Indexed OCR Text

Pages 81-100

من الطير، وسنذكر ذلك وما قد رُوي فيه فيما بعد من كتابنا هذا في
موضع هو أولى به من هذا الموضع إن شاء الله (١).
فكان في ذلك النَّهي عن لحومها، وكان معقولاً أنَّ ما ماسَّ مِنَ
الماء شيئاً، كان لذلك الماءِ حكمُ ذلك الشّيءٍ في طهارته وفي
نجاسته، وذلك أنَّا وجدنا اللُّحمان على أربعة أوجه:
فمنها لحمٌ ظاهرٌ مأكولٌ، وهو لحمُ الإِبلِ والبقر والغنم، فأسارها
طاهرةً، لأنها ماسَّت لحوماً طاهرةً
ومنها لحمٌ طاهرٌ غيرُ مأكولٍ، وهي لحومُ بني آدم، فأسارها
طاهرةٌ، لأنَّها ماسَّت لحوماً طاهرةً
ومنها لحمِّ حرامٌ، وهو لحم الخنزيرِ والكلب، فسؤرُ ذلك حرامٌ،
لأنَّها ماسَّت لحماً حراماً، فهذه ثلاثة أصناف من اللَّحمان قد حكم
لأسارها بحكمها في الطهار، وفي التَّحريم.
وبقيت لحومٌ أُخر، وهي لحومُ الحُمُر الأهلية، ولحومُ كلِّ ذي نابٍ
مِنَ السِّباع ، ومنها السُّنَّوْرُ وما أشبههما، ولحومُ كلُّ ذي مخلبٍ مِنَ
الطّير، فكان لحوم تلك الأشياء ممنوع مِنْ أكلها بالسُّنَّة، وكان القياسُ
على ما قد ذكرنا مِنَ الأصناف الثلاثة مِنَ اللَّحمان التي ردَّ حكم أسارها
إلى أحكامها في الطّهارة وفي النجاسة، أو يكون أسار هذه الأشياء أيضاً
تردُّ إلى أحكامها، فكما كانت لحمانُها في السُّنَّة منهياً عنها، ممنوعاً
منها، يكون أسآرها كذلك منهياً عنها، ممنوعاً منها كما قد روي عن
(١) انظر الحديث الآتي برقم (٣٤٧٣) وما بعده.
- ٨١ -

رسول الله وَ﴿ مما قد شدَّ ذلك، وكما قد رُوي عن عبد الله بن عمر
وعن أبي هُريرة في موافقتهما في ذلك، وكما رُوي عن مَنْ دُونهما مِنَ
التَّابعين الذين ذكرناهم وهم: سعيدُ بنُ المسيب، والحسن البصري،
ويحيى بنُ سعيد الأنصاري ومن وافقهم على ذلك مِمَّن هو في الطّبقة
التي دون طبقتهم، منهم أبو حنيفة رحمه الله ومحمد بن الحسن. والله
نسأله التوفيق.
- ٨٢ -

وعليلا
٤٢١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله
من أمره بالعلانية وتحذيره من السِّر
٢٦٥٨ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود قال: حدثنا محمدُ بن الصَّبَّاح،
قال: حدثنا سعيدُ بن عبد الرحمن الجمحي، عن عُبَيْدِ الله بن عمر،
عن نافع
عن ابن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ وَّر، فقال: أوصني،
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تُشرك باللهِ عزَّ وجلَّ شيئاً، وتقيم الصَّلاةَ،
وتُؤْتِي الزّكاةَ، وتحجّ وتعتمر، وتسمع، وتُطيع، وعليك بالعلانِيَةِ، وإِيََّ
والسِّرَّ)(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، فمن
رجال مسلم، وقد وثقه ابن معين وغيرُ واحد، وقال أحمد وأبو داود والنسائي : ليس
به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وليّنه يعقوب بن سفيان، وقال ابن عدي: له
أحاديث غرائب حسان وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يهم عندي في الشيء بعد الشيء،
فيرفع موقوفاً أو يصل مرسلاً لا عن تعمد.
قلت: فقد خالفه محمد بن بشر، فرواه عن عُبيد الله بن عمر، عن يونس بن
عبيد، عن الحسن، قال: جاء أعرابي إلى عمر فسأله عن الدين. فذكره موقوفاً، قال
البخاري: وهذا علی إرساله أصح.
ورواه البخاري في ((التاريخ)) ٤٩٤/٣، ومن طريقه ابن عدي في ((الكامل)) =
- ٨٣ -

قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على المراد به إن شاء
الله فكان الذي حضرنا مما وقع بقلوبنا أنه أولى الأشياءِ الذي وجدناه
يحتملها أنه يُراد به العلانيةُ مِن الناسِ ليكون بعضهم عندَ بعض على
ما يظهرُ لهم منهم لا يتجاوزون بهم ذلك إلى طلب سرائرهم، لأن
ذلك لا يَبْلُغُونَ حقائقَه إذ كان الله عز وجل قد أخفاه عنهم منهم، وإذ
كان قد نهاهم عنه فيهم بقوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[الإسراء: ٣٦].
ومثل ذلك ما قد رُويَ عن عمر بن الخطاب ما قد خاطب به
الناسَ.
كما قد حدثنا مالك بن يحيى أبو غسان الهمداني، قال: حدثنا
عبدُ الوهّاب بن عطاء (ح)، وكما قد حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا
شيبانُ بن فروخ، قال: حدثنا مهدُّ بنُ میمون. قال مالك في حديثه:
قال: أخبرنا الجريريُّ، وقال يزيد في حديثه: قال: حدثنا سعيدٌ
الجريريُّ، عن أبي نضرة، عن أبي فِراس
قال: شهدتُ عمرَ بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عنه يَخْطُبُ الناسَ،
فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، أما إنَّا إنَّما كنا نَعْرفُكُمْ
إذ ينزل الوحيُّ، وإِذِ النبيُّ وَّه بين أظهرنا، وإذ يُنَبِّئُنا الله عزَّ وجلَّ مِنْ
١٢٣٥/٣ عن محمد بن الصباح، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٢٩/٣ من طريق محمد بن أيوب بن يحيى بن
الضريس، عن محمد بن الصباح، به.
- ٨٤ -

أخباركم، فقدِ انقطعَ الوحيُّ، وذهب النَّبِيُّ وَّةِ، فإنَّما أعرفكم بما
أقولُ: مَنْ رأينا منه خيراً، ظنًّا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن رأينا منه
شرّاً، ظنًّا به شرّاً، وأبغضناه عليه، سرائرُكم بينّكُم وبين ربّكم عزَّ
وجلَّ(١).
فمثل ذلك ما قد رويناه عن رسولِ اللهِ وَّ في الأمر بالعلانية وترك
السِّرِّ، ومثل ذلك ما قد خاطب النَّبِيُّ وَِّ به الَّذي قتلَ الرَّجُلَ بعد قوله:
لا إله إلا الله، وبعد اعتذاره مِنْ ذُلك إليه أنَّه إنَّما قالها تعوُّذاً: ((ألا
شَقَقْتَ عَنْ قلبه))(٢)، أي إنَّك غيرُ واصلٍ منه إلى غير ما قد نطق به
لسانُه وسمعتَه منه، والله نسأله التوفيق.
(١) أبو فراس: هو النهدي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٥٨٥/٥، وقال ابن
سعد ١٢٣/٧: كان شيخاً قليل الحديث، وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول،
وباقي رجاله ثقات. أبو نضرة: هو المنذربن مالك بن قُطَعة العبدي.
ورواه بأطول مما هنا أحمد ٤١/١ عن إسماعيل - هو ابن عُلية - أنبأنا
الجريري، بهذا الإِسناد.
(٢) حديثٌ صحيح اتفق الشيخان على إخراجه، وسيأتي بإسناده برقم
(٣٢٣٤)، ويُخرَّجُ هناك إن شاء الله تعالى.
- ٨٥ -

