Indexed OCR Text

Pages 261-280

قد نفاه رسولُ اللهِ وََّ، وردّ الأحكام إلى خلافه مما أهلُ الإِسلام عليه.
٤٧٨٤ - مما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا أَصْبَغُ بنُ
الفرجِ ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد،
عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عُرْوَةُ بن الزبير
أن عائشة أخبرته أنَّ النِّكاح كان في الجاهلية على أربعةٍ أنحاء:
فنكاحُ منها نكاحُ الناسِ اليوم، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلى الرَّجُل ابنته،
فيُصدِقُها، ثم يَنكِحُها.
ونكاحٌ آخرُ: كان الرجلُ يقول لامرأته إذا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِها: أرسلي
إلى فلان، فاستبضِعي منه، ويَعْتَزِلُها زوجها، ولا يَمسُّها أبداً حتى يَبِينَ
حملُها من ذلك الرجل، الذي يَسْتَبْضِعُ منه، فإذا تَبَيَّنَ حملُها أصابها
زوجُها إن أحبَّ، وإنَّما يصنعُ ذلك رغبةً في نجابة الولدِ، وكان هذا
النكاحُ نكاحَ الاستبضاعِ .
ونكاحٌ آخرُ: يجتمع الرَّهْطُ دون العشرة يدخلونَ على المرأةِ،
فَكُلُّهُمْ يُصِيبُها، فإذا حَمَلَتْ، ووضعت، ومَرَّتْ ليالٍ، بعد أن تضع
حملَها، أرسلت إليهم، فلم يستَطِعْ رُجُلٌ أن يمتنعَ حتى يجتمعوا
عندَها، فتقول لهم: قد عرفتُم الذي كان مِن أمرها، وقد وَلَدْتُ، وهو
وَلَدُكَ يا فلان، وتسمي من أحبَّتْ منهم باسمه، فيلحقُ به ولَدُهَا، لا
يستطيع أن يَمْتَنِعَ.
ونكاح رابع: يجتمع الناسُ الكثير، فيدخلون على المرأةِ فلا تمتنع
ممن جاءها، وهُنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن راياتٍ، فمن أرادهن
دَخَلَ عليهن، فإذا حَمَلَتْ إِحداهُنَّ، ووضعت حملَها، جمعوا لها،
٢٦١

ودَعوا لهم القافَةَ، فألحقوا ولَدَها بالذي يَرَوْنَ، ودُعي ابنه لا يمتنعُ من
ذلك، فلما بعثَ الله عَزَّ وجَلَّ محمداً فَيّ بالحقِّ هَدَمَ نكاحَ أهلِ
الجاهلية كُلُّه إلا نكاحَ أهلِ الإِسلامِ اليومَ (١).
قال: ففي هذا الحديثِ نفيُ رسولِ اللهِ وََّ قَوْلَ القافةِ فيما كان
يُستعمل فيه مما ذكرناه في هذا الحديث، وردُّ أحكامِ الأنسابِ إلى
الفُرُش لا إلى ما سواها.
وقد اختلف أهلُ العلمِ في هذا الباب، فأما أبو حنيفة والثوريُّ
وسائر أهل الكوفة، فلا يستعملونَ لِلقافةِ قولاً في شيء من الأشياءِ،
وأما مالكٌ، فقد كان يستعمِلُ أقوالَ القافةِ في الإِماءِ، ولا يستعملُه في
الحَرَائِرِ، وفي نفيه استعماله في الحرائر ما يجبُ به نفيُ استعماله في
الإِماء، وأما الشافعي، فقد كان يستعمِلُه في الحرائر وفي الإِماء جميعاً،
وفيما تقدم ذكرُنا له في هذا الباب مما قد وَضَحَ به الأمرُ في أقوالٍ
القافةِ بما قد ذكرناه فيه مما يُوجِبُ نفيه في الأشياءِ كُلُّها، والله نسأله
التوفيق .
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أصبغ بن الفرج من رجاله، ومن فوقه
من رجال الشيخين.
ورواه الدارقطني ٢١٧/٣-٢١٨ من طريق محمد بن إسحاق، عن أصبغ بن
الفرج، بهذا الإِسناد.
ورواه الدارقطني ٢١٦/٣-٢١٧ من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب،
والبيهقي ١١٠/٧ من طريق أحمد بن صالح، كلاهما عن عبد الله بن وهب، به.
ورواه البخاري (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢)، والبيهقي ١١٠/٧ و١٩٠ من
طريق أحمد بن صالح، عن عنبسة بن خالد، عن يونس بن يزيد، به.
٢٦٢

