Indexed OCR Text

Pages 561-580

٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤١٢ - حديث أبي سعيد الخدري
١٨ - كتاب الجامع
وأفاد الحديث النهي عن إخلاف الوعد ، وتقدم أنه من صفات المنافقين ،
وظاهره التحريم ، وقد قيده حديث: ((أن تعده وأنت مضمر لخلافه))، وأمّا إذا
وعدته وأنت عازم على الوفاء فعرض مانع ، فلا يدخل تحت النهي .
١٤١٢ - وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلَّى
اللهُ تعالَى عليه وآله وسلَّمَ : ((خصْلتان لا تجتمعان في مُؤْمنِ : البُخْلُ وسُوءُ
الخُلُق)). أَخرجهُ الترمذي ، وفي سنده ضعْفٌ.
(وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم: ((خصْلتان لا تجتمعان في مُؤمن: البُخْلُ وسُوءُ الخُلُق)). أَخرجهُ
الترمذي ، وفي سنده ضعْفٌ) : قد علم قبح البخل عرفاً وشرعاً ، وقد ذمّه الله فى
كتابه بقوله : ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ [النساء: ٣٧]، وبقوله في
الكانزين : ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]؛ بل ذم من لم يأمر الناس
ويحثهم على خلافه ، فقال تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٤]،
جعله من صفات الذين يكذبون بيوم الدين ، وقال في الحكاية عن الكفار إنهم قالوا
وهم في طبقات النار: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٤] الآية.
وإنما اختلف العلماء في المذموم منه ؛ وقدمنا كلامهم في ذلك ، وحده بعضهم
بأنه في الشرع منع الزكاة ، والحق أنه منع كل واجب فمن منع ذلك كان بخيلاً
ء
يناله العقاب .
قال الغزالي : وهذا الحد غير كاف ؛ فإن من يرد اللحم والخبز إلى القصاب
والخباز لنقص وزن حبة ، يعد بخيلاً اتفاقاً ، وكذا من يضايق عياله في لقمة ، أو
٥٦١

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١٣ - حديث أبي هريرة
تمرة أكلوها من ماله بعد ما سلم لهم ما فرض القاضي لهم ، وكذا من بين يديه
رغيف فحضر من يظن أنه يشاركه فأخفاه ، يعد بخيلاً . اهـ. قلت : هذا في
البخيل عرفاً لا من يستحق العقاب ؛ فلا يرد نقضاً .
وأما حسن الخلق ؛ فقد تقدم القول فيه ، وسوء الخلق ضده ، وقد وردت فيه
أحاديث دالة على أنه ينافي الإيمان؛ فأخرج الحاكم: ((سوء الخلق يفسد العمل
كما يفسد الخل العسل))، وأخرج ابن منده: ((سوء الخلق شؤم، وطاعة النساء
ندامة، وحسن الملكة نماء))، وأخرج الخطيب: ((إن لكل شيء توبة إلا
صاحب سوء الخلق ؛ فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه)) ، وأخرج
الصابوني : ((ما من ذنب إلا وله عند الله توبة إلا سوء الخلق ؛ فإنه لا يتوب
صاحبه من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه))، وأخرج الترمذي وابن ماجه: ((لا
يدخل الجنة سيئ الخلق))، والأحاديث في الباب واسعة ، ولعله يحمل المؤمن
في الحديث على كامل الإيمان ! أو أنه خرج مخرج التحذير والتنفير ، أو أراد إذا
ترك إخراج الزكاة مستحلاً لترك واجب قطعي .
١٤١٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ: ((الْمُسْتَبَانِ مَا قَالا، فعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ)) . أخرجه مسلم .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((المستبان ما قالا، فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم)). أخرجه
مسلم) : دل الحديث على جواز مجازاة من ابتدأ الإنسان بالأذية بمثلها ، وأن إثم
ذلك عائد على البادئ ؛ لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي المجيب
٥٦٢

