Indexed OCR Text
Pages 401-420
الخمر في شيء غضباً لله عز وجل في تأخير من كانت عنده بعدَ تحريم الله عز وجل إيَّها، فعاقبهم بشقِّ زِقاقهم، لأنه قد كان عليهم أن يُسارِعُوا إلى إتلافِ ما حرَّمه الله عليهم حتى لا يَصِلَ أحدٌ إلى المنفعة به، كما كانوا ينتفعون بها قبلَ تحريم الله عز وجل إِيَّها عليهم، وحين لم يكونوا في ذلك كما كانت المشيخة من الأنصار كأَبيٍّ، وأبي طلحة، وكسهيل بن بيضاء، أمروا أنسَ بن مالك وهم يشربون ما كانوا يشربونه يومئذ، وأنس ساقيهم، إذ مرَّ رجلٌ، فقال: ألا هل شعرتُم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: اكْفَأ ما في إنائك يا أنس، قال أنس: فما عادوا إليها حتى لَّقُوا الله عز وجل رضوان الله عليهم، وكان مَنْ سواهم ممن تخلَّفَ عن مثلِ فعلهم ليس في ذُلك كَهُمْ، فَعُوقِبُوا بتخلَّفهم عن ذلك بشقِّ زقاقهم وإتلافِها عليهم، ومنعهم من الانتفاع بها، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - في الحال التي كانت العقوباتُ على الذنوب تكونُ في الأموال كما قال رسول الله وَّر في مانع الزكاة: «فإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللهِ عَزَّ وجَلّ))(١)، وكما قال في سارق الحَرِيسَةِ (١) رواه أحمد ٢/٥ و٤، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢١٤٦) و(٢١٥١)، وفي ((المجتبى)) ١٥/٥-١٧ و٢٥، والدارمي ٣٩٦/١ من طرق عن بهزبن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، عن جده رفعه: ((في كل إبلٍ سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً، فله أجرها، ومن أبى، فإنا آخذوها وشطرَ ماله، عزمةٌ من عزمات ربنا عز وجل، لا يحل لآلِ محمد منها شيء)). وهذا سند حسن. - ٤٠١ - من الجبل: ((عَلَيْهِمْ مِثْلُ غُرِم مِثْلَيْهَا وجَلَدَاتُ نَكَالٍ)) (١)، وكما قال بعد (١) حديث حسن. رواه أحمد ١٨٠/٢ و١٨٦، وأبو داود (١٧١٠)، والنسائي ٨٥/٨، ٨٦ من طرق عن عمروبن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسولَ اللهِ وَال سئل عن الثمر المعلق، فقال: ((ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة (أي: لا يأخذ منه في ثوبه) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيْهِ والعقوبة، ومن سرق شيئاً بعد أن يُؤويه الجرين (هو موضع تجفيف التمر)، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة)). وفي رواية للنسائي أن رجلاً من مزينة أتى رسول الله وَ لّر، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: ((هي ومثلها والنكال، وليس في الماشية قطع إلا فيما آواه المراح، فبلغ ثمن المجن، ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلداتُ نكال)). قال: يا رسولَ الله، كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: ((هو ومثله معه، والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال)). وقال في ((النهاية)): أي: ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع، لأنه ليس بحرز، والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة، أي: أن لها من يحرسها ويحفظها. ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها، يقال: حرس يحرسُ حَرْساً: إذا سرق، فهو حارس ومحترس، أي: ليس فيما يسرق من الجبل قطع، ومنه الحديث أنه سئل عن حريسة الجبل، فقال: فيها غرم مثليها وجلداتُ نكالاً، فإذا آواها المراح، ففيها القطع، ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها: حريسة، وفلان يأكل الحرسات: إذا سرق أغنام الناس وأكلها، والاحتراس: أن يسرق الشيء من المرعى. قاله شمر. - ٤٠٢ - تحريم صيد المدينة: ((من وَجَدْتُموهِ يَصِيدُ في شيءٍ مِنها فَخُذُوا سَلَبَه))(١) . وقد ذهبَ غيرُ واحدٍ من أصحاب رسولِ اللهِ وََّ وَهُمْ عُمُرُ بنُ الخطاب، وسعد بن أبي وقاص إلى أن ذلك الحكم كان باقياً بَعْدَ النبيِّ وَلَ﴿(٢)، فمن ذلك ما قد رُوِيَ عن عمر فيه (١) حسن لغيره، رواه أحمد ١٧٠/١، وأبو داود (٢٠٣٧) من طريقين عن جريربن حازم، حدثني يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله وَلقر فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله وَّر حرم هذا الحرم، وقال: من وجد أحداً يصيد فيه فليسلبه ثيابه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله وصلفتر ، ولكن إذا شئتم دفعت إليكم ثمنه. وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين غير سليمان بن أبي عبد الله، فقد روى له أبو داود ولم يرو عنه غير يعلى بن حكيم، وهو كما قال أبو حاتم: يعتبر بحديثه. ورواه مسلم (١٣٦٤) من طريق عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامربن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد، جاء أهل العبد، فكلموه أن يَرُدَّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسولُ اللهِ وَله، وأبى أن يرد عليهم. (٢) قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ١١٧/٢: وأما تغريمُ المال - وهو العقوبة المالية - فشرعها في مواضع: منها تحريقُ متاع الغالِّ من الغنيمة، ومنها حرمانُ سهمه، ومنها إضعافُ الغرم على سارق الثمار المعلقة، ومنها إضعافُه علی کاتم الضالة الملتقطة، ومنها أخذُ شطر مال مانع الزكاة، ومنها عزمُه ◌َّر على تحريق دورِ = - ٤٠٣ - كما حدثنا عُبيد بن رجال، قال: حدثنا أحمدُ بن صالحٍ ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي أويس، عن أخيه، عن سليمانَ، وهو ابنُ بلال، عن ابن أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه عن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يغدو فينظرُ إلى الأسواقِ، فإذا رأى اللبنَ، أَمَرَ بالأسقيةِ ففُتِحَتْ، فإن وجد منها شيئاً = من لا يُصلي في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذ ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها، فتتعدى العقوبةُ إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوزُ عقوبة الحامل، ومنها عقوبةُ من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سَلَب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر. وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط: ما قابل المُتْلَف إما لحق الله سبحانه، كإتلاف الصيد في الإِحرام أو لحق الآدمي، كإتلافٍ ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمينَ الصيد متضمن للعقوبة بقوله: ﴿ليذوقَ وبالَ أمره﴾، ومنه مقابلةُ الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورِّثه بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبّر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وکسوتها . وأما النوعُ الثاني غير المقدر، فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح، ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام، وقدرٍ لا يُزاد فيه ولا يُنقص كالحدود، ولهذا اختلف الفقهاءُ فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلفُ باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهادِ الأئمة في كُلِّ زمان ومكان بحسب المصلحة، إذ لا دليلَ على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة. - ٤٠٤ - مغشوشاً قد جعل فيه ماء غشَّ به، أَهْرَاقها(١). قال: ونحن نعلم أن اللبنَ وإن غُشَّ، ففيه بعد ذلك منفعة قد ينتفع به أهلُه وهو كذلك، وإن عمر لم يُهرفْه إلا خوفاً من أهله أن يَغُشِّوا به الناسَ، فأهراقَه لذلك. وقد يحتمل أيضاً أن يكونَ منع رسولُ اللهِ وَّهِ مَنْ سأله أن يجعل الخمر خلاً لمثل ذلك خوفَ أن