٧٥٣ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وَلَه
في القاتل في الحرب، من يقتله من العدو
هل يستحق بذلك سَلَبه، أم لا؟
٤٧٨٥ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ
وهب، أن مالكاً حدَّثه عن يحيى بن سعيدٍ، عن عُمَرَ بنِ كثير بن أفلحَ،
عن أبي محمد مولى أبي قتادة
عن أبي قتادة بن رِبْعِيٍّ أنَّه قال: خرجنا مَعَ رسولِ اللهِ وََّ عامَ
حُنين، فلما التقيناً كانَتْ للمسلمين جَوْلَةٌ، قال: فرأيتُ رجلًا من
المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرتُ له حتَّى أتيتُه مِن
ورائه، فضربته بالسَّيْفِ على حبلِ عاتقه ضربةً، حتى قططتُ الدِّرْعَ،
فأقبلَ علي، فضمني ضمةً وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ،
فَأُرسلَني، فلقيتُ عمرَ بنَ الخطاب، فقلتُ: ما بالُ الناس ؟ فقال: أمرُ
الله عَزَّ وجَلَّ. ثم إنَّ الناسَ رجعوا، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ قَتَل
قتيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ فَلَهُ سَلَبُه)). فَقُمْتُ، فقلتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟ ثم
جلستُ، ثم قال ذلك الثانية، ثم قال ذلك الثالثة، فقمتُ، فقال رسولُ
اللهِ وَّ: ((ما لَكَ يا أَبا قَتَادَةَ؟)) فاقتصصتُ عليه القصَّة، فقال رجلٌ
من القوم: صدق يا رسول الله، وسَلَبُ ذلك القتيل عندي، فَأَرْضِه
منه يا رسولَ الله. فقال أبو بكر الصدِّيقُ: لا هَا اللهِ إذاً لا يَعْمِدُ إلى
٢٦٣

أَسدٍ من أُسْدِ اللهِ، يُقاتِلُ عن اللهِ، وعن رسولِهِ وََّ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ،
فقال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((صَدَقَ))، فأعطاه إِيَّه، فقال أبو قتادة: فأعطانيه،
فبعتُ الدِّرْعَ، فابتعتُ به مَخْرَفاً في بني سَلَمَةَ، فإِنَّه لأوَّل مالٍ تَأَثَّلْتُه
في الإِسْلامِ(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
أبو محمد مولى أبي قتادة: اسمه نافع بن عباس.
:
وهو في ((الموطأ)) ٤٥٤/٢-٤٥٥، ومن طريق مالك رواه البخاري (٢١٠٠)
و(٣١٤٢) و(٤٣٢١)، ومسلم (١٧٥١) (٤١)، وأبو داود (٢٧١٧)، والترمذي
(١٥٦٢)، وابن الجارود (١٠٧٦)، وابن حبان (٤٨٠٥) و(٤٨٣٧)، والبيهقي
٣٠٦/٦، والبغوي (٢٧٢٤). ورواية بعضهم مختصرة.
وعلَّقه البخاري (٤٣٢٢)، فقال: وقال الليث ...
ورواه مطولاً ومختصراً عبد الرزاق (٩٤٧٦)، وابن ماجه (٢٨٣٧) من طريق
سفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور (٢٦٩٦)، وأحمد ٢٩٥/٥، ومسلم (١٧٥١)
(٤١) من طريق هشيم، والبخاري (٧١٧٠)، ومسلم (١٧٥١) (٤١) من طريق
الليث بن سعد، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٠٦/٥ من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي
قتادة. ومن طريق ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن أبي محمد مولى بني غفار،
عن أبي قتادة. وسقط من هذا الإِسناد عمرُبن كثيربن أفلح.
وقوله: ((فضربته على حبل عاتقه)) حبل العاتق: عرق يظهر على عاتق الرجل
ويتصل بحبل الوريد في باطن العنق.
وقوله: ((لاها الله إذاً))، قال الخطابي: والصواب لا ها الله ذا بغير ألف قبل
الذال، ومعناه في كلامهم: ((لا والله)»، يجعلون الهاء مكان الواو، ومعناه: لا والله
یکون ذا.
=
٢٦٤

= وقال القرطبي المحدث في ((المفهم)): والذي يظهر لي أن الرواية المشهورة
صواب ليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين
للأخرى، والهاء هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك أن العرب تقول في
القسم: ألله لأفعلن بمد الهمزة وبقصرها، فكأنهم عوضوا عن الهمزة ((ها))، فقالوا:
(ها الله)) لتقارب مخرجيهما، وكذلك قالوا بالمد والقصر، وتحقيقه أن الذي مُدَّ مع
الهاء كأنه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفاً استثقالاً لاجتماعهما كما تقول: آلله،
والذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة كما تقول: الله، وأما ((إذا)) فهي بلا شك حرف
جواب وتعليل، وهي مثل الذي وقعت في قوله مث يله وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر،
فقال: ((أينقص الرطب إذا جفٍّ؟)) قالوا: نعم، قال: ((فلا إذاً))، فلو قال: فلا والله إذاً،
لكان مساوياً لما وقع هنا وهو قوله: ((لا ها الله إذا)) من كل وجه، لكن لم يحتج هنا
إلى القسم فتركه.
وقوله: ((لا يعمد))، أي: لا يقصد، والمَخْرَفُ بفتح الميم: البستان يريد حائط
نخل يخترف منه الثمر، أي: يُجتنى، والمِخْرَف بكسر الميم: الوعاء الذي يخترف
فيه الثمر.
وقوله : تأثّلته، أي: جعلته أصل مالٍ، يقال تأثل مِلكُ فلان: إذا كثر ماله، وأثلة
كل شيءٍ أصله.
قال الإِمام البغوي في ((شرح السنة)) ١٠٧/١١-١٠٨: وفي الحديث دليل على
أن كل مسلم قتل مشركاً في القتال يستحق سلبه من بين سائر الغانمين، وأن السلب
لا يخمس قلَّ ذلك أم كثر، وروي أن سلمة بن الأكوع قتل مشركاً، فجاء بجمله
يقوده عليه رحله وسلاحه، فقال النبي وَله: ((من قتل الرجل؟)) قالوا: ابن الأكوع،
قال: ((له سلبه أجمع))، وسواء نادى الإِمام بذلك أو لم ينادِ، وسواء كان القاتل بارز
= المقتول، أو لم يبارزه، لأن أبا قتادة قتل القتيل قبل قول النبي ويليه: ((من قتل قتيلاً
فله سلبه))، ولم يكن بينهما مبارزة، ثم جعل النبي ◌ِّله جميع سلبه له، فكان ذلك =
٢٦٥