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١٤ - حديث أبي صرمة
في أذيته بالكلام ، فيختص به إثم عدوانه ؛ لأنه إنما أذن له في مثل ما عوقب
به : ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وعدم المكافأة والصبر والاحتمال
أفضل ؛ فقد ثبت أن رجلاً سب أبا بكر رضي الله عنه بحضرته ﴿ ، فسكت
أبو بكر والنبي ﴿ قاعد، ثم أجابه أبو بكر، فقام النبي :﴿ ، فقيل له في
ذلك؟ فقال : «إنه لما سکت أبو بکر کان ملك یجیب عنه ، فلما انتصف
لنفسه حضر الشيطان)»، أو نحو هذا اللفظ ، قال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن
ذلك لمن عزم الأمور﴾ [الشورى: ٤٣].
: ((من
١٤١٤ - وعن أبي صِرْمة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
ضارَّ مسلماً ضارَّهُ الله ، ومن شاقَّ مسلماً شقَّ الله علَيه)). أخرجه أبو داود
والترمذي ، وحسنه .
(وعن أبي صرمة رضي الله عنه) : بكسر الصاد المهملة وسكون الراء ،
اشتهر بکنیته واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً ، وهو من بني مازن بن النجار ،
شهد بدراً وما بعدها من المشاهد (قال: قال رسول الله مح لهم: (( من ضار مسلماً
ضاره الله ، ومن شاق مسلماً شق الله عليه)) . أخرجه أبو داود والترمذي ،
وحسنه) : أي : من أدخل على مسلم مضرة في ماله ، أو نفسه ، أو عرضه بغير
حق ضاره الله ؛ أي : جازاه من جنس فعله وأدخل عليه المضرة ، والمشاقة
المنازعة ؛ أي : من نازع مسلماً ظلماً وتعدياً أنزل الله عليه المشقة جزاء وفاقاً ،
والحديث تحذير من أذى المسلم بأي شيء .
٥٦٣

١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب ..
١٤١٥ - ١٤١٧ - أحاديث أبي الدرداء وابن مسعود وعائشة
١٤١٥ - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ هُ: ((إنَّ
الله يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ)) . أخرجه الترمذي ، وصححه .
(وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَزاري: ((إن الله
يبغض الفاحش البذيء)). أخرجه الترمذي ، وصححه): البغض ضد المحبة ،
وبغض الله عبده إنزال العقوبة به وعدم إكرامه إياه ، والبذيء فعيل من البذاء ،
وهو الكلام القبيح الذي ليس من صفات المؤمن ، كما دل له الحديث الآتي :
١٤١٦ - وله من حديث ابن مسعود رفعه: ((ليسَ الْمُؤمِنُ بالطَّعان ، ولا
اللَّعان، ولا الفاحِشِ، ولا البَذِيءِ». وحسنه، وصححه الحاكم، ورجح
الدارقطني وقفه .
(وله) : أي : للترمذي (من حديث ابن مسعود رفعه: ((ليس المؤمن بالطعان ،
ولا اللعان ، ولا الفاحش ، ولا البذيء)» . وحسنه ، وصححه الحاكم ، ورجح
الدارقطني وقفهُ): الطعن : السب ؛ يقال : طعن في عرضه ؛ أي : سبه،
واللعان اسم فاعل للمبالغة بزنة فعال ؛ أي : كثير اللعن ، ومفهوم الزيادة غير
مراد ؛ فإن اللعن محرم قليله وكثيره ، والحديث إخبار بأنه ليس من صفات
المؤمن الكامل الإيمان السب واللعن ، إلا أنه يستثنى من ذلك لعن الكافر
وشارب الخمر ، ومن لعنه الله ورسوله .
١٤١٧ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ: ((لا تسُبُّوا الأمْوَاتَ فإِنَّهم قد أُقْضَوا إلى ما قدَّمُوا)) . أخرجه البخاري .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله
٥٦٤

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١٨ - حديث حذيفة
وسلم: ((لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)). أخرجه
البخاري) : سب الأموات عام للكافر وغيره؛ وقد تقدم وعلله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم بإفضائهم إلى ما قدموا من أعمالهم ، وصار أمرهم إلى
مولاهم، وقد مر الحديث بلفظه في آخر الجنائز ، والكلام عليه .
١٤١٨ - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى
عليه وعلى آله وسلَّمَ : ((لا يدخُلُ الجنَّة قتَّات)) . متفق عليه .
(وعن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((لا يدخُلُ الجنَّة قتَّات))) بقاف ومثناة فوقية وبعد الألف
مثناة أيضاً ، وهو النمام؛ وقد روي بلفظه (متفق عليه) : وقيل : إن بين القتات
والنمام فرقاً؛ فالنمام الذي يحضر القصة ليبلغها ، والقتات الذي يتسمع من
حيث لا يعلم به ، ثم ينقل ما سمعه ، وحقيقة النميمة نقل كلام الناس
بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم .
وقال الغزالي : إن حدّها کشف ما يكره كشفه ؛ سواء کرهه المنقول إلیه ، أو
المنقول عنه ، أو ثالث ، وسواء كان الكشف بالرمز ، أو بالكتابة ، أو بالإيماء .
قال : فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره کشفه ؛ فلو رآه
يخفي مالاً لنفسه فذكره فهو نميمة ؛ كذا قاله .
قلت : ويحتمل أن مثل هذا لا يدخل في النميمة ؛ بل يكون من إفشاء
السر، وهو محرم أيضاً وورد في النميمة عدة أحاديث ؛ أخرج الطبراني مرفوعاً :
(ليس منا ذو حسد ، ولا نميمة ، ولا كهانة، ولا أنا منه))، ثم تلا قوله تعالى :
٥٦٥

