Indexed OCR Text
Pages 301-320
عنهما، قالا: العَارِيَّةُ تُضْمَنُ إن اتبعها صاحبُها(١). وما قد حدَّثنا يحيى بنُ عثمان، حدثنا نُعَيْمٌ، حدثنا جريرٌ - يعني ابنّ عبد الحميد-، عن عبد العزيز بنِ رُفيع، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رَضِيَ الله عنهما أنه كَتَبَ إليه في العَارِيَّةِ: أن اضْمَنْها لصاحبھا(٢). (١) السند الأول رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن السائب، فقد روى له النسائي وابن ماجه حديثاً واحداً، ولم يوثقه غير ابن حبان. والسند الثاني رجاله ثقات رجال الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله. ورواه عبد الرزاق (١٤٧٩٢) عن سفيان بن عيينة، بهذين الإسنادين. بلفظ: ((العارية تغرم)). ورواه البيهقي ٩٠/٦ من طريق سعيد بن منصور، عن سفيان، بالإِسناد الثاني، ولفظه: عن ابن عباس في العارية، قال: يغرم. ورواه ابن أبي شيبة ١٤٢/٦-١٤٣ من طريق ابن جريج وشريك عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس كان يضمن العارية، وزاد ابن جريج: إذا باعها صاحبها. وروى ابن أبي شيبة ١٤٥/٦، والبيهقي ٩٠/٦ من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن عبد الرحمن بن السائب أن رجلاً استعار من رجل بعيراً، فعطب البعير، فسأل مروان أبا هريرة، فقال: يضمن. وانظر ما بعده. (٢) رجاله ثقات رجال الشيخين غير نعيم - وهو ابن حماد - فمن رجال البخاري، وهو - وإن كان في حفظه شيء - متابع. ورواه عبد الرزاق (١٤٧٩١) عن إسرائيل، وابن أبي شيبة ١٤١/٦ عن أبي الأحوص، كلاهما عن عبد العزيزبن رفيع، عن ابن أبي مليكة - وكان قاضياً -، قال: سألت ابن عباس: أضمن العارية؟ فقال: نعم، إن شاء أهلُها. ٣٠١ فكان جوابُنا له في ذلك: أنا لم ندفع أن يكونَ في أصحاب رسولِ اللهِ وَ﴿ من يرى ضمانَ العارية، ولكنه - وإن كان من ذكر في هذين الحديثين قد ضَمِنَها - فإنَّ منهم من لم يَضْمَنْهَا، وجعلها أمانةً، وهُمْ عُمَرُ بنُ الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. كما قد حدثنا أحمد بنُ داود، حدثنا عمارُبن عمر الحلبي(١) قاضي أهل مكة، حدثنا حفصُ بنُ غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن هلال بن عبد الرحمن - يعني الوزان-، عن ابن عُكيم - يعني عبد الله بن عُكيم الجهني -، عن ابن عمر عن عمر أنه كان لا يَضْمَنُ العَارِيَّة(٢). وكما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا يوسفُ بن إبراهيم المزني، حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيلَ بن يونس، عن عبد الأعلى، عن محمد ابن الحنفية (٣) عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان لا يَضْمَنُ العَارِيَّة، ويقول: هي معروف (٤). (١) هكذا في الأصل، ولم نتبينه بعد البحث الشديد. (٢) الحجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعن، ورواه عبد الرزاق (١٤٧٨٥) عن قيس بن الربيع، عن الحجاج بن أرطاة، بهذا الإسناد، لكن بإسقاط ابن عمر. ولفظه: العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى. (٣) في الأصل: عن أبي عبد الرحمن، وهو خطأ، والمثبت من المصنف. (٤) عبد الأعلى - وهو ابن عامر الثعلبي - ضعيف، وباقي رجاله ثقات. وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٤٧٨٨). = ٣٠٢ قال أبو جعفر: ولما اختلف أصحابُ رسولِ الله وَلّ في حكمها هذا الاختلافَ، رجعنا إلى ما يُوجبه النظرُ فيما اختلفوا فيه مِن ذلك، فوجدنا العارية مقبوضةٌ من ربِّها بطيب نفسه بذلك، لا بعوضٍ يُعوضه على ما أباحَ منها، وقد وجدنا الأشياءَ المستأجراتِ مقبوضةً من أربابها بأعواضٍ يجب على مستأجريها إيّاها منهم لهم، وكانت ملكُ الأشياء المستعملة على ذلك غيرَ مضمونة، وإذا كانت مع وجوبِ الأعواض في استعمالها غيرَ مضمونة، كانت في استعمالها على غير وجوب الأعواض في ذلك أحرى أن لا تكونَ مضمونةً، وهكذا كان الكوفيون