Indexed OCR Text
Pages 281-300
وهو ما أجاز لنا محمدُ بن أحمد بن العباس الرَّازي، وأعلمنا أنه سمعه من موسى بن نصر الرازي، وأنَّ موسى بنَ نصر حدثنا به عن هشام بنِ عُبيد الله الرازي قال: حدثنا محمد بنُ الحسن، عن أبي حنيفةً قال: اسْمُ الله عَزَّ وَجَلَّ الأكبر: هو اللَّهُ. قال محمد: ألا ترى أن الرحمن اشتُقَّ من الرحمة، والربَّ من الرُّبوبية، وذكر أشياءَ نحو هذا، واللَّهُ غيرُ مشتق من شيءٍ. قال هشامُ بن عُبيد الله الرازي: فما أدري، أفسر محمد هذا من قوله أم مِن قول أبي حنيفة . فقال قائل: فقد رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غير هذه الآثار ما يدل على خلاف ما في هذه الآثار، فذكر: ١٧٦ - ما قد حدثنا محمدُ بن سِنان الشيزري، حدثنا هشامُ بن عمار، حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، حدثنا عبدُالله بنُ العلاء أنه سَمِعَ القاسم أباعبد الرَّحمن يُحَدِّثُ عن أبي أمامة يرفعُه قال: ((اسْمُ اللَّهِ الْأُعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي سُوَرِ ثَلاثٍ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، وطَه))(١). (١) إسناده حسن. القاسم أبو عبدالرحمن - وهو ابن عبدالرحمن -: صدوق. ورواه الطبراني (٧٩٢٥) من طريقين عن هشام بن عمار، به . ورواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)) فيما ذكر البوصيري في ((الزوائد)) ورقة ٢٣٩، من طريق داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن العلاء، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الحاكم ٥٠٦/١ من طريق عبدالله بن العلاء، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه ابن ماجه (٣٨٥٦) من طريق عبدالرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عن عمروبن أبي سلمة، عن عبدالله بن العلاء، عن القاسم موقوفاً عليه. ورجاله ثقات. ١٦٢ ١٧٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو حفصٍ عمرُوبنُ أبي سَلَمَة الدمشقي، قال: سَمِعْتُ عيسى بن موسى يقولُ لابنٍ زبرٍ: يا أبا زَبْرٍ سَمِعْتُ غيلانَ بنَ أنسٍ، قال: سَمِعْتُ القَاسِمَ أبا عبدالرحمن يُحدِّثُ عن أبي أُمَامَة، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((إنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ لَفِي ثَلاثِ سُوَرٍ مِن القُرآنِ: الْبَقَرةِ، وآلٍ عِمران، وطهَ))(١). قال أبو حفص: فنظرتُ في هذه السور الثلاثِ فرأيتُ فيها أشياءَ ليس في القُرآنِ مِثْلُها: آيةُ الكرسي ﴿اللَّهُ لا إلهَ إلَّ هُوَ الحَيُّ القَّمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آلِ عِمْرَانَ: ﴿اللَّهُ لا إلهَ إلَّ هُوَ الحَيُّ القُّومُ﴾ [٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّومِ﴾ [١١١]. قال أبو جعفر: وكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ اللَّهِ أن ما استخرجه أبو حفصٍ مِن سورة البقرة فيه: ((اللَّهُ))، والذي استخرجه من آلِ عِمران كذلك أيضاً فيه: ((الله))، فلم يكن ذلك خارجاً مِن الآثار التي رويناها عن رسولِ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلم في هذا الباب، ولا مخالفاً لِما فيها، وكان ما استخرجه مما في (طه) قد يجوزُ أن يكونَ كما استخرجه، فثبت بذلك أن اسمَ اللَّهِ الأعظم هو: الحميُّ القَيُّومُ. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ هوما في (طه) سوى ذلك، وهو قولُ ((الله)) (١) حديث حسن غيلان بن أنس: لا يعرف بجرح ولا تعديل، وقد تابعه عبدالله بن العلاء، كما في الطريق الأولى، وباقي رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطبراني (٧٧٥٨)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ١٩ من طريق عمروبن أبي سلمة، بهذا الإِسناد. وله شاهد من حديث أسماء بنت يزيد، وسيذكره المصنف. ١٦٣ فيها: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ﴾ [طه: ٧] .. الآية، فيرجع ما في طه إلى مثلٍ ما رجع إليه ما في سورة البقرة، وما في سورة آل عمران أنه اللَّهُ تعالى. وقد رُوِي عن أسماء بنتِ يزيد