٤٢٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله الجوه
في ماء الرجل وماء المرأة وفي عمل كُلِّ
واحدٍ منهما في الولد الذي يخلق منهما
٢٦٥٩ - حدثنا محمد بن عبدة بن عبد الله بن زيد المروزي أبو
بكر، قال: حدثنا أبو توبةَ الربيعُ بن نافع، قال: حدثنا معاويةُ بنُ
سلام، عن أخيه زيدٍ أنه سَمِعَ أبا سلام يقول: حدثني أبو أسماء
الرحميُّ
أن ثوبانَ مولى رسول الله وَِّ حدثه أن حبراً مِن أحبار اليهودِ قال
لرسول الله وَّ﴾: أسألُك عن الولد، فقال: ((ماءُ الرجل أبيضُ، وماءُ
المرأةِ أصفرُ، فإذا اجتمعا، فعلا منيُّ الرجلِ منيَّ المرأةِ، أذكرا بإذنٍ
الله عز وجل، وإذا علا منيُّ المرأةِ منيَّ الرجلِ، آنثا بإذن الله))، فقال
اليهوديُّ: لقد صدقتَ، وإنّك لنبيُّ، ثم انصرف، فذهب، فقال رسولُ
اللّهِ وَلّ: ((لقد سألني عَنِ الَّذي سألني، ومالي علمٌ بشيءٍ منه حتّى
أتاني الله عز وجل به))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو سلام: اسمه ممطور الأسود الحبشي،
وأبو أسماء الرحبي: هو عمروبن مَرْتَدٍ الدمشقي.
ورواه مسلم (٣١٥)، والنسائي في ((عِشرة النساء)) (١٨٨)، والطبراني
(١٤١٤)، وابن حبان (٧٤٢٢)، والحاكم ٤٨١/٣-٤٨٢، والبيهقي في ((البعث)) =
- ٨٦ -

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أنَّ ماءَ الرجل إذا علا أذكرا
بإذن الله عز وجل، وأنَّ ماء المرأة إذا علا آنثا بإذن الله.
فقال قائل: فقد رويتُم عن رسولِ الله وَلّ أن ماءَ أحدهما إذا
علا ماءَ الآخر، فعل غيرَ هذا المعنى.
٢٦٦٠ - فذكر ما قد حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثنا
قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه،
عن مُصْعَبِ بنِ شيبة، عن مسافع بنِ عبدِ الله الحَجَبِي، عن عُروة بن
الزبير
عن عائشة أن امرأةً قالت للنبيِّ وَّ: هل تغتسِلُ المرأة إذا
احتلمت، وأبصرتِ الماءَ؟ فقال: ((نعم))، فقالت لها عائشةُ: تَرَبَتْ
يداك، فقال النبيُّ ◌َ﴿: ((دعيها، وهل يَكُونُ الشَّبَهُ إلَّ مِنْ ذلك؟ إذا
علا ماؤها ماءَ الرَّجُل أشبه الولدُ أخوالَهُ، وإذا علا ماءُ الرجل ماءَها
أشبهه»(١).
= (٣١٥) من طرق عن معاوية بن سلام، بهذا الإِسناد.
(١) مصعب بن شيبة - وإن كان من رجال مسلم، ووثقه ابنُ معين - قال أحمد:
روى أحاديثَ مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقوي، وقال النسائي:
منكر الحديث، وقال في موضع آخر: في حديثه شيء، وقال الدارقطني: ليس
بالقوي ولا بالحافظ، وقال ابن عدي: تكلموا في حفظه، وباقي رجاله ثقات رجال
الشيخين غير مسافع، فمن رجال مسلم.
ورواه أحمد ٩٢/٦ عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (٣١٤) (٣٣)، وأبو عوانة ٢٩٣/١، والبيهقي ١٦٨/١ من طرق
عن یحیی بن زکریا، به.
- ٨٧ -

٢٦٦١ - وما قد حدثنا محمد بن عمر بن يونس، قال: حدثنا أبو
معاوية الضَّريرُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن زينب
عن أمِّ سلمة، قالت: جاءت أمُّ سُليم إلى النّبِيّ وَّهِ، فقالت:
يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ لا يستحيي مِنَ الحقِّ، فهل على المرأة مِنْ غُسلِ
إذا احتلمت؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا رأتِ الماءَ)) وغَطَّتْ أمُّ سلمةً
وجهها، وقالت: يا رسول الله: أو تحتلمُ المرأةُ؟ فقال: ((تربت يَدَاكِ،
بما يُشبهُها ولدُها؟!))(١).
٢٦٦٢ - وما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبدُ
الله بنُ وهبٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن عبدِ الله بن رافع مولى أم سلمة
عن أمِّ سلمة أنَّ أُمَّ سُليم امرأةً أبي طلحة قالت: يا رسولَ الله،
هل على المرأة ترى زوجها في المنام يَقَعُ عليها غُسْلٌ؟ فقال رسولُ
الله وَلِّ: ((نَعَمْ، إِذا رَأَتْ بللًاً))، فقالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، وتفعل
ذلك المرأةُ؟! فقال: ((تَربَ جبينُك، فَأَنَّى يكونُ شَبَهُ الخؤولة إِلَّ مِنْ
ذلك؟! أيُّ النَّطفتين سبقت إلى الرحم، غلبت على الشَّبه))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو معاوية الضرير: اسمه محمد بن
خازم، وزينب: هي بنت أبي سلمة المخزومية.
ورواه ابن حبان (١١٦٥) و(١١٦٧) من طريق هشام بن عروة، بهذا الإسناد.
وانظر تمام تخريجه، والتعليق عليه فيه.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد
الله بن رافع، فمن رجال مسلم. ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن =
- ٨٨ =

قال: ففي هذا الحديثِ أنَّه إذا علا ماءُ أحدهما ماءَ الآخر، كان
الشَّبَهُ له، وهذا خلافُ الإِذكارِ والإِيناث.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ هذا الذي
ذكره غيرُ مخالفٍ لما ذكرناه في الفصل الأول من هذا الباب، لأن الذي
في الفصل الأول الذي ذكرناه في أول هذا الباب مِنَ الإِذكار والإِيناث
هو بالعُلُوِّ من أحدِ الماثَين للآخر في الرحم، والذي في الفصل الثاني
هو بالسَّبْقِ في أحد المائَين الماءَ الآخر، ويكون الشبه له، والخلق،
فلا يكونُ منه خاصَّةٌ، إنَّما يكونُ منه ومن الماء الآخر، فإذا كان الماء
الآخرُ، كانَ الشَّبَهُ له، وقد تقدمه قبلَ ذلك تقديرُ الله عز وجل ما قدر
فيه من التذكير والتأنيث، فكان كلَّ واحدٍ مِنْ هذين المعنيين غيرَ
المعنى الآخر في أحدهما في سبب التّذكير والتأنيث، وفي الآخر منهما
سبب الشبه، والله نسأله التوفيق(١).
= المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري المدني.
ورواه أحمد ٣٠٨/٦-٣٠٩، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/(٩٩٨) من طريقين عن
ابن أبي ذئب، بهذا الإِسناد.
(١) أورد الإِمام ابن القيم في ((تحفة المودود) ص٢٢١، بعناية الأستاذ بسام
الجابي، إشكالاً على حديث ثوبان، فقال: إن الإِذكارَ والإِيناثَ ليس له سببٌ
طبيعي، وإنما هو مستند إلى مشيئة الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا قال في الحديث:
((فيقول الملك: يا رب أذكر أم أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ شقي أو سعيد؟
فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك)).
فكون الولد ذكراً أم أنثى مستند إلى تقديرِ الخلاقِ العليم، كالشقاوة والسعادة
والرزقِ والأجلِ ، وأما حديثُ ثوبان، فانفرد به مسلم وحدَه، والذي في ((صحيح =
- ٨٩ -

= البخاري)) (٣٣٢٩) إنما هو الشبه، وسببه علو ماء أحدهما أو سبقه، ولهذا قال:
((فمن أيهما علا أو سبق يكون الشبه عنه)).
وأجاب عنه فقال: إن الله سبحانه قَدَّرَ ما قَدَّرَهُ من أمر النُّطفة من حين وضْعِها
في الرحم إلى آخر أحوالها بأسبابٍ قدَّرها، [حتى الشقاوة والسعادة والرزق والأجل
والمصيبة، كل ذلك بأسباب قدَّرها]، ولا ينكر أن يكونَ للإِذكارِ والإِيناثِ أسبابٌ،
كما للشبه أسبابٌ، لِكون السبب غيرَ موجب لمسبَّبه، بل إذا شاء الله جعل فيه
اقتضاءه وإذا شاء سلبه اقتضاءَه، وإذا شاء رتَّبَ عليه ضِدَّ ما هو سببٌ له، وهو
سبحانه يفعل هذا تارةً، وهذا تارةً، وهذا تارةً، فالموجبُ مشيئة الله وحدَهُ، فالسبب
متصرّف فيه لا متصرِّف، محكومُ عليه لا حاكم، مُدَبَّرٌ، لا مُدبِّرٌ، فلا تضاد بَيْنَ قيامٍ
سبب الإِذكار والإِيناث، وسؤال الملك ربه تعالى: أي الأمرين يُحدثه في الجنين،
ولهذا أخبر سبحانه أن الإِذكار والإِيناث وجها هبةٍ محضة منه سبحانه راجع إلى
مشيئته وعلمه وقدرته.
فإن قيل: فقول الملك: يا رب! أذكر أم أنثى؟ مثل قوله: ((ما الرزق وما
الأجل؟)) وهذا لا يستند إلى سبب من الواطىء وإن كان يحصل بأسباب غيرِ ذلك.
قيل: نعم! لا يستندُ الإِذكارُ والإِيناثُ إلى سبب موجبٍ من الوطء، وغايةُ ما
هناك أن ينعقد جزء من أجزاء السبب، وتمام السبب من أمور خارجة عن الزوجين.
ويكفي في ذلك أنه إن لم يأذن الله باقتضاءِ السبب لمسبَبه لم يترتب عليه،
فاستنادُ الإِذكار والإِيناث إلى مشيئته سبحانه لا يُنافي حصولَ السبب، وكونُهما بسببٍ
لا يُنافي استنادَهما إلى المشيئة ولا يُوجب الاكتفاءَ بالسبب وحده.
وأما تفرُّدُ مسلمٍ بحديث ثوبان، فهو كذلك، والحديث صحيح لا مطعن فيه،
ولكن في القلب من ذكر الإِيناث والإِذكار فيه شيء، هل حُفظت هذه اللفظةُ أو هي
غيرُ محفوظة؟ والمذكورُ إنما هو السببُ، كما ذكر في سائر الأحاديث المتفق على
صحتها، فهذا موضع [نظر] كما ترى، والله أعلم.
- ٩٠ -

