Indexed OCR Text
Pages 301-320
وأما قوله عليه السلام: ((وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ مِثْلَ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجْبْتُ الدَّاعِيَ)) أي لأنَّ يوسف لما جاءه الدَّاعي، قال له: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النُّسْوَةِ ... ) الآية [يوسف: ٥٠] أي: كنتُ أجبتُ الداعي، لأنَّ في ذلك خروجي من السجن الذي كنت فيه. .الله تعالى ٣٠١ ٥٤ - بابُ بيانٍ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرادِ الله بقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى مِثلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، هل: هو عبدُاللَّهِ بنُ سلام، أو مَنْ سِواه ٣٣١ - حدثنا يونس، ويزيدُ بن سِنان، والربيعُ الجِيزي، وصالحُ بنُ عبدِ الرحمن، وعمرو بنُ الحارث، وإبراهيمُ بنُ أبي داود، وفهدّ، ومالكُ بنُ عبد الله بن سيف التُّجِيبي أبو سعد قالُوا: حدثنا عبدُالله بنُ يوسف، قال: سَمِعْتُ مالكاً يُحدِّثُ، عن أبي النَّضْر، عن عامرٍ بنِ سعدٍ عن سعد قال: ما سمعتُ النبيَّ عليه السلامُ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، إلَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ سلام، وفيه نَزَلَتْ هذه الآيةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠](١). فَأَنْكَرَ مُنكرٌ أن يكونَ عبدُالله بنُ سلام هو المرادَ بهذه الآية، وذكر أنَّ (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. وهو في (صحيحه)) (٣٨١٢) من طريق عبدالله بن یوسف، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (٢٤٨٣) من طريق إسحاق بن عيسى، والنسائي في ((الكبرى)) كما في (التحفة)) ٢٩٣/٣ من طريق أبي مسهر الغساني، وابن جرير ٧/٢٦ من طريق عبدالله بن يوسف، ثلاثتهم عن مالك به، وذكره السيوطي في ((الدر)) ٣٩/٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه . ٣٠٢ ٠ المراد بها سِواه، وأنها في سورةٍ مكية، وأنَّ إسلامَ عبدِ الله، فإنما كان بالمدينة، وذكر في ذلك: ما قد حدثنا ابنُ أبي مريمَ، حدثنا الفِرِيابي، حدثنا قيسُ بنُ الربيع، عن عاصِمٍ، عن الشُّعْبيِّ في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائيل عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: ليس عبدالله بنَ سلام، آيَةٌ مكية، وإنما أسلَم عبدُ الله بن سلام قبلَ وفاة النبيِّ عليه السَّلامُ بعامين، وما أُنْزِلَ فيه شيءٌ من القرآن، وإنَّا أُنزِلَتْ هذه الآية في رجلٍ من بني إسرائيل آمَن به قومُهُ، واسْتكبرتُم أَنْ تُؤمنوا(١). (١) قيس بن الربيع: صدوق إلا أنه تغير لما كَبِرَ، فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به. وباقي رجاله ثقات. الفريابي: هو محمد بن يوسف، وعاصم: هو ابن سليمان الأحول، وعامر: هو ابن شراحيل الشعبي. وأخرجه الطبري في ((تفسيره) ٧/٢٦ من طريق أبي كريب، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: أناس يزعمون أن شاهداً من بني إسرائيل على مثله عبدالله بن سلام، وإنما أسلم عبدالله بن سلام بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حمّ إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فقال: أرأيتم إن كان من عند الله - يعني القرآن - وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن موسى ومحمد عليهما السلام على الفرقان. وفي رواية: قال عامر: قال مسروق: والله ما نزلت في عبدالله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبدالله إلا بالمدينة، ولكنه خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم قومه، قال: فنزلت: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم﴾ قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم وكفرتم. وقال ابن جرير في «تفسيره) ٩/٢٦: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبهُ بظاهر التنزيل، لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عندٍ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِه وشَهِدَ شاهدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلى مثلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله - تعالى ذكرُه- مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظيرة سائر = ٣٠٣ وقد وافق الشَّعبيَّ - في نفي هذه الآية أَنْ تكونَ أُنْزِلَتْ في ابنٍ سلام، وفي نفي آيةٍ أخرى قد قال بعضُ الناس: إنها أَنْزِلَتْ فيه أيضاً، وهي قولُه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَينَكُمْ وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتَابِ﴾ [الرعد : ٤٣] - سعیدُ بنُ جبير. كما أخبرنا أحمد بنُ داود بنِ موسى، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بشرٍ قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبَيْر عن قولِ الله تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَه عِلمُ الكِتَابِ﴾، قلتُ: هو ابنُ سلام؟ قال: كيف يكونُ عبدَاللَّهِ بن سلام وهذه السورة مكيةٌ، قال: وكان سعيدٌ يقرأُ: ((ومِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ))(١). الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب، ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها = فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدَّم الخبر عنهم معنى غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عُني به عبدالله بن سلام، وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلَم بمعاني القرآن، والسبب الذي نزل فيه، وما أريد به، فتأويلُ الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبدالله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة: أنه نبي، تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن: أنه نبي، وقوله: ﴿فآمن واستكبرتم﴾ يقول: فآمن عبدالله بن سلام، وصدَّق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، واستكبرتم أنتم على الإِيمان بما آمن به عبدُالله بن سلام معشرَ اليهود، ﴿إِنّ الله لا يهدي القوم الظالمين) يقول: إن الله لا يوفق لإصابة الحق، وهدى الطريق المستقيم القومَ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط الله بكفرهم به. وقال ابن كثير: وهذا الشاهد: اسم جنس يعم عبدالله وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبدالله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يُتلى عليهم قالوا: آمنا به، إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرُّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾. (١) إسناده صحيح. أبو عوانة: هو الوضاح بن عبدالله اليشكري، وأبو بشر: هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية . = ٣٠٤ وكانُوا يَشُدُّونَ ذلك بما يرويه عن ابنِ عباس : كما حدثنا أحمد بن أبي عمران، حدثنا خلفُ بنُ هشام البَزَّار، حدثنا الخَقَّافُ، عن هارونَ النَّحْوي، عن جعفرِ بنِ أبي وحشية، عن ابنٍ جُبير، عن ابنِ عباس أنَّه كان يقرأ: ((ومِن عندِه)) بكسرها، ويقول: مِن عِنْدِ الله عِلْمُ الكِتاب(١). فتأمَّلنا هذا البَابَ هل خالف فيه الشعبيُّ، وسعيدُ بنُ جبير أحداً من أمثالهما؟ . فحدثنا ابنُ أبي مريمَ، حدثنا الفِرِيابي، حدثنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسرَائِيل﴾ قال: هو عبدُالله بنُ سلام(٢). وكما حدثنا يزيدُ بن سِنان، حدثنا أزهرُ بنُ سعدٍ السمان، حدثنا ابنُ عَوْنٍ، عن الشَّعْبي في هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ قال: يقولون: ابنُ سلام، وكيفَ يكونُ ابنَ سلام وهذه الآية مکیةٌ؟ = ورواه الطبري (٢٠٥٥٥) و(٢٠٥٥٦) من طريقين عن أبي عوانة، به. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٩/٤، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في («ناسخه)). (١) إسناده على شرط مسلم. الخفاف: هو عبدالوهاب بن عطاء، وهارون النحوي: هو ابن موسى الأزدي . وقد ضبط أبو حيان الأندلسي قراءة ابن عباس، وابن جبير في ((البحر المحيط)) ٤٠٢/٥، فقال: بجعل (من)) حرف جر، وجر ما بعده به، وارتفاع ((عِلْم)) بالابتداء، والجار والمجرور في موضع الخبر. (٢) : تفسير مجاهد)) ٥٩٣/٢. وابن أبي نجيح: هو عبدالله بن أبي نجيح، واسم أبي نجيح : يسار. ٣٠٥ قال ابنُ عون: فُنُبئت أنَّ محمداً - يعني ابن سيرين - قال: صَدَقَ هي مكية . - قال أبو جعفر: يعني السورة التي فيها تلك الآية، وهي سورةُ الأحقاف - ولكنها قد كانت تُنْزِلُ الآيةُ، فَيُؤْمَرُ بها أَنْ تُوضَعَ في مکان كذا وكذا(١). قال أبو جعفر: يعني أنه قد كانت الآيةُ تَنْزِلُ بالمدينة، فَيُؤْمَرُ بوضعها في سورة قد كانت نَزَلَتْ بمكة. ثم