Indexed OCR Text

Pages 361-380

العيوب منها، وتلك العيوب التي يمنع من ذلك فيها ما هِيَ، وذلك
مما يَغْنَى عنه كثيرٌ من الناس لعلمهم بهِ، ولأخذ مَنْ لا يعلمه منهم
من غير من يخطب به عليهم، ففرق بَيْنَ ذلك وبَيْنَ خطبة الجمعة لهذه
المعاني التي يتباينان بها، وجُعِلَتْ خطبة العيد كخطبة الحجِّ التي يُعَلِّمُ
الإِمامُ الناسَ فيها ما يصنعونه في حجهم، وما يجتنبونه فيه، وذلك مما
لا اختلاف فيه بين أهل العلم في السَّعةِ للناس في التخلف عنه، وتركٍ
الاستماع إليه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
٣٦١

٥٨٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِي عن رسول الله اله
في دخولِ المواضع التي قد غَضِبَ الله عز
وجلَّ على أهلها من نهي ومن إباحة
٣٧٤١ - حدثنا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حدثنا أبو داود صاحبُ
الطيالسة، قال: حدثنا المسعوديُّ، قال: حدثنا إسماعيلُ بن أوسط
البجليُّ، عن محمد بن أبي كبشة الأنماريُّ أنمارِ غطفانَ
عن أبيه، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ وَِّ في غزوة تبوك، فتسارعَ
الناسُ إلى أهلِ الحِجر(١) يدخلون عليهم، ونُودِيَ في الناس : الصلاة
جامعة، فانتهينا إلى رسولِ الله وَّر وهو مُمسِكُ بعيرَه، فقال: ((عَلامَ
تدخُلونَ على قومٍ قد غَضِبَ الله عز وجل عليهم؟!)) فناداه رَجُلٌ:
نَعْجَبُ منهم يا رسولَ اللهِ وَّه، فقال رسولُ اللهِ وَالَ: («أنا أُخْبَرُكُم
بأعجب من ذلك، رجلٌ من أنفسكم يُخْبِرُكُم بما كانَ قبلكم وبما هو
كائنٌ بعدكم، فاسْتَقِيموا وسَدِّدوا، فإنَّ الله عز وجل لا يَعْبَأْ بِعَذابِكُم
شيئاً، ثم يأتي قومٌ لا يَدْفَعونَ عن أنفسِهم شيئاً))(٢).
(١) الحجر: مدينة في جزيرة العرب جنوبي تيماء، بين المدينة والشام، وكانت
مساکن ثمود.
(٢) إسناده حسن. المسعودي - واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة
الهذلي - وإن كان قد اختلط -، قد رواه عنه جعفربن عون، وعبد الله بن رجاء، =
٣٦٢

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ كشف رسولُ اللهِ وَّ للناس
عن المعنى الذي من أجله دخلوا على القوم الذين قد غَضِبَ الله عزَّ
وجَلَّ عليهم، وقول بعضهم له: إن ذلك كان منهم للتعجُّبِ منهم،
وقول رسولِ الله وَلِّ عندَ ذلك ما قاله لهم عندَ ذلك مما في هذا
الحديثِ، ففي ذلك ما قد دَلَّ أنه لم يَحْمَدْ منهم دُخُولَهُم عليهم
لذلك، فاحتمل أن يكونَ دخولُهم عليهم على كُلِّ الأحوالِ غيرَ مطلقٍ
لهم، واحتمل أن يكونَ غير مُطْلَقٍ لهم للتعجب لهم، ومطلق لهم لما
سواه فاعتبرنا ذلك
٣٧٤٢ - فوجدنا يونس قد حدَّثنا، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وهب،
قال: حَدَّثني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهاب - وهو يذكرُ الحجرَ مساكنَ
ثمود-، قال: قال سالمُ بنُ عبد الله:
إن عبدَ الله بن عمر، قال: مررنا مع النبيِّي لَّه على الحجر، فقال
لنا رسولُ اللهِ وَّه: ((لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَموا إلا أن تَكُونُوا باكِينَ
= وعمروبن مرزوق، وقد سمعوا منه قبل الاختلاط، وإسماعيل بن أوسط البجلي أمير
الكوفة وثّقه ابن معين، ومحمد بن أبي كبشة الأنماري، ذكره ابن حبان في ((الثقات))
٣٧١/٥، وقال: قدم الكوفة، فكتب عنه ختناه إسماعيل بن أوسط البجلي وسالم بن
أبي الجعد، وأبو كبشة الأنماري: هو سعيد بن عمرو، أو عمروبن سعيد، وقيل:
عمر أو عامر بن سعد، صحابي نزل الشام، روی له أبو داود، والترمذي وابن ماجه.
ورواه أحمد ٢٣١/٤ عن يزيد بن هارون، والطبراني ٢٢/(٨٥١) من طريق عبد
الله بن رجاء وعمروبن مرزوق، و(٨٥٢) من طريق إسماعيل بن عياش وجعفربن
عون، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٣٥/٥ من طريق هاشم بن القاسم، عن
المسعودي، بهذا الإِسناد.
٣٦٣