أبو حنيفة والثوريُّ وأصحابُهما وكثيرٌ منهم سواهم يذهبون إليه في ذلك. فأما المدنيون، فيجعلون ما ضاعَ من ذلك مما يظهر ضياعُه يضيعُ على الأمانة، وما كان من ذلك مما يخفى ضياعُه يضيعُ على الضَّمان، ولا فرقَ في القياسِ في ذلك بين ما يَظْهَرُ ضَيَاعُه وَبَيْن ما يَخْفَى ضَيَاعُه، كما لا فرق بَيْنَ ذلك في الغصوب المضمونات، وفي الودائع الأمانات، وفي رفعهم الضمانَ فيما يظهر هلاكُه ما يجب به عليهم رفعُ = ورواه ابن أبي شيبة ١٤٣/٦ عن وكيع، عن علي بن صالح، عن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد. وأورده ابن حزم في ((المحلى)) ١٧٣/٩ من طريق ابن أبي شيبة، وقال: هذا صحيح عن علي! وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري وغيرهم، ونقل ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٩٠/٦ قول ابن المنذر في ((الأشراف)): وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، قالا: ليس على مؤتمن ضمان، وممن كان لا يرى العارية مضمونة الحسن والنخعي وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الثوري وإسحاق والنعمان وأصحابه . ٣٠٣ الضمان فيما يخفى هلاكُه. وقد حدثنا روحُ بنُ الفرج، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني الليثُ بنُ سعد، حدثني طلحةُ بنُ أبي سعيد، حدثني خالدُ بنُ أبي عمران، قال: سألتُ سليمان بن يسار عن رجلٍ استعارَ دابةً من رجل، وأخبره بما يُريد بها، فأعاره إِيَّاها على ذلك، فَأُصيبَتْ في تلك العارِيَّةِ: هل عليه غَرَامةً؟ قال: لا، إلا أن يَكُونَ قَتَلَها متعمِّداً(١). قال الليثُ: على هذا أدركنا شيوخَنا في أنه ليس في العاريَّة ضمانٌ إلا أن يتعدى ما استعارَها له، فيضمنُ. وقد قال ابن شهاب: على هذا أدركْنَا الناسَ حتى اتَّهَمَ الولاةُ الناسَ فضَّمَّنُوهُمْ. وفيما ذكرنا أن الجماعة مِن متقدمي أهل المدينة ومِن متقدمي أهلِ مصر على تركٍ تضمين العَارِيَّةِ ما لم يتعدَّ فيها، وتأملنا قولَ رسولٍ اللّه ◌َّ في حديثٍ صفوان فيما ضاع مِن دروعه، فوجدنا فيه أنه قال له: ((إن شئتَ غَرَمْناها لك))، فعقلنا بذلك أن غُرْمَهَا لم يكن في الحقيقة واجباً لولا ما أعطى رسول الله #4* مِن القول الذي كان أعطاه فيها، ولو كانت مضمونةً، لما ترك رسولُ الله ◌َِّ غُرْمَها له، ولا رَدَّ ذلك إلى مشيئته إيَّاه، ولحقق وجوبَ غرمها له عليه كما يقول أهلُ العلم في الدَّيْنِ الذي لِبعضِ الناسِ على بعض: إنه واجب لمن هو (١) رجاله ثقات. ٣٠٤ عليه مطالبة مَنْ هو له عليه يأخُذُه منه حتى تَبْرَأَ ذمتُه، ورسولُ اللهِ وَه أولى الناس بذلك وأشدُّهم تمسُّكاً به. وفي جوابٍ صفوانَ لِرسولِ اللهِ وَّ بقوله: إن في قلبي اليومَ من الإِيمان ما لم يكن يومئذ، دليلٌ على أنَّ الذي كان اشترطه عليه مِن الضمان لما أعاره إياه كان على حكم غير الإِيمان كما قال محمد بن الحسن مما ذكرناه مِن رواية محمد بن العباس. وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن حُكْمَ العارية بينَ أهلِ الإِيمانِ بخلافِ ذلك مِن انتفاء الضمان عنها. وبالله التوفيق. ٣٠٥ ٦٩١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله اَله مما يَدُلُّ على لزوم الكفالات بالأنفس ٤٤٦٣ - حدثنا محمد بنُ خزيمة، حدثنا يوسفُ بنُ عدي الكوفيُّ، حدثنا عبدُ الله بنُ المبارك، عن معمر، عن أيوبَ، عن أبي قلابة، عن أبي المُهَلِّب عن عمران بن الحصين، قال: أسرت ثقيفُ رَجُلَيْنِ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّه، وأسر أصحابُ رسول الله وَّ رجلاً من بني عامر بنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ بِه على النبيِّ وَّرَ وهو مُوثَقٌ، فأقبل إليه رسولُ اللهِ وَهِ، فقال: على ما أُحْبَسُ؟ فقال: ((لِجَريرةِ حُلفائك))، قال: ثم مضى رسولُ الله وَّهَ، فناداه فأقبلَ إليه، فقال له الأسيرُ: إِنِّي مسلم، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((لو قُلْتَهَا وأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، لَأَفلحتَ كلَّ الفلاح))، ثم مضى رسول الله وَل﴿، فناداه أيضاً، فأقبل، فقال: إني جائعٌ، فأطعمني، فقال النبيُّ وََّ: ((هذه حاجَتُكَ))، ثم إنّ النبيَّ مَ ﴿ فداه بالرجلين اللذينِ كانت ثقيفُ أسرتهما(١). (١) إسناده صحيح. يوسفُ بن عدي من رجال البخاري، وأبو المهلب - وهو الجرميُّ البصري عمُّ أبي قلابة - من رجال مسلم، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، أبو قلابة: هو عبدُ الله بن يزيد. = وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦١/٣ بإسناده ومتنه. ٣٠٦ ٤٤٦٤ - وحدَّثنا فهد، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، حدثنا حمادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهَلَّب عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: كانت العضباءُ لِرجلٍ من عُقَيل أُسِرَ، فأخذت العضباءُ منه، فأتى عليه رسولُ الله وَلَّ، فقال: يا محمد على ما تأخُذُونني، وتأخذون سابقةَ الحاج وقد أسلمتُ؟ فقال له رسولُ الله وَه : ((لو قُلْتَها وأنتَ تَمْلِكُ أمرَك، لأفلحت كُلَّ الفلاح))، فقال رسول اللهِ وَّه: ((آخُذُكَ بجريرةٍ حُلَفَائِكَ))، وكانت ثقيفُ قد أسرت رجلين من أصحاب النبيِّ وَّ ورسولُ اللهِ وَّر على حمارٍ عليه قطيفةٌ، فقال: يا محمد إني جائع، فأطعمني، وظمآن فاسقني، فقال رسولُ الله ◌َّ: ورواه ابن حبان (٤٨٥٩) من طريق هناد بن السري، عن ابن المبارك، به. = ورواه عبد الرزاق (٩٣٩٥)، ومن طريقه الطبرانى ٤٥٣/١٨ عن معمر، به. ورواه مطولاً ومختصراً الشافعي ١٢١/٢، والحميدي (٨٢٩)، وسعيد بن منصور (٢٨٢٠) و(٢٩٦٧)، وابن أبي شيبة ٤١٦/١٢، وأحمد ٤٣٣/٤-٤٣٤، ومسلمٌ (١٦٤١)، والترمذي (١٥٦٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٥٩٢)، وابنُ الجارود في ((المنتقى)) (٩٣٣)، والمصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٠/٣، والطبراني في ((الكبير)» ١٨/(٤٥٥) و(٤٥٦)، والبيهقي ٧٢/٩ و١٠٩ و٧٥/١٠، والبغوي (٢٧١٤). وانظر ما بعده. وقال الإِمام النووي في ((شرح مسلم)) ١٠٠/١١ تعليقاً على قوله: ((لو قلتها وأنتَ تملِكُ أمرك))، معناه: لو قلتَ كلمةَ الإِسلامِ قَبْلَ الأسرِ حين كنتَ مالِكَ أمركَ أفلحت كُلَّ الفلاح، لأنه لا يجوزُ أسرُك لو أسلمت قبل الأسر، فكنتَ فزتَ بالإِسلام وبالسلامةِ من الأسر، ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعدَ الأسر فيسقطُ الخيار في قتلك، ويبقى الخيارُ بَيْنَ الاسترقاق، والمنِّ والفِداءِ. ٣٠٧ ((هُذهِ حاجَتُك))، ثم إنّ الرجلَ فدي بالرجلين وحبس رسول الله وَله العضباء لِرحله(١). فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه ما قد دلَّنا على أن القومَ الذين كان منهم ذُلك الأسيرُ، لم يَكُنْ بينهم وبَيْنَ النبي ◌َّهَ أمانٌ ولا مُوادَعَة لاحتباسه الراحلةَ، ولا يجوز أن يحبسَها إلا لأنَّه لا أمانَ ولا مُوادعة كانتا فيما بينه وبينَ أهلها. وكان في هذا الحديث وقوفُ رسولِ الله وَل﴿ على إسلام ذلك الأسير، وتركه رفعَ الأسر عنه بإسلامه، لأن الإِسلام في هذا لا يرفع واجباً قبلَه، ألا ترى أن الأسيرَ لو كان كتابياً، وكان يُسترق لو لم يُسْلِمْ، أنه يُسترق وإن أسلَم، وأن الإِسلامَ لا يرفعُ عنه إلا القتلَ خاصة، فكذلك ذلك الأسيرُ لم يرفع عنه إسلامُه الذي كان منه الحبسَ الذي كان عليه بجريرة حُلفائه وهم غيرُه، وأنه لا يُرَدُّ إليهم، وإن كان قد أسلم حتى يَرُدُّوا إلى رسولِ الله ◌َِّ الرجلين اللذين أسروهما مِن أصحابه، وكان ما وجب عليه مِن ذلك لما بينه وبَيْنَ حُلفائه على ما كانوا عليه من الحرب لِرسول اللهِ وَّه، ولما كان مأخوذاً بذلك، وإن كان لم يوجبه على نفسه إنما أوجبته عليه الشريعة، كان لو أوجبَ على نفسه مثلَ ذُلك مِن تخليصٍ من أسرٍ من المسلمين (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو المهلب: من رجال مسلم، وباقي رجاله ثقات رجال الشیخین. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦١/٣ بإسناده ومتنه. ورواه أحمد ٤٣٠/٤، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)، والبيهقي في ((السنن)) ١٠٩/٩، وفي ((الدلائل)) ١٨٨/٤-١٨٩ من طرق عن حماد بن زيد، بهذا الإِسناد. وانظر ما قبله. ٣٠٨ عليه أوجب، وفي الحكم له ألزم. وإن كان ذلك كذلك، كانت مثلُه الكفالاتِ بالأنفس إذا أوجبها بعضُ الناس على نفسه تجبُ كذلك كما كان الكوفيون والمدنيون جميعاً يذهبون إليه في ذلك، وكما كان الشافعي يذهب إليه فيه غيرَ أنه ضعفها مرةً ولم يُبْطِلها، فجئنا بما جئنا به مما ذكرنا لِنعلم قوتها، وأنه لا يجب ضعفها من جهة، وكيف يضعفُ ما قد دَلَّ عليه ما قد ذكرنا . ومثلُ ذلك أيضاً توليةُ رسول الله وَِّ النقباءَ على الأنصارِ وهُمُ الأمناءُ عليهم الذين يدفعون إليه ما يكونُ منهم مما يستحقون به الحمد عليه، ومما يستحقونَ به الذمَّ عليه، وكانوا مأخوذين بذلك، فهم كالكفلاء به، وقد ذكر محمدُ بنُ إسحاق في «مغازيه)» ٤٤٦٥ - ما قد حدَّثنا فهدٌ، حدثنا يوسفُ بن بُهلول، حدَّثنا عبد الله بنُ إدريس، عن محمد بن إسحاق عن عبدِ الله بن أبي بكر أن النبيَّ ◌َّ قال للأنصار: ((إني أُوَلِّي عليكم نُقباء يكونون عليكم كنقباءِ بني إسرائيلَ كُفَلَاءَ))(١). (١) ضعيف معضل، ومحمدُ بنُ إسحاق مدلس وقد عنعن. عبد الله بن أبي بكر: هو عبدُ الله بنُ أبي بكربن محمد بن عمروبن حزم الأنصاري المدني التابعي الثقة الفقيه، المحدث الحافظ، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، وهو ابنُ سبعين سنة، روى له الشيخان وأصحابُ السنن. والحديث في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٨٨، ومن طريق ابن إسحاق رواه البيهقي في ((الدلائل)) ٤٥٢/٢، ولفظه عنده: أن رسول الله وَّ قال لأسعد بن زرارة: ((أنتَ على = ٣٠٩ وفي ذلك ما قد حَقَّقَ الكفالة بالأنفس لا سيما عندَ من يحتجُّ بالمغازي، ويجعلها حجةً على مخالفه. وقد وَجَدْنَا عن جماعةٍ من أصحاب رسولِ اللهِ وَّ ما يُوجب ثبوتَها، ومِن ذلك ما قد حدَّثنا ابنُ أبي داود، حدثنا ابنُ أبي مريم، أخبرنا ابنُ أبي الزِّناد، حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بنِ عمروِ الأسلميِّ، عن أبيه أنَّ عمر بعثه مُصَدِّقاً على سَعْدِ هُذیم، فأُتيَ حمزةُ بمالٍ لِيُصَدُّقه، فإذا رجلٌ يقولُ لامرأته: أَدِّي صَدَقَةً مالٍ مولاك، وإذا المرأةُ تقولُ له: بَلْ أنتَ فَأَدِّ صدقَةَ مالٍ أبيك، فسأل حمزةُ عن أمرهما وقولِهما، فأُخْبِرَ أن ذلك الرجلَ زوجُ تلك المرأة، وأنه وَقَعَ على جارية لها، فَوَلَدَتْ ولداً، فأعتقته امرأتُه، قالوا: فهذا المالُ لأبيه من جاريتها، فقال حمزة: لأرجمنَّك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله، إن أمرَه قد رُفِعَ إلى عمر بن الخطاب، فجلده عُمَرُ مئةً ولم ير عليه الرجمَ، فأخذ حمزة بالرجل كفيلاً حتى قَدِمَ على عمر فسأله عما ذكر من جلدٍ عمر إياه ولم ير عليه الرجم، فصدقهم عُمَرُ بذلك، وقال: إنما درأ عنه الرجمَ، = قومِكَ بما فيهم، وأنا على باقي قومي كُفلاء ككفالة الحواريينَ لعيسى ابن مريم عليه السَّلامُ». ورواه أيضاً ٤٥٢/٢-٤٥٣ من طريق ابن الربيع، عن ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن رسولَ اللهِ له قال: ((ابْعَثُوا لِي مِنْكُم اثني عشر نقيباً كُفلاء على قومهم فيما كان منهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم عليه السَّلامُ ... )). ٣١٠ لأنه عذره بالجَهَالَةِ(١). (١) إسناده حسن. وحمزة بن عمرو الأسلمي له صحبة، روى عن النبي الإ﴾، وعن أبي بكر الصديق، وعُمَرَ بن الخطاب، قَدِمَ الشام غازياً، وكان البشيرَ بوقعة أجنادين إلى أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين ٣١٥/٤، وهو الذي بَشَّر كعب بن مالك بتوبته وما نزل فيه مِن القرآن، فنزع كعبُ ثوبين كانا عليه، فكساهما إياه، قال كعب: واللهِ ما كان لي غيرُهما، قال: فاستعرتُ ثوبين من أبي قتادة. مات سنة إحدى وستين، وهو ابنُ إحدى وسبعين، وقيل: إنَّه بلغ ثمانين سنة. روى له البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنسائي، وحديثُه في ((مسند أحمد)) ٤٩٤/٣، و(معجم الطبراني الكبير)) ١٥٢/٣-١٦١. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٧/٣ بإسناده ومتنه. وعلقه مختصراً البخاري في ((صحيحه)) (٢٢٩٠) بصيغة الجزم، ولفظُه: وقال أبو الزِّناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه: ((أنَّ عمر رضي الله عنه بعثه مُصدقاً، فوقع رجلٌ على جاريةِ امرأتِه، فأخذ حمزةُ مِن الرجلِ كُفلاءَ حتّى قَدِمَ على عمر، وكان عمر قد جلده مئة جلدة، فصدقهم، وعذره بالجهالة)). قال الحافظ بعد أن وَصَلَهُ مِن طريق أبي جعفر هذه: واستُفِيدَ مِن هذه القصة مشروعيةُ الكفالة بالأبدانِ، فإن حمزة بنَ عمرو الأسلمي صحابي وقد فعله، ولم يُنكر عليه عُمَرُ مع كثرة الصحابة حينئذ، وأما جلدُ عمر للرجل، فالظاهر أنه عَزَّره بذلك، قاله ابنُ التين، قال: وفيه شاهد لمذهب مالكٍ في مجاوزة الإِمام في التعزير فوقَ الحد، وتُعُقِّب بأنه فعلُ صحابي عارضه مرفوعٌ صحيح، فلا حُجّة فيه، وأيضاً فليس فيه التصريحُ بأنه جلده ذلك تعزيراً، فلعلِّ مذهبَ عمر أن الزاني المحصن إن كان عالماً رُجِمَ، وإن كان جاهلاً جُلِد. وانظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٣٣٨/٤-٣٣٩، و((مصنف عبد الرزاق» (١٣٤٣٠). = ٣١١ ومن ذلك ما قد حدثنا القاسمُ بنُ عبد الرحمن الجزريُّ المَيَّافارقيني، حدثنا أحمد بنُ سليمان أبو الحسين الرُّهاوي، حدَّثنا يحيى بنُ آدم، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق عن حارثةً بن مُضَرِّبٍ، قال: صليتُ الغداةَ مع عبدِ الله بن مسعود في المسجدِ، فلما سَلَّمَ قام رجلٌ، فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ، فوالله لقد بتّ هذه الليلةَ وما في نفسي على أَحَدٍ مِن الناس حِنة، وإني كُنْتُ استطرقتُ رجلاً مِن بني حنيفة لِفرسي، فأمرني أن آتِيَهُ بِغَلَسٍ، وإني أتيتُه، فلما انتهيتُ إلى مسجد بني حنيفةَ مسجدٍ عبدِ الله بن النَّوَّاحة، سمعتُ مؤذِّنَهُمْ وهو يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن مُسيلمَةَ رسولُ الله، فاتهمتُ سمعي، وكففتُ الفرسَ حتى سَمِعْتُ أهلَ المسجد اتفقوا على ذلك، فما كذبه عبدُ الله، وقال: مَنْ هاهنا؟ فقام رجالٌ، فقال عَليَّ بعبد الله بن النواحة وأصحابه. قال حارثة: فجيءَ بهم وأنا جالس، فقال عبدُ الله لابن النواحةِ: ويلَكَ! أين ما كنتَ تقرأ مِن القُرآنِ؟ قال: كنتُ أَتَّقِيكُم به، قال له: تُبْ، فأبى، فأمر به عبدُ الله قُرظةَ بن كعبِ الأنصاري، فأخرجه إلى السوقِ فَجَلَدَ رأسَه. قال حارثة: فسمعتُ عبدَ الله يقول: مَنْ سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى عبدِ الله بنِ النّوَّاحة قتيلاً بالسوق، فليخرج، فلينظر إليه. قال حارثةُ: فكنتُ فيمنَ خَرَجَ ينظرُ إليه. ثم إن عبدَ الله استشار أصحابَ النبيِّ نَّر في بقية = وسعد هذيم: هم من قضاعة: وهو سعد بن هذيم بن ليث بن سَوْد بن أسلم بن الحافي بن قُضاعة. وفي سعد هذيم طوائفُ من العرب، منهم بنو ضِنَّة وبنو عُذرة وهي قبيلةٌ كبيرة مشهورة. وهذيم الذي نسب إليه سعد عبدٌ كان رَبَّه فَنُسِبَ إليه. انظر ((جمهرة الأنساب)) ص٤٤٧ وما بعدها، و((الأنساب)) للسمعاني ٦٣٢/٥. ٣١٢ النفر، فقام عديُّ بنُ حاتم الطائي، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ فَتُؤْلُولُ من الكفرِ أطلعَ رأسَه، فاحْسِمْه، فلا يكون بَعْدَهُ شيء، وقام الأشعثُ بنُ قيس، وجريرُ بنُ عبد الله، فقالا: بل اسْتِبْهُم، وكَفِّلْهُم عشائرَهم، فاستتابهم فتابوا، وكَفَّلَهم