رجعنا إلى حديثٍ مالك الذي رويناه في أوائلِ الباب، فكشفناه لنقف على حقيقته . ٣٣٢ - فوجدنا ابنَ أبي داودَ، وفَهْداً، وعبدالرحمن بن عمرو بن صفوانَ النَّصْري الدمشقي قد حدثونا، قالوا: حدثنا أبو مُسْهِر عبدُالأعلى بنُ مُسْهِرِ الغَسَّاني، حدثنا مالكٌ، عن أبي النّضْرِ، عن عامرِ بنِ سعد عن سعد قال: ما سمعتُ النَّبِيَّ عليه السلامُ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، إلَّ عَبْدَاللَّهِ بَنَ سَلامٍ (٢). ولم يذكر فيه نُزُولَ تلك الآیة فیه . فوقَعَ في قلوبِنا مِن ذلك شيء، فكشفْنَا عنه أيضاً حتى وَقَفْنَا على الحقيقة فيه بِمَنَّ اللَّهِ وعَوْنِهِ . (١) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين. وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٩/٦، ونسبه لعبد بن حميد، وابن المنذر. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه مسلم (٢٤٨٣)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٤٨)؛ وعلقه البخاري في كتاب ((الأدب)) ٤٧٨/١٠ ((فتح)) من طريق مالك، بهذا الإسناد. ٣٠٦ ٣٣٣ - فوجدنا یونس قد حدثنا، حدثنا يحيى بن عبدالله بن بُکیر، حدثنا عبدُالله بنُ وهبٍ، عن مالك فذكر بإسناده مثلَهُ، قال فيه قال: قال مالك: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾(١). ٣٣٤ - ووجدنا أحمدَ بنَ عبدالرحمن بن وهب قد حدثنا قال: حدثنا عمي ... ثم ذكر بإسناده مثله، وبما أضافه إلى مالك فيه مثلَه(٢). فوقَفْنا بذلك على أنَّ ذِكْرَ نزولِ هذه الآية في هذا الحديث، ليسَ مِنْ كلام النبي عليه السلام، ولا مِن كلام سعد، وإنما هُومِن كلام مالك، فخرج بذلك أَنْ يكونَ فيه حُجَّةٌ على الشَّعْبي، وسعيد بن جُبَير في إثبات نزول هذه الآية أَنَّه كان في عبدِ الله بنِ سلام. ثم تأمُّلْنا ما قد رُوِيَ في نزولها سوى هذا الحديث. فوجدنا بَكَّارَ بنَ قُتيبةَ قد حدثنا قال: حدثنا سليمان(٣) بنُ داود صاحبُ الطَّيالسة، حدثنا شُعيب بنُ صفوان، حدثنا عبد الملك بنُ عُمير، أنَّ الحجاجَ بن يُوسف قال لمحمد بن يوسف بن عبدالله بن سلام: لِلْهِ أبوكَ، تَعْلَمُ حديثاً حدَّثه أَبُوَكَ عَبْدَالملك بنَ مَرْوانَ أميرَ المؤمنينَ؟ قال: أيَّ حديثٍ يَرْحُكَ الله؟ فَرُبَّ حديثٍ حَدَّث به، قال: حديثَ المصريين لما حاصروا عثمانَ رضي الله عنه، قال: قد علمتُ ذلك الحديثَ، فحدَّثه به، فكانَ فيه أنهم قالوا لعبدِ الله بن سلام لما حَذْرَهُمْ مِنْ قتلِ عثمان: كَذَبَ اليهودِيُّ، كَذَبَ اليَهُودِيُّ، فقال: كذبتُم واللَّهِ وَأَثِمْتُمْ(٤) ما أنا (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد، وبهذا اللفظ. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله. (٣) تعرف في الأصل إلى: ((بكير)). (٤) تحرف في الأصل إلى: ((والميم)). ٣٠٧ بيهوديٍّ، وإنّ لَأَحَدُ المؤمنين يَعْلَمُ ذلك اللَّهُ ورسولُهُ والمؤمنونَ، وقد أَنزل اللَّهُ في كتابه ﴿قُل كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلمُ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، والآية الْأُخرى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسرَائِيل على مِثْلِهِ فَآمَن وَاسْتكبَرْتُمْ﴾(١) [الأحقاف: ١٠]. فكان ما في هذا الحديث من إخبارٍ ابنٍ سلام بنزول هاتين الآيتين فيه أولى، وكان بما نزل فيه أعلمَ، ولم نَجِدْ أحداً من القراء الذين أُضيفتِ القراءةُ إليهم من الآية التي تَلَوْنا، وهو قولُه: ﴿وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتَابِ﴾ إلا كذلك، ولم نَجِدْ أحداً قرأَهَا بالكسرِ إلا ابنَ عباس، وابنَ جبير. وقد حدثنا ابنُ أبي عمرانَ، حدثنا خلف قال: قرأ الأعمشُ ﴿ومَنْ عِنْدَه﴾ نصب، وعاصِمٌ، وحمزةٌ كَمِثْلٍ، ونافعٌ كَمِثْلٍ ، وابنُ كثيرٍ كمثل، وأبو عمرو كمِثْلٍ . وقد ذكرنا فيما تقدم مِنّا في كتابنا مخرج قراءة عاصم، ورجوعَها إلى علي، وإلى ابن مسعود، وإلى زيد بن ثابت(٢). وقراءةُ نافع(٣)، فقد كانت مأخوذةً عن جماعة، منهم أبو جعفر (١) عبدالملك بن عمير: تغير حفظه، وربما دلس، ولم يصرح بالتحديث، ومحمد بن يوسف: لم يوثقه غیر ابن حبان. ورواه بنحوه الترمذي (٣٢٥٦) و (٣٨٠٣) عن علي بن سعيد الكندي، حدثنا أبو محياة يحيى بن يعلى بن عطاء، عن عبدالملك بن عمير، عن ابن أخي عبدالله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان ... الحديث. قال الترمذي: وقد رواه شعيب بن صفوان، عن عبدالملك بن عمير، عن ابن محمد بن عبدالله بن سلام، عن جده عبدالله بن سلام. وقال في الموطن الأول: حديث حسن غريب، وفي الثاني: حديث غريب، أي: ضعيف، وهو الصواب، فإن ابن أخي عبدالله بن سلام مجهول. (٢) انظر الصفحة ٢٦٣ . . (٣) انظر ((قراءات القراء المعروفين)) ص ٥١ - ٦٣ للأندراوي. ٣٠٨ يزيدُ بنُ القَعْقَاعِ، وكان أخْذُ أبي جعفر إيّاها من مولاه عَبْدِ اللّه بنِ عياش، وكان أَخْذُ عبدِ الله بنِ عياش إِيَّها مِن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، كذلك حدثني رَوْحُ بنُ الفرج، عن أحمدَ بنِ صالح أَنْهُ سَمِعَهُ يقول ذلك. وقراءةُ حمزة، فمأخوذةً فيما حدثني ابنُ أبي عمران ممّا سَمِعَه من خلفٍ البزار، أنَّه قرأ القرآن على سليم بن عيسى عشرَ مرَّات، وأنَّ سليماً حدَّثَهُ أنَّهُ قرأه على حمزةَ، وأنَّ حمزة ذكر أنَّه قرأ القرآن على رجلين: وهما الأعمشُ، ومحمدُ بنُ عبدالرحمن بن أبي ليلى، فما كان مِن قراءة ابنِ أبي ليلى، فعلى حرفٍ عليٍّ، وما كان مِن قراءة الأعمشِ ، فعلى حرفِ ابنِ مسعود(١) ومما أخذْنَاه مِن قراءة حمزة عن غير ابن أبي عمران أنَّ ابنَ أبي ليلى قرأ القرآن على أخيه عيسى بنِ عبدالرحمن، وأَنَّ أخاه قرأه على أبيه، وأَنَّ أباه قرأه على عليٍّ، وأن الأعمش قرأه على يحيى بن وَثَّاب، وأَنَّ يحيى قرأه على عُبيد بنٍ نُضَيْلَةَ، وأَنَّ عُبيداً قرأه على علقمةَ بنِ قيس النَّخَعِي، وأنَّ علقمةَ قرأه على ابنِ مسعود رضيَ الله عنه. (١) انظر المصدر السابق ص ١٠٩ - ١١٧ . ٣٠٩ ٥٥ _ بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في السبب الذي أُنزلت فيه الآيتانِ اللتانِ أَوَّلَ سُورةِ الحُجُرَاتِ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ .. الآية، و﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتِكُم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. الآية ٣٣٥ - حدثنا بَكَّارُ بنُ قُتَيبة، حدثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، حدثنا نافعُ بنُ عُمَرَ الْجُمَحِي، حدثنا ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عن ابنِ الزُّبير قال: قَدِمَ الأقرعُ بنُ حابس على رسول الله عليه السلام، فقال أبوبكر: يا رسولَ الله، استعمِلْهُ على قومِه، وقال عُمَرُ: لا تستعمِلْهُ يا رسولَ اللَّهِ، فتكلَّما في ذلك حتى ارتَفَعَتْ أصواتُهُما، فقال أبو بكرٍ لِعُمَرَ: ما أردتَ إلى خِلافي؟ قال: ما أردتُ خلافَك، قال: فنزلت ﴿لَ تَرَفَعُوا أَصَوَاتَكُم فَوْقَ صَوتِ ء النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢]. قال: فكان عمرُ بعدَ ذلك إذَا تَكَلَّمَ لم يُسْمِعِ النبيَّ عليه السلام حتى يستفهِمَه، قال: وما ذكر أباه ولا جَدَّه يعني أبا بكر والزبير رضي اللَّهُ عنهما(١). ٣٣٦ - حدثنا يوسفُ بن يزيد، حدثنا يعقوبُ بنُ أبي عبادٍ (١) مُؤَمَّلُ بن إسماعيل: صدوق، سىء الحفظ، وباقي رجاله رجال الشيخين. ورواه الترمذي (٣٢٦٦) من طريق مُؤَمَّل، بهذا الإِسناد. وقال: غريب)). وسيرد عند المصنف بإسناد آخر صحيح. ٣١٠ المكي، حدثنا نافعُ بنُ عمر عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قال: كاد الخَيِّرَانِ أن يَهْلِكًا: أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَفَعَا أَصْواتّهما عندَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم حينَ قَدِمَ علیهِ رَكْبُ مِن بني تميمٍ، أشارَ أحدُهما بالأقرعِ بنِ حابسٍ أخي بني مُجَاشِعٍ ، وأشارَ الآخرُ برجُلٍ آخرَ لا أحفظُ اسمَهُ، قالَ أبوبكر لِعُمَرَ: ما أردتَ إلّ خِلَافي! فقال: ما أردتُ خِلَافَكَ، فارتّفَعَتْ أَصْوَاتُهما في ذلك، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُم﴾ إلى آخر الآية(١). حدثنا يوسفُ، حدثنا يعقوبُ، حدثنا نافعٌ، قال: قال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: فقال ابنُ الزبير: فما كان عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ هذه الآية حتى يستفهِمَهُ. قال ابن أبي مُلَيْكَةَ: ولم يذكُرْ ذلك عن أبيه(٢) أبي بكر(٣). (١) إسناده صحيح. يوسف بن يزيد: هو ابن كامل بن حكيم القرشي، ثقة، مترجم في (التهذيب)) ٤٢٩/١١، وشيخه يعقوب بن أبي عباد - وهو يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد المكي القلزمي - روى عنه جمع، وقال أبو حاتم فیما نقله عنه ابنه ٢٠٣/٩: قدمت قلزم وهو غائب، فلم أکتب عنه، ومحله الصدق لا بأس به، ومن فوقه على شرط الشيخين. ابن أبي مليكة: هو عبدالله بن عبيدالله بن عبدالله بن أبي مليكة التيمي المدني. وأخرجه البخاري في «صحيحه)) (٤٨٤٥) من طريق بسرة بن صفوان بن جميل اللخمي، عن نافع بن عمر، بهذا الإسناد. قال الحافظ: هذا السياق صورته الإرسال، لكن ظهر في آخره أن ابن أبي مليكة حمله عن عبدالله بن الزبير، وسيأتي في الباب الذي بعده (٤٨٤٧) التصريح بذلك، ولفظه عن ابن أبي مليكة أن عبدالله بن الزبير أخبرهم، فذكر بكماله. (٢) أي: جده، وإطلاق الأب على الجد شائع مشهور. (٣) إسناده صحيح كسابقه. ٣١١ قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أَنَّ الآيةَ التي أُنْزِلَتْ في المعنى الذي كان مِن أبي بكرٍ وعُمَرَ المذكور في هذا الحديث هي ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجِهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾ [الحجرات: ٢]، وقد رُوِي أَنَّ الآية التي أُنْزِلَتْ في ذلك هي قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] .. الآية. ٣٣٧ - كما حدثنا محمدُ بنُ عبدِالله بن ◌َخْلَد الْأَصْبَهاني أبو الحسين، حدثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، حدثني هشامُ بنُ يوسُفَ، في تفسير ابن جريج: ﴿لَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أخبرني ابنُ أبي مليكة أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ الزبير أخبرَهُم أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِن بني تَميمٍ على النبيِّ عليه السلامُ، فقال أبو بكر: أَمِّرِ القَعْقَاعَ بنَ مَعْبَد بنِ زُرارةَ، وقال عُمَرُ: بل أمِّرِ الأقرعَ بنَ حابسٍ، فقال أبوبكر: ما أَرَدْتَ إلَّ خِلافي! فقالَ عُمر: ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعتْ أَصْوَاتُهُما فَزَلَتْ في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(١). فكان ما في الحديثين الأوَّلَيْنْ أشبهُ بأنْ تكونَ الآيةُ المذكورة فيهما هي التي أُنْزِلَت فيما كانَ من أبي بكر وعُمَرَ في المعنى المذكور فيهما، والله أعلم. وقد شَدَّ ذلك ما قد رُوِيَ ممّا كان عندَ نزولها مِن ثابتٍ بنِ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ الأنصاريّ : ٣٣٨ - حدثنا فَهْدٌ، حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ أبوسَلَمَة المِنْقَرِي، حدثنا سليمانُ، يعني ابنَ المغيرة، حدثنا ثابتٌ (١) إسناده حسن. ورواه البخاري (٤٣٦٧) من طريق هشام بن يوسف، و (٤٨٤٧)، والنسائي ٢٢٦/٨ من طريق حجاج بن محمد، كلاهما عن ابن جريج، بهذا الإسناد. ٣١٢ عن أنس قال: لما نَزَّلَتْ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال: وكانَ ثابتُ بنُ قیسِ رَفِيعَ الصوتِ، فلما نزَلَتْ هذه الآية، جَلَسَ في بيته، وقال: أنا الذي كنتُ أَرْفَعُ صوتي فوقَ صوتِ النبي، وأجهَرُ له بالقولِ، حَبِطَ عَمَلِي، وأنا مِن أهل النار، فَفَقَدَهُ النبيُّ عليه السلامُ، فأتاه رجلٌ من أصحابه، فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَدَكَ، فقال: أُنزلتْ فيَّ هذه الآية، أنا الذي كنتُ أَرْفَعُ صوتي فَوْقَ صوتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَجْهَرُ لَهُ بالقولِ، فَحَبِطَ عملي، وأنا مِن أهلِ النار، فأتى به الرجلُ فقال: إنَّه يقول: كذا وكذا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((بَلْ هُوَمِنْ أَهْلِ الجنّةِ))، قال أَنَسٌ: فكنا نَرَاهُ يَخْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنا، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهُ مِن أُهلِ الجنةِ، فلمّا كانَ يومُ اليمامةِ كان في بعضِنا بعضُ الانكشاف فأقبلَ، وقد تكفِّن، وتَحَنَّطَ فقال: بِئْسَ ما عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ (١)، فقاتَلَهُم حتى قُتِلَ رحمه الله (٢). وتعلية (١) في الأصل: ((تعدني أقراني))، والمثبت من المطبوع. (٢)، إسناده صحيح على شرط مسلم. سليمان بن المغيرة: أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً. ورواه مسلم (١١٩)، وأحمد ١٣٧/٣، والنسائي في (فضائل الصحابة)) (١٢٣) من طرق عن ثابت، به. ورواه البخاري (٣٦١٣) و (٤٨٤٦) من طريق موسى بن أنس، عن