Indexed OCR Text
Pages 181-200
قال أبو جعفر: فكان ما في هذا الحديث من الآيات التسعِ سبعَ آياتٍ كانت مِن الله تعالى قبل تغريقه فرعون وقومه في البحر، وهي عصا موسى ويدُه، وإرسالُه على فرعون وقومه الطوفانَ، والجرادَ، والقُمُّلَ، والضَّفَادِعَ، والدَّمَ. ومنها ما بعد تغريقه فرعون وقومه ما قد ذكرناه في هذا الحديثٍ مِن نَتْقِهِ الْجَبَلَ على مَنْ نَتَقَهُ، ومِنَ التيه الذي ابْتَلَى به مَن ابتلاه، ومما كان منه تعالى في ذلك مِن تظليله عليهم الغمامَ في التِّيه، وإنزالِه عليهم المَنَّ والسَّلْوى، وبما جعل لهم من الثيابِ التي لا تبلى ولا تَتّسِخُ، ومما جعل بينَ ظهرانيهم من الحجر الموصوف في هذا الحديث، ومما كان من موسى فيه من ضربه إياه بعصاه حتى انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً من كل واحدة منه ثلاثةُ أعين، وإعلامه كُلَّ سِبْطٍ عينهم التي يشربون، ومِن أنهم كانوا لا يرحلون مِن منقلة إلا وجدوا ذلك الحَجَرَ منهم بالمكانِ الذي كانوا منه بالأمسِ ، والله أعلمُ ما الآيتان الباقيتان بعدَ السبع الآياتِ التي كانت قبل = ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابنُ عباس رضي الله عنهما مما أُبِيحَ نقلُه من الإسرائيليات عن كعب الأحبارِ أو غيره، ونقل ابن كثير عن شيخه أبي الحجاج المزي أنه سمعه يقول ذلك. ورواه النسائي في التفسير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٣٨/٤ (وتحرف فيه ((الفتون)) إلى: ((القنوت))) من طريق عبدالله بن محمد، عن يزيد بن هارون بهذا الإِسناد. ورواه ابن جرير في (تفسيره) ١٦٤/١٦ - ١٦٧، وأبو يعلى (٢٦١٨) من طريق یزید بن هارون، به. وأورده السيوطي في (الدر المنثور) ٢٩٦/٤ - ٣٠٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي عمر العدني في («مسنده))، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وانظر ((مجمع الزوائد)) ٥٦/٧. ٦٢ تغريق فرعونَ وقومه من هذه الأشياء، وصار هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي عليه السلام . ثُمَّ اعتبرنا ما يُروى عمن قدرنا عليه ممن قد رُوِيَ عنه في ذلك شيءٌ هَل هُوَ موافقٌ لما رويناه عن ابنِ عباس، عن النبي عليه السَّلامُ، وعن صفوان في ذلك؟ فوجدنا أحمد بنَ داود حدثنا، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ سالم، أخبرنا هُشَيْمٌ، أخبرنا منصور، عن الحسنِ، ومغيرة، عن الشعبيِّ في قوله تعالى: ﴿تسع آيات بينات﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: الطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضُّفَادِعُ، والدَّمُ، ويده، وعصاه، والسنون، ونقص مِن الثمرات(١). ووجدنا أحمدَ قد حدثنا قال: حدثنا موسى بنُ إسماعيل، حدثنا ابنُ المبارك، عن إسماعيل، عن أبي صالح، وعكرمة مثلَه(٢). ووجدنا عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم قد حدثنا قال: حدثنا الفِرِيابيُّ، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ مثلَه(٣). وكانت الآياتُ المذكوراتُ في حديث ابنِ عباس، وفي أحاديثٍ من ذكرناه معه من التابعين نِذَارَاتٍ (٤) وتخويفاتٍ، ووعيداتٍ، وكانت الآياتُ هي العلامات، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّه آيَةٌ﴾ [المؤمنون :٥٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإِسراء: ١٢] فكانت تلك الآياتُ حججاً على الخلق، لأنهم يعلمون أنها لا تكون إلا مِنْ عند اللّه تعالى، وأن (١) رجاله ثقات. (٢) رجاله ثقات. إسماعيل: هو ابن سالم الأسدي، وأبو صالح: هو ذكوان السمان. (٣) أبو يحيى: هو القتات الكوفي الكناني لين الحديث، وباقي السند ثقات. (٤) جمع نِذَارَة بكسر النون، وفي ((القاموس)): النذير: الإِنذار، كالنّذَارة. ٦٣ المخلوقين عاجزون عنها، فيعقِلُون مع ذلك أنَّ الله إذا لم يكن منهم الرجوعُ إلى أمره مما جاءهم به مِن أجله معاقبهم ومُعَذِّبُهم. والآيات أيضاً فقد تكون عبادات. ومن ذلك ما ذكره الله تعالى عَنْ عبده ونبيه زكريا عليه السلام من قوله: ﴿رَبّ اجْعَل لَّي آيَةٌ﴾ [مريم: ١٠]، ومِن قولِ اللَّهِ تعالى له: ﴿آَيَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزاً﴾ [ آل عمران: ٤١] في أحد الموضعين اللذين ذكر ذلك فيهما في كتابه، وفي الموضع الآخر منهما قال: ﴿ آَيْتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِياً﴾ [مريم: ١٠]، فكان تصحيحُ ما في حديث ابن عباس، وما في حديث صفوان