فقال قائل: في هذا الحديثِ دليلٌ على استحقاقِ القائلِ سَلَبَ
مَنْ قتله مِن العدوِّ، كان الإِمامُ قال قبلَ ذُلك: ((مَنْ قَتَلَ قتَيَلا فَلَهُ
سَلَبُهُ))، أو لم يكن قاله، لأنَّ في هذا الحديثِ مِن قولٍ رسول الله
وَهُ: ((مَنْ قَتَلَ قتيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيَِّةٌ، فله سَلَبُهُ)) فهذا يَدُلَّ على قتلٍ متقدم
لِذلك القولِ .
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه أنه يجوزُ أن
يكونَ ذُلك القولُ كان مِنْ رَسُولِ مَّهِ لِقولٍ كان تقدَّم منه قبلَ ذلك:
((مَنْ قَتَلَ قتيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ))، فقال ما قال في هذا الحديثِ لِيعلم مَنِ
= القول من الرسول الله وَ﴿ شرعَ حُكمٍ، وهذا قول جماعة من أهل العلم من
أصحاب النبي ولي﴿ ومن بعدهم أن جميع سلب المقتول لقاتله وإن لم يكن الإِمام
نادى به، ولا يخمس عند كثير منهم، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور،
غير أن الشافعي يشترط أن يكون الكافر المقتول مقبلاً على القتال، فأما بعدما ولّى
ظهره منهزماً إذا قتله، أو أجهز على جريح عجز عن القتال، فلا يستحق سلبه إلا
أن يكون القاتل هو الذي هزمه، أو أثخنه.
وقال بعضهم: يُخَمَّس السلب، فخمسه لأهل الخمس، والباقي للقاتل، روي
ذلك عن عمر، وهو قول آخر للشافعي، والأول أولى، لأنه كما اختص به من بين
سائر الغانمين، كذلك يختص به من بين أهل الخمس، وقال إسحاق: السلب
للقاتل إلا أن يكون كثيراً، فرأى الإِمام أن يخرج منه الخمس، كما فعل عمربن
الخطاب رضي الله عنه، فله ذلك.
وذهب قوم إلى أنه إذا نادى الإِمام أن من قتل قتيلاً فله سلبه، فيكون له على
وجه التنفيل، فأما إذا لم يكن سبق لنداء فلا يستحقه، وهو قول مالك، والثوري،
وأصحاب الرأي، وقال أحمد: إنما يستحق السلب من قتل قِرنه في المبارزة دون
من لم یبارز.
٢٦٦

القاتِلُون، فيدفع إليهم أسلابَ قتلاهم.
فنظرنا في ذلك: هل رُوِيَ فيه شيءٌ يَدُلُّ عليه أم لا؟ فوجدنا
٤٧٨٦ - ما قد حدَّثنا بكارُ بنُ قتيبة، وإبراهيمُ بن مرزوق، قالا:
أخبرنا أبو داود الطيالسيُّ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة
عن أنس بن مالكٍ، قال: لما كانَ يومُ حُنينٍ، جاءت هَوازِنُ بكر
على رسولِ الله ◌َِّ بِالإِبلِ والغَنَمِ والنساءِ والصِّبيانِ، فانهزمَ المسلمونَ
يَومَئِذٍ، فجعلَ رسولُ اللهِّهِ، يقول: ((يا معشر المُهاجِرينَ، أنا عبدُ
الله ورسولُه، يا معشرَ الأنصارِ، أنا عَبْدُ الله ورسولُه))، فهزم الله
المشركينَ مِن غير أن يُطعن برمحٍ ، أو يُضْرَبَ بسيفٍ، وقال رسول الله
وَ﴿ يومئذ: ((مَنْ قَتَلَ مُشْرِكاً، فَلَهُ سَلَبُهُ)).
فَقَتَّلَ أبو طلحةَ يومئذٍ عشرينَ، فأخذ أسلابَهم، قال أبو قتادة: يا
رسولَ الله، إنِّي ضربتُ رجلًا على حَبْلِ العاتِقِ، فأجهضتُ عنه، وعليه
دِرْعٌ له، فانظر مَنْ أخذ الدِّرْعَ، فقام رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله أنا
أَخَذْتُها، فَأَعْطِنِيهَا، وأَرْضِهِ مِنها، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ لا يُسأَلُ شيئاً إلاَّ
أَعْطاهُ، أو سَكَتَ، فقام عُمَرُ، فقال: لا واللهِ، لا يُفيئه الله عز وجل
على أَسَدٍ من أُسْدِهِ، ثم يُعطيكَها، فقال رسول الله وَله: ((صَدَقَ
عُمَرُ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
وهو في ((مسند الطيالسي)) (٢٠٧٩).
ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣، بهذا الإسناد، مختصراً . =
٢٦٧

قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على تقدمِ قولٍ
رسول الله وَلَهُ: ((مَنْ قَتَلَ قتيلًا، فَلَهُ سَلَبُه))، لأنَّ هذا القولَ إنما كان
عندَ انهزامِ الناسِ وتفرُّقِهم عن رسولِ اللهِ وَّرَ، وعند حاجته إلى
رجوعهم إليه، فقال ذلك تحريضاً لهم على قتل المشركين، وعلى
رُجوعهم إليه.
وفي حديث أبي قتادة: ((من قتلَ قتيلاً له عليه بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ))
بعد أن رجعوا إليه، فَدَلَّ ذلك أن قولَه الثاني الذي في حديث أبي
قتادة إنما كان لِقوله الأول الذي في حديث أنس بنِ مالك.
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن من قَتَلَ قتيلاً في الحرب لا يستحقُّ سَلَبه
إذا لم يكن كان الإِمامُ قال قبلَ ذُلك: ((مَنْ قتل قتيلاً، فلهُ سَلَبُه))،
كما يقولُه أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه في ذلك، لا كما يقوله
من خالفهما فيه، والله عزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيقَ.
= ورواه ابن أبي شيبة ٥٢٤/١٤ و٥٣٠، وأحمد ١١٤/٣ و١٢٣ و١٩٠ و٢٧٩،
والدارمي ٢٢٩/٢، وأبو داود (٢٧١٨)، وابن حبان (٤٨٣٦) و(٤٨٣٨)، والحاكم
٣٥٣/٣، والبيهقي ٣٠٦/٦-٣٠٧ من طرق، عن حماد بن سلمة، به.
ورواه مختصراً أحمد ١٩٨/٣، وابن حبان (٤٨٤١)، والبيهقي ٣٠٧/٦ من
طريق أبي أيوب الإِفريقي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن
مالك مرفوعاً.
٢٦٨

٧٥٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول اللهِ وَّ في
سَلَبِ المَدَدِيِّ - صاحب عوف - الذي دَفَع
إليه خالدُ بنُ الوليد بعضَه، ومنعه بقيته،
ثم أمره رسول الله وَلي بتسليم
بقيته إليه، ثم أمره بأن لا
يفعل ذلك
٤٧٨٧ - حدثنا محمدُ بنُ عبد الرحيم (١) الهرويُّ، قال: حدثنا
دحيم(٢)، قال: حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدثنا صفوانُ بنُ عمرو،
عن عبد الرحمن بن جُبَيْرٍ، عن أبيه، عن عوف، قال الوليد: وحدثني
ثورٌ، عن خالد بن مَعْدَانَ، عن جُبير
عن عوف: أن مددياً رافقهم في غزوة مؤتة. وأن رومياً كان يَشُدُّ
على المسلمين، ويُفري بهم، فتلَطَّفَ به ذلك المَدَدِيُّ، فَقَعَدَ له تحت
صخرة، فلما مرَّ به عَرْقَبَ فرسَه، وخرَّ الروميُّ لِقِفاه، وعلاه بالسَّيْفِ،
فقتله، فأقبل بفرسِه وسَرْجِه ولِجَامِه وسَيْفِه ومنطقته، وسِلاحُه مذهب
(١) كذا الأصل، والصواب: عبد الرحمن، انظر: ((تراجم الأحبار)) ١٠١/٤.
(٢) تحرف في الأصل إلى: نعيم. ودحيم: لقب عبد الرحمن بن إبراهيم
الدمشقي .
٢٦٩

