح محمد زهري النجار، وعددُ صفحاته ٩٣ صفحة
من القطع الكبير. وموضوعُ أحاديثه: الفقهُ العملي، وهُوَ على ما به مِن
عِلْمٍ جمٌّ، وَحِذْق في الاستدلالِ لا يُوازي حجمُه عُشْرَ كتاب
٩

أبي جعفر، على أن تأثيرَ الإمام الشافعي على الطحاوي واضح في هذا
الكتابِ في موضوعه وعَرْضِهِ وطريقته في معالجة قضاياه.
وممن ألّفَ فيه أيضاً أبو محمد عَبْدُالله بنُ مسلم بن قتيبة المتوفّى
سنة (٢٧٦ هـ)، وكتابه ((تأويل مختلف الحديث)) مطبوعٌ متداول، يقع في
٣٥٤ صفحة من القطع المتوسط، ومعظمُ الأحاديثِ التي عَرَض لها هي
مما يخصُّ العقيدة وفروعها، لأنَّه يَرُدُّ فيه على أهلِ الكلام، فهو مرتبط
بما يُوردونه من اعتراضاتٍ أغلبُها بعيدٌ عن الأحكام العملية.
وجُلّ اعتماده في التوفيق أو في الردِّ على أهل الكلام، والكشف
عن معاني الأحاديثِ وإزالة الإشكال عنها، على براعته في علم العربية
التي بلغ فيها الغايةَ، لكنه في تصحيح الحديث وتضعيفه قد قَصُرَ باعُه،
ولم يُحْسِنْ فيه، لأنَّ علم الحديث ليس مِن صناعته، وإنما هو مقلِّدٌ فيه.
"قال ابنُ كثير: ولابنِ قتيبة في مشكل الحديثِ مجلد مفيد، وفيه
ما هو غَثَّ، وذلك بحسب ما عنده من العلم.
ويتميَّز كتابُ أبي جعفر عن هذين الكتابين بالاستيعابِ والشمول،
وغزارة المادة، وطولٍ النفس في جلاء المعنى، وإزالةِ التعارض،
والبراعة في نقد الحديث سنداً ومتناً، والتفنن في إيراد طرقه وألفاظه.
ولم يقصد من إيراد الأحاديث بطرقها المتعددة، ورواياتها المختلفة
التكثر بالرواية، أو التدليل على قوة الحفظ، بل كان يهدف من وراء ذلك
إلى معنى هام يَخُصُّ موضوعَه الذي أقام هذا الكتابَ عليه(١)، فإنه قد
(١) يقول صاحب ((الحاوي)) ص ٢١: من قصر في جمع الروايات، واكتفى بخبر يعده صحيحاً،
لا يكون وفى العلمَ حقّه، لأن الرواياتِ تختلِفُ زيادة ونقصاً، ومحافظةً على الأصل،
وروايةٌ بالمعنى، واختصاراً، فلا تَحْصُلُ طمأنينة في قَلْبِ الباحث إلا باستعراض جميعها =
١٠

تَرِدُ الأحاديثُ في رواية مختصرةً، وتُذكرُ في أخرى بتمامها، وقد يكونُ
الحديثُ ورد على سبب معيَّن يُعينُ على فهم المرادِ منه، فَيُذْكَرُ الحديثُ
في إحدى رواياته عريّاً من السّبب الذي قيل مِن أجله، ويجيءِ ذِكْرُه في
رواياتٍ أُخرى، أو يكونُ الحديثُ في رواية مطلقاً أو عاماً، ويَرِدُ في
أخرى مقيداً خاصّاً، فَيُخْصُّ به العمومُ الذي جاء في تِلْكَ الرواية،
أو يكون في سندٍ أحد الطرق مجهول أو مُدَلِّسٌ أو مَنْ رُمِيَ بالاختلاط،
فيجيءُ مِن طرقٍ أخرى ترتفع بها الجهالةُ وشبهةُ التدليس والاختلاط،
وقد أتاحت له هذه الطريقةُ التوثُقَ مِن صِحة الحديث، وتحريرِ ألفاظه.