في ذلك، إنما في حديث صفوان هو على الآياتِ التي تعبِّدُوا بها، وكان ما في حديث ابنِ عباس هو الآيات التي أُوعِدُوا بها وخُوِّفُوها، وأُنْذِرُوا بها إن لم يعملوا ما تُعُبِّدُوا به، ما قد بيَّنَه لهم على لسانِ رسولِه عليه السَّلامُ فصحَّ ذلك ما في الحديثين جميعاً، وعَقَلْنَا عن رسولِ الله عليه السَّلام أن مرادَه بما في أحدهما غيرُ مراده بما في الآخر منهما، والله نسألُه التوفيقَ. وسأل سائِلٌ، فقال: فيما قد رويته عن ابنِ عباس، وعن صفوان ما قد وقفنا به على أنَّ اللَّه تعالى قد كان آتى نبيَّهِ موسى عليه السَّلامُ ثماني عشرة آية، في كُلِّ واحدٍ من الحديثين اللَّذَيْنِ رويتهما منه تسعُ آيات، وإنما في الآية التي ذكرت هذين الحديثين من أجلها إيتاؤه إيَّه تسعُ آيَاتٍ، وهي قولُه: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، ولم يذكر فيها من الآيات أكثرَ من ذلك فالحاجة بنا من بعد إلى الوقوف على التسع الآيات المذكورات فيها ما هي؟ قائمةٌ . فكان جوابُنا في ذلك بتوفيقِ الله وعونه أن في الآية التي تلاها قولَه ٦٤ تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرِعَوْنُ إِ لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسحُوراْ﴾ [الإسراء: ١٠١]. فعقلنا بذلك أنَّ موسى إنما كان جاء بني إسرائيلَ بما كان اللَّهُ تعالى تعبِّدَهُمْ به حينئذٍ لا بما سواه، ولأنَّه ليس من أُرسل إلى قومٍ بما تُعُبِّدُوا به يأتيهم بِنذارَاتٍ، ولا وعيداتٍ، ولا تخويفات، وإنما يأتيهم بما أُرسل به إليهم لا بما سواه، فإن أجابوه إلى ذلك وقَبِلُوه منه(١)، اکتفي بذلك منهم، وحملهم عليه، وغني بذلك عما سواه مِن النَّذارات والتخويفات، ومن الوَعِيدَات، فلما قابله فرعونُ لما جاءهم بها بما قابله به فيهم مِن حبسهم، ودعواه ربوبيتهم بما حكاه الله تعالى عنه من قوله لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلٍ غيري﴾ [القصص: ٣٨]، ومن قوله لموسی لمّا قال له ما قد ذكرنا فيما قد رويناه من حديث الفتون في هذا الباب لما جاءه هو وأخوه هارون عليهما السَّلامُ من قوله لما سأله عما يريد فقال له موسى: تُؤْمِنُ بالله تعالى، وتُرْسِلُ معي بني إسرائيل، ومن قولِ فرعونَ عند ذلك: ﴿انت بآيةٍ إن كُنْتَ مِن الصادقين﴾ فجاءه موسى مِن الآيات بما جاءَه به مما قد رويناه في هذا الباب من التخويفات والنَّذارات والوعيدات، فلما عتا عن ذلك، وتمادى في كُفْره، وفي إباءته على موسى ما دعا بني إسرائيلَ إليه، جاءه مِن الله حقيقةُ وعيده، فأهلكه وقومَه الَّذِينَ اتبعوه بما أهلكهم به مما ذكره تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد عليه السَّلامُ فیما رويناه من حديث الفتون عن ابن عباس. وفيما ذكرناه مِن ذلك ما قَدْ بَانَ به ما الآياتُ التسعُ من الثماني عشرة الآيةِ التي ذكرنا، وإنما كان قصدُنا في هذا الجوابِ إلى حديث ابنِ جُبَيْر عن (١) تحرف في الأصل إلى ((منهم)). ٦٥ ابن عباس في الفتون دونَ حديثٍ عِكرمة مولاه عنه اللَّذَيْنِ رويناهما في هذا الباب، لأن الذي في حديث ابنٍ جُبير هي التي خوف بها موسى فرعون، وأوعده بها حينَ لم يُؤْمن، ولم يُحِبْهُ إلى إرسال بني إسرائيلَ معه. وحديثُ عكرمة في تحقيق الآيات التسع المرادات بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وذلك مما قد دفعه حديثُ صفوان عن رسول الله عليه السلام، لأن حديثَ صفوان هذا مخرجُه تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ كما مخرجُ حديثٍ عكرمةً عن ابنِ عباس أن تلك الآياتِ هي الآياتُ التي ذكرها في حديثه عنه، فَضَادً ذلك حديثَ صفوان، وليس لأحدٍ (١) مع رسولِ الله عليه السلامُ حُجَّةٌ، ولأن معقولاً أنَّ الذي في حديث ◌ِكرمة هذا محالٌ، لأن فيه المجيء بالنّذارات، والوعيدات والتخويفات قبلَ المجيء بالشريعة التي تكون هذه الأشياء عند إباءتها. واللَّهَ نسألُه التوفيقَ. ا (١) في الأصل ((أحد)). ٦٦ ٨ - بابُ بيانِ ما أشكل مما رُوِيَ عنه صلَّى الله عليه وسلم في السَّبب الذي كان فيه نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى﴾ [الأحزاب: ٦٩] .. الآية وما رُويَ عن عليّ في ذلك مما يُحيط علماً أن علياً لم يقل ذلك رأياً، ولا استنباطاً، إذ كان مثلُه لا يُقال بالرأي، ولا بالاستنباط بهما، ولا يُقالُ إلا بالتوقيف من النبيِّ عليه السَّلامُ ٦٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا رَوْحُ بن