بالذَّهب والجوهر إلى خالد بن الوليد، فأخذ منه خالدٌ طائفةً، ونفله
بقيته، فقلتُ: يا خالدُ، ما هذا؟! ما تَعْلَمُ أن رسولَ اللهِوَهِ سَلَّبَ
القاتِلَ السَّلَبَ كُلُّه، قال: بلى، ولكنِّي استكثرتُه، فقلتُ: أما واللهِ
لُأَعرفنَّكَها عندَ رسولِ الله، قال عوف: فلما قَدِمْنا على رسولِ الله،
أخبرتُه خبره، فدعاه وأمره أن يدفعَ إلى المَدَدِيِّ بقيةَ سَلَبِهِ، فولى خالد
لِيفعل، فقلت: كيف رأيتَ يا خالدُ؟ أَوَلَمْ أُوفِ لَكَ ما وَعَدْتُكَ؟
فَغَضِبَ رسول الله، وقال: (يا خالدُ، لا تُعْطِهِ))، وأَقْبَلَ عليَّ، فقال ((هَلْ
أَنْتُم تارِكُوا أمرائِي، لكم صفوةُ أمرهم، وعليهم كَدَرُهُ))(١).
(١) حديث صحيح على شرط مسلم.
ثور: هو ابن يزيد بن زياد الكلاعي، وعوف: هو ابن مالك الأشجعي، صحابي
مشهور من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ثلاث وسبعين.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣١/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٢٧/٦-٢٨، ومن طريقه أبو داود (٢٧١٩) و(٢٧٢٠)، والبيهقي
٣١٠/٦، والبغوي (٢٧٢٥). ورواه مسلم (١٧٥٣) (٤٤) من طريق زهير بن حرب،
وابن حبان (٤٨٤٢) من طريق عمروبن عثمان، ثلاثتهم (أحمد وزهير وعمرو) عن
الوليد بن مسلم، بهذا الإِسناد.
ورواه سعيد بن منصور (٢٦٩٧) عن إسماعيل بن عياش، وأحمد ٢٦/٦ عن
أبي المغيرة، كلاهما عن صفوان بن عمرو، به.
ورواه مسلم (١٧٥٣) (٤٣) من طريق عبد الرحمن بن صالح، عن عبد
الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي .
ومؤتة: بلدة تقع في جنوب الأردن، وهي تابعة لمحافظة الكرك، تبعد عن عَمَّان
مئة ميل تقريباً.
=
٢٧٠

= وكانت غزوة مؤتة سنة ثمان في جمادى الأولى، انظر خبرها في ((زاد المعاد))
٣٨١/٣-٣٨٦.
وقوله: مددي، قال الخطابي: يعني رجلاً من المدد الذين جاؤوا يمدون أهل
مؤتة ويساعدونهم.
وقوله: ويُفري بالمسلمين، معناه: شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري
الفري: إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري: القطع.
وقوله: لأعرفنكها. يريد: لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك، قال الفراء: العرب
تقول للرجل إذا أساء إليه رجل: لأعرفن لك عن هذا، أي: لأجازينك عليه، تقول
هذا لمن تتوعده: قد علمت ما عملت، وعرفت ما صنعت، ومعناه: سأجازیك عليه،
لا أنك تقصد إلى أن تعرفه أنك قد علمت فقط، ومنه قول الله عز وجل: ﴿عَرَف
بعضه وأعرض عن بعض﴾ قراءة الكسائي بالتخفيف، وقد روي ذلك عن عاصم في
إحدى الروايتين، قال: ومعنى عرف: جازى، قال: ومثله قوله: ﴿وما تفعلوا من خير
يعلمه الله﴾، وتأويله: يعلمه الله فيجازي عليه.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أن الفرس من السلب، وأن السلب ما
كان قليلاً أوكثيراً، فإنه للقاتل لا يخمس، ألا ترى أنه أمر خالداً برده عليه مع
استكثاره إياه، وإنما كان رده إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل نوعاً من التكبر
على معروف، وردعاً له وزجراً لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، ولئلا يتسرعوا إلى
الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهداً في صنيعه ذلك إذ كان قد استكثر السلب، فأمضى
له رسول الله و اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن كان خطأه
في رأيه الأول، والأمر الخاص مغمور بالعام، واليسير من الضرر محتمل للكثير من
النفع والصلاح، ويشبه أن يكون النبي ◌ّ قد عوض المددي من الخمس الذي هو
له، وترضى خالداً بالصفح عنه، وتسليم الحكم له في السلب.
وفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أن النبي مص الز أمره =
٢٧١

ففي هذا الحديث: أن خالدَ بنَ الوليد كان دفع إلى المددي بعض
سَلَب قتيلِه، ومنعَه من بقيته بعد علمه أن رسولَ اللهِ وَّ كان يُسَلِّب
القاتِلَ سَلَبَ مَنْ قَتْلَه.
فتأملنا ذلك، فاحتمل عندنا أن يكونَ رسولُ اللهِ وَّهِ كان لا يَعْرِضُ
للقاتلين في أسلاب قتلاهم، لا بوجوبها للقاتلين، ولكن لِسماحته بها
لهم، لا بواجبٍ لھم فیھا.
والدليلُ على ذلك
ما قد حدثنا يونسُ، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن أيوبَ، عن
ابن سيرين
عن أنس بن مالك: أن البراءَ بنَ مالكٍ أخا أنس بن مالك بَارَزَ
مرزبانَ الزَّارَةِ، فطعنه طعنةً فكسر القُربوس، وخَلَصَ إليه، فقتله، فَقُوِّمَ
سَلَبُه ثلاثين ألفاً، فلما صَلَّْنا الغداةَ، غدا علينا عُمَرُ، فقال لأبي
طلحَةٍ: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ الأسلابَ وإنَّ سَلَبَ البراء قد بلغ مالاً، ولا
أرانا إلا خامسِيه، فقوَّمناه ثلاثين ألفاً، فدفعنا إلى عمر ستة آلاف(١).
قال أبو جعفر: وهذا مع حضورٍ عُمَرَ، وأبي طلحة، وأنس بن مالك
ما كان من رسولِ الله يَوْمَ حُنين من قوله: ((من قتل قتيلاً، فَلَهُ سَلَبُهُ»،
وفي ذلك ما ينفي أن يكونَ فيه خمس، وقد طلب عمر أُخْذَ الخُمْسِ
= بإمساكه قبل أن يرده، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأول.
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين. وقد سبق تخريجه في الجزء الثامن
ص١٠.
٢٧٢