وما به من زيادة أو نقص، وما يستتبع ذلك من فَهْمِ مُعينٍ يُمَكِّنُه من
التَّهدِّي إلى المعنى الذي يَنْتَظِمُ به شَمْلُ الأحاديث، وتأتلِفُ معانيها،
وينتفي عنها التعارضُ الموهوم.
ولا يخفى على أَهْلِ العِلْمِ أنَّ الأحاديثَ التي صَحَّت نسبتُها إلى
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم متوافِقَةٌ متآلفةٌ، ولا يُتَصَوِّرُ أن يَقَعَ
التعارضُ في شيء منها مطلقاً، إلا بِحَسَبِ الظاهر فقط بالنسبة للمجتهد،
أو بحسب تصوّره أنَّ حديثين من الأحاديث يدلان على حُكْمَيْنٍ متعارضين
مع أنه لا تعارُضَ في حُكمهما، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما جِهَةٌ غَيْرُ جِهَةِ
الآخر، فالتعارضُ حينئذ يكونُ في فهم المجتهد لا في النّصِّ، ولا في
مَدْلُولِهِ.
وهذا ما انتهى إليه أبو جعفر رحمه الله، فإنه يَنْسِبُ من يتصوَّرُ
وجودَ تعارضٍ حقيقي بَيْنَ حديثين صحيحين، ويقولُ بتعذَّرِ التوفيقِ
= مع آراء فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فيتمكن بذلك من رد المردود، وتأييد
المقبول.
١١

بينهما، إلى الجهلِ والعَجْزِ وقِلَةِ المعرفة، فهو يقول في الصفحة ١٥٩
من هذا الجزء: والواجبُ على ذوي اللب أن يَعْقلوا عن رسول الله عليه
السَّلامُ ما يُخَاطِبُ به أُمْتَه، فإنَّه إنما يُخاطبهم به لِيوقِفَهُم على حدودٍ
دينهم، وعلى الآدابِ التي يستعملونها فيه، وعلى الأحْكَامِ التي
يحكمون بها فيه، وأن يَعْلَمَ أنّه لا تَضَادَّ فيها، وأنَّ كُلَّ معنى منها
يُخاطبهم به يُخَالِفُ ألفاظُه فيه الألفاظَ التي قَدْ كَانَ خاطبهم فيما قَبْلَهُ مِنْ
جِنْسٍ ذلك المعنى، وأن يَطْلُبُوا ما في كُلِّ وَاحِدٍ من ذَيْنِكَ المعنيين إذا
وَقَعَ في قلوبهم أنَّ في ذلك تضاداً أو خِلافً، فإنَّهم يجدونه بخلافٍ
ما ظنّوه فيه، وإن خَفِي ذلك على بعضِهم، فإنما هو لتقصير علمه عنه،
لا لأنَّ فيه ما ظنه مِن تضادٍّ أو خِلاف، لأن ما تَوَلاَّه اللَّهُ بخلاف ذلك كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثِيراً﴾(١).
ويَعْتَمِدُ الإِمامُ الطحاوي في الترجيحِ أصلاً قَوَاعِدَ علمِ الحديثِ،
فتجدُه يقول: إنَّ المُتَّصِلَ الإِسنَادِ أولى أن يُقْبَلَ مِمن خالَفَه، والروايةٌ
(١) وفي هذا يقولُ الإِمامُ ابنُ القيم في ((زاد المعاد)) ١٤٩/٣ نشر مؤسسة الرسالة: ونحنُ
نقول: لا تعارُضَ بحمد الله بَيْنَ أحاديثه الصحيحة، فإذا وَقَعَ التعارضُ، فإما أن يكونَ
أَحَدُ الحديثين لَيْسَ مِن كلامه صلى الله عليه وسلم وقَدْ غَلِطَ فيه بعضُ الرواةِ مع كونه
ثقةً ثبتاً، فالثقةُ يَغْلَطُ.
أو يكونَ أحدُ الحديثين ناسخاً للآخر إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ.
أو يكونَ التعارضُ في فَهْمِ السامِعِ لا في نفسِ كلامه صلى الله عليه وسلم. فلا بُدَّ مِن
وجهٍ من هذه الوجوه الثلاثة.