حَذَراً أن يُصيبَكُمْ ما أَصَابَهُم))، ثُمَّ زجر، فأسرع حتّى خلفها(١).
٣٧٤٣ - ووجدنا نصرَ بنَ مرزوقٍ قد حدَّثنا، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ
معبدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، عن عبدِ الله بن دينار
عن ابن عُمَرَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّ لأصحاب الحِجْر: ((لا
تَدْخُلوا على هؤلاء المُعَذَّبِينَ إلا أن تكونُوا باكِينَ، فإن لم تَكُونوا بَاكِينَ
فلا تدخُلوا عليهم أن يُصيبَكُم ما أَصَابَهُمْ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) ٤٩/١٤-٥٠ عن يونس، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (٢٩٨٠)، وابن حبان (٦١٩٩) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن
وهب، به.
ورواه أحمد ٩٦/٢، والبخاري (٣٣٨١) عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن
يونس بن یزید، به.
ورواه أحمد ٦٦/٢، والبخاري (٣٣٨٠) و(٤٤١٩)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))
٤٥١/٢، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١٦٥)، وفي ((معالم التنزيل)) ١٥٦/٣ من
طريقين عن معمر، عن الزهري، به.
(٢) إسناده صحيح. علي بن معبد هو الرقي، ثقة فقيه، روى له الترمذي
والنسائي، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه مسلم (٢٩٨٠)، وابن حبان (٦٢٠٠) و(٦٢٠١)، والبغوي (٤١٦٦) من
طرق عن إسماعيل بن جعفر، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٩/٢ ٥٨ ٧٢ ٧٤ و٩٢ ١١٣ و١٣٧، والبخاري (٤٣٣)
و(٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، والبيهقي في «السنن)» ٤٥١/٢، وفي «دلائل النبوة)) ٢٣٣/٥
من طرق عن عبد الله بن دينار، به.
٣٦٤

٣٧٤٤ - ووجدنا محمدَ بنَ عبدِ الله بن عبد الحكم قد حدَّثنا،
قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبد الله بن بُكير، قالَ: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ ،
عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ لَّ مِثْلَه(١).
٣٧٤٥ - ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوقٍ، قد حدَّثنا، قال: حدَّثنا أبو
حُذيفة، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن
رسولِ اللهِ وَلِّ مثلَه(٢).
قال أبو جعفر: فكان ما في هذا الحديث إطلاقُ رسولِ الله وَله
للنَّاسِ أن يَدْخُلُوا عليهم باكينَ، لأنَّ في ذلك اعتباراً منهم، وحذراً
للخلاف عن أمر الله عز وجل، فينزل بهم عندَ ذُلك ما نَزَلَ بهم، فبانَ
بما ذكرنا بحمد الله عز وجل ونعمتِه أنَّ الذي كان مِن رسولِ الله وَل
في كلِّ جنس من هذين الجنسين اللذين في هذه الروايات غيرَ ما في
الجنس الآخر منهما، وأن كُلَّ واحد منهما غَيْرُ مضادٍّ للآخر منهما،
واللّه عز وجل نسأله التوفيقَ.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) إسناده صحيح. أبو حذيفة - واسمه موسى بن مسعود النهدي - روى له
البخاري متابعة، وفي حفظه شيء، وقد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
٣٦٥