عَشَائِرَهم، ونفاهُم إلى الشام(١). ففي هذين الحديثيْنِ استعمالُ عبدِ الله الكفالةَ بالأنفسِ بمشورة مَنْ أشار عليه بها، وبحضورِ من حضرها، فلم ينكر عليه ذلك، ولم يُخالفه فيه، فَدَلَّ ذُلك على متابعتهم إيَّاه عليه، وما جاء هذا المجيء، كان بالقوة أولى، وبنفي الضعف عنه أحرى. والله أعلم. (١) حديث صحيح. أحمدُ بن سليمان الرهاوي روى له النسائيُّ، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ورواه بأخصر مما هنا أبو داود (٢٧٦٢)، ومن طريقه البيهقي ٢١١/٩ عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، بهذا الإسناد. ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٦٧٥) عن محمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، به. وانظر ما سلف برقم (٢٨٦١). وقوله: ((حِنَة))، يريد الوتر والضُغْن، واللغة الفصيحة: ((إحنة)) بالهمزة، قال: الأَقْلِ القَيني: إذا كان في صَدْرِ ابنِ عَمِّكَ إِحْنَةٌ فَلا تَسَثِرِها سَوْفٍ يَبْدُو دَفِينُها وقوله: ((استطرقتُ رجلاً من بني حنيفة لفرسي))، معناه: طلب منه فحلا يعلو فرسه لكي تحمل منه. ٣١٣ ٦٩٢ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن عبد الله بن عباس في السبب الذي أُنزلت فيه: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فاحْكُمْ بينَهم﴾، إلى قوله: ﴿وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بِالِقِسْطِ﴾ ٤٤٦٦ - حدثنا فهدّ، حدثنا عبدُ الله بن محمد النَّفيليُّ، حدثنا محمدُ بنُ سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَيْنِ، عن عِكرمة عن ابن عباسٍ ، قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فإِنْ جَاؤُوكَ فاحْكُمْ بينهم أَوْ أَعْرَضْ عَنْهُم وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بالقِسْطِ إِنَّ اللّه يُحِبُّ المُفْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٩]، قال: كان إذا قَتَلَ بنو النضيرِ مِن بني قُريطة قتيلاً، أدَّوْا نِصفَ الدِّيةِ، وإذا قَتَلَ بَنُو قُريظة مِن بَنِي النَّضير قَتيلًا، أَدَّوا الدِّيَةَ إليهم، قال: فسوَّى رسول الله وَّهِ بينهم في الدِّيّةِ(١). (١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غيرَ ابن إسحاق، فقد روى له البخاري تعليقاً، ومسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في رواية النسائي ١٩/٨ فانتفت شبهةُ تدليسه. ورواه أبو داود (٣٥٩١) عن عبد الله بن محمد النفيلي، بهذا الإسناد. ورواه أحمد (٣٤٣٤) عن محمد بن سلمة، به. ورواه النسائي ١٩/٨ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، به. ٣١٤ ٤٤٦٧ - وحدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حدثنا عبدُ الرحمن بنُ صالح الأسديُّ، حدَّثنا يونسُ بنُ بُكير، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصين، عن عِكرمةً عن ابن عباس، قال: إنَّ الآياتِ في المائدة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ إنما نزلت في الدِّية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أنَّ قتلى بني النضير - وكان لهم شَرَفُ - يُودَوْنَ الدِّيَةَ كاملة، وإن قُريظة كانوا يُودَوْنَ نِصفَ الدِّيةِ، فتحاكموا في ذلك إلى رسولِ اللهِ نَّهَ، فأنزل الله عز وجلَ ذلك فيهم فحملهم رسولُ الله وَّر على الحق، فجعل الدية سواء، والله أعلم أيّ في ذلك كان(١). قال أبو جعفر: يعني ردَّه مَنْ كان يأخذُ الديةَ كاملةٌ مِن الفريقين إلى نصفِ الدية التي كان يأخذُها الفريقُ الآخر، أو من رده من كان يأخذ نصفَ الديةِ إلى جميع الدية التي كان يأخذها الفريقُ الآخرُ. فقال قائل: فقد رويتُم عن ابن عباس من غيرِ هُذا الوجهِ أن نزولَ (١) إسناده حسن وهو مكرر ما قبله، وهو في ((سيرة ابن هشام)) ٢١٥/٢، وبين أن قوله: ((والله أعلم أيَّ في ذلك كان)» من كلام ابن إسحاق. ورواه الطبراني (١١٥٧٣) عن