وأما حديثانِ صحيحَانِ صريحان متناقضَانٍ مِنْ كُلِّ وجهٍ ليس أحدُهما ناسخاً للآخر،
فهذا لا يُوجَدُ أصلاً، ومعاذَ اللَّهِ أن يُوجَدَ في كلام الصَّادِق المصدوق صلى الله عليه
وسلم الذي لا يَخْرُجُ مِنْ شفتيه إلا الحقُّ، والآفةُ من التقصير فيه معرفةُ المنقول، والتمييزُ
بَيْنٌ صحيحه ومعلوله، أو مِنَ القصورِ في فهم مراده صلى الله عليه وسلم، وّمْلِ كلامه
على ما عناه به، أو منهما معاً.
١٢

التي تتضمن زيادةً صحيحةَ الإِسناد العَمَلُ بها أولى، وَكُلُّ زيادةٍ أَو نَقْصٍ
تَرِدُ مِن رواية الحافِظِ تؤخذ بما فيها في موضع التعارض لأنها أولى مِن
رواية غيرِه ممن هو دونَه في الحفظ.
وهو لا يكاد يُخْلِي باباً رَجَّحَ فيهِ حديثاً على آخر بأحدٍ الوجوه
المتقدِّمة وغيرها من شَدِّهِ بالنّظرِ وتقويته بالقياس، إلا أنَّه قد يَضطّرُ
أحياناً إلى الاعتمادِ على القياس أصلاً في الترجيح عندما تتكافؤ أسانيدُ
الحديثِ بحيث يتعذّرُ ترجيحُ أحدها، أو يكونُ الخلاف ناشئاً من حديثٍ
واحد يحتمِلُ أكثرَ من تأويل يذهبُ إلى كُلِّ تأويلٍ منها جماعةٌ من أهل
العلم، أي: أنه يعتمد في الترجيح أولاً النَّص الموثَّقَ، ثم يجيء القياسُ
والاجتهادُ عاضداً ومقوياً له، ولا يعتمِدُ القياسَ أصلاً إلا في حالٍ تعذر
ترجيحِ أحدِ الحديثين على الآخرِ بمقتضى الصِّناعَةِ الحديثية(١).
وتظهر في هذا الكتاب ثقافة أبي جعفر المتعددةُ الجوانب، إلا أنه
يَتْبَدَّى فيه محدثاً(٢) أكثرَ مه فقيهاً، وإن لم يُخْلِهِ من بحوثٍ فقهية يَعْرضُ
لها بأسلوبه المتميِّز، كما أنه أحياناً يستنبِطُ مِن الحديث وجوهاً مِن
الفوائد.
(١) يقول صاحب ((الحاوي)) ص ٢٢: وله منهج حكيم في ترجيح الروايات بعضها على
بعض من غير اكتفاء بنقد رجال السند فقط، وهو دراسة الأحكام المنصوصة، وتبيين
الأسس الجامعة لشتى الفروع من ذلك، فإذا شذ الحكم المفهوم من رواية راو عن نظائره
في الشرع يعد ذلك علة قادحةً في قبول الخبر، لأن الأصل الجامع لشتى الفروع والنظائر
في حكم المتواتر، وانفراد راوٍ بحكم مخالف لذلك لا يرفعه إلى درجة الاعتداد به مع هذه
المخالفة الصارخة.
(٢) يظهر ذلك جلياً في إيراده الحديث بطرق متعددة، وبروايات مختلفة، وفي معرفته برجال
إسناد تلك الأحاديث وبيان منزلتهم، وفي استخدام قواعد علوم الحديث ومصطلحاته
لاكتشاف العلل الخفية .
١٣

وتتجلّى أمانتُه ودِقَّته في النقل عَنْ غيره مما يحتج به مِن تفسير
آيٍ، أو شرح غريبٍ، أو بيانٍ قراءة، أو نسبةٍ رأي إلى صحابي
أو تابعي، فإنه يعزو كُلَّ ذلك إلى قائِلِه بالسند المتّصِلِ منه إليه.