فإن قال قائل: فإنَّ في حديث عائشةَ الَّذي قد رويته في هذا
الفصل: ((إذا علا ماؤها ماءَ الرجل أشبه الولدُ أخواله، وإذا علا ماءُ
الرجل ماءَها أشبهه)».
قيل له: هكذا في هذا الحديث، وأصحاب الحديث ليس حديثُ
مصعب بن شيبة عندهم بالقوي، ولكن الذي في حديث المقبري: ((أي
النطفتين سبقت إلى الرحم، غلبت إلى الشبه)) هو الصحيح عندهم،
والله عز وجل نسأله التوفيق.
- ٩١ -

٤٢٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله الجدول
في سؤال الملَك في الرَّحِمِ ربِّه عز وجل عن
المخلوقِ من النطفة: أذكَرٌ أو أنثى بعدما أتى
على النَّطفةِ للرحم قبل ذلك ما أتى عليها
مِنَ الزَّمان، وهل هو مخالف لما قد
ذكرناه في الباب الذي قبلُ أم لا؟
٢٦٦٣ - حدثنا يونس، قال: وسمعتُ سفيانَ يقول: حدثنا عمرو،
عن أبي الطّفيل
عن حذيفةً بن أُسِيد الغفاري قال: سمعتُ رسول الله وَّ يقول
أو قال النبي ◌َّ : - الشكُ من ابن عيينة ــ ((يدخل المَلَكُ على النطفة
بعدَ ما تستقرُّ في الرحم أربعين، فيقول: يا رب ماذا أشقيَّ أم سعيدٌ؟
فيقول الله عز وجل، فيكتبان، فيقول: يا رب أذكرٌ أم أنثى، فيقول
الله، فيكتبان رِزْقَه وعَمَلَهُ وأثره ومُصيبه، ثم تُطوى الصُّحُفُ، فلا يُزادُ
على ما فيها ولا يُنْقَصُ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. رجاله رجال الشيخين غير صحابيّه، فمن
رجال مسلم. عمرو: هو ابن دينار.
ورواه اللالكائي في ((أصول الاعتقاد)) (١٠٤٥) من طريق يونس بن عبد الأعلى،
بهذا الإسناد.
=
- ٩٢ -