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١٩ - حديث أنس
﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً
مبيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وأخرج أحمد: ((خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ،
وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة الباغون للبرآء العيب يحشرهم الله مع
الكلاب))، وغير هذا من الأحاديث ، وقد تجب النميمة كما إذا سمع شخصاً
يتحدث بإرادة إيذاء إنسان ظلماً وعدواناً يحذره منه ؛ فإن أمكن تحذيره بغير ذكر
من سمعه منه ، وإلا ذکر له ذلك .
والحديث دليل على عظم ذنب النمام ، قال الحافظ المنذري : أجمعت الأمة
على أن النميمة محرمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله ، وفي كلام للغزالي ما
يدل على أنها لا تكون كبيرة إلا مع قصد الإفساد .
١٤١٩ - وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَّهُ: ((مَنْ كفَّ
غَضَبَهُ كَفّ الله عنْهُ عَذَابَهُ)). أخرجه الطبراني في ((الأوسط)).
وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ميز اني: ((من كف غضبه كف
الله عنه عذابه)). أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وله شاهد من حديث ابن
عمر عند ابن أبي الدنيا): تقدم الكلام في الغضب مراراً .
وهذا الحديث في فضل من كف غضبه ومنع نفسه من إصدار ما يقتضيه
الغضب ، ولا يكون ذلك إلا بالحلم والصبر وجهاد النفس ، وهو أمر شاق ؛ ولذا
جعل الله جزاءه كف عذابه عنه ، وقد قال تعالى في صفات المؤمنين : ﴿وإذا ما
غضبوا هم يغفرون﴾ [الشورى: ٣٧].
٥٦٦

١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٢٠ و١٤٢١ - حديثا أبي بكر وابن عباس
١٤٢٠ - وعن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله
((لا يدخلُ الجنّة خَبٌّ ، ولا بخيلٌ ، ولا سَيِّئُ الملكَة)). أُخرجَهُ الترمذيُّ ،
وفرَّقَهُ حديثين ، وفي إسناده ضَعْفٌ .
(وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((لا يدخُلُ
الجنّة): من أول الأمر (خَبٌّ): بالخاء المعجمة مفتوحة وبالموحدة ؛ الخداع (ولا
بخيلٌ): تقدّم الكلام على البخيل (ولا سيّئ الملكة))): وهو مَنْ يترك ما يجب
عليه من حق المماليك ، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم ، ومثله تركه لتأديبهم
بالآداب الشرعية ؛ من تعليم فرائض الله وغيرها ، وكذلك البهائم سوء الملكة
يكون بإهمالها عن الطعام ، وتحميلها ما لا تطيقه من الأحمال ، والمشقة عليها
بالسير والضرب العنيف ، وغير ذلك (أخرجه الترمذي ، وفرقه حديثين ، وفي
إسناده ضعف) : ولكن له شواهد كثيرة ، وقد مضى كثير منها .
١٤٢١ - وعن ابن عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: قالَ رسول الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وآله وسلَّمَ : (مَنْ تَسَمّع حديث قوم وهم لهُ كارهون صُبَّ في
أُذنيه الأنُكُ يَومَ القيامة)) ؛ يعني الرَّصاص. أخرجه البخاريُّ.
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم : ((منْ تسمّعَ حديث قوْم وهُمْ لهُ کارهون صُبَّ في أُذنيه
الآنك): بفتح الهمزة والمد وضم النون (يَوْم القيامة))؛ يعني الرصاص): هو
مدرج في الحديث تفسيراً لما قبله (أخرجه البخاري) .
هكذا في نسخ ((بلوغ المرام)): (تَسمَّع))؛ بالمثناة الفوقية وتشديد الميم ، ولفظ
٥٦٧