ومن الجدير بالذكر أنه لم يَتَطَرِّق في هذا الكتاب لِذكر أئمة
الأحناف وبَيّانِ رأيهم في المسائل التي يَعْرِضُ لها، بخلاف صنيعِه في
((شرح معاني الآثار)) فإنه قد ملأه بذكرهم، وبَيّانٍ آرائهم في كُلِّ المسائل
التي تضمنها الكتابُ، وتقوية أكثرها بما ترجّح لديه أنهم قد أصابُوا فيها،
فإنَّه رحمه الله لم يمنعه انتسابُه إلى الإِمامِ أبي حنيفة أن يُخالِفَه في عَدَدٍ
قليل من المسائل لما ثبت لديه أو صحَّ في نظره من الأدلة ما لم يثبت
لدى إمامه أو يصح عنده.
وبالرغم مما أُوتيه مِن علمٍ واسِعٍ في الحديث والفقه روايةً
ودرايةً، وتبحراً فيهما، واستقلاليةٌ في التفكير، فهو يستشعِرُ عِظَمَ
المسؤوليةِ، وَثِقَلَ التَّبِعَةِ في هذا الأمرِ الذي نَدَبَ نفسَه له، فلا تكاد تجد
باباً من أبواب هذا الكتاب يخلو من قوله بإثره؛ ((واللَّهَ نسأَلُه التوفيقَ))،
وأحياناً يقول: ((واللَّهُ أعلمُ بحقيقةِ الأمرِ في ذلك، غيرَ أن هذا ما بلغه
فَهْمُنَا منه)) مِن مثل هذه العبارَاتِ التي تَشِفُّ عن نفسٍ متواضِعَةٍ لله
سبحانه تستمِدُّ منه العونَ، وتستلهِمُه التوفيقَ، وتُقِرُّ بمحدودية ما نالته مِن
عِلْمٍ.
سند الکتاب إلى مؤلفه وصحة نسبته إليه :
جاء في عنوان الأجزاء السبعة في الأصل الذي تَمَّ نشرُ الكتابِ عنه
ما نصه :
بيانُ مُشْكِلٍ أحاديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واستخراجِ
١٤

ما فيه مِن الأحكامِ ، ونَفْي التضادُّ عنها، تصنيف الشيخ الإمام العالم
العامل الحافظ العلامة، شيخ دهره، وَفريدِ عصره، أبي جعفر أحمد بنٍ
محمد بنٍ سلامة بن سلمة الأزْدِي الطّحاوي رحمه الله، رواية
أبي القاسِم هشام بن أبي خليفة محمد بن قُرَّة بن أبي خليفة الرُّعيني،
عنه .
قلت: وهشامُ بن أبي خليفة هذا هو راويةُ أبي جعفر وهو الذي
حمل إلى المغاربة هذا الكتابَ وغيرَه مِن تواليف أبي جعفر، فقد جاء
في ((فهرس ابن خير)) ص ٢٠٠ ما نصّه: كتابُ ((بيان مُشْكِل حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخراج الأحكام التي فيه، ونفي
التضادِّ عنه))، تأليف أبي جعفر أحمد بن محمد الأزدي الطحاوي رحمه
الله، وهو مِن الكتب الجليلة، وكتاب ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي
أيضاً عشرون جزءاً، حدَّثني بهما الشيخان أبو الحسن يونسُ بنُ محمد بن
مغيث، وأبو محمد بن عتّاب رحمهما الله، قالا: حدثنا بهما أبو عمر
أحمدُ بنُ محمد بن يحيى بن الحذَّاء رحمه الله قال: حدثني بهما
أبي رَحِمَه الله قال: حدثنا بهما أبو القاسمِ هِشَامُ بنُ محمد بن
أبي خليفة، عن أبي جعفر الطحاوي مؤلّفِهما رحمه الله.