من سّلَب البراء، فدل ذلك: أنهم كانوا يتركون أخماسَ الأسلاب لا
بواجب عليهم تركها، ولكن سماحةٌ منهم بها للقاتلينَ لُأهلها، وإذا كان
ذلك كذلك في أخماس الأسلاب كان كذلك هو في بقيتها، فكان
مِن ذُلك ما كانَ مما له أن يمنع منه، وكان منه ما كان مما له أن
يَسْمَحَ به، وإمضاءُ رسول الله ورَِّ قَبْلَ قولٍ عوف، وبَعْدَ قوله على
ما أمضى الأمر عليه بما قد كان له أن يُمضيه عليه، وفي ذلك ما قد
دَلَّ أن أسلابَ القتلى لا تستحقُّ إلا بقولٍ متقدم من الإِمام: من قتل
قتيلاً، فله سَلَبُهُ.
فذلك الذي لا يجوزُ أن يمنع منه بحالٍ من الأحوالِ ، والله نسأله
التوفيق .
٢٧٣

٧٥٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ الم
فيما كان منه في سَلَبِ أبي جهلٍ، ومن نفله
إيَّاه من الناسِ ، وفيما احتجَّ به محمدُ
ابنُ الحسن مما ذكر أن ما رُوِيَ في
ذلك يُوجب ما قاله فيه
قال محمد بن الحسن: لو أن عسكراً من المسلمين دَخَلَ أرضَ
الحرب، وعليهم أميرٌ، فقال الأميرُ: مَنْ قتل قتيلاً، فله سَلَبُهُ، فضَرَبَ
رجلٌ من المسلمين رجلاً من المشركين، فصرعه، واحتزَّ آخرُ رأسَه،
فالسَّلَبُ للذي صَرَعَهُ وإن كان لم يقتله، وإن كان صَرَعَه، وضَرَبَهُ ضرباً
يَقْدِرُ على التحاملِ معه، والعود بكلامٍ أو غيره، فالسَّلَبُ لِلَّذي احتزَّ
رَأْسِه. قال: وبلغنا أنَّ النبيَّ وََّ قال يَوْمَ بدر: ((مَنْ قَتَلَ قتيلاً، فَلَهُ
سَلَبُهُ))، فضرب ابنُ عفراء أبا جهلٍ ، فأثخنه، وقتلَه ابنُ مسعودٍ، فَجَعَلَ
النبيُّ ◌َمَ سَلَبَه لابن مسعود، وكذلك إن كان الذي صرعه ضَرَبَهُ ضرباً
لا يُعَاشُ مِن مِثْلِهِ، يعلم أنَّ آخِرَه الموتُ، إلا أنه ربما عاشَ اليومَ
واليومين والثلاثة، وأقلَّ مِن ذُلك وأكثر، إلا أن الآخر احتزَّ رأسَه،
فالسلبُ للذي احتز رأسَه، وإن كان الأوَّلُ ضربه فَثَرَ ما في بطنه،
فألقاه، أو قطع أودَاجَهُ، إلا أن فيه شيئاً من الرُّوحِ، ثم إنَّ الآخر احتزَّ
رأسَه، فالسَّلَبُ للذي صَرَعَهُ، وليس للذي احتزَّ رأسَه شيء، لأن هذا
٢٧٤

إنما بقي منه مثلُ الذي يكونُ مِن الحركة عندَ الموتِ .
فتأملنا ما قال محمد في هذا، فكان الذي قاله من باب الفقه كما
قاله فيه، وكان الذي قال في أمر أبي جهل وهماً منه، لأن رسول الله
وَ لخير لا يعلم منه أنه كان قال: ((من قتل قتيلاً، فله سلبه))، إلا في
يوم حنين، لا فيما قبل ذلك من يوم بدر، ولا مما بعده، وإنما كانت
الأمورُ تجري في الأسلاب على ما ذكرناه في الباب الذي قبل هذا
الباب، فاحتجَّ محتجّ لمحمد بن الحسن في ذلك
٤٧٨٨ - بما قد حدَّثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا القواريريُّ، قال:
حدثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة
عن عبدِ الله: أن النبيَّ ◌َ ◌ِّ نفلَه سيفَ أبي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ (١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه: أن الذي في
هذا الحديثِ إنما هو تنفيلُ رسولِ اللهِ وََّ ابنَ مسعود سيفَ أبي جهل
لا ما سِواه مِن سلبه، وفي ذلك ما قد دلَّ أنَّه لم يكن تقدَّم من رسولٍ
اللهِ وَلِ﴿ يومئذٍ قولٌ يُوجِبُ سَلَبَ القاتِلِ، ولو كان ذلك كذلك، لَدَفَعَ
(١) رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة - وهو ابن عبد الله بن مسعود - لا
يصح سماعه من أبيه.
ورواه أبو داود (٢٧٢٢) عن هارون بن عباد الأزدي، وأبو يعلى (٥٢٣١) عن
سفيان بن وكيع، كلاهما عن وكيع، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٧٣/١٢، وأحمد ٤٤٤/١ ضمن حديث مطول من طريق
وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، به. وفي آخر رواية أحمد: ((قال: وزاد فيه
أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، قال: قال عبد الله: فنفلني سيفه)).
٢٧٥

سلبَ أبي جهل بكُلِّيَّتِهِ إلى قاتِلِهِ، ومما قد رُوِيَ في أمرِ أبي جَهْلٍ
مما هو أصحُّ مما ذكرنا، وأثبت إسناداً
٤٧٨٩ - ما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ
حمزة الزُّبيري، قال: حدثنا يوسفُ بنُ الماجشون، قال: حدثني
صالحُ بنُ إبراهيم، عن أبيه
عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إني لَقائِمٌ يومَ بدرٍ بين غلامين
حديثةٍ أسنانُهُما تمنيتُ لو أني بَيْنَ أضلع منهما، فغمزني أَحَدُهُما،
فقال: يا عَمِّ أتعرف أبا جهلٍ؟ فقلتُ: وما حاجتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟
فقال: أُخْبِرْتُ أَنَّه يَسُبُّ رسولَ اللهِ وََّ، والذي نفسي بيده لو رأيتُهُ
لا يُفارِقُ سوادِي سَوَادَه حتى يموتَ الأعجلُ منا، فعجبتُ لذلك،
وغمزني الآخر، فقال مثلَها، فلم أنْشَبْ أن نظرتُ إلى أبي جهل ترجَّل
في النَّاس ، فقلتُ: ألا تريان؟ هذا صاحِبُكما الذي تسألانٍ عنه،
فابتدراه، فضرباه بسَيْفيهما حتى قتلاه، ثم أتيا رسولَ الله ◌َّهِ، فأخبراه،
فقال: ((أيُّكما قَتَلَهُ؟))، قال كُلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه، فقال: ((أمسحتُما
سَيْفَيْكُما؟)) قالا: لا، فَنَظَرَ في السيفين، فقال: ((كِلاكُما قَتَلَهُ))، وقضى
بسليهٍ لمعاذ بن عمروبن الجموح، والرجلان: معاذُ بن عمروبن
الجموح، ومعاذُ بن عفراء(١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. إبراهيم بن حمزة الزبيدي من شيوخه،
ومن فوقه من رجال الشيخين.
يوسف بن الماجشون: هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون. ووالد
صالح: هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
=
٢٧٦

ففي هذا الحديث قضى رسولُ اللهِ وَّهِ بِالسَّلَب لأحدٍ رجلين قد
أخبرا رسولَ الله قبلَ ذلك: أنَّ كِلَيْهما قد قتله، ففي ذلك ما قدَ دَلَّ
أَنَّه لم يكن لِسَلَبهِ مستحقٌّ بعينه، وإنما كان سَلَبُهُ مردوداً إلى ما يراه
رسولُ الله فيه مِن سماحٍ به لمن يَقْتُلُهُ، ومما سوى ذلك، والدليلُ على
هذا أيضاً: دفعُ بعض سلبه إلى ابن مسعودٍ، ومنعه بقيته، ودَفَعَ بقية
سَلَبِه بعدَ الذي نفلَه منه ابنُ مسعود إلى معاذ بن عمرو دونَ معاذ بنِ
عفراء، وفي هذا ما قد دَلَّ على أنَّ رسولَ اللهِ وَّ لم يكن تَقَدَّمَ منه
يومئذٍ ما ذكر محمدُ بنُ الحسن: أنه كان تَقدَّمَ منه مِن القول يومئذٍ،
وأن ذلك إنما كان مما سَمَحَ به لمن شاء أن يَسْمَحَ به له، ومما منع
مِن سواه مما منعه منه من قتلة أبي جهل، لا لما قاله محمدُ بنُ الحسن
مما ذكرناه عنه، والله نسأله التوفيق.
= وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣-٢٢٨ بسنده ومتنه.
ورواه أحمد ١٩٢/١-١٩٣، والبخاري (٣١٤١) و(٣٩٦٤)، ومسلم (١٧٥٢)،
وابن حبان (٤٨٤٠)، والبيهقي ٣٠٥/٦-٣٠٦ و٣٠٦ من طرق عن يوسف بن
الماجشون، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٣٩٨٨) من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عن
عبد الرحمن بن عوف.
٢٧٧