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٢٢ - حديث أنس
البخاري: ((من استمع))، والحديث دليل على تحريم استماع حديث من يكره سماع
حديثه ، ويعرف بالقرائن وبالتصريح ، وروى البخاري في (الأدب المفرد)) من رواية
سعيد المقبري قال : مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدّث ، فقمت إليهما ، فلطم
صدري وقال : إذا وجدت اثنين يتحدّثان فلا تقم معهما ، حتّى تستأذنهما . قال
ابن عبد البرّ: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما .
قال المصنف : ولا ينبغي للداخل عليهما القعود عندهما ، ولو تباعد عنهما
إلا بإذنهما ؛ لأن افتتاحهما الكلام سراً ، وليس عندهما أحد ، دل على أنهما لا
يريدان الاطلاع عليه ، وقد يكون لبعض الناس قوّة فهم إذا سمع بعض الكلام
استدل به على باقيه ؛ فلا بدّله من معرفة الرضا؛ فإنه قد يكون في الإذن
حیاء ، وفي الباطن الكراهة ، ويلحق باستماع الحدیث استنشاق الرائحة ، ومس
الثوب ، واستخبار صغار أهل الدار ما يقول الأهل والجيران من كلام ، أو ما
يعملون من الأعمال ، وأمّا لو أخبره عدل عن منكر، جاز له أن يهجم ويستمع
الحديث لإزالة المنكر .
١٤٢٢ - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم : ((طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عنْ عيوب النّاسِ)) . أُخرجهُ البزَّارُ بإسناد حسنٍ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم :
((طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عنْ عيوب النّاس)). أَخرجهُ البزَّارُ بإسنادٍ حسنٍ) :
طوبى : مصدر من الطيب ، أو اسم شجرة في الجنّة يسير الراكب في ظلها مائة
عام لا يقطعها ، والمراد أنها لمن شغله النظر في عيوبه ، وطلب إزالتها ، أو الستر
٥٦٨

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٢٣ - حديث ابن عمر
عليها عن الاشتغال بذكر عيوب غيره ، والتعرف لما يصدر منهم من العيوب ،
وذلك بأن يقدم النظر في عيب نفسه إذا أراد أن يعيب غيره ؛ فإنه يجد من
نفسه ما یردعه عن ذکر غيره .
١٤٢٣ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((مَنْ تعاظم في نفسِهِ واخْتال في مشْيتهٍ ، لقي
الله، وهو عليه غَضْبان)) . أخرجهُ الحاكمُ ، ورجالهُ ثقاتٌ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال : قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((مَنْ تعاظم في نفسِهِ واخْتال في مشْيتهِ ، لقي الله ، وهو عليه
غَضْبان)). أخرجهُ الحاكمُ ، ورجالهُ ثقاتٌ) : تفاعل يأتي بمعنى فعل ، مثل توانيت
بمعنى ونيت وفيه مبالغة ، وهو المراد هنا ؛ أي : من عظم نفسه ؛ إما باعتقاد أنه
يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ، ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة . ويحتمل
هنا أن تعاظم بمعنى تعظم ؛ مشددة ؛ أي : اعتقد في نفسه أنه عظيم ؛ كتكبر : اعتقد
أنه كبير، أو يكون تفاعل بمعنى استفعل ؛ أي: طلب أن يكون عظيماً ، وهذا يلاقي
معنى تكبر ، والكبر كما قال المهدي في كتاب ((تكملة الأحكام)) : هو اعتقاد أنه
يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة .
وقد أخرج مسلم والحاكم والترمذي من حديث ابن مسعود : أنه قال : قال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((لا يدخل الجنة من في قلبه
مثقال ذرة من كبر)) ، قال رجل : يا رسول الله ! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه
حسناً ونعله حسناً؟ قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((إن الله جميل
٥٦٩

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٢٣ - حديث ابن عمر
يحب الجمال ، الكبر: بطر الحق وغمط الناس))، قيل : هو أن يتكبر عن الحق ؛
فلا يراه حقاً ، وقيل : هو أن يتكبر عن الحق ؛ فلا يقبله .
وقال النووي : معناه الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق وإنكاره ترفعاً
وتجبراً، وجاء في رواية الحاكم: ((ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس))؛
فبطر الحق دفعه ورده .
وغمط الناس ؛ بفتح المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة : هو : احتقارهم
وازدراؤهم ، هكذا جاء مفسراً عند الحاكم؛ قاله المنذري، ولفظة: ((من)) ، رويت
بالكسر لميمها على أنها حرف جرّ وبفتحها على أنها موصولة ، والتفسير النبوي
دلّ على أنه ليس من قبيل الاعتقاد ، وإنما هو بمعنى عدم الامتثال تعززاً وترفعاً
واحتقاراً للناس .
وقال ابن حجر في ((الزواجر)): الكبر إما باطن ؛ وهو خلق في النفس ؛ واسم
الكبر بهذا أحق ، وإما ظاهر ؛ وهو أعمال تصدر من الجوارح ؛ وهي ثمرات ذلك
الخلق ، وعند ظهورها يقال: تكبر، وعند عدمها يقال : كبر، فالأصل هو خلق
النفس ، الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه ، فهو
يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به ، وبه فارق العجب ؛ فإنه لا يستدعي غير
المعجب به ، حتّى لو فرض انفراده دائماً لما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر،
فالعجب مجرد استعظام الشيء؛ فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبراً . اهـ.
والاختيال في المشية هو من التكبر ، وعطفه عليه من عطف أحد نوعي الكبر
على الآخر، كأنه يقول : من جمع بين نوعين من أنواع هذا الكبر يستحق الوعيد ،
٥٧٠