عُبَادَةَ، حدثنا عَوْفُ الْأَعْرابيّ، عن ابن سِيرِينَ عن أبي هُريرة في هذه الآية ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]. قال رسول الله عليه السَّلامُ: ((إنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلاً حَبِيّاً سِتِّيْراً لا يَكَادُ أَنْ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيءٌ اسْتِحْياءً منه، فَاذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بِنِي إِسْرائيلَ، وقالوا: ما يَسْتَثِرُ هذا التَّسْتَّرَ إلا مِنْ عَيْبِ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٍ وإمَّا أَدَرَةٍ(١) - هكذا قال لنا إبراهيمُ في حديثه، وأهلُ اللغة يُخالِفُونَه في ذلك، ويقولون: إنها أُدْرَةً، لأنَّها آدر بمعنى آدَم، فمنها بالإِضافة (١) قال الحافظ في (الفتح)) ٤٣٧/٦: بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور، وبفتحتين فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشائخه، ورجح الأول وهي نفخة في الخُصْية، يقال: رجل آخرُ، بَيْنُ الْأُقَرِ. ٦٧ إليها أُدْرَةٌ ـ وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يُبَرَّتَهُ مما قالوا، وإن موسى خلا يوماً وحدَه، فوضعَ ثوبَه على حَجَرٍ، ثم اغتسل، فلما فرغ مِن غسله، أقبل إلى ثوبه لِيأخذه، وإن الحَجَرَ عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجرَ، وجعل يقول: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ إلى أن انتهى إلى ملأ بني إسرائيل، فرأوه عُريانً كأحسن الرجال خلقاً، فَبَرَّأه الله مما قالوا، وإن الحَجَرَ قام، فأخذ ثوبَه، فَلَبِسَه فَطَفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْباً قال: فواللَّهِ إن في الحَجَرِ لَنَدَباً(١) من أَثَرِ ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً) (٢) فهذا ما روي في هذا المعنى عن رسولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلّم. وأمَّا ما قد رُوِيَ عن علي في ذلك مما نُحِيطُ علماً أنه لم يَقُلْهُ إلا بأخذه إيّاه عن رسولِ اللَّه صلَّى الله عليه وسلّم، لأن فيه إخبارَه أنَّ الله تعالى عَنِى ما ذكره فيه، وذلك شهادةٌ منه على اللَّهِ به، ولا يَسَعُهُ ذلك إلا بأخذه إيّاهُ مِن حیثُ ذكرنا. كما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا سعيدُ بن سليمان الواسطي عن عبَّاد بنِ العوام، عن سفيانَ بنِ حُسين، عن الحكم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابنِ عباس عن علي ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى﴾ قال: صَعِدَ موسى، وهارونُ الجبلَ، فمات هارونُ، فقال بنو إسرائيل: أنتَ قتلتَه، كان ألينَ (١) بالتحريك: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر. (٢) إسناده صحيح. إبراهيم بن مرزوق: ثقة، وباقي السند على شرطهما. عوف الأعرابي : هو عوف بن أبي جميلة العبدي البصري. ورواه البخاري (٣٤٠٤) و(٤٧٩٩)، والترمذي (٣٢٢١)، وأحمد ٥١٤/٢ من طرق عن روح بن عبادة، بهذا الإسناد. وأحد إسنادي أحمد مرسل. ٦٨ لَنَا مِنْكَ، وأشدَّ حياءً، فَآذَوْهُ في ذلك، فأمر اللَّهُ تعالى الملائكة فحملته، وتكلمت بموته حتى عَرَفَتْ بنو إسرائيل أنَّه قد مات، فدفنوه، فلم يعرف مَوضِعَ قَبْرِهِ إلا الرَّخَمُ (١)، فإِنَّ اللَّه جعله أَبْكَمَ أَصَمَّ(٢). قال أبو جعفر: وكان مَنْ لا عِلْمَ عندَه ممن وقف على هذين الحديثين يرى أنهما متضادَّان، وحاشا لِلَّه أن يكونا كذلك، لأنَّه قد يجوزُ أن تكونَ بنو إسرائيل آذت موسى مما ذكر مما كان مما آذَّتْه به في كُلُّ واحدٍ من الحديثين حتى برَّأه اللّهُ من ذلك بما برَّأه به من ذلك مما هو مذكورٌ [في] هذين الحديثين . ٠٠ (١) والرخم: طائر غزير الريش، أبيض اللون، مبقع بسواد، يشبه النسر في الخلقة. (٢) رجاله ثقات. الحكم: هو ابن عتيبة. ورواه ابن أبي حاتم كما في ابن كثير ٤٧٤/٦ من طريق سعيد بن سليمان، وابن جرير ٣٧/٢٢ من طريق علي بن موسى الطوسي، كلاهما عن عباد بن العوام، به. وقال ابن جرير بإثره: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله عز وجل. قال الحافظ ابن كثير: يحتمل أن يكون الكل مراداً، وأن يكون معه غيره، والله أعلم. وأورده الحافظ في ((الفتح)) ٤٣٨/٦، ونسبه لأحمد بن منيع، والطحاوي، وابن مردويه، وحسن إسناده. لكنه قال في نهايته: وفي الإِسناد ضعف، ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معاً، لصدق أن كلّ منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا. قلت: ولا وجه لتضعيف سنده، فالكل ثقات من رجال الستة عدا سفيان بن حسين، فإنه من رجال مسلم، وهو ثقة باتفاقهم في غير الزهري، وهذا الحديث رواه عن الحكم بن عتيبة . ٦٩ ٩ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوي عنه عليه السَّلامُ مما كان منه في عبدِالله بنِ أبي بن سَلُولٍ رأسٍ المنافقينَ بَعْدَ موتِهِ من صلاته عليه، ومما يَدُلُّ على خلاف ذلك كان منه فيه ٦٨ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهیمُ بن أبي داود، جميعاً قالا : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ صالح، حدثني الليثُ، حدثني عُقَيْلُ بنُ خالِدِ بنِ شهابٍ، أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بن عبدِ الله بنِ عُتْبَةً، عن ابنِ عبَّاسٍ عن عُمَرَ أنه قال: لما مات عَبْدُ الله بنُ أبي بن سلول(١) دُعي له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصلَِّ عليه، فلما قام رسولُ الله عليه السلام، وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أَتُصلِّ على ابن أبي وقد قال يَوْمَ كذا وكذا كذا، وكذا، أُعَدِّدُ عليه قولَه، فتبسُّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((أَخِّرْ عَنِّ يَا عُمَرُ))، فلما أكثرتُ عليه قال: ((إنِّ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، ولو أَعْلَمُ أَنِّ لَوْزِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ، زِدْتُ عَلَيْها))، قال: فصلى عليه(٢). هكذا حدثناه يزيد، وابنُ أبي داود خاصة في حديثه: ثمَّ انصرف، فلم يَمْكُثْ إلا يسيراً حتى نزلت الآيتانِ من براءَةً ﴿وَلاَ تُصَلُّ عَلَى (١) كان موته بعد منصرف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يوماً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال، وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لوخرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾. (٢) قال العلماء: وإنما لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقول عمر، وصلى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام، واستصحاباً لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي - ٧٠ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبداً وَلاَ تَّقُمْ عَلَى قَبِرِهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤](١). ٦٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، وأحمد بنُ داود بن موسى جميعاً قالا: حدثنا مُسَدَّدُ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني عُبَيْدُ الله بنُ عُمر، عن نافع عنِ ابنِ عُمر: أن عبدَاللَّهِ بنَ أُبي لما تُوفَّ جاء ابنه(٢) إلى رسول الله عليه السَّلامُ فقال: يا رسولَ اللَّهِ أَعْطني قميصَك أُكفِّنه به، وَصَلُّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصَه ثم قال: ((آذِنُ بِهِ أُصَلِّ عَلَيْهِ) فَأَذَنَه، فلمّا أرادَ أن يُصَلِّيَّ عَلَيْهِ، جَذَبَهُ عُمَرُ، وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ قد نهاك أن تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي صلى الله = عليه وسلم في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمرّ صفحه وعفوه عمّن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: ((لا يتحدث الناسُ أن محمداً يقتل أصحابه ... )). قال الإمام الخطابي: إنما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبدالله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبةٌ على ابنه، وعاراً على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي، فانتهى. (١) حديث صحيح، رجاله ثقات إلا عبدالله بن صالح، فإنه سبىء الحفظ، ولكن تابعه عليه يحيى بن بكير عند البخاري (١٣٦٦) و(٤٦٧١)، وحُجين بن المثنى عند النسائي ٤ /٦٧ - ٦٨، كلاهما عن الليث، بهذا الإسناد. ورواه الترمذي (٣٠٩٧)، والطبري (١٧٠٥٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، به. وانظر ((الدر المنثور)) ٢٦٤/٣. (٢) هو عبدُالله بن عبدالله بن أبي مِن فضلاء الصحابة، شهد بدراً وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصدّيق، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتله، فقال: أحسن صحبته. أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢١/١ - ٣٢٣. ٧١ تُصلَِّ على المنافقينَ؟ فقال: ((أَنَا بَيْنْ خِيَرَتَيْنْ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَستَغْفِرْ لَهُمْ سَبعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فنزلت: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبِرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فترك الصلاةَ عليهم(١). ٧٠٠ - حدثنا فهدُ، حدثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةً، حدثنا أبو أسامة، عن عُبَيْد اللَّهِ بنِ عُمَرَ، عن نافع عن ابنِ عُمَرَ، قال: لَمَّا تُوفّيَ عبدُ الله بن أبي جاء ابنُه عبدُ الله إلى رسولِ اللَّهِ فسأله أن يُعْطِيَهُ قميصَه يُكفن فيهِ أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يُصلِّيَ عليهِ، فقامَ رسولُ اللَّه ليصلِّيَّ عَلَيهِ، فقام عُمَرُ، فأخذ بثوبٍ رسولِ اللَّه، فقال: يا رسولَ الله أَتُصلِّ عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله: ((إنما خيَّرني الله)) فقال ﴿استَغْفِرِ لَهُمْ أَوْ لَا تَستَغْفِرْ لَهُمْ إن تَستَغْفِرِ لَهُمْ سَبَعِينَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على سبعين)) فقال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله، فأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبِهِ﴾ [التوبة: ٨٤](٢). قال أبو جعفر: ففي حديث ابن عمر هذا قولُ عمر لرسول الله عليه السَّلامِ: أُتُصلي عليهِ، وقد نهاك الله أن تُصلي على المنافقين، في حديث (١) إسناده صحيح على شرطهما غير مُسَدَّد، فإنه من رجال البخاري. ورواه البخاري (١٢٦٩) و (١٢٧٠) و(٤٦٧٢) و(٥٧٩٦)، ومسلم (٢٤٠٠) و (٢٧٧٤)، والترمذي (٣٠٩٨)، والنسائي ٦٧/٤ - ٦٨، والنسائي ٦٧/٤ - ٦٨، وابن ماجه (١٥٢٣)، وأحمد ١٨/٢، والطبري (١٧٠٥٠) و(١٧٠٥١) و (١٧٠٥٥) من طرق عن عُبيد الله بن عمر، بهذا الإسناد. وقوله: ((بين خيرتين)): قال القسطلاني ٣٩٢/٢: بخاء معجمة مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة تثنية خيرة كعنبة، أي: أنا مخير بين الأمرين الاستغفار وعدمه. (٢) إسناده صحيح على شرطهما. أبو أسامة: هو حماد بن أسامة. ٧٢ يحيى بن سعيد، وفي حديث أبي أسامة: ((وقَدْ نهاَ اللَّهُ أن تُصلِّ عليه)). وليس ذلك في حديث ابن عباس الذي رويناه قبلَه، ومكان ذلك في حديثٍ ابن عباس: ((أَتُصَلّى عليه، وقد قال يَوْمَ كذا، وكذا: كذا، وكذا)). والذي في حديث ابن عباس من هذا أولى عندنا مما في حديث ابنِ عمر، لأن محالاً أن يكونَ اللَّهُ تعالى ينهى نبيَّه عن شيء، ثم يفعل ذلك الشيء، ولا نرى هذا إلا وَهْماً مِن بعض رواة هذا الحديث، والله أعلم . ٧١ - وحدَّثنا أحمد بنُ داود، حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يحيى، عن مُجالدٍ، عن الشَّعْبي عن جابرِ قال: أَوْصَى رأسُ المنافقين أن يُصلي عليهِ النبيُّ عليه السَّلامُ وأن يُكَفِّنَه في قميصه، فلما مات كفنه في قميصه وصلى عليه، وقام على قبرهِ فَأَنْزَلَ اللَّهِ ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقم عَلَى قبره﴾(١) [التوبة: ٨٤]. قلت: ظَنَّ عُمَرُ أن في قوله ﴿استغفر لهم﴾ الآية نَهْياً عن الصلاة عليهم، فأعلمه النبي عليه السلام أن ذلك ليس بنهي، ولم يكن قوله (١) مجالد - وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني -: ليس بالقوي، وباقي رجاله ثقات. وقد تحرف في المطبوع من الطبري ((مجالد)) إلى: مجاهد. ورواه ابن ماجه (١٥٢٤)، والطبري (١٧٠٥٢) من طرق عن يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد. وذكره ابن كثير في تفسيره ١٣٤/٤ عن ((مسند البزار)) من طريق عمرو بن علي، عن يحيى، ومن طريق يوسف بن موسى، عن عبدالرحمن بن مغراء الدوسي، كلاهما عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، وقال: وإسناده لا بأس به، وما قبله شاهد له. ٧٣ تعالى ﴿ولا تصل على أحدٍ منهم﴾ نزل بعدُ، وهذا بين في الخبرِ. ومما يُؤكِّدُ هذا، وأن الأمرَ على خلاف ما ظنَّه أبو جعفر: ٧٢ - ما رواه يعقوبُ بنُ شيبة، عن سُنّيْدِ بنِ داود، عن حمادٍ بن زید، عن يحيى بن سعيد عن علي بنِ الْحُسين، قال: لما تُوفِي عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبي، جاء ابنُه الْحُبَاب، وكان مِن صالحي أَصحابِه فقال: يا رسولَ الله، إن أبا الحُبَاب قد مات، فأعطه قميصَك الذي يلي جِلْدَكَ أكفَّنه فيه، وصَلُّ عليه، فقال عمر: أتصلي على هذا، وقد نهى الله عنه؟