يَخْلُوَ بها، فيأتي منها ما حرَّم الله عليه منها، فأمره بإهراقِها لذلك. وقد شدَّ هذا التأويلَ ما كان منه في الزقاق التي خرقها، وقد رأى زِقاقاً غيرها وفيها خمر، فلم يخرقها إذ كان أهلُها لم يفعلوا فيها مثلَ الذي فعله أهلُ تلك فيها. ٣٣٤٤ - كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير أحمد بن صالح، فمن رجال البخاري. واسم أخي إسماعيل: عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي. وقوله: ((أهراقها))، قال صاحب ((المصباح المنير)) ص٢٤٨ : وراق الماء والدم وغيره رَبْقاً من باب باع: انصبُّ ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبُه، والفاعل: مُريق، والمفعول: مُراق، وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَهُ وِزان: دَحْرَجَهُ، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه كما تفتح الدال من: يُدَخْرِجُه، وتفتح من الفاعل والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَرِيق ومُهَرَاق، قال امرؤ القيس : وإنَّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فهل عندَ رسمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلٍ والأمر: هَرِقْ ماءَك، والأصل: هَرِيقْ: وزان: دَحْرِجْ، وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهريقه ساكن الهاء تشبيهاً له بأسطاع يُسْطِيعُ، كأن الهمزة زيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذا الزيادة خماسياً. - ٤٠٥ - مالك بن أنس وغيره، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلَة السبائي من أهل مصر أنه سأل ابنَ عباسٍ عما يُعْصَرُ من العنب؟ فقال ابنُ عباس: إن رجلاً أهدى لِرسول الله ﴿ لّ راويةَ خمر، فقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هل عَلِمتَ أنَّ الله عز وجل قد حرَّمها؟)) فقال: لا، فسارَّ إنساناً عنده، فقال له رسولُ اللهِ وََّ: ((بمَ سارَرتَه؟))، قال: أمرته، أو فقال: أمرته أن يبيعَها، فقال: ((إن الذي حرَّمَ شُرْبَها، حَرَّمَ بيعَهَا))، قال: ففتح المزادتَيْنِ حتى ذهب ما فيهما(١). ٣٣٤٥ - وكما حدثنا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهب، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، عن رسولِ اللهِ وَّرِ مثلَه(٢). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن وعلة، فمن رجال مسلم. وهو في (الموطأ)) ٨٤٦/٢. ورواه من طريق مالك أحمد ٣٥٨/١، ومسلم (١٥٧٩) (٣٨)، والبيهقي ١١/٦. ورواه أحمد ٢٣٠/١، والدارمي ١١٤/٢، وأبو يعلى (٢٤٦٨) من طريقين عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي زيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن بن وعلة، به. ورواه أحمد ٢٤٤/١ من طريق فليح و٣٢٣-٣٢٤، وأبو يعلى (٢٥٩٠) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، ومسلم (١٥٧٩) من طريق حفص بن ميسرة، ثلاثتهم عن زيد بن أسلم، به. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. - ٤٠٦ - = أفلا ترى أن رسولَ الله ◌ََّ لم يخرقِ الرَّاويةَ التي كان فيها الخمرُ كما خرق الزِّفَاق التي كان فيها الخمرُ في حديث ابن عمر، فدلَّ ذلك أن التخريق إنما كان لما في حديث ابن عمر غضباً على مَنْ غيبها بعدَ تحريمها، فقد يجوزُ أيضاً أن يكونَ من غيبها ممن سأل رسولَ الله وَّ عن تخليلها منعه من ذلك عقوبةً له، لا لأنها لو خللت لم تحل له . فإن قال قائل: فما الذي يوجبه القياسُ في هذا الاختلاف الذي ذكرته عن أهل العلم فيما ذكرته فيه؟ قيل له: القياسُ يوجبُ أن يكونَ بذلك طلقاً، لأنا رأينا العصيرَ الحلال إذا صار خمراً مِن نفسه، أو صار خمراً بعلاج مِن غيره أن ذلك سواء، وأنها حرام للعلة التي حدثت فيها، ولم تفترق في ذلك ما كان من ذاتها، ولا مما كان فعل أحد من الناس ذلك بها. وكان مثل ذلك إذا كانت خمراً، ثم انقلبت خلاً أن يستويَ ذلك فيها، وأن يكونَ انقلابُها بذاتها، وانقلابُها بفعل أحد من الناس بها بمعنى واحد، ويكون حدوثُ صفة الخل فيها يُوجب لها حُكْمَ الخل، فيعود إلى حِلِّه، ويزول عن حكم الخمر التي كانت عليه في حرمته، ومثلُ ذلك أيضاً دباغُ الميتة أنه يستوي علاجُها وهي حرام حتى تعود حلالاً كما تعود حلالاً لو تركت حتى تجف في الشمس وتَسْفِيَ عليها الرياحُ، فيكون ذلك سبباً لذهاب وَضَر الميتةِ عنها، وإعادة لها إلى حكم الأهب التي من المذكى من أجناسها. والله عز وجل نسأله التوفيق. = وهو في ((صحيحه)) (١٥٧٩)، و((سنن البيهقي)) ١٢/٦ من طريق ابن وهب، بهذا الإِسناد. - ٤٠٧ - ٥٣٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وَلِلّه في رخصته للمُحْرِمِ أن يُضَمِّدَ عينيه بالصَّبر إِذا اشتكاهُما ٣٣٤٦ - حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن أيوبَ بن موسى، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، عن أبانَ بنِ عثمان، أنه حدثه عن عثمان رضي الله عنه أن النبيَّ نَّهُ رخْص أو قال: ((إذا اشتكى المُحْرِمُ عينيه أن يُضَمِّدَهما بالصَّبر))(١). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أحمد ٦٩/١، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع، ص١٦٤)، ومسلم (١٢٠٤)، والدارمي ٧١/٢، والترمذي (٩٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٥٨٥)، وفي ((المجتبى)) ١٤٣/٥، وأبو داود (١٨٣٨) من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعملُ على هذا عندَ أهل العلم لا يرون بأساً أن يتداوى المحرمُ بدواء ما لم يكن فيه طيب. ورواه أحمد ٦٥/١، ومسلم (١٢٠٤) (٩٠) من طريقين عن عبد الوارث، عن أیوب بن موسی، به. ورواه أحمد ٥٩/١-٦٠، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن نبيه بن وهب، به. يضمدها، أي: يلطخها بالصبر، وأصل الضمدِ: الشَّدُّ، ويقال للخرقة التي يشد بها العضو المؤوفُ ضماد، والصَّبِرُ بكسر الباء ويجوز إسكانها: دواءٌ مُرٍّ. - ٤٠٨ - فتأملنا هذا الحديثَ لِنقف على الرخصة المذكورةِ فيه ما هي. فوجدنا التضميدَ: تغطية ما يُضَمَّدُ به، وكان الصَّبرُ في نفسه غيرَ طِيبٍ، فعقلنا بذلك أن الرخصة لم تكن للصَّيرِ في نفسه، وإنما كانت لغيره من الضُّماد الذي يُضمد به، فيكون ذلك تغطيةً لوجه المحرم أو لما يُغطى به من وجهه، لأنه لو لم يكن كذلك، لم يُقَلْ له ضِماد، ولقيل له: دِمام. فقال قائل: فكيف يكونُ ما ذكرتَ كما وصفتَ وقد رُوي عن عثمان رضي الله عنه ما يَدْفَعُ ذُلك؟ فذكر ما قد حدثنا يونسُ وعيسى بنُ إبراهيم، قالا: حدثنا سفيانُ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيتُ عثمانَ رضي الله عنه بالعَرْجِ مخمراً وَجْهَهُ بقطيفةِ أرجوانٍ وهو مُحْرِمٌ(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. عبد الله بن أبي بكر: هو ابن محمد بن عمرو ابن حزم الأنصاري المدني القاضي . ورواه مالك في ((الموطأ)) ٣٥٤/١ عن عبد الله بن أبي بكر، بهذا الإسناد. قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) ٢٣٢/٢: إنما فعل ذلك، لأنه كان يرى ذلك جائزاً، وكذا ابنُ عباس وابنُ عوف، وابنُ الزبير، وزيد بن ثابت، وسعيد وجابر، وبه قال الشافعيُّ، وقال ابن عمر: يحرم تغطية الوجه، وبه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وفيه الفدية على مشهور المذهب، وأنكر ما يخالفه، ولا يجوز تغطيةُ الرأس إجماعاً. قلت: وانظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٣٠٧-٣٠٨. - ٤٠٩ - وما قد حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً حدثه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، أنه قال: أخبرني الفُرافصة بن عُمير الحنفي أنه رأى عثمان بالعرج، ثم ذكر مثلَه(١). قال: ففي هذا الحديث ما قد دلَّ أن عثمان كان لا يرى بتغطية الوجه في الإِحرام بأساً، فدلَّ ذلك أن الرخصةَ التي في الحديث الأول لم تكن لما ذكرتَ. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنه قد يحتمل أن يكونَ عثمانُ فعل ذلك لضرورةٍ دعته إليه، وأنه يُكَفِّرُ مع ذلك، كما رُوي عن عبد الله بنِ عباسٍ في مثله مما قد حدثنا محمد بنُ خزيمة، قال: حدثنا حجاج بن مِنهال، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الزُّبير، عن = والعرج: قرية على ثلاث مراحل من المدينة. القطيفة: كساء له خمل، والأرجوان: صوف أحمر. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير الفرافصة بن عمير الحنفي، روى له مالك، وروى عنه جمع، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٩٩/٥، وهو في ((الموطأ)) ٣٢٧/١. ورواه ابن أبي شيبة، ص٣٠٧ عن عبدة بن سليمان ويزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد. ورواه أيضاً ص٣٠٨ عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، به. - ٤١٠ - أبي معبد، مولى ابن عباس أن ابنَ عباس، قال له: يا أبا معبد رُدَّ عليَّ طيلساني، وهو محرم، قال: قلتُ: كنتَ تنهى عن هذا! قال: إني أريدُ أن أفتدِيَ (١). فاحتمل أن يكونَ عثمانُ لو سُئِلَ عن ما فعل من ذلك، لأخبر أنه فعله لِيفتديَ، وفيما ذكرنا ما قد بان به أن تغطيةَ الوجه في الإِحرام حرامٌ على المحرم، وقد رُوِيَ هذا القولُ عن عبد الله بنِ عمر. كما قد حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً أخبره (ح) وكما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، عن مالك، عن نافع عن ابن عمر، قال: ما فوق الذقن من الرأس، فلا يُخمره المحرمُ(٢). فهذا عبدُ الله بن عمر قد كان يذهب إلى هذا القول أيضاً، والقياس يوجبُه، لأن المرأةَ أوسعُ أمراً في الإِحرام من الرجل، لأنها تلبسُ القميصَ، وَتُغَطي رأسَها في إحرامِها، والرجل ليسَ كذلك، لأنه لا يُغطي رأسه في إحرامه ولا يلبس القميصَ فيه، وإذا كانت المرأة مع سَعَةِ أمرها في الإِحرام لا تُغطي وجهها فيه كان الرجلُ بذلك أولى، وهكذا كان يقولُ أبو حنيفة ومالك بن أنس في ذلك، والله نسأله التوفيق . (١) رجاله ثقات رجال الصحيح. أبو معبد: اسمه نافذ. (٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٣٢٧/٩. - ٤١١ - ٥٣٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله اح لاه في وُلاةِ الأمر بعدَه، الذين هم في ولايتهم إيَّاه خلفاء نبوة، من هم؟ ٣٣٤٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو مُسْهرٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ حربِ الخولاني الأبرش، قال: حدثني الزبيديُّ، عن الزّهريِّ، عن عمروبن أبان بن عثمان عن جابر بن عبد الله أنه كان يُحَدِّثُ أن رسول الله وَِّ قال: ((أُريَ الليلةَ رَجُلٌ صالحٌ أن أبا بكر نِطَ برسولِ اللهِ وََّ، ونِيطَ عُمَرُ بأبي بكرِ، ونِيطَ عثمانُ بعمر)»، فلما قمنا من عندِ رسولِ اللهِ وَّ قلنا: أما الرجلُ الصَّالِحِ، فَرسولُ اللهِ وََّ، وأما ما ذكر من نَوْطِ بعضهم بعضاً، فهم ولاةُ هذا الأمر الذي بَعَثَ الله عز وجل به نبيَّه وَلَ(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمرو بن أبان بن عثمان، فقد ذكره الزبيربن بكار في أولاد أبان، وقال: أمه أم سعيد بنت عبد الرحمن بن هشام، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢١٦/٧، فقال: روى عنه الزهري وأهل المدينة، وقد روى عن جابر بن عبد الله، فلا أدري أسمع منه أم لا. أبو مسهر: هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، والزبيدي: هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي القاضي. ورواه ابن حبان (٦٩١٣)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١١٣٤) عن عمروبن = - ٤١٢ - قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن ولاةَ الأمر الذي بَعَثَ الله به نبيَّه وَله بعده هُمْ هؤلاء الثلاثة المذكورون في هذا الحديث، فقد يحتمِلُ أن يكونوا ولاته بَعْدَ النبيِّ بَله، ويكون له ولاة بعدهم سواهم، فنظرنا في ذلك ٣٣٤٨ - فوجدنا عليَّ بنَ معبدٍ، قد حدثنا، قال: حدثنا الأسودُ بنُ عامر، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ وَِّ يُعْجِبُهُ الرؤيا، ويسألُ عنها، فقال ذاتَ يومٍ : ((أيُّكُم رأى رؤيا؟)) فقال رجل: أنا يا رسولَ الله، رأيتُ كأن ميزاناً دُلِّيَ مِن السَّماء، فوزنتَ فيه أنتَ وأبو بكر، فرجحت بأبي بكر، ثم وُزِنَ فيه أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر بعمر، ووُزِنَ فيه عمر وعثمان، فرجح عمر بعثمان، ثم رُفِعَ الميزانُ، فاستاء لها رسولُ الله وَلَه، فقال: ((خلافةُ نبوة، ثم يُؤْتِي الله الملك مَنْ يَشاءُ))(١). = عثمان ومحمد بن مُصَفَّى، ورواه أحمد ٣٥٥/٣ عن يزيد بن عبد ربه، والحاكم ٧١/٣-٧٢ من طريق موسى بن هارون، أربعتهم عن محمد بن حرب الخولاني، بهذا الإسناد. ورواه أبو داود (٤٦٣٦) عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، به. وقال بإثره: ورواه يونس وشعيب، ولم يذكرا عمرو بن أبان. وقوله: ((نيط))، قال الخطابي في ((المعالم)) ٣٠٥/٤-٣٠٦: معناه عُلِّقَ، والنوط: التعليق . (١) علي بن زيد: هو ابن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان، ضعيف، = - ٤١٣ - ثم نظرنا في ذلك هل رُوِيَ فيه غير هذا الحديث، إذ كان في هذا الحديث رفعُ الميزان الذي أخبر رسولُ اللهِ وَّ أن الموزنين به ولاةُ ذلك الأمر بعده. ٣٣٤٩ - فوجدنا سليمانَ بن شعيب الكيساني قد حدَّثنا، قال: = وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم. ورواه أبو داود (٤٦٣٥) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٤٤/٥ و٥٠ من طريقين عن حماد بن سلمة، به. ورواه أبو داود (٤٦٣٤)، والترمذي (٢٢٨٧) من طريقين عن محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة أن النبي ◌َّر قال ذات يوم: ((من رأى منكم رؤيا؟))، فقال رجل: أنا، رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله اله . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وفي الباب عن ابن عمر عند أحمد ٧٦/٢ قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَِّ ذات غداة بعد طلوع الشمس، فقال: ((رأيتُ قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليدُ، فهذه المفاتيح، وأما الموازين، فهي التي توزنون بها، فَوُضِعْتُ في كِفة، ووُضِعَتْ أُمتي في كِفّة، فَوُزِنْتُ بهم، فرجحتُ، ثم جيء بأبي بكر فَوُزِنَ بهم فَوَزَنَ، ثم جيء بعمر فُوُزِنَ، فَوَزَنَ، ثم جيء بعثمان، فَوَزَنَ بهم، ثم رُفِعَتْ)). وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٥٨/٩، وقال: رواه أحمد والطبراني، إلا أنه قال: فرجح بهم في الجميع، وقال: ثم جيء بعثمان، فوضع في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فرجح بهم، ثم رفعت. ورجاله ثقات. - ٤١٤ - حدثنا عبدُ الرحمن بنُ زياد، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن سعيد بن جُمْهانَ عن أبي عبد الرحمن سفينةَ، قال: سمعتُ النبيَّ بَّه يقول: ((الخِلافةُ ثلاثون عاماً، ثم يكونُ المُلْكُ))، ثم قال سفينةُ: أَمْسِكْ سنتين أبو بكر، وعشرَ سنين عمر، واثنتي عشر سنة عثمان، وستّ سنين علي رضي الله عنهم(١). فدلَّ هذا الحديثُ أن سنين (٢) خلافة النبوة في هذه الثلاثون السنة التي قد دخلت فيها مُدَدُ خلافة أبي بكر، ومُدَدُ خلافةِ عمر، ومُدَدُ خلافةِ عثمان، ومُدَدُ خلافةِ علي رضي الله عنهم، وأن ما في الحديثين الأولين مما فيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان بما ذكروا به فيهما لا يُذكر لعلي في ذلك معهم، إنما كان، لأن ما فيهما كان في أبي بكر وعمر وعثمان خاصة، كما قد روي سوى ذلك في أبي بكرٍ مما لا ذكر لعمرَ فيه، وفي عمر مما لا ذكر لأبي بكر ولا لعثمانَ فيه، وفي عثمان مما لا ذكر لأبي بكر ولعمر فيه، فمثلُ ذلك أيضاً عليٍّ في هذا المعنى (١) إسناده حسن، وصححه ابن حبان (٦٦٥٧) و(٦٩٤٣)، وانظر تمام تخريجه فيه . (٢) كذا الأصلُ بإثبات النون، والجادةُ حذفُها، لأن ((سنين)) ملحق بجمع المذكرِ السَّالم، فتحذف نونُه للإضافة، وما هنا يُخرج على مذهب بعض العرب الذين يلزمون سنين الياء مع التنوين تشبيهاً له بـ ((حين)) فيعرب بالضمة رفعاً، وبالفتحة نصباً، وبالكسرة جراً، وعليه قول الشاعر: دَعَانِيَ مِنْ نجدٍ فإنَّ سِنينه لَعِبْنَ بنا شِيباً وشَيَبْننا مُرداً - ٤١٥ - قد رُوي فيه ما لا ذكر لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان فيه، لأنهم رضوانٌ الله عليهم أهلُ السوابق، وأهلُ الفضائل، ويتباينون في فضائلهم، ويتفاضلون فيها كأنبياء الله عز وجل في نبوتهم التي قد جمعتهم، ثم أخبر الله عز وجل في كتابه بما أخبر به فيهم من قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وحديث سفينة الذي ذكرنا حَصَرَ خلافة النبوة بمدةٍ عقلنا بها أن لها أهلاً إلى انقضائها وهُمْ هؤلاء الأربعة رضوان الله عليهم، والله عز وجل نسأله التوفيق. - ٤١٦ - ٥٣٩ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِ وَ له في الحينِ الذي يَسَعُ فيه ترُكُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٣٣٥٠ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود البغدادي، ومحمد بن علي بن زيد المكي، قالا: حدثنا الحكمُ بنُ موسى النسائي أبو صالح، قال: حدثنا الهيثمُ بنُ حُميد، عن حفص، وهو ابن غيلان أبو معبد، عن مکحولٍ عن أنسٍ ، قال: قيل: يا رسولَ الله: مَتى يُتْرَكُ الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر فيكم ما ظَهَر في بني إسرائيلَ))، قيل: وما ذاك يا رسولَ الله؟ قال: ((إذا ظهر الإِدْهَان في خيارِكم، والفَاحِشَةُ في شِرارِكُم، وَتَحَوَّلَ المُلْكُ فِي صِغارِكم، والفِقْهُ في أراذِلِكُمْ))(١). (١) إسناده حسن. ورواه أحمد ١٨٧/٣ عن زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا أبو سعيد، حدثنا مكحول، عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول الله متى ندع الائتمارَ بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل: إذا كانت الفاحشة في كبارِكم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم)). وفي الباب عن حذيفة، قال: قلت للنبي وَّ: يا رسول الله، متى يُترك الأمر = - ٤١٧ - قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديث، فبدأنا منه بطلب مرادِ رسولِ الله وَلّ بأنه إذا ظهر فينا ما ظهر في بني إسرائيل ما ذلك الذي كان ظهر فيهم؟ فكان ذلك عندنا - والله أعلم - هو ما في الحديث الذي رويناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا عن ابن مسعود وأبي موسى، عن النبيِّ ◌ََّ: ((أن بني إسرائيل كان أحدُهُمْ يرى مِن صاحبه الخطيئة، فينهاه تعذيراً(١)، فإذا كان مِن الغد جالسه، وواكله، وشاربه كأنه لم يره على خطيئته بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوبَ بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم صلواتُ الله عليهما، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على لسان السفيه، ولَتَأْطُرُنَّه على الحق أطراً، أو لَيَضْربَنَّ الله عز وجَلَّ قُلوبَ بعضكم على = بالمعروف والنهي عن المنكر وهُما سيدا أعمالِ أهلِ البر؟ قال: ((إذا أصابكم ما أصابَ بني إسرائيل))، قلتُ: يا رسولَ الله، وما أصاب بني إسرائيل؟ قال: ((إذا داهن خيارُكم فجارَكم، وصار الفِقهُ في شِراركم، وصار الملكُ في صِغاركم، فعند ذلك تلبسكم فتنةٌ تكرون ويُکر علیکم)». قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٦/٧: رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه عمار بن سيف، وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف. (١) التعذير: أن يفعل الشيء غيرَ مبالغ في فعله، وتعذيرُ بني إسرائيل: أنهم لم يُبالغوا في نهيهم عن المعاصي، وداهنوا العُصاة، ولم يُنكروا أعمالهم بالمعاصي حق الإِنكار، فنهوهم نهياً قصروا فيه ولم يُبالغوا. - ٤١٨ - قلوب بعض، ويلعنكم كما لعنهم)) (١). فبان بذلك أن الزمان الذي يكون أهلُه ملعونين - ونعوذ بالله من ذلك الزمان - الذي يكونُ لا معنى لأمرهم بمعروف، ولا لنهيهم عن منکر. ثم ثنّينا بالإِدهانِ المذكورِ في هذا الحديث ما هو، فوجدنا الإِدهانَ في كلام العرب التليُّنُ لمن لا ينبغي التلينُ له، كذلك قال الفراء، قال: ومن ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [ن: ٩]، أي: تلينُ لهم، فيلينون لك(٢)، فمثل ذلك ما في هذا الحديث من إدهان الأشرارِ الخيار هو التلينُ لهم، لأن المفروضَ عليهم خلافُ ذلك مما قد ذكرناه في حديثي ابن مسعود وأبي موسى. ثم ثلَّثْنا بطلب مراده وَّ بتحويل الملك في الصغار ما هو، فكان المرادُ به عندنا - والله أعلم - الملكَ الذي إلى أهله أمورُ الإِسلام من إقامة الجمعات والجماعات، وجهاد العدو، وسائر الأشياء التي إلى الأئمة والتي ترجع العامةُ فيها إلى ما عليه أئمتهم فيها، فيكونون بهم في ذلك مقتدين، ولآثارهم فيه متبعين، وكان ذلك مما القيامُ به من الكبار موجود، ومن الصغار معدوم. ثم رَبَّعنا بطلب معنى قوله بَّي: ((والفقه في أراذلكم))، فكان وجهه (١) إسناده ضعيف لانقطاعه، وقد تقدم تخريجُه برقم (١١٦٤). (٢) ((معاني القرآن)) ١٧٣/٣، ونصه: وقوله: ﴿ودُوا لو تُدهِنُ﴾، يقال: ودُّوالو تَلِينُ في دينك، فيَلِينونَ في دينهم، وقال بعضُهم: لو تكفر فيكفرون، أي: فيتبعونك على الكفر. - ٤١٩ - عندنا - والله أعلم - أن الفِقهَ الذي أراده وَ لَّ في ذلك هو الفقه الذي ذكره فيما رواه أبو هريرة عنه ٣٣٥١ - كما قد حدَّثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، عن سفيانَ بنِ عُيينة، عن أبي الزّنادِ، عن الأعرجِ عن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله وََّ قال: «تَجدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فخيارُهُم في الجَاهِلِيَّةِ خِيارُهُم في الإِسلامِ إِذا فَقُهُوا))(١). (١) إسناده صحيح. الشافعي: هو محمد بن إدريس، الإِمام الثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين. وهو في ((سنن الشافعي)) (٤٤٥) رواية الطحاوي عن خاله المزني، عنه. ورواه البخاري (٣٤٩٥) و(٣٥٨٧)، ومسلم (٢٥٢٦) من طريق أبي الزناد، بهذا الإسناد . ورواه مسلم (٢٥٢٦) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. ورواه ابن حبان (٥٧٥٧) من طريق حرملة بن يحيى، به، وانظر تمام تخريجه فيه . ورواه ابن حبان أيضاً (٩١) و(٩٢) و(٦٤٨) من طرق عن أبي هريرة، وانظر تمام تخريجها فيه. وقوله: ((تجدون الناس معادن))، قال ابن الأثير: معادن العرب: أصولها التي ينتسبون إليها. وقال الحافظ: ويحتمل أن يريد بقوله: ((خياركم))، جمع خير، ويحتمل أن يريد أفعل التفضيل، تقول في الواحد: خير وأخير، والأفضل من جمع بين الشرف في الجاهلية، والشرف في الإِسلام، وأضاف إليهما التفقه في الدين، وكان شرفهم في الجاهلية بالخصالِ المحمودة من جهة ملاءمة الطبع ومنافرته = - ٤٢٠ -