١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من ... ١٤٢٤ - ١٤٢٦ - أحاديث سهل وعائشة وأبي الدرداء
ولا يلزم منه أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة ؛ لأنه قد ثبتت أحاديث في ذم الكبر
مطلقاً ، والحديث وغيره دال على تحريم الكبر وإيجابه لغضب الله تعالى .
١٤٢٤ - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((الْعَجَلَةُ مِنَ الشّيطان)). أُخرجَهُ التِّرمذي،
وقالَ : حَسَنٌ .
(وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى
عليه وعلى آله وسلم: ((الْعَجَلَةُ مِنَ الشّيطان)). أُخرجَهُ التِّرمذي، وقالَ :
حَسَنٌ) : العجلة : هي السرعة في الشيء ، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه
الأناة ، محمودة فيم يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها ، وقد
يقال : لا منافاة بين الأناة والمسارعة ؛ فإن سارع بتؤده وتأنَّ فيتم له الأمران ،
والضابط أن خيار الأمور أوسطها .
: ((الشؤمُ
١٤٢٥ - وعن عائشة رضيَ الله عنهَا قالتْ: قال رسولُ الله ◌ِوَالـ
سوءُ الخُلُق)) . أخرجَهُ أَحمدُ ، وفي سنده ضَعْفٌ .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: قال رسولُ الله ◌َ له: ((الشؤْمُ سوءُ
الخُلُق)). أَخرجَهُ أَحمدُ ، وفي سندهِ ضَعْفٌ) : الشؤم ضد اليمن ، وتقدم الكلام
على حقيقة سوء الخلق وأنه الشؤم ، وأن كل ما يلحق من الشرور فسببه سوء
الخلق ، وفيه إشعار بأن سوء الخلق وحسنه اختيار مكتسب للعبد ، وتقدم تحقيقه .
١٤٢٦ - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ: ((إِنَّ اللّعانين لا يكونونَ شُفَعَاءَ، ولا شهداءَ يَوْمَ القيامةِ)).
٥٧١

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٢٧ - حديث معاذ بن جبل
أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ .
(وعن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلم: ((إنَّ اللّعانين لا يكونونَ شُفَعَاءَ، ولا شهداءَ يَوْمَ القيامة)). أَخْرَجَهُ
مُسْلمٌ) .
تقدم الكلام في اللعن قريباً ، والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم
عند الله قبول شفاعة يوم القيامة ؛ أي : لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في
إخوانهم، ومعنى ((ولا شهداء))، قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ
الأمم رسلهم إليهم الرسالات ، وقيل : لا يكونون شهداء في الدنيا ، ولا تقبل
شهادتهم لفسقهم ؛ لأن إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين ، وقيل : لا
يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله ، فيوم القيامة متعلق بشفعاء وَحْدَه
على هذين الأخيرين ، ويحتمل عليهما أن يتعلق بهما ، ويراد أن شهادته لما لم
تقبل في الدنیا لم یکتب له في الآخرة ثواب من شهد بالحق ، وكذلك لا يكون
له في الآخرة ثواب الشهداء .
١٤٢٧ - وعن معاذ بن جَبَلِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهُ عَّهِ: ((مَنْ
عيّر أَخاه بذنب لم يمتْ حتّى يَعْمَلَهُ)). أَخْرِجَهُ التِّرمذيُّ وحسّنَهُ ، وسندهُ
مُنقطعٌ .
(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله حض انة: ((من عَيّر
أَخَاهُ بذنبٍ): من عابه به (لم يُتْ حتّى يعْملَهُ)). أخرجه الترمذي وحسّنه،
وسنده منقطع) .
٥٧٢

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٢٨ - حديث معاوية بن حيدة
كأنه حسنه الترمذي لشواهده ؛ فلا يضره انقطاعه ، وكأنّ من عير أخاه - أيْ :
عابه ، من العار، وهو كل شيء لزم به عيب؛ كما في ((القاموس)) - يجازى
بسلب التوفيق ، حتّى يرتكب ما عير أخاه به ، وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه
بسلامته مما عير به أخاه ، وفيه أن ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة ،
وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للأمور الستة التي سلفت ، مع حسن القصد فيها .
١٤٢٨ - وعن بهز بن حكيم عنْ أبيهِ عَنْ جدِّه قالَ: قالَ رسولُ الله عَّةٍ:
((وَيْلٌ للذي يحدث فيَكْذِبُ لِيُضْحِك به القومَ؛ ويلٌّ لهُ، ثم ويْلٌ لهُ). أَخرجهُ
الثلاثةُ ، وإِسْنادُهُ قَويٌّ .
(وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده): معاوية بن حيدة رضيَ الله
عنهُمَا (قال: قال رسول الله عَ لهم: «ويل للذي يُحدّث فيكذب ليُضْحك به
القَوْمَ؛ ويْلٌ لَهُ ، ثم ويلٌ لَهُ)). أخرجه الثلاثة ، وإسناده قوي) .
وحسنه الترمذي وأخرجه البيهقي ، والويل الهلاك، ورفعه على أنه مبتدأ
خبره الجار والمجرور ، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه من باب : سلام عليكم ، وفي معناه
الأحاديث الواردة في تحريم الكذب على الإطلاق ، مثل حديث : ((إياكم والكذب ؛
فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار)) - سيأتي -،
وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)): ((إياكم والكذب ! فإنه مع الفجور وهما في
النار))، ومثله عند الطبراني .
وأخرج أحمد من حديث ابن لهيعة : ما عمل أهل النار؟ قال: ((الكذب ؛
فإن العبد إذا كذب فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار))، وأخرج
٥٧٣