، قال: ((وأين النهي يا ابن الخطاب؟)) فقرأ عليه: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ إلى قولِه ﴿اللّه لهم﴾، قال: ((وأينَ النّهيُ (١)، تَرى نهياً!)) فأعطاه قميصه وصلى عليه(٢). قال أبو جعفر: وفيها روينا من هذه الآثارِ صلاةُ رسول الله عليه السلام على ابنٍ أُبي . وقد رُوي عنه ما قد دَلَّ على أنه لم يكن صلَّى عَلَيْهِ : ٧٣ - كما حَدَّثنا عبدُ الغني بنُ رِفاعة بنِ أبي عقيل أبو جعفر اللَّخمي، حدثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بنِ دینارٍ سَمِعَ جابراً يقول: أتى النبيُّ عليه السَّلامُ ابنَ أُبَيِّ بَعْدَ ما أُدْخِلَ (١) في الأصل ((وإن النهي)). (٢) سُنَيد بن داود: ضعيف مع إمامته ومعرفته، وعلي بن الحسين - وهو ابن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين -: تابعي ثقة، ثبت روى له الجماعة، فالخبر مرسل. وانظر ((الفتح) ٣٣٤/٨. قلت: من قوله: ((ظن عمر) إلى قوله: ((فأعطاه قميصه وصلى عليه)) ليس هو من كلام أبي جعفر، وإنما هو مقحم ممن وقعت له هذه النسخة من أهل العلم أراد به الرد على أبي جعفر كما هو واضح، ولم ترد هذه الزيادة في (ر). ٧٤ حُفْرَتَهِ، فَأَمَرَ به فأُخْرِجَ، فوضعه على رُكبتيه، ونَفَّثَ عليهِ من ريقه، وألبسه قميصَه صلّى الله عليه، والله أَعْلَمُ(١). ١ ٧٤ ۔ وکما حدّثنا الربيعُ المُرادِيُّ، حدثنا أَسَدُ بنُ موسی، حدثنا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائدةً، حدثنا عَبْدُ الملك بنُ أبي سليمان، عن أبي الزُّبَيْر عن جابرٍ قال: لما مات عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي جاء ابنُه إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله إِنَّك إنْ لَمْ تَشْهَدْهُ لم نَزَلْ نُعَيِّرُ بهِ، فأتاه وقد أُدْخِلَ في حُفرته، فقال: ((أَفَلا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلُوه!))، قال: فَأُخْرِجَ مِن حُفرته، فَتَفَل عليه مِن قَرْنِهِ إِلى قَدَمِهِ، وألبسَه قميصَه(٢). ٧٥ - وكما حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن بنِ قاسم الكوفي، حدثنا أسباطُ بنُ محمد، حدثنا عبدُالملك، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ مثلُه. قال أبو جعفر: ففي هذا ما قد دلَّ أنه لم يكن صلَّى عليه، ولا شَهِدَه، ولا أتاه قَبْلَ ذلك. وهذا هو أشبهُ بأفعاله كانت فيمن سواه مِن الناس أن صلاتَه على (١) إسناده صحيح. عبدالغني بن رفاعة: ثقة، وباقي السند على شرطهما. ورواه البخاري (١٢٧٠) و (١٣٥٠) و(٢٧٧٣) و (٣٠٠٨)، ومسلم (٥٧٩٥)، والنسائي ٨٤/٤، وأحمد ٣٨١/٣، وابن الجارود (٥٢٤)، والطبري (١٧٠٥٤) من طرق عن ابن عيينة، بهذا الإسناد. وقوله: ((والله أعلم)) يعني: والله أعلم بقضائه، إذ فعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما فعل مع قضاء الله في المنافقين بما قضى به فيهم. (٢) فيه عنعنة أبي الزبير، وعبدالملك بن أبي سليمان: أخرج له مسلم إلا أنَّ الحافظ في ((التقريب)) قال: له أوهام. ورواه أحمد في («المسند» ٣٧١/٣ عن محمد بن عبيد، عن عبدالملك، به. ٧٥ مَنْ كان يُصلِّ عليه، إنما كانت لما يَفْعَلُ اللَّهُ لمن صلَّها عليه. ٧٦ - كما قد: حدَّثنا عليُّ بنُ شَيْبَةَ، حدثنا يحيى بنُ يحيى النَّيْسابُوري، حدثنا هشيمٌ، عن عُثمان بنِ حكيمٍ الأنصاريِّ، عن خارجةً بن زيد عن يزيدَ بنِ ثابتٍ أن رسولَ اللّه عليه السلام قال: ((لا أَعْرِفَنَّ أَحَداً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ إلا آذَنْتُموني للصَّلَةِ عَلَيْهِ، فإِنَّ صَلاتِي عَلَيْهِمْ رَحْمٌَ))(١). ٧٧ - وما حدَّثنا فَهْدُ، حدثنا يحيى الحِمَّاني، حدثنا حمادُ بن زيد، عن ثابتٍ، عن أبي رافع عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ: أنه دخل المقْبُرَةَ فصلَّى على رجل بعد ما دُفِنَ، فقال: ((مُلِئَتْ هذِهِ المَقْبُرَةُ نُوراً بَعْدَ أَنْ كانَتْ مُظْلِمَةً عَلَيْهِمْ))(٢). قال أبو جعفر: وإذا كانت صلاتُه لمن كان يُصلي عليه إنما كانت لِمِن ذكر في هذين الحديثين، ولم يَكُنْ ابنُ أُبيِّ ممن يَدْخُلُ في ذلك، استحالَ أن (١) إسناده صحيح، فقد صرح هُشيم بالتحديث عند غير المؤلف. يحيى بن يحيى: هو يحيى بن زكريا بن يحيى النيسابوري الأعرج، يلقب حَيُّونَه، ثقة حافظ فقيه، ويزيد بن ثابت - وقد تحرف في الأصل إلى: زيد - هو أخو زيد بن ثابت، وكان أسنَّ منه، واختلف في شهوده بدراً، وقيل: إنه