٢٦٦٤ - حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخبرني ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
عمرو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبيرِ المكيِّ أن عامَرَ بَنَ واثلةً حدثهُ
عن حُذَيفةَ بن أَسيدِ الغفاريِّ، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َ، يقولُ:
((إِذا مرَّ بالنطفةِ اثْنَتَانِ وأربعونَ ليلةً، بعثَ الله إليها ملكاً فصَوَّرَها وخَلَقَ
سُمْعَها وبَصَرَها وجِلدَها ولَحْمَها وعظامَها، ثم قال: يا رب أذكرٌ أم
أنثى؟ فيقضي ربُّك عزَّ وجل ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا
رب أجلُه، فيقول ربُّك عز وجل ما شاء، ويكتب الملَكُ، ثم يقول:
يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج
بالصحيفةِ في يده، فلا يزيد على أمره ولا ينقص))(١).
= ورواه احمد ٦/٤-٧، والحميدي (٨٢٦)، ومسلم (٢٦٤٥) (٢)، وابن أبي
عاصم في ((السنة)) (١٧٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٠٣٩) من طريق سفيان، به.
وانظر ما بعده.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه ابن حبان (٦١٧٧) من طريق ابن وهب، بهذا الإِسناد، وانظر تمام
تخريجه فيه .
قلت: حديث حذيفة هذا يدل على أن ابتداء التخليق عقيب الأربعين الأولى،
وحديث ابن مسعود المخرج في ((الصحيحين)) يدل على أنه عقيب الأربعين الثالثة،
وقد مال بعض الشراح المتأخرون إلى الأخذ بما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد هذا
من أن التصوير والتخليق يقع في أوائل الأربعين الثانية حقيقة، وأنه ليس في حديث
ابن مسعود ما يدفعه، واستندوا في ذلك إلى قول بعض الأطباء أن المني إذا وقع
في الرحم حصل له زَبَديَّة ورغوة ستة أيام أو سبعة، وفي هذه الأيام تصور النطفة
من غير استمداد من الرحم، ثم بعد ذلك تستمد منه، ويبتدىء فيه الخطوط بعد =
- ٩٣ -
A

٢٦٦٥ - وحدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا صالحُ بن وكيعٍ ، قال:
حدثنا غياثُ بن بشير، قال: حدثنا خصيف، عن أبي الزبير
عن جابر يرفعه قال: ((إذا استقرَّتِ النطفةُ في الرحم أربعين يوماً
وأربعين ليلةً، جاء الملَكُ، فيقول ما أكتب؟ فيقول: اكتب عُمُرَهُ،
وأجلَه، ورزقه، ومُصيبَه، وشقي أو سعيد))، ولم يذكر لنا ابن أبي داود
في حديثه غيرَ هذا(١).
= ثلاثة أيام أو نحوها، ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير علقة،
ثم تتميز الأعضاء تميّزاً ظاهراً، وتمتد رطوبة النُّخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس
عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تَمَيزاً يتبيّن في بعض، ويخفى في بعض،
وينتهي ذلك إلى ثلاثين يوماً في الأقل، وخمسة وأربعين في الأكثر، وقالوا: إن قوله
وقال: ((ثم يرسل إليه الملك)) معطوف على قوله: ((يجمع خلقه في بطن أمه أربعين
يوما))، لا على ما قبله، وهو قوله: ((ثم يكون مضغة))، ويكون قوله: ((ثم يكون علقة
مثل ذلك، ثم يكون مضغة)) معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك لئلا
ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها االجنين وهي كونه نطفة وعلقة ومضغة،
وذلك جائز موجود في القرآن الكريم، والحديث الصحيح، وكلام العرب. وانظر
(فتاوى ابن الصلاح)) ١٦٤/١-١٦٧، و((شرح مسلم)) ١٩١/١٦، و(تحفة المودود))
ص٢٠٨ -٢٠٩ لابن القيم، و((جامع العلوم والحكم)) ١٥٨/١-١٦٤ لابن رجب
بتحقيقنا، و((فتح الباري)) ٤٨٤/١١.
(١) إسناده ضعيف. خصيف - وهو ابن عبد الرحمن الجزري - سبىء الحفظ،
خلط بأخرة.
ورواه أحمد ٣٩٧/٣ عن أحمد بن عبد الملك، حدثنا الخطاب بن القاسم،
عن خصيف، بهذا الإِسناد.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٢/٧، وقال: فيه خصيف، وثقه ابن معين =
- ٩٤ -

٢٦٦٦ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا محمدُ بنُ عيسى بن
الطباع، قال: حَدَّثَنَا غياثُ بن بشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن أبي الزُّبِيرِ
عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((النطفةُ إذا وقعت
في الرحم، وكّل بها ملك فيقول الملك: يا رب أذكر أم أنثى؟ أشقي
أو سعيد؟ وما الرزق وما الأجل؟ قال: فيكتب في بطن أمه))(١).
فقال قائل: ففي حديث حُذيفةً بن أَسيد الذي قد رويته في هذا
الباب أنَّ الخَلْقَ مِنَ النطفة ما يخلق منها من الذكور ومن الإِناث إنَّما
يكون بعد مُضِيِّ المدة المذكورة فيه. أفيكون ذلك مخالفاً لِمَا قد رويته
في الباب الأول في حديث ثوبان الذي رويته فيه؟
فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله عز وجل وعونه - أنَّ كلَّ واحد
من حديث حذيفة بن أسيد ومن حديث ثوبان هذين على معنى غيرِ
المعنى الذي عليه صاحبُه، وذلك أن الذي في حديث ثوبان إنما هو
الذي يكونُ عن المني قَبْلَ أن يكونَ نطفةً مما قَدَّرَ الله عز وجل فيه
أن يكونَ مِنْ ذكرٍ أو أنثى مع علوِّ أحد المنيين المنيَ الآخر، ثم يشق
سمعها وبصرها على ما في حديث حذيفة بعد المدة المذكورة فيه
ويسأل الملَكُ حينئذ ربَّه عز وجل مستعلماً له عن ما تقدم منه فيه:
أذكر أم أنثى، لِيكتب ذلك في الصحيفة التي يكتبه فيها، وقد تقدم
علم الله عز وجل قبل ذلك ما هو من ذينك الجنسين. والله نسأله
التوفيق .
= وجماعة، وفيه خلاف، وبقية رجاله ثقات.
(١) هو مكرر ما قبله.
- ٩٥ -