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٢٨ - حديث معاوية بن حيدة
البخاري أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الطويل ، ومن جملته
قوله : ((رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي : الذي رأيته يشق شدقه فكذاب
يكذب الكذبة تحمل عنه، حتّى تبلغ الآفاق)) ، في حديث رؤياه صلى الله
عليه وآله وسلم؛ والأحاديث في الباب كثيرة .
والحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم ، وهذا تحريم خاص ، ويحرم
على السامعين سماعه إذا علموه كذباً؛ لأنه إقرار على المنكر ؛ بل يجب عليهم
النكير، أو القيام من الموقف ، وقد عدّ الكذب من الكبائر، قال الروياني من
الشافعية : إنه كبيرة ؛ ومن كذب قصداً ردت شهادته ، وإن لم يضر بالغير ؛ لأن
الكذب حرام بكل حال ، وقال المهدي : إنه ليس بكبيرة . ولا يتم له نفي كبره
على العموم ؛ فإن الكذب على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، أو
الإضرار بمسلم ، أو معاهد ، كبيرة .
وقسم الغزالي الكذب في ((الإحياء)) إلى واجب ومباح ومحرم ، وقال : إن
كل مقصد محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً ، فالكذب فيه
حرام ، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده، فمباح إن أنتج تحصيل ذلك
المقصود ، وواجب إن وجب تحصيل ذلك ؛ وهو إذا كان فيه عصمة من يجب
إنقاذه ، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف ، وكذا إذا
كان لا يتم مقصود حرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجني عليه
إلا بالكذب ، فهو مباح ، وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله
السلطان ، فله أن يكذب ويقول : ما فعلت .
٥٧٤

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٢٩ - حديث أنس
ثم قال : وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق ؛
فإن كانت مفسدة الصدق أشدّ فله الكذب ، وإن كانت بالعكس ، أو شك فيها
حرم الكذب ، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب ، وإن تعلق بغيره لم تحسن
المسامحة بحق الغير ، والحزم تركه حيث أبيح .
واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقاً في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في
((الصحيح))؛ قال ابن شهاب : لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس :
كذب ، إلا في ثلاث : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ،
وحديث المرأة زوجها . قال القاضي عياض : لا خلاف في جواز الكذب في هذه
الثلاث الصور. وأخرج ابن النجار عن النواس بن سمعان مرفوعاً: ((الكذب
يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث: الرجل يكون بين الرجلين ليصلح
بينهما ، والرجل يحدث امرأته ليرضيها بذلك، والكذب في الحرب)).
قلت : انظر في حكمة الله ومحبته لاجتماع القلوب ، كيف حرّم النميمة ،
وهي صدق؛ لما فيها من إفساد القلوب وتوليد العداوة والوحشة ، وأباح الكذب
- وإن كان حراماً - إذا كان لجمع القلوب وجلب المودّة وإذهاب العداوة !
١٤٢٩ - وعن أَنَس رضي الله عنه عن النبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قال:
((كفارةُ من اغتبتهُ أَنْ تستغْفرَ لهُ)) . رواهُ الحارثُ بنُ أَبي أُسامة بإِسْنادٍ ضعيفٍ .
(وعن أَنَس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
((كفارةُ من اغتبتهُ أَنْ تستغْفرَ لهُ)). رواهُ الحارثُ بنُ أَبي أُسامة بإِسْنادٍ
ضعيف): وأخرجه ابن أبي شيبة في («مسنده))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))،
٥٧٥