أ
٥٨٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وَيه
في الوادي الذي مَرُّوا به في غزوة
تبوك أنَّه وادٍ ملعونٌ
٣٧٤٦ - حدثنا محمدُ بنُ إسماعيل الصائغ، وفهدُ بنُ سليمان
جميعاً، قالا: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيم الأزديُّ، قال: حدثنا حمادُ بنُ
سلمة، قال: حدثنا عليُّ بنُ زيد، قال:
قال لي الحسنُ سَلْ عَبْدَ الله بنَ قُدامة بن صخر العقيليِّ عن هذا
الحديث، قال: فلقيته عندَ باب الإِمارة، فذكرتُ ذلك له، فقال: زعم
أبو ذرِّ أنَّهم كانوا مع رسولِ اللهَِّ في غزوة تبوك، فَأَتَوا على وادٍ،
فقال لهمُ النبيُّ نَّهِ: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُم بوادٍ ملعونٍ)) فركب فرسَه
فدفع، ودفع الناسُ، ثم قال: ((مَنْ كَانَ قَد اعْتَجَنَ عَجِينَةً فَلْيُظْفِرْها
بَعِيرَه، ومَنْ كَانَ طَبَخَ قِدراً فَلْيَكْفَأُها))(١).
(١) علي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف، وعبد الله بن قدامة بن صخر لا
يُعرف، قال في ((التهذيب)): ولم أجد له ذكراً إلا في هذا الحديث.
ورواه البزار (١٨٤٣) عن محمد بن معمر، عن مسلم بن إبراهيم، بهذا
الإِسناد.
وعلق بعضه البخاري في ((صحيحه)) بإثر حديث ابن عمر (٣٣٧٨) بصيغة
١١ =
الجزم .
٣٦٦

٣٧٤٧ - وحدَّثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال:
حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، ثم ذكر مثلَ حديث
محمد وفهد، عن مسلمٍ ، عن حماد، بإسناده ومتنه(١).
٣٧٤٨ - وحدَّثنا محمدُ بن علي بن داود، قال: حدثنا عفانُ بنُ
مسلم، قال: حدثنا مباركُ بنُ فَضَالَةً، قال: سمعتُ الحَسَنَ يقولُ:
حدثني عبدُ الله بنُ قُدامة السَّعدي - قال: وكان السَّعْدِيُّ امْرَأْ
صدقٍ - أن رسولَ اللهُ بَّر أتى على مساكن ثمود، فقال: ((اخْرُجُوا
اخْرُجُوا، فإنَّه وادٍ مَلْعُونٌ خشيةَ أنْ لا تخرجوا حتَّى يُصيبَكُم كذا
وكذا)) (٢).
٣٧٤٩ - وحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدثنا عفانُ، ثم ذكر
بإسنادِهِ مثلَه(٣).
وقد رُوِيَ عن سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ، عن رسولِ اللهِ وَّ في أمره الناسَ
= وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري (٣٣٧٨) و(٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١)
أن الناس نزلوا مع رسول الله وّر على الحجر - أرض ثمود - في غزوة تبوك، فاستقوا
من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله وَّ أن يهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفُوا
الإِبِلَ العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُهَا الناقة .
(١) هو مكرر ما قبله.
(٢) عبد الله بن قدامة نسب هنا إلى السعدي، وفي السند السالف إلى
العقيلي، وسواء أكان هو الذي قبله أو غيره، فإنه لا يعرف، وليس هو عبد الله بن
السعدي الصحابي الذي ترجم له الحافظ في ((الإصابة)) ٣١٠/٢.
(٣) هو مكرر ما قبله.
٣٦٧

فيما كانوا عَجَنُوا من ماء ذلك الوادي مثلُ الذي رُوي عنه في حديث
أبي ذرِّ الذي روينا.
٣٧٥٠ - كما حدثنا محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
حدثني حرملةُ بن عبد العزيز بن الربيع بنِ سَبْرَةَ، قال: حدَّثني أبي، عن
أبيه
عن جَدِّهِ، قال: لما نَزَلَ رسولُ اللهِ نَّهِ الحِجْرَ، قال لأصحابه:
((مَنْ عَمِلَ مِن هُذا الماءِ طَعامَاً، فَلْيُلْقِهِ))، فمنهم من عَجَنَ عجيناً،
ومنهم من حَاسَ الحَيْسِ وَأَلْقَوْه(١).
٣٧٥١ - وكما قد حدَّثنا ابنُ أبي داود، وفهدُ بنُ سليمان، قالا:
حدثنا يحيى بنُ صَالِحِ الوُحَاظي، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ الربيع بن
سَبْرَةَ الجُهَنيُّ، قال: سمعتُ أبي يُحَدِّثُ
عن أبيه: أنَّ النبيَّى وَهُ حِينَ نَزَلَ الحِجْرَ، قال لِمَنْ كانَ معه: ((مَنْ
كانَ مِنْكُمْ عجن عَجيناً أو حَاسَ حَيْساً مِنْ هذا الماءِ فَلْيُلْقِهِ)(٢).
(١) إسناده قوي. حرملة بن عبد العزيز روى له الترمذي، وهو لا بأس به، ومن
فوقه من رجال الصحيح .
ورواه الحاكم ١٢٤/٤-١٢٥ عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن
عبد الحكم، بهذا الإِسناد، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وتعقبه
الذهبي فقال: ولا على شرط واحد منهما.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الطبراني (٦٥٥٢) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عبد العزيزبن
الربيع بن سبرة، بهذا الإِسناد.
٣٦٨

