Indexed OCR Text
Pages 441-460
١٧ - كتاب العتق ١٣٤٥ - حديث ابن عمر ١٣٤٥ - وعن ابن عُمَرَ رضي اللهُ عنهُما قالَ: قال رسول الله عَزِ: ((الولاءُ لُحْمَة كلحْمة النسبِ ، لا يباع ولا يوهبُ» . رواهُ الشّافعيُّ، وصححه ابنُ حبّان والحاكم، وأصله في ((الصحيحين)) بغير هذا اللّفْظ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله مَ ◌ّةٍ: ((الولاء لُحْمَة): في ((القاموس)): بضم اللام وفتحها؛ في النسب والثوب (كلحمة النسب ، لا يباع ولا يوهب)) . رواه الشافعي ، وصححه ابن حبان والحاكم ، وأصله في ((الصحيحين)) بغير هذا اللفظ) . يريد أنه فيهما بلفظ: نهى النبي ◌َّ عن بيع الولاء وعن هبته . أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن عمر ، وأخرجه مسلم من هذه الطريق ، وقال الترمذي بعد تخريجه : حسن صحيح . ومعنى تشبيهه بلحمة النسب أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث ، كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد ؛ كما يفيده كلام ((النهاية)) . والحديث دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته ؛ فإن ذلك أمر معنوي كالنسب لا يتأتى انتقاله ، كالأبوة والأخوّة ، لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره ، فنهى الشرع عن ذلك ، وعليه جماهير العلماء ، وروي عن بعض السلف جواز بيعه ، وعن آخرين منهم جواز هبته ؛ وكأنهم لم يطلعوا على الحديث ، أو حملوا النهي على التنزيه ، وهو خلاف أصله . ٤٤١ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٦ - حديث جابر ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد المدبر: اسم مفعول ، وهو الرقيق الذي علق عتقه بموت مالكه ، سمي بذلك لأن مالكه دبر دنياه وآخرته ؛ أما دنياه فاستمرار انتفاعه بخدمة عبده ، وأمّا آخرته فتحصیل ثواب العتق . والمكاتب : اسم مفعول أيضاً؛ هو من وقعت عليه الكتابة ، وحقيقة الكتابة : تعليق عتق المملوك على أدائه مالاً أو نحوه من مالك أو نحوه ، وهو على خلاف القياس عند من يقول : إن العبد لا يملك ، وأم الولد تقدّم ذكرها في كتاب البيع . ١٣٤٦ - عَنْ جابر رضي الله عنه: أنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غُلاماً له عنْ دُبُر، ولمْ يكُنْ لَهُ مالٌ غَيْرُهُ؛ فَبَلَغَ ذلك النّبِيِ﴿ِ فقال: ((من يشتريه مني؟))، فاشتراهُ نُعيمُ بنُ عبد الله بثمانيمائة درهم. مُتّفقٌ عليه ، وفي لفظ للبخاري : فاحتاج ، وفي روايةِ النّسائي: وكان عليه دينٌ فَبَاعهُ بثمانيمائة درهم ، فأعطاهُ، وقال: ((اقض دَيْنَك)). (عن جابر رضي الله عنه: أن رجلاً) : اسمه مذكار، كما في رواية مسلم ، وتقدم في أول كتاب البيع من رواية أبي داود والنسائي أن اسمه أبو مذکار، واسم غلامه أبو يعقوب (من الأنصار أعتق غلاماً له): اسمه يعقوب؛ كما في مسلم أيضاً (عن دبر) : بضم الدال المهملة وبضم الموحدة وسكونها (ولم يكن له مال غيره؛ فبلغ ذلك النبي ◌َ﴿ فقال: ((منْ يشتريه مني؟))، فاشتراه نعيم ابن عبد الله بثمانيمائة درهم . متفق عليه ، وفي لفظ للبخاري : فاحتاج ، وفي رواية النسائي) : أي : عن جابر (وكان عليه دين فباعه بثمانيمائة درهم ، ٤٤٢ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٦ - حديث جابر فأعطاه ، وقال : «اقضٍ دینك))) . الحديث دليل على مشروعية التدبير ، وهو متفق، على مشروعيته ، واختلف العلماء ؛ هل ينفذ من رأس المال ، أو من الثلث؟ فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث ، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال . واستدل الجمهور بقياسه على الوصية بجامع أنه ينفذ بعد الموت ، وبحديث ابن عمر مرفوعاً: ((المدبر من الثلث))، ورد الحديث بأنه جزم أئمة الحديث بضعفه وإنكاره ، وأن رفعه باطل ، وإنما هو موقوف على ابن عمر . وقال البيهقي : الصحيح أنه موقوف ، وروى البيهقي عن أبي قلابة مرسلاً: أن رجلاً أعتق عبداً له عن دبر؛ فجعله صلى الله عليه وآله وسلم من الثلث ، وأخرج عن علي عليهِ السَّلام كذلك موقوفاً . واستدل الآخرون بالقياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حال