٤٢٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَله
فيمن زرع في أرض رجل بغير أمره زرعاً
لمن يكونُ ذُلك الزرعُ مِنْ رَبِّ الأرض
ومِن زارعه
٢٦٦٧ - حديثنا أحمد بنُ أبي عمران، قال: حدثنا أبو بكر بنُ
أبي شيبة
٢٦٦٨ - وحدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا يحيى بن عبد
الحميد الحماني
٢٦٦٩ - وحدثنا الحسن بن عبدالله بن منصور البالسي، قال:
حدثنا الهيثمُ بن جميل، قالوا جميعاً: حدثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق
السَّبيعي، قال أحمد وفهد في حديثهما: عن رافع بن خديج.
وقال الحسن بن عبد الله في حديثه: عن أبي إسحاق السبيعي،
عن عطاء بن أبي رباح
عن رافع بن خديج رضي الله عنه، قال: قال النبيِ وَالَ: «مَنْ
زرع في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنهم، فليس له مِنَ الَّرع شيءٌ، ويردُّ عليه
نفقته))(١).
(١) حديث صحيح بطرقه. شريك - وهو ابن عبد الله القاضي، وإن كان سيىء =
- ٩٦ -

ففي هذا الحديث أنَّ من زرع في أرض رجلٍ شيئاً بغيرِ أمره،
كان ما خرج مِنْ ذُلك الزَّرعِ لربِّ تلك الأرض دون زارِعه، ولزارعه
على ربِّ الأرض نفقتُه الَّتي أنفقها فيها، ولا نعلم أحداً مِنْ أهل العلم
تعلَّق بهذا الحديث وقال به غيرَ شريك بن عبد الله النَّخعي، فأمَّا مَنْ
سِواه مِنْ أهلِ العلم، فعلى خلافِه، وهو عندنا قولٌ حسنٌ، لما قد
شدَّه مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ وَل﴿ هذا، ولأنَّ الذي بذره ذلك الرجلُ في
تلك الأرض قد انقلب فيها، فصار مستهلكاً فيها، ثمَّ كان عنه بعدَ
ذلك ما كان عنه ممَّا هو خلافه وما كان سببه الأرض التي كان بَذَرَ
فيها، فكان مِنْ حقِّ ربِّها أن يقولَ للَّذي بذر فيها ما بذر: ما كان في
أرضي مما هي سَبِّبُه هو غيرُ ما بذرتَه فيها، فهو لي دُونَك، غير أنَّك
قد أنفقتَ فيه نفقةً حتى كان عنها ما أخرجَتْه أرضي، فتلك النَّقةُ لمَا
عاد إليَّ ما عاد إليَّ مما كانت أرضي سببَه نفقة على شيءٍ قد صار
= الحفظ ــ تابعه قيسُ بنُ الربيع عند البيهقي، وهو مثلُه، وعطاء بن أبي رباح - وإن
لم يلق رافع بن خديج - قد ورد من طريق آخر مُتَّصِل كما سيأتي .
ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١١٧/٤-١١٨ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٤٦٥/٣ ١٤١/٤، وأبو داود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن
ماجه (٢٤٦٦)، والبيهقي ١٣٦/٦، وأبو عبيد في ((الأموال)) (٧٠٨) من طرق عن
شريك، به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا
من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله ... وسألتُ محمد بن إسماعيل عن
هذا الحديث، فقال: هو حديثٌ حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا
من رواية شريك.
- ٩٧ -