٣٧٥٢ - وكما حَدَّثَنا أبو محمد يحيى بنُ محمد بن معبد بن عبد
العزيز بن الربيع بن سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ الجُهني، قال: حدَّثني إبراهيم بنُ
سَبْرَةَ بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة، قال: حدثني عمي حرملةُ بن
عبد العزيز بن الربيع بن سبرة، عن أبيه
عن جَدِّهِ، قال: لما نَزَلَ رسولُ اللهِ وَِّ الحِجْرَ قال لأصحابه: ((مَنْ
عَمِلَ مِنْ هُذا الماءِ طعاماً فَلْيُلْقِهِ))، فمنهم من عَجَنَ العَجينَ، ومنهم
من حاسَ الحَيْسَ، فألقَوه (١).
قال أبو جعفر: فكان ذلك عندنا - والله أعلمُ - محتملاً أن يكونَ
الله عزَّ وجَلَّ لما غَضِبَ على أهلِ ذلك الوادي كان مِن عقوبته إِيَّاهم
أن جعل مَاءَهُمْ ما يَضُرُّهُمْ ويَضُرُّ أمثالَهم من المتعبدين عقوبةً لهم على
الأشياءِ التي غَضِبَ على أهلِ ذلك الوادي من أجلها، وخوفاً على مَنْ
سواهم أن يكونَ ذلك عقوبةً لهم على ذنوبهم التي قد سَلَفَتْ منهم،
لأنّهم جميعاً ذوو ذُنوبٍ وإن كانت ذنوبُهم مختلفةً، والعقوباتُ عليها
مختلفة، فأمرهم وَّ فيما عَجَنُوه بذلك الماء أن لا يأكُلُوه، وأباحهم
أن يُطْعِمُوهِ إبلَهم التي لا تَعَبُّدَ عليها، ولا ذُنُوبَ لها.
(١) يحيى بن محمد بن معبد لم أتبينه، وإبراهيم بن سبرة ترجمه ابن أبي حاتم
١٠٣/٢ فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه الطبراني (٦٥٥٠) عن خلف بن عمرو العكبري، حدثنا الحميدي، عن
حرملة بن عبد العزيز، بهذا الإِسناد، وهذا سند صحيح رجاله ثقات. خلف بن عمرو
العكبري مترجم في ((تاريخ بغداد)) ٣٣١/٨-٣٣٢، وهو ثقة وثّقه الدارقطني وغيره،
ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح. الحميدي: هو عبد الله بن الزبير صاحب
المسند .
٣٦٩

ثم تأملنا سُرْعَتَهُ في ذلك الوادي حتى جاوزه، فكان ذلك عندنا
- والله أعلم - لِيقتدوا به، فيسرعوا لسرعته حتى يخرجوا من ذلك الوادي
خوفاً منه عليهم أن يُؤخذوا بذنوبهم هناك، كما أُخِذَ من تقدمهم من
أهل ذلك الوادي بذنوبهم هناك.
ثم تأملنا ما في الحديثِ من وصفِ رسولِ اللهِ وَّ ذلك الوادي
باللعن، فكان ذلك عندنا - والله أعلمُ - على إرادته بذلك أهلَ الوادي
الذين كان منهم ما غضِب عَزَّ وجَلَّ عليهم مِن أجله، فلعنهم لِذلك.
وذكر الوادي بتلك اللعنة، والمراد أهله دونه، كما قال عز وجل:
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدَأَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[النحل: ١١٢]، لأنَّ القرية ما كانت تصنع شيئاً، وإنما أهلُها هم
الذين كانوا يصنعون ما أُهْلِكُوا به، ثم أعقب ذلك عز وجل بما دَلَّ
على مراده إياهم بذلك لا قريتهم بقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ
مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾، يعني بذلك رسولَه إليهم ◌ََّ، وكما قال عز وجل حكايةً
عن قائليه: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾
[يوسف: ٨٢]، يريد أهل القرية وأهل العير، فمثلُ ذُلك قولُهُ وَ لِذلك
الوادي: ((هذا وادٍ ملعُونٌ))، هو على أهلِه لا على الوادي نفسه. والله
أعلم، وإيَّه نسألُه التوفيق.
٣٧٠