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٣٠ - حديث عائشة
وغيرهما بألفاظ مختلفة ، من حديث أنس ، وفي أسانيدهما ضعف ، وروي من
طريق أخرى بمعناه ، والحاكم من حديث حذيفة ، والبيهقي ، قال : وهو أصح،
ولفظه : قال : كان في لساني ذرب على أهلي ؛ فسألت رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ((أين أنت من الاستغفاريا حذيفة؟ إني
لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة)) وهذا الحديث لا دليل فيه نصاً أنه لأجل
الاغتیاب؛ بل لعله لدفع ذرب اللسان .
وفي الحديث دليل على أن الاستغفار من المغتاب لمن اغتابه يكفي ، ولا
يحتاج إلى الاعتذار منه ، وفصلت الهادوية والشافعية ؛ فقالوا : إذا علم المغتاب
وجب الاستحلال منه ، وأمّا إذا لم يعلم فلا ، ولا يستحب أيضاً لأنه يجلب
الوحشة وإيغار الصدر ، إلا أنه أخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً :
((من كان عنده مظلمة لأخيه في عرضه ، أو شيء ، فليتحلله منه اليوم قبل أن
لا یکون له دینار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته،
وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) ، وأخرج نحوه
البيهقي من حديث أبي موسى ، وهو دال على أنه يجب الاستحلال ، وإن لم
یکن قد علم ، إلا أنه يحمل علی من قد بلغه ، ویکون حديث أنس فيمن لم
يعلم ، ويقيد به إطلاق حديث البخاري .
١٤٣٠ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللهعَ زُهُ: ((أَبْغَضُ
الرِّجال إلى الله الألدُّ الخصمُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
: ((أَبغض الرِّجال
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله إ
٥٧٦

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٣٠ - حديث عائشة
إلى الله الألدُّ الْخصمُ))) : بفتح الخاء وكسر الصاد المهملة (أخرجه مسلم) .
الألد : مأخوذ من لديدي الوادي ؛ وهما جانباه .
والخصم : شديد الخصومة الذي يحج مخاصمه .
ووجه الاشتقاق أنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر ، وقد
وردت أحاديث في ذم الخصومة كحديث : ((من جادل في خصومة بغير علم
لم يزل في سخط الله ، حتّى ينزع)) - تقدّم تخريجه -، وأخرج الترمذي - وقال :
غريب - من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((كفى بك إثماً أن لا تزال مخاصماً))،
وظاهر إطلاق الأحاديث أن الخصومة مذمومة ، ولو كانت في حق .
وقال النووي في ((الأذكار)): فإن قلت: لا بدّ للإنسان من الخصومة لاستيفاء
حقه؟ فالجواب ما أجاب به الغزالي : أن الذمّ إنما هو لمن خاصم بباطل وبغير
علم ، كوكيل القاضي ؛ فإنه يتوكل قبل أن يعرف الحق في أي جانب ، ويدخل
في الذم من يطلب حقاً لكن لا يقتصر على قدر الحاجة ؛ بل يظهر اللدد
والكذب لإيذاء خصمه ، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر
خصمه وكسره ؛ ومثله من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي ، وليس إليها ضرورة
في التوصل إلى غرضه ؛ فهذا هو المذموم ، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته
بطريق الشرع من غير لدد وإسراف ، وزيادة الحِجَاج على الحاجة من غير قصد
عناد ، ولا إيذاء ، ففعله هذا ليس مذموماً ، ولا حراماً لكن الأولى تركه ما وجد
إليه سبيلاً ، وفي بعض كتب الشافعية أنها تردّ شهادة من يكثر الخصومة ؛ لأنها
تنقص المروءة ، لا لكونها معصية .
٥٧٧

١٨ - كتاب الجامع
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣١ - حديث ابن مسعود
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٤٣١ - عن ابن مسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ : ((عليكمْ بالصِّدق ؛ فإن الصِّدِقَ يهدي إلى البرِّ، وإن البرَّ
يهدي إلى الجنّةِ ، وما يزَالُ الرَّجلُ يَصْدُقُ ويتحرَّى الصِّدقَ ، حتّى يكتب
عنْد الله صدِّيقاً، وإياكُمْ والكذبَ ؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجُور ، وإن
الفُجورَ يهدي إلى النار، وما يزال الرَّجلُ يكذبُ ويتحرَّی الكذب ، حتّى
يكتبَ عنْد الله كذاباً)). مُتّفقٌ عَلَيه .
(عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((عَلَيْكُمْ بالصِّدْق؛ فإن الصِّدْقَ يَهْدي) : بفتح حرف المضارعة (إلى
البر، وإن البر يَهْدي إلى الجَنّة ، وما يزالُ الرَّجُلُ يصْدِقُ ويتَحرَّى الصِّدق ،
حتّى يُكتب عنْد الله صديقاً . وإيّاكُم والكذب ؛ فإن الكذب يهدي إلى
الفجور، وإن الفُجُور يَهْدي إلى النّار ، وما يزال الرَّجُل يكذبُ ویتحرَّی
الكذبَ، حتّى يُكْتبَ عنْدَ الله كذاباً)). متفقٌ عليه).
الصدق : ما طابق الواقع ، والكذب : ما خالف الواقع ، هذه حقيقتهما عند
الجمهور من الهادوية وغيرهم ، والهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب . والبر - بكسر
الموحدة - أصله التوسع في فعل الخيرات ، وهو اسم جامع للخيرات كلها ويطلق
على العمل الصالح الخالص .
وقال ابن بطال على قوله: ((وإن البر))، إلى آخره: مصداقه قوله تعالى:
﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ [الانفطار: ١٣، المطففين: ٢٢]، وقال على قوله: ((وما يزال
٥٧٨