الأنصارية، عن النبيِّ عليه السلامُ في ذلك ما يُخَالِفُ الحديثَ الذي استخرج منه أبو حفص ما استخرجَ. ١٧٨ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا مَكيُّ بنُ إبراهيم، حدثنا عُبَيْدُلله بن أبي زِياد، عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن أسماءَ بنتِ يزيد أنَّهَا سَمِعَتْ رسولَ اللَّهِ عليه السَّلامُ يقول: ((إِنَّ فِي هَاتَيْنْ الأَيتَيْنِ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ)) ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، و ﴿الَمّ، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الحِيُّ القُّومُ﴾ [آل عمران: ٢/١](١). ١٧٩ - وما قد حدثنا أبو أُمَيَّةَ، حدثنا أبو عاصمِ النَّبِيل، عن عُبيدالله بن أبي زياد، عن شهرٍ، عن أسماءَ أن رسولَ الله عليه السلامُ مثله(٢) فكان في هذين الحديثين موضعُ اسمِ اللَّهِ مِن سُورةِ البَقَرَةِ، وَمِنْ سُورةٍ آلٍ عِمرانَ بما ليس في إحداهما ذكرُ الحي القيوم، وفيهما جميعاً اللَّهُ عز وجل . (١) إسناده ضعيف. عبيدالله بن أبي زياد - وتحرف في الأصل إلى ((بن أبي الزناد)) - ليس بالقوي، وشهر بن حوشب: تكلم فيه غير واحد، وهو كثير الأوهام. ورواه أحمد ٤٦١/٦، وأبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٨)، وابن أبي شيبة (٩٤١٢)، وابن ماجه (٣٨٥٥)، والبغوي (١٢٦١)، كلهم من طريق عُبيد الله بن أبي زياد، بهذا الإسناد. (٢) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله. وأبو عاصم: هو الضحّاك بن مخلد. ١٦٤ فكان في ذلك ما يَجِبُ به أن يُعْقَلَ أنَّ الذي في ((سُورة طُه)) هو ذلك أيضاً، لا ما ذكره أبو حفصٍ، وكان فيما ذكرنا ما قد وافقه ما ذَهَبَ إليه أبو حنيفة. فكان قولُم: ((اللَّهُمْ))، إنما كان الأصل فيه: يا اللَّهُ، فلما حذفُوا الياء من أوَّلِ الحرف زادوا الميم في آخره ليرجع المعنى الذي في يا الله، وفيما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقُ بعضه بعضاً، وانتفى الاختلافُ منه. ١٦٥ ٢٨ - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه، السَّلامُ من دعائه: ((اللَّهُمَّ قَوِّ في طاعتِك ضَعْفِي)» ١٨٠ - حدثنا أبو أُمية، قال: حدثنا عليُّ بنُ عبدِالحميد المَعْنِيُّ، قال: حدثنا مِنْدَلُ بنُ علي، عن العلاءِ بنِ الْمُسَيَّب، عن أبي داود اھَمْدَانِ عن بُرَيْدَةً قال: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم: ((ألا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خيراً عَلَّمَهُ إِيَّاها(١)، ثُمَّ لَمْ يَنْسَهُنَّ أَبَداً: اللَّهُمَّ إِّ ضَعِيفٌ، فَقَوِّ في رِضَاكَ ضَعْفِي، وخُذْ إلى الخَيْرِ بِنَاصِيَتِي، واجْعَلِ الإِسْلاَمَ مُنْتَهَى رِضَايَ، اللَّهُمَّ إنِي ضَعِيفٌ فَقَوِّنٍ، وإِّ ذَلِيلٌ، فَأَعِزَّنِي، وإِّ فَقِيرٌ فَأَغْنِي))(٢). ١٨١ - حدثنا محمدُ بنُ علي بنِ داود، حدثنا عاصِمُ بنُ علي بنِ عاصمٍ، حدثنا مِنْدلُ بن علي، حدثنا العلاءُ بنُ المسيَّب، عن أبي داود (١) في الأصل: ((إياه)). (٢) إسناده ضعيف جداً. مندل بن علي: ضعيف، وأبو داود الهمداني الأعمى - واسمه نفيع بن الحارث -: متروك، وكذبه ابن معين. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٧/١ من طريق العلاء بن المسيب، به. وقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: أبو داود الأعمى: متروك الحديث. ١٦٦ الَمْدَاني، عن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، ثم ذكر مِثْلَه، إلا أنه قال: ثم لم يَسْأَهُنَّ إيّاه أبداً (١). فتأملنا ما في هذين الحديثين عن رسولِ اللَّهِ عليه السَّلامُ، فوجدنا الضعفَّ لا يكونُ قوةً أبداً، ووجدنا القوةَ لا تكونُ ضعفاً أبداً، لأنَّ كُلِّ واحد منهما ضِدَّ لصاحبه، ولا يكونُ الشيء ضِداً لنفسه أبداً، إنما يكونُ ضِداً لغيره وكان الضعفُ والقوةُ لا يقومان بأنفسهما إنما يكونان حالِّيْنْ في أبدانِ الحيوان من بني آدَمَ، ومما سواهم، فيعودُ ما يَحُلُّ فيه الضعفُ مِنهما ضعيفاً، وما يُحُلُّ فيه القوةُ منهما قوياً. فعقلنا بذلك أن دعاءه صلَّى