٥٨٨ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ نَّه
فيما كان منه في قبر أبي رِغال وفي إخباره
الناس أنه من ثمود، وأن الحرم منعه
من مَا نَزَلَ بسائر ثمود سواه
حتى خرج منه، فأدركته
النِّقمة فأُهْلِكَ
٣٧٥٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أميةُ بنُ بسطام،
قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ ، عن روح بن القاسم، عن إسماعيل بن
أُمَيَّةَ، عن بُجَيرِ بنِ أبي بُجْرِ
عن عبد الله بن عمرو أنَّه سَمِعَهُ يقولُ: كنا مع رسولِ الله ◌ِّه
في سَفَرٍ، فمروا بقبر أبي رِغال، فقال: ((هُذا قَبْرُ أبي رِغَالٍ وهُو أبو
ثقيفٍ، وكان امرءاً من ثمودَ، وكان منزلُه بالحرم، فلما أَهْلَكَ الله عز
وجل قَوْمَهُ بما أَهْلَكَهُمْ به، منعه لِمكانه من الحَرَمِ ، وأنَّه خرج حتَّى
إذا بلغ هاهنا ماتَ، فَدُفِنَ معه غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ)) فابْتَدَرْناهُ
فاستَخْرَجْناهُ(١).
(١) إسناده ضعيف. بجير بن أبي بجير لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه
إلا إسماعيل بن أمية .
=
٣٧١

قال أبو جعفر: وقد كنتُ أنا بَعْدَ سماعي هذا الحديثَ من ابن
أبي داود نظرتُ في كتابي، فلم أجد فيه لإِسماعيلَ بن أمية ذكراً،
فدخل قلبي منه شيءٌ، فذكرتُه لأحمدَ بن شعيب النسائي، فقال لي:
هو كما حفظتَ، فقلتُ له: فعن مَنْ أخذتَه أنتَ؟ فقال: عن أبي حفص
- يعني: عمروبن علي -، عن الرِّياحي، قلتُ له: عمروبنُ عبد
الوهّاب، فقال: نعم، عن يزيدَ.
٣٧٥٤ - حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد بن الحسن بن زُبالَة المديني
أبو الحسن، ومحمدُ بنُ علي بن زيد المكيُّ، قالا: حدثنا يحيى بنُ
معين، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ
محمد بن إسحاق يُحدِّث عن إسماعيل بن أمية، عن بُجيربن أبي
بجير، قال :
= ورواه أبو داود (٣٠٨٨)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ١٠/٤-١١ من طريق
يحيى بن معين، عن وهب بن جريربن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن
إسماعيل بن أمية، بهذا الإِسناد.
وذكره الحافظ ابن كثير في «تفسيره)) ٤٣٩/٣-٤٤٠ (طبعة الشعب) وفي ((البداية
والنهاية)) ١٣٠/١، ثم قال: هكذا رواه أبو داود عن يحيى بن معين، عن وهب بن
جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، به، قال شيخنا أبو الحجاج المزي:
وهو حديث حسن عزيز. قلت (القائل ابن كثير): تفرد بوصله بجيربن أبي بجير
هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحداً
روى عنه غير إسماعيل بن أمية، قلت: وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع
هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال
شيخنا أبو الحجاج المزي بعد أن عرضتُ عليه ذلك: وهذا محتمل.
٣٧٢

سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ حين
خرجنا إلى الطائفِ، فمررنا بقبرِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: «هذا قَبْرُ أَبي
رِغَالٍ وهو أبو ثقيف، وكان مِن ثمود، وكان بهذا الحرمِ يُدْفَعُ عنه،
فلما خَرَجَ أَصابته النّقْمة بهذا المكان ودُفِنَ فيه، وآيةُ ذُلك أنَّه دُفِنَ معه
غُصْنٌ مِن ذهب إن أنتمِ نَبَشْتُم عنه، أصبتُموه معه))، فابتدرهُ الناسُ،
فاستخرجوا معه الغُصْنَ(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه إخبارَ رسولِ الله
﴿﴿ر الناس بأن أبا رِغال كان من ثمود، وأنه ممن منعه حَرَمُ الله عزَّ
وجلَّ مما أصابَ به غيره من ثمود من النِّقْمة، وقد عقلنا أنَّ منازِلَ ثمود
لم تكن في الحرم، وأنها كانت فيما سواه مِن ما ذكر في البابين اللذين
ذكرناهما قَبْلَ هذا الباب، واحتمل أن يكون لجأ إلى الحرم، فدخله،
فمنعه مما نزل بغيره من ثمود.
فقال قائلٌ: ففي حديث ابن أبي داود من الحديثين اللذين
رويناهما في هذا الباب أن مسكنَه كان في الحرم.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه يُحتمل
أن يكونَ مسكنُهُ فِي الحَرَمِ ، وكان مع ثمود في المواضع التي كانت
فيه على ما كانت عليه مِن معاصي الله عز وجل والخروجِ عن أمره،
فلما جَاءَهُمُ الوعيدُ مِنَ اللهِ عز وجل، وخاف أن يلحقه ذلك بالمكانِ
الذي هو به، لجأ إلى مسكنه في الحرم ، فدخل مِنْ أجلِ ذُلك الحرمَ
فمنعه، وقد رُوِيَ عن جابر بن عبد الله، عن رسولِ اللهٌِّ فِي قِصَّةٍ
(١) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
٣٧٣