أحمد بن داود، بهذا الإسناد. ورواه ابن جرير الطبري (١١٩٧٤) من طريقين عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، به. وأورده السيوطي في (الدر المنثور)) ٨٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشیخ، وابن مردويه. ٣١٥ هذا المعنى في خلافٍ ما ذكر نزولَه فيه في هذا الحديثِ ٤٤٦٨ - وذكر ما قد حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حدَّثنا يوسفُ القطان، حدثنا عُبيدُ الله - يعني ابنَ موسى -، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عِكرمة عن ابن عباسٍ ، قال: كانت قريظةُ والنَّضيرُ، وكانت النضيرُ أشرفَ مِن بني قُرَيظة، وكان إذا قَتَلَ الرجلُ من بني قريظة رجلًا مِن بني النضير، قُتِلَ به، وإذا قَتَلَ رجلٌ من بني النضير رجلاً من بني قريظة، أدٌّوْا مئة وَسْقِ تمرٍ، فلما بُعِثَ النبيُّ وَّ قتل رجلٌ من بني قريظة رجلًاً من بني النضير، فقالوا: ادفعُوه إلينا نَقْتُلْهُ، فقالوا: بيننا وبينكم النبيُّ وَلَه، فأتوه، فنزلت: ﴿وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، والقسطُ : النفسُ بالنفسِ ، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهِليَّةِ يَبْغُونَ﴾(١). (١) حديث قوي، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن في رواية سماك - وهو ابن حرب - عن عكرمة اضطراباً، ولم يخرج مسلم له عن عكرمة شيئاً، لكن تابعه داود بن الحصين. يوسف القطان: هو يوسف بن موسى بن راشد، وعبيد الله بن موسى هو ابن أبي المختار العبسي . ورواه أبو داود (٤٤٩٤)، وابن الجارود (٧٧٢)، والطبري (١١٩٧٥)، والدارقطني ١٩٨/٣، والحاكم ٣٦٦/٤-٣٦٧، والبيهقي ٢٤/٨ من طرق عن عبيد الله بن موسى، بهذا الإِسناد، وصححه ابن حبان (٥٠٥٧). وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه وانظر ما قبله. الوسق: حمل بعير وهو ستون صاعاً بصاع النبي دولار. ٣١٦ ٤٤٦٩ - وما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا القاسمُ بنُ زكريا، حدثنا عُبِيدُ الله بنُ موسى، أخبرنا عليُّ بن صالح، ثم ذكر هذا الحديثَ بإسناده ومتنه(١) . قال: ففي هذا الحديث أن نزول هذا المعنى كان في القصاص لا في الدِّية، وهذا اختلافٌ شديدٌ. فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ القومُ اختصموا إلى رسول الله وَ﴿ في هذين المعنيين جميعاً مِن دِياتِ قتلاهم المقتولين القتل الذي لا يُوجِبُ القَوَدَ، ومن القصاص بقتلاهم القتلّ الذي يُوجِب القَوَدَ، فأنزل الله هذه الآية في السببين جميعاً، فسوى بينَهم في الدِّياتِ، وسؤَّى بينهم في تكافؤ الأنفس، ووجوب القصاص فيها . وقد قال قائل: إنَّ دياتِ المعاهَدِينَ أربعةُ آلاف درهمٍ، واحتجْ لذلك بما قد حدثنا يونس، حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن صدقة، عن سعيد بن المسيِّب، قال: قضى عثمانُ في دِية المعاهَدِ بأربعة آلافِ دِرهمٍ (٢). (١) هو مكرر ما قبله، وهو في ((المجتبى)) من ((سنن النسائي)) ١٨/٨. (٢) رجاله ثقات رجال الصحيح. صدقة بن يسار من الأبناء - وهم الفرس الذين سكنوا اليمن منذ عهد سيف بن ذي يزن - مولى لبعض أهل مكة، وكان أصله من الجزيرة، وهو ثقة مأمون، وثقه أحمد وابن معين وأبو داود والدارقطني وغيرهم، احتج - ٣١٧ قال أبو جعفر: وصدقةُ هذا: هو صدقةُ بنُ يسار، ويقال: إن أصلَه مِن خراسان فسكن المدينة، وقطنها، وأخذ الناسُ عنه. فممن أخذ عنه مالك بن أنس وغيره. فكان من الحجة على هذا القائل في هذا المعنى لمخالفته فيه ما قد رُوِيَ عن عثمان في ديات المُعَاهَدِينَ مما يخالِفُ مالك كما حدَّثنا أحمد بنُ داود بن موسى، حدثنا يوسفُ بنُ إبراهيم العَثْرِي، ويعقوبُ بن حميد، قالا: حدثنا عبدُ الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ عن أبيه: أن مسلماً قتل كافراً من أهل العَهْدِ، فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم(١). وقد