وهذا سند صحيح، رجاله ثقات أثبات معروفون بالرواية، وهاك
ترجمتهم على التوالي :
١ - أما ابنُ خَيْرِ، فهو الشيخُ الإِمامُ البارعُ الحافِظُ المجوِّدُ
المقرىء الأستاذ أبو بكر محمد بنُ خير بن عمر بن خليفة اللمتوني
الإِشبيلي، عالم الأندلس المتوفى سنة ٥٧٥هـ.
قال الأبارُ: وكان من الإِكثار في تقييدِ الآثار، والغاية بتحصيل
١٥

الرواية، بحيث يأخذ عن أصحابِه الذين شَرِكَهُمْ في السُّماع من شيوخه،
وَعَدَدُ مَنْ سَمِعَ منه، أو كتب عنه نّيِّفٌ ومئة رجل قد احتوى على أسمائهم
برنامجٌ له ضَخْمٌ في غاية الاحتفال والإِفادة، لا يعلم لأحدٍ من طبقته
مثلُه، وكان مقرئاً مجوِّداً، ومحدثاً متقناً، أديباً لغوياً، واسِعَ المعرفة،
رضىَّ مأموناً، ولما ماتَ، بيعت كُتُبُهُ بأغلى ثمنٍ لصحتها، ولم يكن له
نظيرٌ في هذا الشأن مع الحظّ الأوفر من علم اللسان. ((سير أعلام النبلاء))
٨٥/٢١ - ٨٦.
٢ - وأما أبو الحسن يونسُ بنُ محمد بن مغيث، فهو الإِمامُ
العلامة الحافظ المفتي الكبير، أبو الحسن يونسُ بن محمد بن مغيث بنِ
محمد بنِ الإِمام المحدث يونس بن عبدالله بن محمد بن مغيث القرطبي
المالكي .
قال ابن بَشْكُوَال: كان عارِفً باللغة والإِعرابِ، ذاكراً للغريب
والأنسابِ، وافِرَ الأدب، قديمَ الطلب، نبيهَ البيتِ والحسب، جامعاً
للكُتُب، راويةً للأخبار، أنيسَ المجالسة، فصيحاً مشاوَراً، بصيراً
بالرجال وأزمانهم وثقاتهم، عارفاً بعلماء الأندلسِ وملوكها، أَخَذَ النَّاسُ
عنه كثيراً، قرأتُ عليه، وأجاز لي. توفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين
وثلاثين وخمس مئة. ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٣/٢٠ - ١٢٤.
٣ - وأما أبو محمد بنُ عتاب، فهو الشيخ العلامة المحدِّثُ
الصدوقُ مسند الأندلس عبدُ الرحمن بن المحدث محمد بنِ عتَّاب بن
محسن الجُذامي القرطبي .
قال ابنُ بَشْكُوَال: هو آخِرُ الشيوخ الجِلَّةِ الأكابِرِ بالأندلس في عُلُوِّ
الإِسنادِ، وسَعَةِ الرواية، سَمِعَ معظمَ ما عند أبيه، وكان عارفاً بالطُرُقِ،
١٦

واقفاً على كثير من التفسير والغريب والمعاني مع حَظُّ وافر مِن اللغة
والعربية، وتفقه عند أبيه، وشُووِرَ في الأحكامِ بقيةً عمره، وكان صدراً
فيمن يُستفتى لِسنه وتقدمه، وكان مِن أهل الفضلِ، والحلم، والوقار،
والتواضع، وكانت الرحلةُ إليه في وقته، وكان صابراً للطلبة، مواظباً على
الإسماع، يَجْلِسُ لهم النهارَ كُلُّه، وبَيْنَ العشائين، سَمِعَ منه الآباء
والأبناء، وسمعتُ عليه مُعْظَمَ ما عندَه، وقال: مولدي سنة ٤٣٣، ومات
في جمادى الأولى سنة عشرين وخمس مئة. ((سير أعلام النبلاء))
٥١٤/١٩ - ٥١٥.
٤ - وأما أبو عُمَرَ الحذاء، فهو الإِمامُ المحدِّث الصَّدُوقُ المُتْقِنُ
أبو عمر أحمدُ بنُ محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن
محمد بن يعقوب بن داود القرطبي ابن الحذَّاء.