أبي رِغال أيضاً ما يُوافِقُ ما في حديث ابن أبي داود مما ذكرنا
٣٧٥٥ - كما حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، قال: حدثنا
زكريا بنُ عدي، قال: حدثنا عبدُ الرزاق، عن(١) معمرٍ، عن ابنٍ
خُثْمٍ، عن أبي الزبير
عن جابرٍ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ وَّهِ بالحِجْر، فقال: ((لا تَسأَلُوا
الآياتِ، فإنَّ قُوْمَ صَالِحٍ سألُوا، فَكَانَتْ تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ وَتَصْدُرُ مِن
هذا الفَجِّ، يعني الناقة: فَعَتَوْا عن أَمْرِ رَبِّهَم، فَعَقَرُوها، وكانت تَشْرَبُ
مَاءَهُمْ يوماً، ويشربُون لبنها يوماً، فَأَخَذَتْهُم صَاعِقَةٌ، أَهْمَدَتْ مَنْ تحت
أديم السَّماءِ منهم إلا رَجُلاً واحداً كان في حَرَمِ الله، فلما خرج أصابه
ما أصابَ قَوْمَهُ))، قالوا: يا رَسولَ الله مَنْ هو؟ قال: ((أبو رِغال فدُفن
هاهنا)) (٢).
(١) تحرفت في الأصل إلى: ((بن)).
(٢) إسناده على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن خثيم
- واسمه عبد الله بن عثمان -، وأبو الزبير - واسمه محمد بن مسلم بن تدرس - فمن
رجال مسلم، والثاني منهما مدلس، وقد عنعن.
ورواه أحمد ٢٦٩/٣، والطبري في ((جامع البيان)» (١٤٨١٧) من طريق عبد
الرزاق، بهذا الإِسناد.
وأورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ٢٩٦/٣، وفي («البداية والنهاية)) ١٢٩/١
من طريق أحمد، وقال: هذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، وهو على
شرط مسلم .
ونسبه الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٤/٦ و٣٨/٧ إلى أحمد والبزار والطبراني في
((الأوسط))، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح.
=
٣٧٤

٣٧٥٦ - وكما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا عبد الأعلى بنُ
حماد، قال: حدثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ، قال: حدثنا ابنُ خثيم، عن أبي
الزُّبْرِ
عن جابرٍ، عن رسولِ الله وَّ بمثل معناه غيرَ أنه قال: إلا رجلاً
كانَ في حَرَمِ الله، فمنعه حَرَمُ الله عَزَّ وَجَلَّ مِن عذاب الله(١).
٣٧٥٧ - وكما حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي
مريم، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ إسحاق بن أبي عباد، قال: حَدِّثني
داودُ بنُ عبد الرحمن، عن عبدِ الله بن عثمان، عن ابنِ سَابط
عن جابر بن عبد الله أن رسولَ الله وسلّ قال وهو في الحِجر:
((هؤلاء قومُ صالحٍ أهلكهم الله عَزَّ وجَلَّ إلا رجلًا كان في حَرَمِ الله
عَزَّ وجَلَّ مَنَعَهُ الله مِن عذاب الله))، قيل: يا رسول الله من هو؟ قال:
((أبو رِغال))(٢).
= وزاد السيوطي نسبته في ((الدر المنثور)) ٤٩٢/٣ لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي
الشيخ .
(١) إسناده ضعيف. مسلم بن خالد سيىء الحفظ، وأبو الزبير مدلس، وقد
عنعن .
ورواه البزار (١٨٤٤) من طريق عبد الأعلى بن حماد، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (٦١٩٧)، والحاكم ٣٤٠/٢-٣٤١ من طريقين عن مسلم بن
خالد، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، فأخطأ.
(٢) إسناده صحيح. يوسف بن يزيد شيخ الطحاوي، ثقة، روى له النسائي،
ويعقوب بن إسحاق بن عباد هو القَلزمي، قال أبو حاتم: محله الصدق ولا بأس =
٣٧٥