استشهد باليمامة. ورواه أحمد ٣٨٨/٤، وابن ماجه (١٥٢٨)، والنسائي ٨٤/٤ من طريقين عن عثمان بن حكيم، بهذا الإِسناد. وصححه ابن حبان (٧٥٩). (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه البخاري (٤٥٨) و (٤٦٠) و (١٣٣٧)، ومسلم . (٩٥٦)، وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧) من طرق عن حماد بن زيد، بهذا الإِسناد. ولفظ مسلم: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم)). ٧٦ يكونَ صلَّى عليه، وقد ترك عليه السَّلامُ الصلاةَ على من غَلّ من الغنائم، وهو ممن كان غزا معه لِقتال أعدائه ممن لا يَعْلَمُهُ لَحِقَه ثَمَّ مِنْ فعلٍ كان منه سوى ذلك، وأباح غيره ممن كان معه الصَّلاةَ عليه. ٧٨ - كما حدثنا المزنيُّ، حدثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن يحيى بن سعيد، عن محمدٍ بنِ يحيى بن حَبَّان، عن أبي عَمْرَةً عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ، قال: كنا مع النبيِّ عليه السلامُ بِخْيَرَ، فمات رجلٌ من أشجع فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ عليه السَّلامُ، وقال: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، فنظروا في متاعه، فوجدوا فيه خَرزاً من خَرَزِ يهودَ لا يُساوي درهمین(١). (١) أبو عمرة: إن كان هو مولى زيد بن خالد الجهني، فلا يعرف بجرح ولا تعديل، ولم يرو عنه غير محمد بن يحيى بن حبان، وإن كان صوابه ابن أبي عمرة، فهو عبدالرحمان بن أبي عمرة الثقة المتفق على إخراج حديثه، وقد رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٥٨/٢ برواية يحيى الليثي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان أن زيد بن خالد ... قال ابن عبدالبر فيما نقله عنه الزرقاني في ((شرح الموطأ) ٣٠/٣: كذا ليحيى، وهو غلط سقط عنه شيخ محمد، وهو في رواية غيره، إلا أنهم اختلفوا، فقال القعنبي، وابن القاسم، وأبو مصعب، ومعن بن عيسى، وسعيد بن عفير، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، وقال ابن وهب، ومصعب الزبيري: عن ابن أبي عمرة، واسمه عبدالرحمان. قلت: رواه ابن ماجه (٢٨٤٨) من طريق الليث بن سعد، والطبراني (٥١٧٧) من طريق سفيان بن عيينة، و (٥١٧٨) من طريق أنس بن عياض، و (٥١٧٩) من طريق عبدالعزيز الدراوردي، أربعتهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن أبي عمرة، عن زيد بن خالد ... وباقي رجاله ثقات. المزني: هو إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه الثقة، صاحب الإِمام الشافعي . ورواه النسائي ٦٤/٤، وأبو داود (٢٧١٠)، وأحمد ١١٤/٤ و١٩٢/٥، والبغوي (٢٧٢٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٥١٧٤) و(٥١٧٥) و(٥١٧٦) و (٥١٨٠) = ٧٧ ٧٩ - وكما قد حدَّثنا المزنيُّ أيضاً، حدثنا الشافعيّ، أخبرنا عبدُ الوَهَّاب الثقفيُّ قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: سمعتُ محمدٌ بنّ يحيى يُحَدِّثُ عن أبي عَمْرَةَ عن زيدِ بنِ خالد أن رجلًا تُؤُنَّّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أشجع يومَ خيبر، وأنهم ذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فزعم أنه قال لهم: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم، فتغَيرَت وجوهُ الناسِ لذلك، فزعم أنَّ رسولَ اللّه عليه السَّلامُ قال: ((إنَّ صَاحِبَكُم قَدْ غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: فَفَتُشْنَا متاعَه، فوجدنا خرزاً مِن خرز يهودَ، واللهِ ما يُساوي دِرْهَمَين(١). قال أبو جعفر: فإذا كان مِن سُنته أن لا يُصَلَِّ على مَنْ غَلَّ مِنَ المؤمنين، لأنَّه بغُلولِه غيرُ مستحق للمدح في صلاته عليه، ولا مستحقٌّ لسؤاله له ربُّه ما يسألُه له في صلاته عليه ممن هو بريء من مثل ذلك، كانت صلاتُه على المنافقين الذين(٢) قد أخبره اللَّهُ بكفرهم أَبْعَدَ، وبتركها عليهم أحقّ. وكذلك ما رُوي عنه في تركه الصَّلاةَ على مَنْ قتل نَفْسَه، ممن كان يَنْتَحِلُ الإِسلامَ: و (٥١٨١)، وعبد الرزاق (٩٥٠١)، والحميدي (٨١٥)، وابن الجارود (١٠٨١) من = طرق عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن أبي عمرة (وفي بعضها: عن أبي عمرة مولى زيد بن خالد)، عن زيد بن خالد ... وصححه الحاكم ١٢٧/٢، ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبى قتادة عند أحمد ٢٩٩/٥ و٣٠٠ و٣٠١، وصححه الحاكم ٣٦٤/١ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . (١) هو