لي دُونَك، فتلك النَّفقة عليَّ لك، فهذا قولٌ حسنٌ، لا ينبغي خلافه،
وقد رُوي عن رسول الله وَلجر ما يشدُّه مما سنذكره في الباب الذي يتلو
هذا الباب إن شاء الله، وبه التوفيق.
- ٩٨ -

٤٢٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَلجدول
فيمن زرع في أرض غيره زرعاً على مُزَارَعَةٍ
فاسدةٍ كيف الحكم فيه
٢٦٧٠ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا مُسدَّدٌ، قال:
حدَّثنا يحيى - يعني القطّانَ - قال: حدثنا أبو جعفر الخَطْمِيُّ قال:
أتيتُ سعيدَ بنَ المسيِّب، فقلت: بلغَنا عنك شيءٌ في المزارعة،
فقال: كان ابنُ عمرَ لا يرىَ بها بأساً حتَّى ذُكِرَ له عن رافع بن خديجٍ.
فيها حديثٌ، فأتى رافعاً، فأخبره رافعٌ أنَّ رسولَ الله وَه أتى بني حارثةَ،
فرأى زرعاً في أرضِ ظُهَيْرٍ، فقال: ((ما أحسنَ أرضِ ظُهَيْرِ!)) فقالوا:
إِنَّه ليس لظُهَيْرِ، فقال: ((أليست أرضَ ظهيرٍ؟)) فقالوا: بلى، ولكنه أزرعَ
فلاناً. قال: ((فردُّوا عليه نفقتَه، وخذوا زرعَكُم)). قال رافعٌ: فرددنا عليه
نفقته، وأخذنا زرعنا. قال سعيد: أَفْقِرْ أخاكَ أو أكْرِهِ بالدَّراهمِ (١).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي جعفر الخَطْمِي
- واسمُه عُمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري - فقد روى له أصحابُ السنن
وهو ثقة، وثقه ابنُ معين، والنسائيُّ، وابنُ حبان، وابنُ نمير، والعجلي، والطبراني،
وقال عبدُ الرحمن بن مهدي: كان أبو جعفر وأبوه وجدُّه قوماً يتوارثون الصدقَ بعضهم
عن بعض.
- ٩٩ -
II

٢٦٧١ - وحدثنا أحمد بن شعيبٍ(١)، قال: أنبأنا محمَّدُ بنُ المثنَّى،
قال: حدثنا يحيى، عن أبي جعفر الخَطْميِّ، ثم ذكر بإسناده مثله.
٢٦٧٢ - وحدثنا محمَّدُ بن سليمان بن الحارث الباغَندي وفهدٌ،
قالا: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا بُكَيْرُ بنُ عامرٍ، عن ابن أبي نُعْمٍ
قال :
حدثني رافع بن خديجٍ أنَّه زرعَ أرضاً، قال: فمرَّ به النّبيُّ ◌ِل
وهو يسقيها، فسأله: ((لمن الزرعُ ولمن الأرضُ؟)) فقال: زرعي ببذري
وعلمي، لي الشطرُ ولبني فلانٍ الشَّطْرُ، فقال: ((أربيتَ، فُرُدَّ الأرضَ
على أهلِها، وخُذ نفقَتك))(٢).
وهذه الطريق تقوي روايةَ شريك السالفة كما قال أبو حاتم في ((العلل))
=
٤٧٦/١.
ورواه أبو داود (٣٣٩٩) ومن طريقه البيهقي ١٣٦/٦ عن محمد بن بشار، عن
يحيى القطان، بهذا الإِسناد.
وقول البيهقي في أبي جعفر الخطمي: لم أر البخاري ومسلماً احتجًّا به، ردّه
ابنُ التركماني، بأنه ثقة، وأخرج له الحاكم في ((المستدرك)) فلا يضره عدم
احتجاجهما به.
وقوله: ((أفقر أخاك)) قال الخطابي: أي: أعطه أرضك عارية ليزرعها، وأصل
الإِفقار: إعارة البعير ونحوه للركوب.
(١) تحرف الأصل إلى: (محمد بن شعيب)) وأحمد بن شعيب هو الإمام
النسائي، والحديث في «سننه» ٤٠/٧.
(٢) بكير بن عامر البجلي ضعّفه ابن معين، وأبو زرعة والنسائي والساجي،
وذكره أحمد في ((العلل)) ١٥٥/١ و٢٦٠، فقال: ليس بالقوي في الحديث، وذكره =
- ١٠٠ -