قال أبو جعفر: فإذا كان الحرمُ يَمْنَعُ في الجاهلية من العقوبات
التي معها تلفُ الأنفسِ ، كان في الإِسلامِ ممن مِثْلُ ذلك أمنع،
وشدَّ(١) ذلك ما رُوِيَ عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما فيمن
أصابَ حدّاً في غير الحرمِ، ثم لجأ إلى الحرم.
كما قد حدثنا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حدثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ،
قال: حدثنا سفيانُ الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ
عن ابن عباسٍ أنَّه قال: مَن أصابَ حدّاً في الحَرَمِ ، أقيم عليه،
وإن أصابه خَارِجَ الحرم، ثم دخل الحرمَ لم يُكَلَّمْ، ولم يُجَالَسْ، ولم
يُبَايَعْ حتّى يخرج من الحرمِ ، فيقام عليه الحدُّ(٢).
= به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٨٥/٩، ووثقه السمعاني في ((الأنساب))
٢١٧/١٠، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح .
(١) في الأصل: ((وأشد))، وهو خطأ.
(٢) صحيح لغيره. مؤمل بن إسماعيل، وإن كان سبىء الحفظ، قد توبع،
وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه الطبري (٧٤٥٩) عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد
الواحد بن زياد، حدثنا خصيف، حدثنا مجاهد، قال: قال ابن عباس: إذا أصاب
الرجلُ الحدَّ: قَتَلَ أَوْ سَرَقَ، فدخل الحرمَ لم يُبايع، ولم يُؤْوَ حتى يتبرم، فيخرِجَ مِن
الحرم، فيقام عليه الحدُّ، قال: فقلتُ لابن عباس: ولكني لا أرى ذلك! أرى أن
يُؤخذ برُمَّتِهِ (الرمة: قطعة من حبلٍ يُشَدُّ بها الأسيرُ أو القاتلُ إذا قِيد إلى القتل
للقود)، ثم يخرج من الحرم، فقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة.
وهذا سند حسن في الشواهد، رجاله ثقات رجال الصحيح غيرَ خصيف - وهو
ابن عبد الرحمن الجزري - فقد روى له أصحاب السنن، وفي حفظه شيء يعتبر به.
٣٧٦

وكما حدَّثنا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ المِنهال،
قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جُبير، عن ابنِ عباس مثلَه(١).
وكما حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ
سلمة، عن عمروبن دينار، عن ابن عباس مثلَه(٢).
وكما حدَّثنا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاري، قال: حدثنا
سعيدُ بنُ منصور، قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا عبدُ الملك، عن
عطاء
عن ابن عباس فيمن أحدث حدثاً في غير الحرم، ثم لجأ إلى
الحرم: لم يُّكَلَّمْ، ولم يُبَايَعْ، ولم يُؤْذَ حتَّى يَخْرُجَ من الحرم، فإذا خَرَجْ
من الحرم، أُخِذَ، وأقيم عليه ما عليه، وما أَحْدَثَ في الحرمِ ، أُقيم
(١) إسناده قوي. رواية حماد بن سلمة عن عطاء قبل الاختلاط ثبتها غير واحد
من الأئمة.
ورواه الطبري (٧٤٧٠) عن المثنى، عن حجاج بن منهال، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي حاتم (١٠٠٤)، والطبري (٧٤٦٨) من طريقين عن عطاء بن
السائب، به.
ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٢٢٦) و(١٧٣٠٦) عن معمر، عن ابن
طاووس، عن طاووس، عن ابن عباس.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الطبري (٧٤٦٩) عن المثنى، عن حجَّاج، بهذا الإِسناد.
٣٧٧

عليه ما أُحْدث فيه من شيء(١).
كما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثنا موسى بنُ
إسماعيل المِنقَرِيُّ، قال: حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حدَّثنا
الحجاجُ، قال: حدَّثني عطاء
أن ابنَ عمر وابن عباس، قالا في قولِ الله عزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران ٩٧]: الرجل يُصِيبُ الحَدَّ، ثم يدخله، فلا
يُبَايَعُ، ولا يُجالَسُ ولا يُؤْوَى، ولا يُكَلَّم حتى يَخْرُجَ منه فَيُتبع، فيؤخذ،
فُيُقام عليه الحَدُّ.
قال: وقال لي عطاء: إنْ قذف فيه أو سرق، أقيم عليه الحدُّ،
وإذا صَنَعَ ذُلك في غيره، ثم لجأ - يعني إليه - لم يُقَمْ عليه(٢).
وكما حدَّثْنا صالحُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ
منصورٍ، قال: حدثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا الحجاجُ، عن عطاء
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد
الملك - وهو ابن أبي سليمان العرزمي - فمن رجال مسلم.
هشيم: هو ابن بشير، وعطاء: هو ابن أبي رباح.
ورواه الطبري (٧٤٦١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده حسن. الحجاج - وهو ابن أرطاة - روى له البخاري في ((الأدب
المفرد))، وقرنه مسلم بغيره، وروى له أصحاب السنن، وهو حسن الحديث إذا صرح
بالتحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، عطاء: هو ابن أبي رباح.
٣٧٨