قال القاضي عياض: هكذا نسبهم ((الحذَّاء)) بالذال المعجمة،
وحكى ابنُ عفيف أنَّهم يَأْبَوْنَ ذلك، ويقولون: هو بدال مهملة من حُدَاءِ
الإِبل، وإن جَدَّهم الذي يُنسبون إليه هو حادي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قالوا: ولكن لما سَكَنَ أوَّلُنا في رَبَضِ الحذَّائين بقرطبة، تصحّف
على الناسِ نسبنا، لِقرب الحرفين.
روى عن أبيه أَكْثَرَ روايته، ونَدَبَه صغيراً إلى طلب العلم من
الشيوخ الجِلَّةِ في وقته، كأبي محمد بن أسد، وعبدالوارث بن سفيان،
وسعيدِ بنِ نصر، وأبي القاسم الوَهْرَاني وغيرِهم، فَحَصَلَ له بذلك سماعٌ
عالٍ أدرك به درجة أبيه، وكان ابتداءُ سماعه سَنَّةَ ٣٩٣هـ.
وجلا عن وطنه قُرْطُبَةَ في الفتنة الكُبرى، فَسَكَنَ مدينة سَرَقُسْطَة
والمَرِيَّة، ثم وَلِيَ القضاء بطُلَيْطُلَةَ وِدَانْية، ثم تَحَوَّل إلى إِشْبِيليةَ وَقُرطبة
إلى أن تُوفِي سَنَةَ ٤٦٧هـ.
١٧

قال أبو علي الغَسَّاني: كَانَ مِنْ أحسنِ النَّاسِ خَلْقَاً، وأوطِئِهم
كَنَفَاً، وأطلَقِهِم بِرَاً وَبِشراً، وأبدرِهم إلى قضاءٍ حَوَائِج إخوانه.
٥ - أما أبوه، فَهُوَ العلَّمَةُ المُحدِّثُ أبو عبد الله محمدُ بن
يحيى بن أحمد التميمي القُرْطُبِيُّ المالكي ابن الحذَّاء.
كان بصيراً بالفقه والحديثِ، وصَحِبَ أبا محمد الأصيلي، واختصَّ
به، وانْتَفَعَ بصحبته.
رَحَلَ إلى المشرق، فَحَجَّ سنة ٣٧٢هـ ... ولَقِيَ بمصر هشامَ بن
محمد بن أبي خَلِيفة راويَة الطحاوي وغيرَه.
صنَّفَ كتاب ((الإِنْباه عن أسماء الله))، و((التعريفَ بمن ذكر في موطأ
مالك بن أنس من النساء والرجال))، و((البُشرى في تأويل الرؤيا))، و («سِيْر
الخطباء))، ولي قضاء إشبيلية، ثم سَرَقُسْطة، وَبِهَامات في رمضان سنة
٤١٦ هـ.
عالية
قال أبو علي الغساني: كان أبو عبد الله بن الحذَّاءِ أَحَدَ رجال
الأندلس فقهاً وعلماً ونباهةً، متفيِّناً في العلوم يقظاً، ممن عُنِيَ بالآثار،
وأَنْقَنَ حمَلَها، ومَيَّزَ طُرُقَها وعِلَلَها، وكان حافظاً للفقه بصيراً بالأحكامِ ،
إلا أن عِلْمَ الأَثَرِ غَلَب عليه. ((سير أعلام النبلاء)) ١٧ /٤٤٤.
٦ - وأما هِشَامُ بنُ محمد بن أبي خليفة، فهو أبو القاسم
هشامُ بن أبي خليفة محمدِ بنِ قُرَّةَ بن محمد الرُّعيني الحَجْرِي.
حَدَّث عن الطحاوي وغيرِهِ، سَمِعَ منه عبدُ الغني بنُ سعيد الأزدي،
وجماعة. مات سنة ٣٧٦هـ.
١٨

مترجم في ((الإِكمال)) ٨٣/٣، و((الأنساب)) ٦٨/٤، و((المشتبه))
٢١٩/١ - ٢٢٠، و((غاية النهاية)) ٣٥٦/٢.