مكرر ما قبله. (٢) تحرف في الأصل إلى: ((الذي)). ٧٨ ٨٠ - كما قد حدثنا ابنُ معبد، حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدثنا إسرائيلُ، وشريكٌ ، وزهير، عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلًا نَحَرَ نفسه بمشْقَصٍ ، فَلم يُصَلُّ عليهِ النبيُّ عليه السَّلامُ (١). وإذا كان لم يُصَلُّ على هذا الرجلِ ، وهو مِن أهل الإِسلامِ لِمَا كان منه مِن قتلِ نفسِه، كان بأن لا يُصَلِّ على من حَرَّمه عليه صلَّى الله عليه وسلم، وعلى المؤمنين، وعلى نفسِه فوقَ ذلك أحرى، وبتركِه إِيَّاه عليه أولى، وقد كانت سنّتُه فيمن كان يموتُ من أمته، فَيُدْعَى للصلاةِ عليه أن يعتبِرَ في أمره مِن أحواله : ٨١ - ما قد حدثنا يونُس، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني ابنُ أبي ذئب، ويونُس بنُ يزيد، وما قد حدثنا بحرُ بنُ نصر، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني يُونُس - ولم يذكر ابن أبي ذِئْب ـ ثم اجتمعا جميعاً، فقالا: عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَة عن أبي هُريرةً أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّمَ كان يُؤْتَ بالرجل الميّتِ عليه الدَّيْنُ، فيسألُ ما تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِن قضاء؟، فإن حُدِّثَ أنه ترك وفاء صلَّى عليه، وإلا قال: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، فلما فتح اللَّهُ عليه الفتوحَ قال: ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ توِّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ومَنْ تَرَكَ مَالاً، فَهُو لِوَرَثَتِهِ))(٢). (١) إسناده حسن من أجل سماك. ورواه مسلم (٩٧٨)، والنسائي ٦٦/٤، والترمذي (١٠٦٨)، وابن ماجه (١٥٢٦)، وأحمد ٩١/٥ و٩٢ و٩٤ و١٠٧ من طرق عن سماك بن حرب، به. (٢) إسناده صحيح على شرطهما، ما عدا شيخي أبي جعفر يونس - وهو ابن عبدالأعلى - وبحر بن نصر، وكلاهما ثقة، والأول أخرج له مسلم. ٧٩ = قال أبو جعفر: وإذا كانَ لا يُصَلِّي على المدِينينَ مِن المؤمنين من الموتى، لأنّهم محبوسون عن الجنّة بدیونهم التي عليهم، کما قد روي عنه في ذلك: ٨٢ - مما قد حدثناه المزنيُّ، حدثنا الشافعيُّ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيدِ المَقْبُرِيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي قتادة الأنصاريِّ عن أبيهِ قال: جاء رجل إلى رسولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: يا رسولَ الله: إن قُتِلْتُ في سَبيلِ الله صَابِراً مُحْتَسِباً مُقْبِلًا غَيْرَ مُذْبِرٍ يُكفِّرُ اللَّهُ عنِي خَطَايَايَ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (نَعَمْ))، فلما ولَّى الرَّجُلُ ناداه، أو أَمَرَ به فنُوديَ فقال: ((كَيْفَ قُلْتَ؟))، وأعاد عليه القولَ، فقال: ((نَعَمْ إلا الدَّيْن، كذلك قال لي جبريل عليه السَّلام)»(١). ٨٣ - ومما قد حدثناه المزنيُّ، حدثنا الشافعي، حدثنا سفيانُ، عن ابنِ عجلانَ، عن محمدِ بنِ قَيْسٍ ، عن عبدِاللهِ بن أبي قتادة عن أبيه أنَّ رجلاً أتى النبيُّ عليه السَّلامُ فقال: يا رَسُولَ الله، أرأَيْتَ إِن ضَرَبْتُ بسيفي هذا في سبيلِ اللَّهِ صَابراً مُحتسباً مُقبلاً غَيْرَ ورواه البخاري (٢٢٩٨) و (٦٧٣١)، ومسلم (١٦١٩)، والنسائي ٦/٤، والترمذي (١٠٧٠)، وأحمد ٢٩٠/٢ و٤٥٣، والطيالسي (٢٣٣٨)، وابن ماجه (٢٤١٥) من طرق عن ابن شهاب، بهذا الإسناد، وقال: الترمذي: حديث حسن صحيح. (١) إسناده صحيح. الشافعي روى له أصحاب السنن وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين، وهو في ((الموطأ)) ٤٦١/٢ في الجهاد: باب الشهداء في سبيل الله . ورواه مسلم (١٨٨٥)، والترمذي (١٧١٢)، وأحمد ٣٠٣/٤ و٣٠٨، والدارمي ٢٠٧/٢، والبغوي (٢١٤٤) من طرق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، بهذا الإسناد . ٨٠ مدبرٍ، أُتْكفّرُ عني خطاياي؟ فقال: ((نَعَمْ))، فلما أَدْبَرَ قال: ((تَعَالَ، هذا جِبْرِيلُ يَقُولُ: إلَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنَ)) (١). قال أبو جعفر: ومعنى قوله: أُتُكفر عني خطاياي، أي: أدخل الجنة فأجابه بما أجابه به في ذلك، كان بأن لا يُصلي على من هو محبوس عن الجنة بما هو أغلظ من الدِّين أحرى. ٠ ٠ (١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. وأخرجه مسلم (١٨٨٥)، (١١٨) من طريق سفيان، بهذا الإسناد. ٨١