عن ابن عمر، قال: لَوْ وَجَدْتُ قاتِل عمر رضي الله عنه في الحَرَمِ
ما هِجْتُهُ (١).
فإن قال قائل: فقد خالفهما عبدُ الله بنُ الزبير في ذلك، وكان
منه .
فذكر ما قد حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا حجاجُ بنُ
إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بنُ يونس، عن عبد الملك، عن عطاء،
قال :
كان سعيدٌ مولى معاوية وأصحابٌ له في الطائف متحصِّنِينَ في
قلعة، فاستنزلوا منها، فانطلق به إلى عبدِ الله بن الزبير، وهو بمكة،
فأرسل إلى عبدِ الله بن عباس فقال: ما ترى في هؤلاء النَّفَر؟ فقال:
أرى أن تُخَلِّيَ سبيلَهم، فإنهم قد آمنوا إذْ أدخلتَهم الحرمَ، فقال: لا،
نُخْرجهم من الحرم، ثم نَقْتُلهم، قال: فَهَلَا قَبْلَ أن تُدخلهم، فأخرجهم
ابنُ الزبير، فصلبهم، فقال ابنُ عباس: لو لقيتُ قاتلَ أبي في الحَرَمِ
ما هِجْتُه حتى يَخْرُجَ منه(٢).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ابنَ الزبير
(١) هو مكرر ما قبله.
ورواه الطبري (٧٤٦١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح. حجاج بن إبراهيم ثقة، روى له أبو داود والنسائي، ومن
فوقه من رجال الشيخين غير عبد الملك العرزمي، فمن رجال مسلم.
ورواه الطبري (٧٤٦٠) عن أبي كريب وأبي السائب، كلاهما عن ابن إدريس،
عن عبد الملك، بهذا الإِسناد.
٣٧٩

لم يكن منه في ذلك خلافٌ لابن عباس في أن الحرم قد أجار القومَ
الذين أدخلوه مما كان عليهم من العقوبة، ولكنه لم يمنع أن يُخرجوا
منه، فَيُقَام عليهم في غيره، فكان بمذهبه أن لا يُقام عليهم وهُمْ فيه
موافقاً لابن عباس، وكان في قوله: إنَّهُم يُخرجون منه إلى غيره مخالفاً
له في ذلك، وكان ما قال ابنُ عباس في ذلك أولى عندنا، لأن الآية
توجب ذلك، وهي قولُ الله عز وجل: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾، وكان
أولئك النفر قد دخلوه فأمِنوا بدخولهم إياه، وقد يُحتمل أن يكونَ ابنُ
الزبير لم يجعل رُجُوعَهُمْ الحرمَ أماناً لهم، لأنَّهم لم يكن دخولهم إياه
باختيارهم لذلك، وإنما كان بفعل غيرهم إيَّه بهم، لأن دخولَهم إياه
باختيارهم طلباً للأمان به مما كانوا يخافونه، وإدخال غيرهم إيَّاهم إياه
ليس فيه طلبٌ منهم للأمانِ به مما كانوا يخافونه، فلم يُؤمنهم ذلك
الدخولُ مما كانوا يخافونه فيعود معنى ما كان الخلافُ في ذلك إلى
ما لا خلافَ فيه لما كان من ابن عمر وابن عباس فيه.
فقال قائل: إنما كان قولُه عز وجل: ﴿ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمناً﴾ على
الصيد لا على ما سواه، فكان جوابنا له في ذلك أن قوله هذا جهلٌ
شديد منه باللغة، لأنه لو كان الأمر في ذلك كما ذكر، لكانت: وما
دخله كان آمناً، لأن ((من)) لا يكون إلا لبني آدم، ويكون لمن سواهم
مكانها ((ما)) كما قال عز وجل: ﴿وما أُكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَيْتُمْ وما ذُبحَ
على النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] في أمثالٍ لهذا في القرآن يطولُ ذكَرُهَا،
وكانت ((من)) مستعملة في بني آدم كقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأْمَتِّعُهُ
قليلاً ثمَّ أَضطَرُّه إلى عذاب النّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وكقوله: ﴿ومَنْ يَفْعَلْ
ذلك يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]، وكقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشةٍ
٣٨٠