أنس، به. وله طرق أخرى عند الطبراني (١٣٠٩) و(١٣١٠) و(١٣١١) و (١٣١٢) و (١٣١٣) و(١٣١٤) و(١٣١٥) و(١٣١٦) و (١٣٢٠). وروى الحاكم في (المستدرك)) ٢٣٥/٣ من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة وقد تحنْطَ، ولَبِس أكفانه، وقد انهزم أصحابه، وقال: اللهم، إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فبئس ما عودتم أقرانكم، خلوا بيننا وبين أقراننا ساعة، ثم صلى، فقاتل ساعة، فقتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل فيما يرى النائم، فقال = ٣١٣ فأما نزولُ الآية الأخرى التي تَلَوْنَاهَا في هذا الباب، فكان فيما رُوِيَ عن عائشة في معنى سوى ذلك المعنى الذي نَزَلَتْ فيه الآيةُ الأخرى. ٣٣٩ - كما حدثنا سُليمانُ بن شُعيب الكَيْسَانِ، حدَّثَنِي أبي في إملاء أبي يُوسُفَ عليهم، عن يحيى بنِ الحارث التّيْمِي، عن حِبّال بنِ رُفَيْدَةَ، عن مسروقٍ بنِ الأجدع قال: كُنَّا عندَ عائشة أمِّ المؤمنين يَوْمَ عَرَفَةَ، والناسُ يَسْأَلُونَ يَرَوْنَ أَنَّه يَوْمُ النحر، فقالت الجاريةٍ لها: أَخْرجي المَسْروقٍ سَوِيقاً وحَلِّيهِ، فَلَوْلاَ أنّ صائمةٌ لَذُقْتُهُ، فقالَ لها: أَصُمْتِ هذا اليومَ، وهو يُشَكُّ فيه؟! فقالت: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في مثل هذا اليومَ ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كان قومٌ يتقدَّمُونَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصَّومِ، وفيما أشبهه، فَنُهُوا عن ذلك(١). وكما حدثنا الحسنُ بنُ بكر بن عبدالرحمن أبو علي المُرُوديّ، حدثنا إسحاقُ بنُ منصور السَّلُولي، أخبرنا جعفرٌ الأحمرُ، عن يحيى الجابر، عن حِبال بنِ رُفِيْدَةٍ، عن مسروق أنَّ رجلاً صام يوم الشِّكَّ، = إن درعي في قدر تحت إكاف بمكان كذا وكذا، وأوصى بوصايا، فطلب الدرع، فوجدت حيث قال، فأنفذوا وصيته. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي . وأخرجه الطبراني (١٣٠٧) من طريقين عن حماد بن سلمة، به. وثابت بن قيس: كان خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، واستشهد باليمامة سنة ١٢ هـ في خلافة أبي بكر. (١) إسناده ضعيف. والد سليمان: كوفي من أصحاب محمد بن الحسن. ذكره ابن يونس في الغرباء الذين قدموا مصر، وتوفي بها سنة ٢٠٤هـ، ويحيى بن الحارث - وهو يحيى بن عبدالله بن الحارث -: ضعيف، وحِبال بنُ رُفَيدة (وفي الأصل رفادة): ذكره البخاري في (تاريخه)) ١٣٢/٣ - ١٣٣، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ونقل ابن أبي حاتم ٣١٥/٣ توثيقه عن ابن حنبل، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٩٣/٤، وكذا العجلي ص ١٠٤، فقول الذهبي في ((الميزان)): لا يعرف: فيه ما فيه . ٣١٤ فقالت له عائشةُ: لا تَفْعَلْ، فإِنَّهم كانُوا يَرِوْنَ أَنَّ هذه الآية نَزَلَتْ فيه ﴿لَا تُقْدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(١). فَدَلَّ ما ذكرنا عند تصحيح ما روينا أَنْ كُلُّ واحدة من الآيتين اللتين تلونا كان نزولها في معنىّ غيرِ المعنى الذي كان فيه نزولُ الآية الأخرى منهما . وفي حديث ابن الزبير معنى يجب أن يُوقف عليه، وهو ما في حديث بَكَّارِ بنِ قُتيبة الذي روينا منْ قول أبي بكر لعمرَ: ما أردتَ إلى خِلافي؟ ومن قول عمر عند ذلك: ما أردت خلافَك، وما في حديث يوسف بن يزيد، ومحمد الْأُصْبَهَاني مكان ذلك، فقال أبوبكر لعُمَرَ: ما أردتَ إلاّ خِلاَفي، وقولُ عمر له عند ذلك: ما أردتُ خِلافَك، فالذي في حديث بَكَّارِ أَوْلى عندَنا، وَأَشْبَهُ بهما، لأنَّ ذلك سؤالٌ من أبي بكرِ لعُمَرَ: ما الَّذي أرادَ به خلافَه، والذي في حديثي يوسف، ومحمد: ما أردتَ إلاَّ خِلافي، هو على سبيلِ الخصومة، والنكير من أبي بكر لعُمَرَ ما كان منه في ذلك، وقد برَّأهما اللَّهُ تعالى من الاختلاق الذي يُوقِعُ بينهما الاختلافَ في هُذا وما أشبهه، وطهِّر قلوبَهُما، وجعل كُلَّ واحد منهما وليّاً لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولأنَّهُ لا يُخالف باطنُها ظاهرَها. وقد رُوِيَ عن مجاهدٍ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقوْلِ﴾ [الحجرات: ٢]: ما قد حدثنا ابنُ أبي مريم، حدثنا الفِريابي، حدثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجِيحٍ ، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرٍ (١) إسناده ضعيف كسابقه. ٣١٥ : تَعْضِكُم لِيَعْضِ﴾، قال: لا تُنادوا نداءً، لا تقولُوا: يا محمدُ، ولكنْ قولُوا قولاً لَيِّناً: يا رسولَ اللَّهِ(١). وروي عنه أيضاً في تأويل قولهِ تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولهِ﴾: ما قد حدثنا ابنُ أبي مريمَ أيضاً قال: حدثنا الفِريابي، حدثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تَفْتَأْتُوا علَى رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم حَتَّى يفيضَه اللَّهُ عَلَى السَّانِهِ(٢). وروي عن الحسنِ البَصْري في ذلك: ما حدثنا أحمدُ بن داود، حدثنا عبيدُالله بن محمد التَّيْمي، وموسى بنُ إسماعيلَ، وسهلُ بنُ بَكَّار، عن حَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن حُميدٍ، عن الحَسَنِ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تَذْبَحُوا حَتْ يَذْبَحَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم(٣). (١) (تفسير ابن مجاهد) ٦٠٥/٢، ولفظه: يقول: لا تنادوه باسمه نداء، ولكن قولوا قولاً ليِّناً: يا رسول الله . (٢) ((تفسير ابن مجاهد)) ٦٠٥/٢. ورواه عنه ابن جرير ٧٤/٢٦، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٤/٦، وزاد نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في ((الشعب))، وقال بإثره: قال الحفاظ: هذا التفسير على قراءة ((تقدَّموا)) بفتح التاء والدال. قلت: وذكر ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٤٥٥/٧ هذه القراءة، ونسبها إلى ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي رزين، وعائشة، وأبي عبدالرحمن السلمي، وعكرمة، والضحاك، وابن سيرين، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب. قلت: ويعقوب هذا: هو يعقوب بن إسحاق الحضرمي، إمام أهل البصرة ومقرئها، انتهت إليه رياسة القراءة بعد أبي عمرو، وهو أحد القراء العشر الذين يحتج بقراءتهم. (٣) رجاله ثقات. ورواه ابن جرير ٧٤/٢٦ من طريق آخر بلفظ: قال الحسن: أناس من المسلمين ذبحوا قبل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر. ٣١٦ قال: وقال الكَلْبِيُّ (١): لا تُقَدِّموا بَيْنَ يَدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بقولٍ ولا عملٍ (٢). فالذي رويناه في هذا الباب عن الحسنٍ، وعن مجاهدٍ، فيه توكيدُ لِما ذكرْنَا ممّا يُوافقه، واللَّهَ نسألُهُ التوفيقَ. g الله تعالى (١) هو محمد بن السائب الكلبي أبو النضر الكوفي المفسر النسّابة الأخباري، اتفقوا على ضعفه . (٢) وورد عن ابن عباس تفسير هذه الآية: لا تقولوا خلاف الكتاب والسُنّة، وفي رواية: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر ما ورد في تفسيرها: ومعنى الآية على جميع الأقوال: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل. قال ابن قتيبة: يقال فلان يُقَدِّمُ بين يدي الإِمام، وبين يدي أبيه، أي: يُعَجِّل بالأمرِ والنهي دونه. ٣١٧ ٥٦ - بابُ بيانٍ مُشْكلِ ما رُوِيَ عن رسولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم من قوْلِهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ على قَافِيةِ رأسٍ أحدِكُمْ ثَلاثَ عُقَدٍ إذا نامَ، كُلُّ عُقْدَةٍ مِنْها يَضْرِبُ مكانَها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طويلٌ، فإذَا أَصْبَحَ وَلَمْ يُصَلِّ، أصبحَ كَسْلانَ خَبِيثَ النفسِ » ٣٤٠ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا ابنُ وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، ومالك، عن أبي الزناد، عن الْأُعْرَج عن أبي هُريرةَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ عليه السلام قالَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطانُ على قَافِيةِ رأسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، كُلُّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ مكانَها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طويل، ارقُدْ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ، فإنْ ذَكَرَ رَبِّه عَزَّ وَجَلَّ، انْحَلْتْ عُقْدَةً، وَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَتْ عُقْدَةً، وإنْ صلّى، انْحَلْتْ عُقْدَةً، وَأَصْبَحَ نَشِيطاً، طَيِّبَ النّفْسِ وإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أَصْبَحِ خَبِيثَ النّفْسِ كَسْلَانَ))(١). ٣٤١ - حدثنا فَهْدٌ، حدثنا الحسن بن الربيع الكوفي، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هُريرة قال: قالَ رسولُ اللَّهِ عليه السلامُ: ((إِنَّ لِلشَّيْطانِ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في (الموطأ) ١٧٦/١. ورواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦)، وأحمد ٢٤٣/٢، وأبو داود (١٣٠٦)، والبغوي (٩٢٠) من طريق مالك وسفيان، كلاهما عن أبي الزناد، به. ٣١٨ عِنْدَ رَأْسٍ أُحدِكُمْ حَبْلاً فيه ثلاثُ عُقَدٍ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ وَوَحَّدَ (١) اللَّهَ، حُلِّتْ عُقْدَةٌ، وإِنْ قَامَ وَتَوَضَّأَ، خُلَّتْ عُقْدَةً أُخْرَى، فَإِذا هُوَ صَلَى حُلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها، وأَصْبَحَ خَفِيفاً، طَيِّبَ النّفْسِ، وإِنْ هُوَنَامَ حتى يُصْبِحَ، أَصْبَحَ عَلَيْهِ عُقَدٌ، وَأَصْبَحَ وَهُوَ ثقيلٌ خبيثُ النّفْسِ))(٢). فقال قائل: فكيف تَقْبلون هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رَوَيْتُم عنه [النهي عن] وصف النَّفس بالحُبث، وأمره أَنْ يقولَ - مَنْ يريدُ أنْ يقولَ: خَبُثَتْ نفسي - ((لَقِسَتْ نَفْسِي)) مكانَ ((خُبُثَتْ نفسي))، وذکر في ذلك: ٣٤٢ - ما قد حدثنا محمدُ بنُ خُزيمةَ، قال: حدثنا حجاجُ بنُ مِنهال، حدثنا ابنُ سَلَمَةَ، عنْ هِشامِ بنِ عُروة، عن أبيه عن عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: خَبْئَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي))(٣). ٣٤٣ - وما قد حدثنا ابنُ خزيمة أيضاً، حدثنا إبراهيمُ بنُ بشار، (١) في (المسند))، وابن ماجه: ((فذكر))، وفي هامش الأصل: ((وحمد)) خ. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الأحوص: هو سلام بن سليم الحنفي، وأبو صالح: ذكوان. ورواه أحمد ٢٥٣/٢، وابن ماجه (١٣٢٩) من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. (٣) إسناده صحيح. محمد بن خزيمة شيخ أبي جعفر: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٣٣/٩، وقال: مستقيم الحديث، ووثقه الذهبي في ((الميزان)) ٥٣٧/٣، ومن فوقه ثقات على شرط مسلم. ابن سلمة هو حماد. ورواه البخاري في «صحيحه)) (٦١٧٩)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨٠٩)، ومسلم (٢٢٥٠)، وأبو داود (٤٩٧٩)، وأحمد ٥١/٦ و٢٠٩ و٢٣١، والبغوي (٣٨٩٠) من طرق عن هشام، بهذا الإسناد. وقال عبدالله بن أحمد ٢٨١/٦: وجدته في كتب أبي عن عامر بن صالح، عن هشام، به. ٣١٩ حدثنا ابنُ عُيينة، عن هِشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مثلَه(١). ٣٤٤ - وما قد حدثنا يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني يُونس، عن ابنِ شِهاب، عن أبي أمامة بن سَهْل بنِ حُنيف عن أبيهِ أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم قال: ((لا يَقُولُ(٢) أحدُكم: خَبُثَتْ نفسي، وليقل: لَقِسَتْ نفسي))(٣). ٣٤٥ - وما قد حدثنا عبدالغني بن أبي عقيل، حدثنا سُفيانُ، عن الزُّهْرِي، عن أبي أَمامَةَ، عن النبي عليه السلام .. فذكرَ مثلَه، ولم يقل: عن أبيه (٤). فكان جوابُنا له في ذلك أَنَّ وصفَ النفس بالخُبْثِ، وصف لها بالفسق، ومنه قول الله تعالى: ﴿الخَبِيئَاتُ لِلْخَبِيثِينِ وَالْخَبِيْثُونَ لِلْخَبِيئَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فكان مكروهاً للرجل أن يُفَسِّقَ نفسَهُ إذا لم يكنْ منها ما يُوجِبُ ذلك عليها، وكان محبوباً له أَنْ يقولَ مكان ذلك: لَقِسَتْ نفسي، وإنْ (١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. (٢) هكذا الأصل، والجادة: ((لا يقل))، وما هنا له وجه في العربية. (٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري في ((صحيحه)) (٦١٨٠)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨١٠)، ومسلم (٢٢٥١)، وأبو داود (٤٩٧٨)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٥١) من طريق يونس، عن الزهري، بهذا الإسناد. (٤) في الأصل: ((ولم يقل أبا أمامة))، وهو خطأ. ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٥٢) عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة، به. واسم أبي أمامة: أسعد بن سهل، وهو معدود في الصحابة، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وله رؤية، لكنه لم يسمع منه صلى الله عليه وسلم . ٣٢٠