٧٥٦ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِ وَالد
في حُرمة صيدٍ المدينة، وفي الواجب
على منتهكِهَا فيه
٤٧٩٠ - حدثنا محمدُ بنُ العباس بن الربيع اللؤلؤي، عن عليٍّ بن
معبدٍ، وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا عمروبنُ عون
الواسطيُّ، قالا: حدثنا أبو يوسف، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهدٍ
عن ابن عباس، أنَّه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ اللّهَ عَزَّ وجلَّ
حَرَّمَ مكة يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ والشمسَ والقمرَ، ووضعها بَيْنَ
هذين الأخشبين لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولم تَحِلَّ لي إلا ساعةً من نَهارٍ،
لا يُخْتَلى خَلاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يَرْفَعُ لُقَطَتَها إلا مُنشِدٌ))، فقال
العباسُ: إلا الإِذخِرَ، فإنَّه لا غِنى لُّأَهْلِ مَكَّةَ عنه لِبُيوتِهِم وقُبورِهم، فقال
رسول الله وَالَ: ((إلا الإِذْخِرَ))(١).
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد، وهو
الهاشمي، مولاهم الكوفي .
أبو يوسف: هو الإِمام المجتهد العلامة المحدث قاضي القضاة يعقوب بن
إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي .
ومجاهد: هو ابن جبر المكي.
وانظر ما سلف في الجزء الثامن برقم (٣١٣٩).
٢٧٨

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ: أن تحريمَ مَكَّةَ كان بتحريمٍ
اللهِ إِيَّاها يومَ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ والشمسَ والقمرَ، ووضعه إِيَّاهَا
بَيْنَ الأخشبين اللذينِ وضعها بينهما.
٤٧٩١ - وحدثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، ومحمدُ بنُ عبد
الله بن عبد الحَكَمِ ، وبحرُ بنُ نصربن سابق، قال الربيع وبحرٌ: حدثنا
شعيب بنُ الليث، وقال محمد: أخبرنا أبي وشعيبُ بنُ الليث، عن
الليث، عن أبي سعيد المَقْبُرِيِّ
عن أبي شُرَيْح الخُزَاعِيِّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
وجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ، ولم يُحَرِّمْهَا الناسُ، فَمَنْ كان يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ
الآخِرِ، فلا يَسْفِكَنَّ فيها دماً، ولا يَعْضُدَنَّ فيها شجراً، فإن تَرَخَّصَ
مترخصُّ، فقال: قد حَلَّتْ لِرسولِ اللهِ وََّ، فإنَّ اللّه أحلَّها لي، ولم
يُحِلَّها لِلنَّاسِ، وإنَّما أَحَلَّها لي ساعَةً))(١).
٤٧٩٢ - وحدثنا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قال:
حدثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيدٌ
المقبريُّ، قال: سمعتُ أبا شُرَيْحٍ الكعبي، يقولُ: قال رسولُ اللهِصِهِ،
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ابن أبي سعيد المقبري: هو سعيد.
ورواه أحمد ٣١/٤، والبخاري (١٠٤) و(١٨٣٢) و(٤٢٩٥)، ومسلم (١٣٥٤)
(٤٤٦)، والترمذي (٨٠٩)، والنسائي ٢٠٥/٥-٢٠٦ من طرق، عن الليث، بهذا
الإِسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٢٧٩

ثم ذَكَرَ مثلَه(١).
٤٧٩٣ - وحدثنا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حدثنا أبو داود الطيالسيُّ،
قال: حدَّثنا حربُ بنُ شدَّادٍ، عن يحيى بن أبي كثير، قالَ: حَدَّثَني أبو
سَلَمَةٍ، قال:
حَدَّثَني أبو هريرة، قال: لما فَتَحَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على رسولِه ◌ِلَّه
مكة، قتلت هُذَيْلٌ رجلاً من بني ليثٍ بقتيلٍ كانَ لَّهُمْ في الجاهِلِيَّةِ،
فقامَ النبيُّ نَّهَ، فقالَ: ((إنَّ اللَّه حَبَسَ عن أهل مَكَّةَ القتلَ، وسَلَّطَ
عليهم رَسُولَهُ والمؤمنين، وإنها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحِلَّ لأحدٍ
بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي سَاعَتَيْن من نهارٍ، وإنها [بعد] ساعتي هذه
حرامٌ لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها، ولا تُلْتَقَطُ ساقِطَتُها إلا
لِمُنْشِدٍ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، مسدد من رجاله، ومن فوقه من رجال
الشيخين. واسم ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني .
ورواه أحمد ٣٨٤/٦-٣٨٥، والترمذي (١٤٠٦) من طريق يحيى بن سعيد،
بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٢/٤ من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
به .
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو داود الطيالسي - وهو سليمان بن داود -
من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشيخين.
وقد سلف في الجزء الثامن برقم (٣١٤٥)، ونزيد في تخريجه هنا أنه عند
=
المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦١/٢ و١٧٤/٣ و٣٢٨ بهذا الإسناد.
٢٨٠