دلَّ على أن ما في هذا الحديث عن عثمان أولى مما في الحديث الأول عنه، إذ ما في الحديث الأولِ إنما هو عن سعيدٍ، عن عثمان، وقد رُوِيَ عن سعيدٍ من قوله في هذا المعنى ما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا إسماعيلُ بنُ هود الواسطيُّ، = به مسلم وأصحاب السنن. ورواه الشافعي ١٠٦/٢، وابن أبي شيبة ٢٨٩/٩، والبيهقي ١٠٠/٨ عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. (١) يوسف بن إبراهيم العثري - وتحرف في الأصل إلى المري - نسبة إلى عثر: بلدة باليمن كما في ((الأنساب))، ومتابعه يعقوب بن حميد صدوق، روى له ابن ماجه، ومن فوقهما ثقات من رجال الشيخين. ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٢٢٤) و(١٨٤٩٢)، ومن طريقه البيهقي ٣٣/٨. ٣١٨ حدثنا محمدُ بنُ يزيد، عن سفيانَ بن الحسين، عن الزهري عن سعيد بن المسيّب، قال: دِيةُ كلِّ مُعَاهَدٍ في عهده ألفُ دینارٍ(١) . ثم قد وافق سعيدَ بن المسيب على هذا القولِ غَيْرُ واحدٍ من التابعين كما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيل بن أبي سمينة، حدثنا أبو أسامة، عن أبي عميس، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: دِيةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ مِثلُ ديةِ المسلم(٢). (١) سفيان بن حسين - وهو الواسطي -: ثقة في غير الزهري، وروايته عن الزهري فيها ضعف، وإسماعيل بن هود ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٠٤/٨، فقال: يروي عن يزيد بن هارون وإسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا عنه الحسن بن سفيان وغيره من شيوخنا، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. ورواه الشافعي ١٠٦/٢ عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يزيد، بهذا الإِسناد. ورواه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٦٤) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، به . (٢) رجالُه ثقات رجال الصحيح غيرَ حماد - وهو ابن أبي سليمان الكوفي - فقد روى له مسلم مقروناً وأصحابُ السنن، وهو ثقة إمام مجتهد. أبو أسامة: هو حماد بن أسامة، وأبو العميس: هو عتبة بن عبد الله المسعودي. ورواه ابن أبي شيبة ٢٨٦/٩ عن أبي أسامة، بهذا الإسناد. ورواه عبد الرزاق (١٠٢٢٥) و (١٠٢٢٦) و (١٨٤٩٩) و(١٨٥٠٠) عن معمر والثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل = ٣١٩ وكما حدَّثنا أحمد، حدَّثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبي، قال: دِيَةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ سواء(١) هكذا في كتابي. وكما حدثنا أحمد، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدثنا إسماعيل ابنُ عُلية، عن ابن أبي نجيحٍ ، عن مجاهد وعطاء، قالا: دِيةُ المسلِمِ والنّصرانيِّ سواءٌ(٢). وكان في حديث ابن عباس الذي بدأنا بروايتنا إيّاه في هذا الباب ما قد دَلَّ على نفي حديثِ سعيدٍ، عن عثمان في دية المعاهَدِ أنها أربعة آلاف، لأن في ذلك الحديث أنَّ رسولَ اللهِِّ حَمَلَهُم على الحقِّ، فجعل الديةَ سواء، فدلَّ على أنَّه قد رَدَّ الديةَ لهم جميعاً إلى الدِّيةِ كاملةً، أو ردَّ الدية كاملةً إلى نصفِ الدِّية، ففي ذلك نفيُّ الأربعةِ آلاف أن تكون ديةً للمعاهَدِ. = دية المسلم. وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير منصور بن أبي الأسود، فقد روى له أبو داود والترمذي والنسائي، وثقه ابن معين، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات). ورواه عبد الرزاق (١٠٢٢٧) و(١٨٥٠١) عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الشعبي . (٢) رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسماعيل - وهو ابن أبي سمينة - فمن رجال البخاري. ابن أبي نجيح: هو عبد الله بن يسار المكي. ورواه ابن أبي شيبة ٢٨٦/٩ عن إسماعيل ابن علية، بهذا الإسناد. ٣٢٠