حياته؛ ودليل الأولين أولى لتأييد القياس بالمرسل والموقوف ، ولأن قياسه على الوصية أولى من القياس على الهبة . وفي الحديث دليل على جواز بيع المدبر لحاجته لنفقته ، أو قضاء دينه ، وذهب طائفة إلى عدم جواز بيعه مطلقاً ، مستدلين بقوله تعالى : ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، ورد بأنه عام خصصه حديث الكتاب . وذهب آخرون منهم الشافعي وأحمد إلى جواز بيعه مطلقاً ، مستدلين بحديث جابر، وبشبهه بالوصية ؛ فإنه إذا احتاج الموصي باع ما أوصى به ، ٤٤٣ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٧ - حديث عبدالله بن عمرو وكذلك مع استغنائه ؛ قالوا: والحديث ليس فيه قصر البيع على الحاجة والضرورة ؛ وإنما الواقع جزئي من جزئيات صور جواز بيعه ، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق ؛ والظاهر القول الأول . قالَ : ١٣٤٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عنْ جَدِّهِ عن النّبي ((المكاتبُ عَبْدٌ ما بقي عَلَیهِ مِنْ مكاتبتِهِ دْهَمٌ)) . أخرجهُ أَبو داود بإسناد حسَنِ ، وأَصْلُهُ عند أَحمد والثلاثة ، وصحّحهُ الحاكمُ. قالَ: ((المکاتَبُ (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عنْ جَدِّه عن النّبي ◌َ﴾ عَبْدَ ما بقي عَلَيهِ مِنْ مكاتبتِهِ دْهَمٌ)). أَخرجهُ أَبو داودَ بإسنادٍ حسَنِ ، وَأَصْلُهُ عند أَحمد والثلاثة ، وصحّحهُ الحاكمُ) : وروي من طرق كلها لا تخلو عن مقال . قال الشافعي في حديث عمرو بن شعيب : لا أعلم أحداً روى هذا إلا عمرو بن شعيب ، ولم أرَ من رضيت من أهل العلم يثبته ؛ وعلى هذا فتيا المفتين . والحديث دليل على أن المكاتب إذا لم يفِ بما كوتب عليه فهو عبد ، له أحکام المماليك ؛ وإلى هذا ذهب الجمهور : الهادوية والحنفية والشافعي ومالك . وفي المسألة خلاف ؛ فروي عن علي عليهِ السَّلام: أنه يعتق إذا أدّى الشرط ، ويروى عنه : أنه يعتق بقدر ما أدّى . ودليله ما أخرجه النسائي من رواية عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يودى المكاتب بحصة ما أدّى دية حر، وما بقي دية عبد))، قال البيهقي : قال أبو عيسى - فيما بلغني عنه -: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال : روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي ، واختلف على ٤٤٤ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٨ - حديث أم سلمة عكرمة فيه ، ورواية عكرمة عن علي مرسلة ، وروايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلة ، وروي عن علي من طرق مرفوعاً وموقوفاً ؛ قلت : فقد ثبت له أصل إلا أنه قد عارضه حديث الكتاب . وقول الجمهور دليله الحديث ، وإن كان ما خلت طرقه عن قادح ، إلا أنه أيدته آثار سلفية عن الصحابة ، ولأنه أخذ بالاحتياط في حق السيد ؛ فلا يزول ملكه إلا بما قد رضي به من تسلیم ما عند عبده ؛ فالأقرب كلام الجمهور . ١٣٤٨ - وعن أُمِّ سلمة رضيَ الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا كانَ لِإِحْداكُنَّ مُكاتَبٌ، وكان عنْدَهُ ما يؤدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ منْهُ)). رواهُ أَحْمد والأربعة ، وصحّحُهُ الترمذيُّ . (وعن أُمِّ سلمة رضيَ الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا كانَ الإِحْداكُنَّ مُكاتَبٌ ، وكان عنْدَهُ ما يؤدِّي، فَلْتَحْتَجبْ منْهُ)). رواهُ أَحْمد والأربعة ، وصحّحهُ الترمذيُ) : وهو دليل على مسألتين : الأولى : أن المكاتب إذا صار معه جميع مال المكاتبة ، فقد صارله ما للأحرار، فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكاً لامرأة ، وإن لم يكن قد سلّم ذلك؛ وهو معارض بحديث عمرو بن شعيب ، وقد جمع بينهما الشافعي فقال : هذا خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو احتجابهن عن المکاتب ، وإن لم یکن قد سلم مال الكتابة إذا کان واجداً له ، وإلا منع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها ، مع أنه قد قال: ((الولد للفراش)). ٤٤٥ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٨ - حديث