الله عليه وسلَّم اللَّهَ عز وجل أَنْ يجعلَ ضعفه قوياً، إنما مرادُه فيه - والله أعلم - أن يجعلَ ما فيه الضعفُ منه - وهو بدنه ــ قوياً. فهذا أحسنُ ما وجدناه في تأويل هذا الحديثِ، واللّه نسألُه التوفيق. (١) إسناده تالف، وهو مكرر ما قبله. ١٦٧ ٢٩ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله عليه السُّلامِ مِن قوله: ((إذا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فلا يَيْرُكْ كما يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، ولكن لِيَضَعْ يديه، ثم رُكْبَتَيْهِ» ١٨٢ - حدثنا صالحُ بنُ عبد الرحمن بنِ عمروبنِ الحارث الأنصاري، حدثنا سعيدُ بنُ منصور، حدثنا عبدُ العزيز بنُ محمد الدَّرَاوَرْدِيُّ، حدثني محمد بنُ عَبْدِ (١) اللّهِ بنِ الحسن، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج. عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ: ((إذا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَ يَبْرُْ كَما يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، ولكِنْ لِيَضَعْ يَدَيْهِ ثُمِّ رُكْبَيْهِ)(٢). فقال قائل: هذا كلامٌ مستحيل، لأنه نهاه إذا سجد أن يَبْرُكَ كما (١) تحرف في الأصل و (ر) إلى: (عبيد)). (٢) إسناده قوي، ورجاله ثقات رجال الشيخين خلا محمد بن عبدالله بن الحسن، وهو المعروف بالنفس الزكية وهو ثقة. أبو الزناد: عبدالله بن ذكوان، والأعرج: عبدالرحمان بن هرمز. ورواه أبو داود (٨٤٠)، والدارمي ٣٠٣/١، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٩/١، والبيهقي ٩٩/٢-١٠٠، والنسائي ٢٠٦/٢، والدارقطني ٣٤٥/١، والترمذي (٢٦٩)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٣٩/١، وأحمد ٣٨١/٢، والبغوي (٦٤٣) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، بهذا الإسناد. وقد تابع عبدالعزيز عليه عبدُالله بن نافع عند أبي داود (٨٤١)، والنسائي، والترمذي (٢٦٩) بلفظ: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل)). ١٦٨ يبرك البعيرُ، والبعيرُ إنما ينزِلُ على يديه، ثم أتبع ذلك بأن قال: ((ولكِنْ لِيَضِعْ يديه قَبْلَ رُكبتيه)». فكان ما في هذا الحديثِ مما نهاه عنه في أوله، قد أمره به في آخره. فتأملنا ما قال من ذلك، فوجدناه محالاً ، ووجدنا ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مستقيماً لا إحالَةَ فيه، وذلك أن البعيرَ رُكْبَتَاهُ في يديه، وكذلك كُلَّ ذي أربعٍ من الحيوان(١)، وبنو آدمَ بخلافٍ ذلك، لأن رُكَبَهُمْ في أرجلهم لا في أيديهم، فنهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المصلي أن يَخرِّ على ركبتيه اللتين في رجليه، كما يَخِرُّ الْبَعِيرُ على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يَخْرُّ لسجوده على خلافٍ ذلك، فَيَخِرُ على يديه اللتين ليسَ فيهما رُكبتاه بخلاف ما يخرُّ البعيرُ على یدیه اللتين فيهما ركبتاه. فبان بحمد الله ونعمته أنَّ الذي في هذا الحديثِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلامٌ صحيح لا تَضَادَّ فيه، ولا استحالة فيه، والله نسأله التوفيق . (١) في ((اللسان)): وركبة البعير في يده، وكل ذي أربع ركبتاه في يديه. وانظر تعليقاتنا على هذا الحديث في ((زاد المعاد)) ٢٢٣/١ - ٢٢٩. ١٦٩ ٣٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السلام من قوله: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ ثَوْرَانٍ مُكَوَّرَانٍ فِي النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ» ١٨٣ - حدثنا محمدُ بنُ خزيمة، حدثنا مُعَلِّى بنُ أسدٍ العَمِّيُّ، قال: حدثنا عَبْدُ العزيز بنُ المختار، عن عَبْدِ الله الدَّانَاجِ، قال: شَهِدْتُ أبا سلمة بنَ عبدالرحمن جلس في مسجدٍ في زمن خالدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ خالد بن أَسِيد، قال: فجاء الحَسَنُ، فجلس إليه فتحدَّثا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي عليه السَّلامُ قال: ((الشَّمْسُ والقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوِّرَانٍ يَوْمَ القِيَامَةِ))، فقال الحسن: ما ذَنْبُهُمَا؟