وأبوه، وجَدُّه، وجَدُّ أبيه، وجَدُّ جَدِّ أبيه، كُلهم رُواةٌ ذكرهم
الذهبي في ((المشتبه)).
وثمة سند آخر للكتاب، ذكره ابنُ عَطيّة في ((فهرسته))،
ص ١٠٢، ونص كلامه: ((كتاب تأويل مشكل الحديث)) تصنيف
أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، أخبرنا به الشيخ الفقيه أبو بكرٍ
عبدالباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الحجاري، عن المنذر بن
المنذر، عن أبي القاسم هشام بن أبي خليفة محمد بن أبي قرة الرُّعَيني
- قال المنذر: سمعناه عليه بقراءة أبي محمد عبدالغني بن سعيد
الحافظ -، عن مصنفه أبي جعفر الطحاوي .
ورجال هذا السند ثقات من أهل العلم:
فابنُ عطية هو الإِمام المتفنّن أبو محمد عبد الحق بن غالب
المحاربي الغرناطي الأندلسي، المتوفى سنة ٥٤١هـ. مترجم في
((السير)) ٥٨٧/١٩ - ٥٨٨.
وأبو بكر عبدالباقي، توفي سنة ٥٠٢هـ، ترجم له ابن بَشكُوال في
((الصلة)) ٣٨٥/٢ ووصفه بالنبل والحفظ والذكاء.
والمنذر بن المنذر، توفي سنة ٤٢٣هـ، ترجم له صاحب ((الصلة))
٦٢٤/٢ وقال: كان رجلاً صالحاً، قديم الطّلب للعلم، كثير الكتب،
راوياً لها، موثقاً فيها.
وأبو القاسم الرعيني، تقدمت ترجمته في سند ابن خير.
١٩

وأما أبو محمد عبدالغني بن سعيد، فهو الإِمام الحافظ الحجة
النسّابة، محدث الديار المصرية، المتوفى سنة ٤٠٩ هـ. مترجم في
((السير)) ٢٦٨/١٧ - ٢٧٣.
وقد أطبق أهل العلم من مختلف العصور على صحة نسبة هذا
الكتاب إلى أبي جعفر، ونقلوا عنه، وأفادوا منه، وقام باختصاره القاضي
الإِمام أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد، فقيه الأندلس وعالمها،
المتوفى سنة ٥٢٠هـ(١).
وَصْفُ الأصلِ المعتمد:
إن الأصلَ الذي اقتنينا صُوَرةً عنه، واتَّخذناه أصلاً لِنشر هذا
الكتاب، محفوظٌ في مكتبة شيخِ الإِسلام فَيْضِ الله، في سَبْعَةِ أجزاء
ضِخَام، تَحْتَ الأرقامِ (٢٧٣) و (٢٧٤) و(٢٧٥) و(٢٧٦) و (٢٧٧)
و (٢٧٨) و (٢٧٩)، مِن رواية أبي القاسم هشامِ بنِ محمد بنِ قُرَّة بنِ
أبي خليفة الرُّعيني، عَنْ مؤلّفِهِ الإِمامِ أبي جعفر أحمدَ بنِ محمد بن
سلامةَ بنِ سلمةَ الأزديّ الطحاويّ.
وهُوَ أصلٌ نَفِيسٌ مُثْقَنٌ يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيه، كُتِبَ بِخَطِّ نَسْخِي
جَمِيلٍ واضح، وقد ضُبِطَتْ كلماتُه المُلْبِسَة بالشَّكْل، وَأَثْبِتَ على
هَوَامِشِه تَصْوِيبَاتٌ وإضافاتٌ مما ندَّ عَن الناسخِ تَدَارَكَها مَالِكُ النسخةِ
مُحَمِّدُ بنُ محمد بن محمد بنِ السَّابق الحنفي، أثناءَ مقابلَته على الأصلِ
المنقولِ عنه، وإليك وَصْفَ الأجزاء:
(١) وما ذكره بعضهم من وجود نسخة من هذا المختصر بدار الكتب المصرية، فوهم، فإن
الموجود فيها هو ((مختصر شرح معاني الآثار)).
٢٠