أم سلمة قلت : ولك أن تجمع بين الحديثين بأن المراد أنه قن إذا لم يجد ما بقي عليه ، ولو كان درهماً ، وحديث أم سلمة في مكاتب واجد لجميع مال الكتابة ، ولکنه لم یکن قد سلمه ؛ وأمّا حدیث أم سلمة : أن رسول الله صلی الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لها: ((إذا كاتبت إحداكن عبدها فليرها ما بقي عليه شيء من كتابته ؛ فإذا قضاها ، فلا تكلمه إلا من وراء حجاب))، فإنه ضعيف لا يقاوم حديث الكتاب . المسألة الثانية : دل بمفهومه على أنه يجوز لمملوك المرأة النظر إليها ما لم يكاتبها ، ويجد مال الكتابة ، وهو الذي دل له منطوق قوله تعالى : ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ في سورة النور [٣١]، وفي سورة الأحزاب [٥٥] ، ويدل له أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة لما تقنعت بثوب - وكانت إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها -، فقال النبي ثم . ((ليس عليك بأس؛ إنما هو أبوك وغلامك)) . أخرجه أبو داود وابن مردويه والبيهقي من حديث أنس ، وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال : كان العبيد يدخلون على أزواج النبي ﴿؛ يريد مماليكهن، وفي «تيسير البيان)» للأذرعي أن رؤية المملوك لمالكته ، المنصوص - أي: للشافعي -، وذكر الخلاف لبعض الشافعية ورده ، وهو خلاف ما نقلنا عنه أولاً ، فيحتمل أن ذلك قول له ، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء من السلف ، وهو قول الشافعي . وذهبت الهادوية وأبو حنيفة إلى أن المملوك كالأجنبي ؛ قالوا : يدل له صحة تزويجها إياه بعد العتق ، وأجابوا عن الحديث بأنه مفهوم لا يعمل به ، ٤٤٦ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٤٩ - حديث ابن عباس وعن الآية بأن المراد ما ملكت أيمانهن المملوكات من الإماء للحرائر ، وخصهن بالذكر رفعاً لتوهم مغايرتهن للحرائر في قوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: ٣١]؛ إذ الإماء لسن من نسائهن؛ ولا يخفى ضعف هذا وتكلفه ، والحق بالاتباع أولى . ١٣٤٩ - وعن ابن عَبّاس رضي الله عنهُمَا: أَنَّ النبيَّ ◌َ لُ قال: ((يودى الْمُكاتَبُ بِقَدْر ما عتقَ مِنْهُ ديةَ الحُرِّ ، وبقدر ما رَقَّ مِنْهُ ديةَ العبد)». رواهُ أَحمدُ وأبو داود والنسائي . ( قال: ((يودى) : بضم (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن النبي حرف المضارعة ؛ مبني للمجهول من وداه يديه (المكاتب بِقَدْر ما عتق منه دية الحُرّ ، وبقدر ما رَقَّ مِنْهُ ديةَ الْعبد)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي). سقط هذا الحديث بشرحه من ((الشرح)) ، وهو دليل على أن للمكاتب حكم الحر في قدر ما سلمه من كتابته ، فتبعض ديته إن قتل ، وكذلك الحد وغيره من الأحكام التي تنصف ؛ وهذا قول الهادوية . وذهب علي عليهِ السَّلام وشريح إلى أنه يعتق كله إذا سلم قسطاً من مال الكتابة . وعن علي عليهِ السَّلام رواية مثل كلام الهادوية . واستدل من قال : لا تتبعض أحكامه بأنه عبد ما بقي عليه درهم ؛ لحديث ابن عمر: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) ، إلا أنه موقوف، وقد رفعه ابن قانع ، وأعله بالانقطاع ، وأخرجه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أبو داود والنسائي ، لكن قال الشافعي : لم أرَ من رضيت من أهل العلم يثبته ، ٤٤٧ ١٧ - كتاب العنق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٥٠ - حديث عمرو بن الحارث كما تقدم ، وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي عليهِ السَّلام وابن عباس مرفوعين بلفظ: ((المكاتب يعتق بقدر ما أدّى ويرث ويقام عليه الحد بقدر ما عتق)) ، ولا علة له ، وهو يؤيد حديث الكتاب ، ولعله هو ، وإنما اختلف لفظه ، وتقدم الخلاف في المسألة وبيان الراجح منها . ١٣٥٠ - وعن عمرو بن الحارثِ أَخي جُوَيْريةَ أُمِّ المؤمنين رضي الله عنهما قالَ: ما تركَ رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ عِنْدَ موتِهِ درْهماً ، ولا ديناراً، ولا عَبْداً، ولا أَمَةً ، ولا شيئاً؛ إلا بَغْلَتَهُ البيضاءَ وسلاحَهُ وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةً . رَوَاهُ البُخاريُّ. (وعن عمرو بن الحارث) : هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار؛ بكسر الضاد المعجمة وراء خفيفة ، عداده في أهل الكوفة ، روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة وغيره (أخي جويرية أم المؤمنين رضيَ الله عنهما قال : ما ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند موته درهماً، ولا ديناراً ولا عبداً ولا أَمَة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة . رواه البخاري) . الحديث دليل على ما كان عليه صلى الله عليه وآله وسلم من تنزهه عن الدنيا وأدناسها وأعراضها ، وخلو قلبه وقالبه عن الاشتغال بها ؛ لأنه متفرغ للإقبال على تبليغ ما أمر به وعبادة مولاه والاشتغال بما يقربه إليه ، وما يرضاه ، وقوله: ((ولا عبداً، ولا أمة))، وقد قدّمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعتق ثلاثاً وستين رقبة فلم يمت وعنده مملوك . ٤٤٨ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد ١٣٥١ ۔ حديث ابن عباس والأرض التي جعلها صدقة قال أبو داود : كانت نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة أعطاه الله إياها فقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ [الحشر: ٧] ، فأعطى أكثرها المهاجرين ، وبقي منها صدقة رسول الله التي في أيدي بني فاطمة . ولأبي داود أيضاً من طريق ابن شهاب : كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث صفايا : بنو النضير وخيبر وفدك ؛ فأما بنو النضير فكانت حبساً النوائبه ، وأمّا فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل ، وأمّا خيبر فجزأها بين المسلمين ، ثم قسّم جزءاً لنفقة أهله ، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين . ١٣٥١ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((أَيُّما أَمَةٍ ولدتْ مِنْ سَيِّدها فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْد مَوْته)). أخرجهُ ابنُ ماجَه والحاكمُ بإسناد ضعيف ، ورجّح جماعةٌ وَقْفَهُ عَلى عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُ . (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَلُهُ: ((أَيُّما أمَة ولدتْ مِنْ سيدها فهي حُرَّةٌ بعد موته)) . أخرجه ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف): إذْ في سنده الحسين بن عبد الله الهاشمي ؛ ضعيف جداً (ورجح جماعة وقفه على عمر رضي الله عنه) . الحديث دال على حرية أم الولد بعد وفاة سيدها ، وعليه دل الحديث الأول ؛ حيث قال: ((ولا أمة))؛ فإنه ** توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم، وتوفيت في أيام عمر، فدل أنها عتقت بوفاته بَ ﴿، ولأجل هذا الحكم ذكر المصنف الحديث الأول ، وتقدم الكلام في أم الولد مستوفى في كتاب البيع . ٤٤٩ ١٧ - كتاب العتق ١ - باب المدبر والمکاتب وأم الولد ١٣٥٢ - حديث سهل بن حنيف ١٣٥٢ - وعن سَهْل بنِ حُنيفٍ رضي الله عنه: أَنّ رسولَ الله ◌َ ◌ّه قالَ: ((مَنْ أَعانَ مجاهداً في سبيل الله ، أو غارماً في عُسرته ، أو مكاتَباً في رقبتهِ ، أَظَلّهُ اللهُ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه)). رواهُ أحمدُ ، وصحّحهُ الحاكمُ . (وعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ﴿ قال: ((من أعان مجاهداً في سبيل الله ، أو غارماً في عُسرته) : الغارم : الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه ؛ قاله في ((النهاية)) (أو مكاتباً في رقبته ، أَظلّهُ اللهُ يَوْمَ لا ظلَّ إلا ظلّهُ)). رواه أحمد، وصحّحه الحاكم). فيه دليل على عظم أجر هذه الإعانة لمن ذكر ، وذكر هنا لأجل المكاتب ، وقد قال تعالى في المكاتب : ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]، وقد أخرج النسائي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((في الآية ربع الكتابة)) ، قال النسائي: والصواب وقفه ، وقال الحاكم في رواية الرفع: صحيح الإسناد . وقد فسر قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [البقرة: ١٧٧، التوبة: ٦٠] بإعانة المكاتبين ، وأخرج ابن جرير وغيره عن علي عليهِ السَّلام أنه قال : أمر الله السيد أن يدع الربع للمكاتب من ثمنه ، وهذا تعليم من الله ، وليس بفريضة ولكن فيه أجر . ٤٥٠ ١٨ - كتاب الجامع أي : الجامع لأبواب ستة : الأدب ، البر والصلة ، الزهد والورع، الترهيب من مساوئ الأخلاق والترغيب في مكارم الأخلاق ، الذكر والدعاء . الأول : ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله ◌َافِ: ((حقُّ المسلم على المسلم سِتُّ: إذا لَقِيتَهُ فسلِّمْ عليه ، وإذا دعاكَ فَأَجِبْهُ ، وإذا اسْتنصحك فانصحهُ ، وإذا عطَس فحمد الله فَشَمَّتْهُ ، وإذا مرض فَعُدْه ، وإذا ماتَ فَاتّبعْهُ)) . رَواهُ مُسلمٌ . ﴿ : ((حقُّ المُسْلم (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َلـ على المُسْلم ستٌّ: إذا لقيتهُ فسلِّمْ عليه ، وإذا دعاك فأجبْهُ ، وإذا استنصحك فانصحهُ ، وإذا عَطَس فحمد الله فَشَمِّتْهُ) : بالسين المهملة والشين المعجمة (وإذا مرضَ فَعُدْهُ، وإذا ماتَ فاتبعْهُ)) . رواه مسلم) . وفي رواية له: ((خمس))، أسقط مما عده هنا: ((وإذا استنصحك فانصحه)). والحديث دليل على أن هذه حقوق المسلم على المسلم ، والمراد بالحق ما لا ينبغي تركه ، ويكون فعله إما واجباً ، أو مندوباً ندباً مؤكداً شبيهاً بالواجب الذي لا ينبغي تركه ، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه ؛ فإن الحق يستعمل في معنى الواجب ؛ كذا ذكره ابن الأعرابي . فالأولى من الست : السلام عليه عند ملاقاته ؛ لقوله : ((إذا لقيته فسلم عليه))، والأمر دليل على وجوب الابتداء بالسلام، إلا أنه نقل ابن عبد البرّ ٤٥١ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - حديث أبي هريرة وغيره أن الابتداء بالسلام سنة وأن رده فرض ، وفي ((صحيح مسلم)) مرفوعاً الأمر بإفشاء السلام، وأنه سبب للتحاب ، وفي الصحيحين: ((إن أفضل الأعمال إطعام الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف)) ، قال عمار: ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان : إنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار . ويا لها من كلمات ما أجمعها للخير ! والسلام: اسم من أسماء الله تعالى؛ فقوله : السلام عليكم؛ أي : أنتم في حفظ الله ، كما يقال : الله معك ، والله يصحبك ، وقيل : السلام بمعنى السلامة ؛ أي : سلامة الله ملازمة لك . وأقل السلام أن يقول : السلام عليكم ، وإن كان المسلّم عليه واحداً يتناوله وملائكته ، وأكمل منه أن يزيد : ورحمة الله وبركاته ، ويجزيه : السلام عليك، وسلام عليك؛ بالإفراد والتنكير ؛ فإن كان المسلّم عليه واحداً وجب الرد عليه عيناً، وإن كان المسلم عليهم جماعة ، فالرد فرض كفاية في حقهم ، ويأتي قريباً حديث : ((يجزئ عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجماعة أن يردّ أحدهم))، وهذا هو سنة الكفاية ، ويشترط كون الرد على الفور، وعلى الغائب في ورقة، أو رسول ، ويأتي حديث: ((أنه يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير)). ويؤخذ من مفهوم قوله : ((حق المسلم على المسلم)) ، أنه ليس للذمي حق في رد السلام، وما ذكر معه ، ويأتي حديث: ((لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام)» ، ويأتي فيه الكلام . ٤٥٢ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - حديث أبي هريرة وقوله: ((إذا لقيته))، يدل أنه لا يسلم عليه إذا فارقه ، لكنه قد ثبت حديث: ((إذا قعد أحدكم فليسلم ، وإذا قام فليسلم ، وليست الأولى بأحق من الآخرة))، فلا يعتبر مفهوم: ((إذا لقيته)). ثم المراد بلقيته ، وإن لم يطل بينهما الافتراق؛ لحديث أبي داود: ((إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه ؛ فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه)) ، وقال أنس : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتماشون ؛ فإذا لقيتهم شجرة ، أو أكمة ، تفرقوا يميناً وشمالاً ؛ فإذا التقوا من ورائھا یسلِّم بعضهم على بعض . والثانية: ((وإذا دعاك