، فقال: إنما أُحَدِّثُكَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت الحسن(١). فكان ما كان من الحسن في هذا الحديث إنكاراً على أبي سَلَمَةَ، إنما (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٣٢٠٠)، ومن طريقه البغوي (٤٣٠٧) عن مسدّد، عن عبد العزيز بن المختار، بهذا الإسناد، بلفظ: ((الشمس والقمر مكوران يوم القيامة)). عبدالله الداناج: الداناج لقب له، ومعناه العالم بالفارسية، واسم أبيه فيروز. ونقل الحافظ في ((الفتح)) ٢٩٩/٦ عن البزار: أنه لم يرو عن أبي سلمة بن عبدالرحمان غير هذا الحديث، ووقع في روايته من طريق يونس بن محمد، عن عبدالعزيزبن المختار عنه سمعت أبا سلمة يحدث في زمن خالد القسري في هذا المسجد، وجاء الحسن - أي: البصري - فجلس إليه، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة .. فذكره، ومثله أخرجه الإسماعيلي، وقال: ((في مسجد البصرة))، ولم يقل: خالد القسري، وأخرجه الخطابي من طريق يونس بهذا الإسناد، فقال: ((في زمن خالد بن عبدالله))، أي: ابن أسيد، = ١٧٠ كان - والله أعلم - لِمَا وقع في قلبه أنهما يُلْقَيّانِ في النار لِيعذبا بذلك، فلم يكن من أبي سلمة له عن ذلك جواب. وجوابُنا له في ذلك عن أبي سَلَّمَةَ أنَّ الشمسَ والقمر إنما يُكَوِّرَانِ في النار لِيُعَذِّبا أهلَ النار، لا أن يكونا مُعَذِّبَيْنْ في النار، وأن يكونا في تعذیبٍ من في النار كسائرٍ ملائكة الله الذين يُعَذِّبُونَ أهلَها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظُ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ أي: من تعذيب أهلِ النار ﴿ويفعلون ما يُؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. وكذلك الشمسُ والقمر هما فيها بهذه المنزلةِ مُعَذِّبان لأهل النار بذنوبهم، لا مُعَذَّبَانٍ فيها، إذ لا ذنوبَ لهما. وقد رُوي عن أنسٍ ، عن رسولِ الله عليه السلام في الشمس، والقمر هذا المعنى أيضاً، وفيه زيادةُ أنهما عقيرانٍ: ١٨٤ - حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم البغداديُّ، حدثنا محمدُ بن صالح القرشي - قال أبو جعفر: وهو الذي يقال له: ابن النَّطَّاحِ ، = أي: بفتح الهمزة، وهو أصح، فإن خالداً هذا كان قد ولي البصرة لعبد الملك قبل الحجاج، بخلاف خالد القسري. والحسن: هو البصري . وقوله: ((مكوران)): قال البغوي: من قوله: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أي: جمعت ولفت، وأخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إذا الشمس كورت﴾ يقول: أظلمت، ومن طريق الربيع بن خُثَيم قال: ((كورت)) أي: رمي بها، ومن طريق أبي يحيى، عن مجاهد: ((كورت)) قال: اضمحلت، قال الطبري: التكوير في الأصل: الجمع، وعلى هذا فالمراد أنها تُلَفُّ، وتُرْمَى، فيذهبُ ضوؤُها. ١٧١ ويُضاف ولاؤه إلى جعفر بن سليمان الهاشمي - حدثنا دُرُسْت بنُ زیادٍ القُشيرِيُّ، حدثنا يزيد - قال أبو جعفر: وهو الرقاشي - حدثنا أَنَسٌ، قال: قال رَسُولُ الله عليه السلام: ((الشّمْسُ والقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانٍ في النَّارِ))(١). قال أبو جعفر: ومعنى العقر الذي ذكر أنّه لهما في هذا الحديثِ عند أهلِ العلم باللّغَةِ، لم يُرِدْ بهِ العَقْرَ لهما عقوبةً لهما، إذ كان ذلك لا يجوزُ فيهما إذا كانا في الدنيا مِن عبادةِ الله على ما ذكرهما به في كتابه بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمُواتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ والشَمسُ وَالقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨]، وذكر معهما من ذكر معهما في هذه الآية حتى أتى على قوله تعالى فيها ﴿وَكَثِيرٌ حَقِّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. فأخبر أن عذابَه إنما يحق على غير مَنْ يَسْجُدُ له في الدنيا، ولكنهما كانا في الدنيا يَسْبَحَانِ في الفلكِ الذي كانا يَسْبَحَانِ فيه، كما قال تعالى: ﴿لَ الشَّمسُ يَنْبِغِي لَهَا أن تُدْرِكُ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] .. الآية، ثم