١٨ - كتاب الجامع ٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٢ و١٤٣٣ - حديثا أبي هريرة وأبي سعيد
الرجل يصدق))، إلى آخره: المراد يتكرر منه الصدق، حتّى يستحق اسم
المبالغة ، وهو الصديق ، وأصل الفجور الشق؛ فهو شق الديانة ، ويطلق على الميل
إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي ، وهو اسم جامع للشر.
وقوله : ((وما يزال الرجل يكذب))، هو كما مر في قوله: ((وما يزال الرجل
يصدق)) في أنه إذا تكرر منه الكذب استحق اسم المبالغة ، وهو الكذاب ، وفي
الحديث إشارة إلى أن من تحرى الصدق ، في أقواله صارله سجية ، ومن تعمد
الكذب وتحراه صارله سجية ، وأنه بالتدرب والاكتساب تستمر صفات الخير والشر،
والحديث دليل على عظمة شأن الصدق وأنه ينتهي بصاحبه إلى الجنة ، وذلك من
غير ما لصاحبهما في الدنيا ؛ فإن الصدوق مقبول الحديث عند الناس مقبول الشهادة
عند الحكام محبوب مرغوب في أحاديثه ، والكذوب بخلاف هذا كله .
١٤٣٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم قال : ((إِيَّاكُمْ والظَّن! فإن الظَّن أكْذَب الحديث)). متفق عليه.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال : ((إِيَّاكُمْ والظّن!): بالنصب محذر منه (فإن الظن أكذب الحديث)).
متفق علیه) : تقدم بیان معناه ، وأنه تحذير من أن يحقق ما ظنه ، وأما نفس
الظن فقد يهجم على القلب فيجب دفعه ، والإعراض عن العمل عليه .
: ((إيّاكُمْ
١٤٣٣ - وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله
والجلوسَ على الطَّرُقات!))، قالوا: يا رسولَ الله! مَا لَنا بُدٌّ مِنْ مجالسنا
نتحدثُ فيها ، قال: ((فَأَمّا إذا أَبِيتُمْ فَأَعطوا الطريق حقّهُ)) ، قالوا: وما حقُّهُ؟
٥٧٩

٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق ١٤٣٣ - حديث أبي سعيد الخدري
١٨ - کتاب الجامع
قال: ((غضُّ البصر وكفُّ الأذى ورد السلام والأمْرُ بالمعروف والنّهيُ عن
المنكر)» . مُتّفقٌ عليه .
: «إِیّاكُمْ والجلّوس
(وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَل ـ
على الطَّرُقات))) : بضمتين ، جمع طريق (قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من
مجالسنا نتحدث فيها ، قال: ((فأمّا إذا أَبيْتمْ) : أي : امتنعتم عن ترك الجلوس
على الطرقات (فَأَعْطُوا الطّريق حَقّهُ))، قالوا: وما حقه؟ قال: ((غضُّ البصَر):
عن المحرمات (وكفُّ الأذى): عن المارين بقول ، أو فعل (ورَدُّ السّلام) : إجابته
على من ألقاه عليكم من المارين ؛ إذ السلام يسنّ ابتداء للمار لا للقاعد (والأمْر
بالمعْرُوف والنّهي عن المنكر)). متفق عليه).
قال القاضي عياض : فيه دليل على أنهم فهموا أن الأمر ليس للوجوب ،
وأنه للترغيب فيما هو الأولى ؛ إذْ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه . قال المصنف :
ويحتمل أنهم رجوا وقوع النسخ تخفيفاً لما شكوا من الحاجة إلى ذلك .
وقد زيد في أحاديث حق الطريق على هذه الخمسة المذكورة ؛ زاه أبو داود :
((وإرشاد ابن السبيل وتشميت العاطس، إذا حمد الله))، وزاد سعيد بن
منصور: ((وإغاثة الملهوف))، وزاد البزار: ((الإعانة على الحمل))، وزاد الطبراني:
((وأعينوا المظلوم، واذكروا الله كثيراً))؛ قال السيوطي في ((التوشيح)): فاجتمع
من ذلك ثلاثة عشر أدباً ، وقد نظمها شيخ الإسلام ابن حجر ، فقال في أربعة
أبیات :
٥٨٠