فأجبه))، ظاهره عموم حقية الإجابة في كل دعوة يدعوه لها ، وخصها العلماء بإجابة دعوة الوليمة ونحوها ، والأولى أن يقال : إنها في دعوة الوليمة واجبة وفيما عداها مندوبة ؛ لثبوت الوعيد على من لم يجب في الأولى دون الثانية . والثالثة: قوله : ((وإذا استنصحك))؛ أي: طلب منك النصيحة ((فانصحه))، دليل على وجوب نصيحة من يستنصح، وعدم الغش له ، وظاهره أنه لا يجب نصحه إلا عند طلبها ، والنصح بغير طلب مندوب ؛ لأنه من الدلالة على الخير والمعروف . الرابعة: قوله: ((وإذا عطس فحمد الله فشمته)) ، بالسين المهملة والشين المعجمة ، قال ثعلب : یقال : شمت العاطس وسمته ؛ إذا دعوت له بالهدی ، وحسن السمت المستقيم . قال : والأصل فيه السين المهملة فقلبت شيئاً معجمة . ٤٥٣ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - حديث أبي هريرة فيه دليل على وجوب التشميت العاطس الحامد ، وأمّا الحمد على العطاس فما في الحديث دليل على وجوبه ، وقال النووي : إنه متفق على استحبابه . وقد جاء كيفية الحمد ، وكيفية التشميت ، وكيفية جواب العاطس ، فيما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد لله ، وليقل له أخوه ، أو صاحبه : يرحمك الله ، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم)) ، وأخرجه أيضاً أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، وفيه زيادة من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال ، وليقل له أخوه ، أو صاحبه: يرحمك الله ، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم))؛ أي : شأنكم ؛ وإلى هذا الجواب ذهب الجمهور . وذهب الكوفيون إلى أنه يقول : يغفر الله لنا ولكم ، واستدلوا بأنه أخرجه الطبراني عن ابن مسعود ، وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، وقيل: يتخير أي اللفظين ، وقيل : يجمع بينهما . وإلى وجوب التشميت لمن ذكر ذهبت الظاهرية وابن العربي ، وأنه يجب على كل سامع ، ويدل له ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة: ((إذا عطس أحدكم وحمد الله ، كان حقاً على كل مسلم يسمعه أن يقول: يرحمك الله)). وكأنه مذهب أبي داود صاحب ((السنن))؛ فإنه أخرج عنه ابن عبد البرّ بسند جيد : أنه كان في سفينة فسمع عاطساً على الشط فاكترى قارباً بدرهم ، حتّى جاء إلى العاطس فشمته ، ثم رجع ، فسئل عن ذلك فقال : لعله يكون ٠ ٤٥٤ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - حديث أبي هريرة مجاب الدعوة ! فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول لأهل السفينة : إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم . انتهى ، ويحتمل أنه إنما أراد طلب الدعوة كما قاله ، ولم یکن يراه واجباً . قال النووي : ويستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد ، أن يذكره الحمد ؛ ليحمد فيشمته ، وهو من باب النصح والأمر بالمعروف . ومن آداب العاطس على ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا عطس أحدكم، فليضع كفيه على وجهه ، وليخفض بها صوته))، وأن يزيد بعد الحمد لله كلمة : رب العالمين ؛ فإنه أخرج الطبراني من حديث ابن عباس: ((إذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله ، قالت الملائكة : رب العالمين ؛ فإذا قال أحدكم: رب العالمين ، قالت الملائكة : رحمك الله)) ، وفيه ضعف .. ويشرع أن يشمته ثلاثاً إذا كرّر العطاس ، ولا يزيد عليها ؛ لما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه ؛ فإن زاد على ثلاث فهو مزکوم ، ولا یشمت بعد ثلاث)) . قال ابن أبي جمرة: في الحديث دليل على عظم نعمة الله على العاطس ، يؤخذ ذلك مما رتب عليه من الخير ، وفيه إشارة إلى عظمة فضل الله على عبده ؛ فإنه أذهب عنه الضرر بنعمة العطاس ، ثم شرع له الحمد الذي یثاب عليه ، ثم الدعاء بالخير لمن شمته بعد الدعاء منه له بالخير ، ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه ، التي لو بقيت فيه أحدثت أدواء عسرة ، شرع له حمد الله على هذه النعمة مع بقاء أعضائه على ٤٥٥ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٣ - حديث أبي هريرة هيئتها ، والتئامها بعد هذه الزلزلة ، التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها . ومفهوم الحديث أنه لا يشمت غير المسلم ، كما عرفت ، وقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة من حديث أبي موسى قال : كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله ، فيقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، ففيه دليل أنه يقال لهم ذلك ، ولکن إذا حمدوا . الخامسة : قوله: ((وإذا مرض فعده))، ففيه دليل على وجوب عيادة المسلم للمسلم ، وجزم البخاري بوجوبها ، قيل : يحتمل أنها فرض كفاية ، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة ، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب ، قال المصنف : يعني على الأعيان ، وإذا كان حقاً للمسلم على المسلم فسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه ، وسواء فيه القريب وغيره ، وهو عام لكل مرض ، وقد استثني منه الرمد ، ولكنه قد أخرج أبو داود من حديث زيد بن أرقم قال : من وجع بعيني ، وصححه الحاكم وأخرجه البخاري في عادني رسول الله ((الأدب المفرد))، وظاهر العبارة ، ولو في أوّل المرض ، إلا أنه قد أخرج ابن ماجه من حديث أنس : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعود إلا بعد ثلاث ، وفيه راو متروك . ء ومفهومه کما عرفت دال على أنه لا يعاد الذمي ، إلا أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم عاد خادمه الذمي ، وأسلم ببركة عيادته ، وكذلك زار عمه أبا طالب في مرض موته ، وعرض عليه كلمة الإسلام . ٤٥٦ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٤ - حديث أبي هريرة السادسة قوله : ((وإذا مات فاتبعه))، دليل على وجوب تشييع جنازة المسلم ؛ معروفاً كان أو غير معروف . ١٣٥٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله عَّهُ: «انظُرُوا إلى مَنْ هُوَ أَسْفل مِنْكُمْ ، ولا تنظرُوا إلى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ؛ فَهُوَ أَجْدرُ أَلا تزدروا نعمةَ الله عليكم)) . مُتّفقٌ عَلَيْهِ . : ((انظُروا إلى من (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله خَ ال هو أَسْفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) : وقوله (فهو أجْدرُ) : بالجيم والدال المهملة فراء ؛ أحق (ألا تزدروا): تحتقروا (نعمةَ الله عليكُمْ))) : علة للأمر والنهي معاً (متفق عليه) . الحديث إرشاد للعبد إلى ما يشكر به النعمة ، والمراد بمن هو أسفل من الناظر في الدنيا ؛ فينظر إلى المبتلى بالأسقام ، وينتقل منه إلى ما فضل به عليه من العافية التي هي أصل كل إنعام ، وينظر إلى من في خلقه نقص من عمى ، أو صمم، أو بكم ، وينتقل إلى ما هو فيه من السلامة عن تلك العاهات التي تجلب الهم والغم ، وينظر إلى من ابتلي بالدنيا وجمعها ، والامتناع عما يجب عليه فيها من الحقوق ، ويعلم أنه قد فضل بالإقلال ، وأنعم عليه بقلة تبعة الأموال في الحال والمآل ، وينظر إلى من ابتلي بالفقر المدقع ، أو بالدّيْن المفظع ، ويعلم ما صار إليه من السلامة من الأمرين ، وتقرّ بما أعطاه ربه العين ، وما من مبتلى في الدنيا بخير أو شر ، إلا ويجد من هو أعظم منه بلية ، فيتسلى به ویشکر ما هو فيه مما یری غيره ابتلي به . ٤٥٧ ٠ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣۵۵ - حدیث النواس بن سمعان وينظر من هو فوقه في الدِّين ، فيعلم أنه من المفرّطين ، فبالنظر الأول يشكر ما لله عليه من النعم ، وبالنظر الثاني يستحي من مولاه ويقرع باب المتاب بأنامل الندم ، فهو بالأول مسرور بنعمة الله ، وفي الثاني منكسر النفس حياء من مولاه، وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه)). عن البرِّ ١٣٥٥ - وعن النّواس بن سَمْعانَ قالَ: سأَلَّتُ رسول الله والإثم فقال: ((البرُّ حُسْنُ الخُلُق، والإِثْمُ ما حاكَ في صَدْرك، وكرهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليهِ الناسُ)) . أخرجه مُسْلمٌ . (وعن النواس) : بفتح النون وتشديد الواو وسين مهملة (ابن سمعان) : بفتح