أعادهما يومَ القِيامة مُوَكَّلَيْنَ بالنار كغيرهما مِن ملائكته الْمُوَكَّلِينَ بها، فقطعهما بذلك عما كَانا فِيهِ من الدنيا مِن السِّبَاحَةِ، فعادا بانقطاعِهما عن ذلك كالزَّمِنَيْنْ بالعقْرِ، فقيل لهما: عَقِيرَانٍ على استعارة هذا الاسم لهما، لا على حقيقةٍ حلولٍ عَقْرٍ بهما، والله نسأله التوفيق(٢). (١) إسناده ضعيف لضعف درست، ويزيد الرقاشي، إلا أن الأول قد توبع عليه عند أبي الشيخ في ((العظمة))، كما في ((اللآلىء المصنوعة)) ٨٢/١، فيبقى ضعف الحديث معصباً بیزید، لكن يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم، فيتقوى به. ورواه الطيالسي (٢١٠٣)، وابن عدي ٩٦٩/٣، وأبو يعلى (١/١٧/٣) من طريق دُرُسْت، بهذا الإِسناد. (٢) في ((الفتح)) ٣٠٠/٦: قال الخطابي: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا، ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً، وقيل: إنهما = ١٧٢ : ٣١ - بابُ بيانٍ مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام من قوله: ((بئس مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا)) ١٨٥ - حدثنا محمدُ بنُ عبدالله بن ميمون البغداديُ أبو بکر، حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قِلابَةً حدثني أبو عَبْدِ الله، قال: قال النبيُّ عليه السَّلامُ: ((بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا)(١). ١٨٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا أبو عاصم، عن خلقا من النار، فأعيدا فيها. وقال الإسماعيلي: لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن = الله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً، وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك، فلا تكون هي معذبة. وقال أبو موسى المديني في ((غريب الحديث)): لما وصفتا بأنهما يسبحان في قوله تعالى: ﴿كُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وأن كل من عُبِدَ من دون الله إلا مَنْ سبقت له الحسنى، يكونُ في النار، وكانا في النار يُعَذِّبُ بهما أهلُها بحيث لا يبرحان منهما، فصارا كأنهما ثوران عقيران. (١) رجاله رجال الشيخين إلا أن الوليد بن مسلم مدلس، وقد عنعن. وأبو عبد الله: هو حذيفة بن اليمان جاء ذلك مفسراً في إسناد أحمد. وتصريح أبي قلابة في هذا الإسناد بالتحديث من حذيفة، فيه وقفة، فقد جزم في ((التهذيب)) بأن روايته عنه مرسلة، وقال الإمام الذهبي في ((السير)) ٤٦٨/٤: عن حذيفة في ((سنن أبي داود)) ولم يلحقه. وفي ترجمة حذيفة من ((التهذيب)): أنه مات سنة ٣٦هـ، وأبو قلابة مات سنة ١٠٤ أو ١٠٧، فبين وفاتيهما ٦٨ سنة، أو ٧١ سنة، ولم يرد التصريح بالتحديث في المصادر الأخرى التي أوردت هذا الحديث، كما ستقف عليه في تخريج السند الآتي. ١٧٣ الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، قال: قال أبو مسعودٍ لأبي عبدالله، أو قال أبو عبدالله لأبي مسعودٍ: أما سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول في «زعموا)): ((بِئْسَ مَعِيَّةُ الرُّجُلِ))(١)؟ قال أبو جعفرٍ: فتأملنا ما رُوِي عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وصفه ((زعموا) بما وصفها به، وذِكره إيّاها أنها بِئْسَ مَعِيَّةُ الرجل، فوجدنا ((زعموا)) لم تَجِىء في القُرْآنِ إلا في الإخبار عن المذمومين (١) هذا السند أيضاً مرسل. أبو قلابة لم يسمع من أبى مسعود فيما نقله الحافظ المنذري في ((مختصر أبي داود)) ٢٦٧/٧ عن الحافظ أبي القاسم الدمشقي في ((الأطراف))، وكذا نقله المناوي في «فيض القدير)» ٢١٤/٣. ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٧٧)، ومن طريقه أحمد ١١٩/٤، والبغوي (٣٣٩٢)، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي مسعود قال: قيل له: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ((زعموا)) قال ... ورواه أحمد ٤٠١/٥، وأبو داود (٤٩٧٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٦٢) من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبي عبدالله، أو قال أبو عبدالله لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ((زعموا)) ... وقال البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الأدب: باب ما جاء في زعموا. ثم أورد حديث أم هانىء (٦١٥٨)، وفيه قولها: زعم ابن أمي أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء. قال الحافظ تعليقاً على قوله: ((باب ما جاء في: زعموا)): كأنه يشير إلى حديث أبي قلابة قال: قيل لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ((زعموا))؟ قال: ((بئس مطية الرجل)). أخرجه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانىء ... انظر (الفتح)) ٥٥١/١٠. ونقل المناوي في ((فيض القدير)) عن الذهبي قوله في (المهذب)): فيه إرسال. وبهذا يتبين لك أن إدراج الشيخ الفاضل ناصر الألباني هذا الحدیث في «صحیحته)) (٨٦٦) وهم منه. ١٧٤ بأشياءَ مذمومةٍ كانت منهم، فَمِنْ ذُلك قولُ الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ثم أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ: بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لُنَبُّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]. وَمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ ثم أتبع ذلك بإخباره بعجزهم أن دعوهم بذلك بقوله ﴿فَلَ يَجْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. وَمِنْ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ ثم ردُّ عليهم بقوله ﴿لَقَدْ تَقَطَّع بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .. الآية. وَمِن ذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِما ذَرَأْ مِنَ الحَرْثِ والْأَنْعَامِ نَصِيباً فقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. وَمِنْ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِم﴾ [الأنعام: ١٣٨]. ومن ذلك قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينِ كُنتُم تَزِعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]. ومن ذلك قوله: ﴿أَلَم تَّرْ إِلَى الَّذِينَ يزعمون أَنَّهُم آمنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبِلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] .. الآية. وكُلُّ هذه الأشياء، فإخبارٌ عن الله تعالى بها عن قومٍ مذمومين في أحوالٍ لَهُمْ مذمومةٍ، وبأقوالٍ كانت منهم كانوا فيها كاذبين مفترينَ على الله تعالى، فكان مكروهاً لِحَدٍ من الناسِ لزومُ أخلاقِ المذمومين في أخلاقهم، الكافرين في أديانهم، الكاذبين في أقوالهِم. ١٧٥ وكان الأولى بأهلِ الإِيمان لزومُ أخلاقِ المؤمنين الذين سبقوهم بالإِيمان، وما كانُوا عليه مِن المذاهب المحمودة، والأقوالِ الصادقة التي حَدَهُمُ الله تعالى عليها رضوان الله عليهم ورحمته، وبالله التوفيق(١). : ۔ : (١) قال البغوي في ((شرح السنة) ٣٦٢/١٢: قيل: إنما ذم هذه اللفظة، لأنها تستعمل غالباً في حديث لا سند له، ولا تَبْتَ فيه، إنما هو شيء يُحكى عن الألسن، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدمه الرجل أمام كلامه، ليتوصل به إلى حاجته من قولهم: ((زعموا)) بالمطية التي يَتَوَصِّلُ بها الرجلُ إلى مقصده الذي يَؤُمُّهُ، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتثبت فيما يحكيه، والاحتياط فيما يرويه، فلا يروي حديثاً حتى يكون مروباً عن ثقة، فقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَدَّثَ بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ، فهو أَحَدٌ الكاذبین» . ١٧٦ ٣٢ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما روي عن رسول الله عليه : السلام مِن أمره مَنْ قِبَلَهُ مظلمةً لأخيه في عِرْضٍ، أو في مال أن يتحلَّلَهُ منها في الدنيا ١٨٧ - حدثنا يونس، حدثنا ابنُ وهب، حدثني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المَقْبُرِيِّ عن أبي هُريرة أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حِينَ لا يَكُونُ دِينَارٌ، ولاَ دِرْهَمُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمِلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقدرٍ مَظْلِمَتِهِ، وإلا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ))(١). ١٨٨ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا خالدُ بنُ عبدالرحمن الخراسانيُّ، عن ابنٍ أبي ذئبٍ، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٢). ١٨٩ - حدثنا يونس، حدثنا ابنُ وهب، قال: وحدثني مالكٌ، حدثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ عن أبي هُريرة أن رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وسلم قال: (مَنْ كَانَتْ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن أبي ذئب: هو محمدُ بن عبدالرحمن. ورواه البخاري (٢٤٤٩)، وأحمد ٤٣٥/٢ و٥٠٦، والبغوي (٤١٦٣)، والبيهقي ٣٦٩/٣ من طُرُقٍ عن ابن أبي ذئب، بهذا الإِسناد. (٢) إسنادُه حسن. خالدُ بن عبدالرحمان: صدوق له أوهام، وهو مکرر ما قبله. ١٧٧ عِنْدَهُ مَظْلِمَةً لِخِيهِ فِي عِرْضٍ أَوْ فِي مَالٍ، فَلْيَأْتِهِ فَلْيُحَلِّلْهُ منها، فإِنَّه لَيْسَ ثَمَّ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ مِن قبل أن يُؤُخَذَ لأخيه مِن حَسَناتِهِ، فإنْ لم يَكُنْ له حَسَناتٌ، أُخِذَ مِن سيئات أخيه، فَطُرِحَتْ عليه))(١). قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ فكانَ ما في روايةٍ ابنِ أبي ذئبٍ منه ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ))، فكان معنى ذلك عندنا - والله أعلمُ - فليتحلله بما يتحلل به مِن مثله من دفعِ مالٍ مكانَ مال، ومن عفو عن عقوبة وجبت في انتهاكه عِرْضَه، لأن ذلك الانتهاكَ يُوجِبُ على المنتهك العقوبَةَ في بدنه، كقول الرجلِ للرجلِ: يا فاسِقُ أو يا خَبِيثُ، أو يا سَارِقُ، ولا تقومُ الحُجَّةُ له عليه أنه كذلك، فعلى ذلك القائل العقوبةُ، وللواجبة له تلك العقوبة العفو عنه، لا اختلاف بَيْنَ أهلِ العلم في ذلك، وذلك التحليلُ الذي يُرادُ مِن هذه العقوبة، والله أعلم. وفي حديثٍ مالك مكان ذلك ((فليأته فَلْيُحَلِّلْهُ منها)) فذلك على إتيان من له المَظْلِمَةُ، لا على إتيانٍ مَنْ هِيَ عليه، وذلك بعيدٌ في المعنى، لأن الذي له المظلمةُ غَيْرُ مخوفٍ عليه منها في الآخرة، وإنما الخوفُ في الآخرة على مَنْ هي قِبَلَهُ. فبان بما ذكرنا أن الْأُوْلَى مما اختلف فيه مالكٌ، وابنُ أبي ذئب في هذا الحديثِ هو ما رواه عليه ابنُ أبي ذئب، لا ما رواه عليه مالكٌ. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٦٥٣٤) عن إسماعيل، عن مالك، بهذا الاسناد، ولفظه: ((فليأته فليتحلله)). ورواه الترمذي (٢٤١٩) من طريق زيد بنِ أبي أنيسة، عن سعيد المقبري، به. وقال: حسن صحيح . ١٧٨ ثم رجعنا إلى ما في حديثهما جميعاً مِنْ قول رسول الله عليه السلام: (مِنْ قبل أن يُؤْخَذَ منه حين لا يكون دينارٌ، ولا درهم، فإن كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإلاّ أُخِذَ مِن سيئاتٍ صاحبه، فَحُمِلَتْ عليه)) فكانَ(١) ذلك عندنا - والله أعلمُ - راجعاً على المظلمةِ في المال، لا على المظلمةِ في العِرْضِ، لأن المظلمة في المال تُوجِبُ مالاً وهو الدنانير والدراهم، فإذا كانا غيرَ مقدورٍ عليهما، عاد صاحِبُ المظلمة في حقه بمظلمته إلى حسناتِ ظالمه، وأخذ منها بقدرٍ مظلمته، فإن لم يَكُنْ له حسناتٌ، أخذ من سيئاته، فألقى على ظالمه بمقدار مظلمته. وليس كذلك المظلمة في العِرْضِ ، لأن الواجبَ بها هو العقوبةُ في بَدَنِ الظالم بجلده عليها، وذلك مقدورٌ عليه في الآخرةِ مِنْ بدنه، كما كان مقدوراً عليه منه في الدنيا، ومما يقوي ما قلناه في ذلك: ١٩٠ - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا عبيدالله بن محمد - يعني ابنَ عائشة - حدثنا ابنُ المبارك، حدثنا فُضَيْلِ بنُ غزوان، عن ابنِ أبي نُعيم عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال أبو القاسم عليه السَّلامُ نبي التوبة: ((مَنْ قَذَفَ عَمْلُوكَه بِزِنى بريئاً مِما قالَه له، أَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَدّاً إلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ))(٢). ١٩١ - وما قد حدثنا علي بنُ معبد، حدثنا عليّ بنُ الحسن بنِ (١) في الأصل: ((مكان))، وهو تحريف. (٢) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غَيْرَ عُبيدِ الله بن محمد، وهو ثقة. ورواه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٧)، وأحمد ٤٣١/٢ و٤٩٩ و٥٠٠، والبغوي (٢٤١٢) من طرق عن فضيل بن غزوان، بهذا الإِساد، وقال الترمذي: حسن صحيح. ١٧٩ شقيق، حدثنا عَبْدُالله - يعني ابنَ المبارك - عن فُضيل بن غزوان، عن عبدالرحمن بنِ أبي نُعْمِ البَجَلِي عن أبي هُريرة، قال: قال أبو القاسِم نبيُّ التوبة، صلَّى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِزِنِى بَرِيئاً مما قالَ، أقام عليه الحدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ إلا أَنْ يكونَ كما قالَ)»(١). ١٩٢ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حدثنا سُوَيْدُ بنُ نصرِ، حدثنا ابنُ المبارك عن الفضيل بنِ غزوان، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، ولم يقل: (بزنی))(٢). ١٩٣ - وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا مُسَدَّدُ، حدثنا يحيسى - وهو ابنُ سعيد - عن فُضَيْلِ بنِ غزوانَ، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((مَنْ قَذَفَ تْلُوكاً وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا أَنْ يَكُونَ كما قالَ))(٣). قال أبو جعفر: وقد كان العبدُ في الدنيا عاجزاً أن يُقِيمَ الحدَّ على قاذفهِ مِن مولاهُ، وممن سواه بالرِّق الذي فيه، ولمَّا أزاله الله تعالى عنه في الآخرة، وردَّه إلى أحكام مَنْ سواه من بني آدم المستحقين للحدود على قاذفيهم، ذَهَبَ المعنى الذي كان يَمْنَعُه مِن أخذه له في الدنيا، فأخذه له في الآخرة كما كان يأخُذُهُ في الدنيا لو انطلق له الأخذُ به فيها. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله. (٢) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غيرَ سويد بنٍ نصر راوية ابن المبارك، وهو ثقة. ورواه النسائي في (الكبرى)) عن سويد بن نصر، به. كما في ((التحفة)) ١٥٤/١٠. (٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله. ١٨٠ فإن قال قائل: فقد جاء الخطابُ في حديث التحليل من الغِيبةِ الذي رَوَيْتَهُ بالمظلِمة في العِرض والمالِ جميعاً، فكيف يجوزُ أن يَرْجِعَ بشيءٍ من الكلام المعطوفِ عليه على بعض ما ابتدىء به دون بقيته؟ قيل له: العرب تفعل هذا كثيراً، تُخَاطِبُ بالشيء بِعَقِبٍ ذكر شيئين تُرِيدُ بخطابها أحدَ ذينك الشيئين جميعاً. وَمِنْ ذلك قولُ الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُوُ والمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٢] وإنما يخرجان مِن أحدهما دون الآخر. ومن ذلك قولُه: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإِنْسِ أَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ؟ [الأنعام: ١٣٠]، والرسل فإِّما كانوا من الإِنس لا مِنَ الجن. وَمِنْ ذلك ما يُروى عن النبي عليه السَّلامُ : ١٩٤ - مما قد حدثناه يونس، حدثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي إدريس عن عُبَادَة، قال: كنا عندَ النبي عليه السلام في مجلس ، فقال: (تُبَايِعُونِي على أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً - الآية ... - فَمَنْ أوفى منكم، فَأَجْرُهُ على اللَّهِ، ومَنْ أصابَ شيئاً، فَعُوقِبَ عليه، فَهُوَ كَفَّارَةٌ له، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلك شيئاً، فستره اللَّهُ عليه، فأمرُهُ إلى اللَّهِ إن شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ رَحِمَهُ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو إدريس: عائذالله بن عبدالله الخولاني. ورواه البخاري (٣٨٩٢) و (٣٩٩٩) و (٤٨٩٤) و (٦٧٨٤) و(٦٨٠١) و (٧٢١٣) و (٧٤٦٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والنسائي ١٤١/٧، والترمذي (١٤٣٩)، وأحمد ٣١٤/٥ من طرق عن ابن شهاب، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. ١٨١