السين المهملة وكسرها وبالعين المهملة ، ورد سمعان الكلابي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوَّجه ابنته ، وهي التي تعوّذت من النبي ، سكن النواس الشام، وهو معدود منهم، وفي ((صحيح مسلم)) نسبته إلى الأنصار، قال المازري والقاضي عياض : والمشهور أنه كلابي ، ولعله عن البر والإثم فقال: «البرُّ حُسْنُ حلیف الأنصار (قال : سألت رسول الله الخُلُق، والإثمُ ما حاك في صَدْرك، وكرهتَ أَنْ يطّلع عليه النّاسُ)). أخرجه مسلم) . قال النووي: قال العلماء: ((البر)) يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدقة ، وبمعنى اللطف والمبرة ، وحسن الصحبة والعشرة ، وبمعنى الطاعة ، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق . ٤٥٨ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٦ - حديث ابن مسعود وقال القاضي عياض: ((حسن الخلق)) مخالفة الناس بالجميل والبشر والتودد لهم ، والإشفاق عليهم واحتمالهم والحمل عنهم ، والصبر عليهم في المكاره ، وترك الكبر والاستطالة عليهم ، ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة . وحكى فيه خلافاً؛ هل هو غريزة ، أو مكتسب؟ قال : والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره . وقال الشريف في ((التعريفات)): قيل : حسن الخلق هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال المحمودة بسهولة وتيسر من غير حاجة إلى إعمال فكر وروية . انتهى . قيل: ويجمع حسن الخلق قوله تعَّةُ: ((طلاقة الوجه وكف الأذى وبَذْلُكَ المعروف وحسن الخلق)). وقوله : ((والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) ؛ أي : تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه ، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سُبحانهُ وَتعالى ومن الناس لو فعلته فلم ينشرح به الصدر، ولا حصلت الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنباً؟ ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما تردد في إباحته ، وفي معناه حديث : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) . أخرجه البخاري من حديث الحسن بن علي ، وفيه دليل على أنه تعالى قد جعل للنفس إدراكاً لما لا يحل فعله وزاجراً عن فعله . ** : «إذا ١٣٥٦ - وعن ابنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قال : قالَ رسولُ الله كُنتم ثلاثةً ، فلا یتناجى اثنان دونَ الآخر ، حتّی تختلطوا بالناس ؛ مِنْ أَجْل أَنَّ ذلك يحزنهُ». متفقٌ عليه، واللفظ لمسلم. ٤٥٩ ١٨ - كتاب الجامع ١ - باب الأدب ١٣٥٦ - حديث ابن مسعود (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح لين: ((إذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان) : المناجاة: المشاورة والمسارة (دون الآخر، حتّى تختلطوا بالناس) : وعلله بقوله (من أَجْلٍ أَن ذلك يحزنه))) : من أحزن يحزن مثل أخرج يخرج ، أو من حزن يحزن ؛ بضم الزاي (متفق عليه ، واللفظ لمسلم) . فيه النهي عن تناجي الاثنين إذا كان معهما ثالث ، إلا إذا كانوا أكثر من ثلاثة لانتفاء العلة التي نص عليها ، وهي أنه يحزنه انفراده وإيهام أنه ممن لا يؤهل للسر، أو يوهمه أن الخوض من أجله . ودلت العلة على أنهم إذا كانوا أربعة ، فلا نهي عن انفراد اثنين بالمناجاة لفقد العلة ، وظاهره عام لجميع الأحوال في سفر أو حضر؛ وإليه ذهب ابن عمر ومالك وجماهير العلماء ، وادعى بعضهم نسخه ، ولا دليل عليه . وأما الآيات في سورة المجادلة ، فهي في نهي اليهود عن التناجي، كما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى﴾ [المجادلة: ٨]؛ قال: اليهود ، وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان بين اليهود وبين النبي ﴿ موادعة ، فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلسوا يتناجون بينهم، حتّى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله ، أو بما يكره المؤمن ؛ فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي 8 عن النجوى ؛ فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى﴾ . ٤٦٠