Indexed OCR Text
Pages 381-400
١٦ - كتاب القضاء ١٣٠١ - حديث عمرو بن العاص قال الشارح وغيره : وهو المتمكن من أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية ، قال : ولكنه يعز وجوده بل كاد يعدم بالكلية ، ومع تعذره فمن شرطه أن يكون مقلداً مجتهداً فى مذهب إمامه ، ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته ، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصاً من مذهب إمامه . اهـ. قلت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان، وإن تطابق عليه الأعيان ! وقد بيّنا بطلان دعوى تعذّر الاجتهاد في رسالتنا المسماة بـ ((إرشاد النقاد إلى تیسیر الاجتهاد»، بما لا يمكن دفعه ، وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الأنظار، إلا من كفران نعمة الله عليهم؛ فإنهم - أعني: المدّعين لهذه الدعوى والمقرّرين لها - مجتهدون، يعرف أحدهم من الأدلة ما يمكنه بها الاستنباط ، مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد ، قاضي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على مكة ، ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في اليمن ، ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله عليها ، ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي الله عنهم على الكوفة . ويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه - أي : المقلد - أن يكون مجتهداً فى مذهب إمامه ، وأن يتحقق أصوله وأدلته ؛ أي : ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته ، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصاً من مذهب إمامه ؛ فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة عدمه بالكلية ، وسمّاه متعذراً! فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عوضاً عن إمامه ، وتتبع نصوص الكتاب والسنّة عوضاً عن تتبع نصوص ٣٨١ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٢ - حديث عمرو بن العاص إمامه ! والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان ؛ فهلا استبدل بألفاظ إمامه ء ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها ، ونزّل الأحكام عليها ، إذا لم يجد نصاً شرعياً عوضاً عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصاً ! تالله ، لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، من معرفة الكتاب والسنّة إلى معرفة كلام الشيوخ والأصحاب ، وتفهم مرامهم ، والتفتيش عن كلامهم. ومن المعلوم يقيناً أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقرب إلى الأفهام ، وأدنى إلى إصابة المرام ؛ فإنه أبلغ الكلام بالإجماع ، وأعذبه في الأفواه والأسماع ، وأقربه إلى الفهم والانتفاع ، ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ، ومن لا حظ له في النفع والانتفاع . والأفهام التي فهم بها الصحابة الكلام الإلهي ، والخطاب النبوي هي كأفهامنا ، وأحلامهم كأحلامنا ؛ إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتاً يسقط معه فهم العبارات الإلهية ، والأحاديث النبوية ، لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين ؛ لا اجتهاداً ولا تقليداً؛ أما الأول ، فلاستحالته ، وأما الثاني ، فلأنا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد ، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنّة على جوازه ؛ لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد ، فهذا الفهم الذي فهمنا به هذا الدليل ، نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل ، على أنه قد شهد المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه يأتي من بعده من هو أفقه ممن في عصره وأوعى لكلامه ؛ حيث قال: ((فرب مبلغ أفقه من سامع)»، وفي لفظ: ((أوعى له من سامع))، والكلام قد وفّينا حقه في الرسالة المذكورة . ٣٨٢ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٢ - حديث عمرو بن العاص ومن أحسن ما يعرفه القضاة كتاب عمر رضي الله عنه الذي كتبه إلى أبي موسى ؛ الذي رواه أحمد والدارقطني والبيهقي ! قال الشيخ أبو إسحاق : هو أجل كتاب؛ فإنه بيّن آداب القضاة ، وصفة الحكم، وكيفية الاجتهاد ، واستنباط القياس . ولفظه : أما بعد ؛ فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنّة متبعة ؛ فعليك بالعقل والفهم، وكثرة الذكر ، فافهم ، إذا أدلى إليك الرجل الحجة ، فاقضٍ إذا فهمت ، وأمضٍ ، إذا قضيت ؛ فإنه لا ينفع تكلمٌ بحق لا نفاذ له . آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك . البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، والصلح جائز بين المسلمين ، إلا صلحاً أحل حراماً ، أو حرّم حلالاً . ومن ادّعى حقاً غائباً أو بينة ، فاضرب له أمداً ينتهي إليه ؛ فإن جاء ببينة ، أعطيته حقه ، وإلا استحللت عليه القضية ؛ فإن ذلك أبلغ في العذر ، وأجلى للعمى . ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم ، فراجعت فيه عقلك ، وهديت فيه لرشدك ، أن ترجع إلى الحق ؛ فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل . الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك ما ليس في كتاب الله ، وسنّة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، ثم اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى ، وأشبهها بالحق . المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلوداً في حدّ ، أو مجرّباً عليه شهادة زور ، أو ظنيناً في ولاء أو نسب أو قرابة ؛ فإن الله تعالى تولى منكم ٣٨٣ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٢ - حديث عمرو بن العاص السرائر. وادرأ بالبينات ، والأيمان . وإياك والغضب والقلق والضجر! والتأذّي بالناس عند الخصومة ! والتنكر عند الخصومات ! ؛ فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله تعالى به الأجر، ويحسن به الذكر ، فمن خلصت نيته في الحق - ولو علی نفسه ۔، كفاه الله تعالی ما بینه وبین الناس ، ومن تخلق للناس بما لیس في قلبه ، شانه الله تعالى؛ فإن الله لا يقبل من العباد ، إلا ما كان خالصاً؛ فما ظنك بثواب من الله في عاجل رزقه ، وخزائن رحمته! والسلام . اهـ. ولأمير المؤمنين عليّ عليه السلام في عهد عهده إلى الأشتر، لما ولي مصر؛ فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في ((النهج)) ؛ لم أنقله ؛ لشهرته . وقد أخذ من كلام عمر رضي الله عنه أنه ينقض القاضي حكمه ، إذا أخطأ ، ويدل له ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة : أنه قال : قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم : ((بينما امرأتان معهما ابناهما ، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت هذه لصاحبتها : إنما ذهب بابنك ، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام ، فقضى به للكبرى ، فخرجتا إلى سليمان فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين ، أشقه بينكما نصفين ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى)) . وللعلماء قولان في المسألة : قول: إنه ينقضه إذا أخطأ ، والآخر لا ينقضه ؛ لحديث: ((وإن أخطأ ، فله أجر)). قلت : ولا يخفى أنه لا دليل فيه ؛ لأن المراد أخطأ ما عند الله ، وما هو في نفس ٣٨٤ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٣ - حديث أبي بكرة الأمر من الحق ، وهذا الخطأ لا يعلم إلا يوم القيامة ، أو بوحي من الله تعالى؛ والكلام في الخطأ الذي يظهر له في الدنيا من عدم استكمال شرائط الحكم أو نحوه . ١٣٠٣ - وعنْ أبي بكرة رضي الله عنهُ قالَ : سمعتُ رسولَ الله يَقُولُ : ((لا يحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثنَيْنٍ وَهُو غَضْبانُ)) . مُتّفق عليه . (وعنْ أبي بكرة رضي الله عنهُ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ◌َ هُ يَقُولُ: ((لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وهُو غَضْبانٌ)). مُتّفق عليه): النهي ظاهر في التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة ، وترجم النووي في ((شرح مسلم)) له بباب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ، وترجم البخاري بباب هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟ وصرح النووي بالكراهة في ذلك . وإنما حملوه على الكراهة نظراً إلى العلة المستنبطة المناسبة لذلك؛ وهي أنه لما رتب النهي على الغضب ، والغضب بنفسه لا مناسبة فيه لمنع الحكم ، وإنما ذلك لما هو مظنة لحصوله ؛ وهو تشويش الفكر ومشغلة القلب عن استيفاء ما يجب من النظر ، وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن الصواب ، ولكنه غير مطرد مع كل غضب ومع كل إنسان ؛ فإن أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه ، وإن لم يفضِ إلى هذا الحدّ فأقل أحواله الكراهة . وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب ، ولا بين أسبابه ، وخصه البغوي وإمام الحرمين بما إذا كان الغضب لغير الله ، وعلل بأن الغضب لله يؤمن معه من التعدّي ، بخلاف الغضب للنفس ، واستبعده جماعة لمخالفته لظاهر الحديث ، والمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم معه . ٣٨٥ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٤ - حديث علي ثم لا يخفى أن الظاهر في النهي التحريم ، وأن جَعْل العلة المستنبطة صارفة إلى الكراهة بعيد . وأما حكمه ته مع غضبه في قصة الزبير، فلما علم من أن عصمته مانعة عن إخراج الغضب له عن الحق ، ثم الظاهر أيضاً عدم نفوذ الحكم مع الغضب ؛ إذ النهي يقتضي الفساد ، والتفرقة بين النهي للذات والنهي للوصف كما يقوله الجمهور غير واضح ، كما قرر في غير هذا المحل . وقد ألحق بالغضب الجوع والعطش المفرطان ؛ لما أخرجه الدارقطني والبيهقي بسند تفرد به القاسم العمري - وهو ضعيف - عن أبي سعيد الخدري : أن النبي ** قال: ((لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ریان»، وکذلك الحق به کل ما يشغل القلب ويشوش الفكر؛ من غلبة النعاس أو الهم أو المرض أو نحوها . ١٣٠٤ - وعنْ علي رضي اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((إذا تقاضى إليكَ رجلان فلا تقض للأوَّل حتى تسمعَ كلام الآخر؛ فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي)) قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: فما زلْتُ قاضياً بعْدُ . رواهُ أَحْمدُ وأبو داود والترمذيُّ - وحسّنَهُ -، وقوَّاهُ ابنُ المدينيِّ، وصححهُ ابنُ حِبّانَ . (وعنْ علي رضي اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((إذا تقاضى إليكَ رجلان فلا تقض للأوَّل حتى تسمعَ كلام الآخر ؛ فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تقْضِي)) قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: فما زِلْتُ قاضياً بعْدُ . رواهُ أَحْمِدُ وأَبو داودَ والترمذيُّ - وحسّنَهُ -، وقوَّاهُ ابنُ المدينيِّ ، وصححهُ ابنُ ٣٨٦ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٥ - حديث ابن عباس حِبّانَ) : الحديث أخرجوه من طرق أحسنها رواية البزار عن عمرو بن مرّة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن عليّ رضي الله عنه . وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام ، واختلف فيه على عمرو بن مرّة ؛ فرواه شعبة عنه عن أبي البختري قال : حدثني من سمع علياً رضي الله عنه . أخرجه أبو يعلى ، وإسناده صحيح لولا هذا المبهم ، وله طرق أخر تشهد له ، ويشهد له الحديث الآتي ؛ وهو قوله : ١٣٠٥ - ولهُ شاهدٌ عندَ الحاكم منْ حديث ابنِ عبّاس رضي الله عنهما. (ولهُ شاهدٌ عندَ الحاكم منْ حديث ابنِ عبّاس رضي الله عنهما): والحديث دليل على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدّعي أولاً ، ثم يسمع جواب المجيب ، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل جواب المجيب ؛ فإن حكم قبل سماع الإجابة عمداً بطل قضاؤه ، وكان قدحاً في عدالته ، وإن كان خطأ لم يكن قادحاً ، وأعاد الحكم على وجه الصحة ، وهذا حيث أجاب الخصم . فإن سكت عن الإجابة ، أو قال: لا أقر ولا أنكر، ففي ((البحر)) عن الإمام يحيى ومالك : يحكم عليه ؛ لتصريحه بالتمرد ، وإن شاء حبسه حتى يقر أو ينكر ، وقيل : بل يلزمه الحق بسكوته ؛ إذ الإجابة تجب فوراً ، فإذا سكت كان كنكوله ، وأجيب بأن النكول الامتناع من اليمين وهذا ليس منه . وقيل : يحبس حتى يقر أو ينكر ، وأجيب بأن التمرد كاف في جواز الحكم؛ إذ الحكم شرع لفصل الشجار ودفع الضرار، وهذا حاصل ما في ((البحر)). قيل : والأولى أن يقال: ذلك حكمه حكم الغائب ، فمن أجاز الحكم على ٣٨٧ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٦ - حديث أم سلمة الغائب أجاز الحكم على الممتنع عن الإجابة ، باشتراكهما في عدم الإجابة . وفي الحكم على الغائب قولان : الأول : أنه لا يحكم على الغائب؛ لأنه لو كان الحكم عليه جائزاً لم يكن الحضور عليه واجباً ، ولهذا الحديث فإنه دل على أنه لا يحكم حتى يسمع كلام المدعى عليه ، والغائب لا يسمع له جواب؛ وهذا الذي ذهب إليه زيد بن علي وأبو حنيفة . والثاني : يحكم عليه لما تقدم من حديث هند ، وتقدم الكلام فيه مستوفى ؛ وهذا مذهب الهادوية ومالك والشافعي ؛ وحملوا حديث عليّ هذا على الحاضر، وقالوا : الغائب لا يفوت عليه حق ؛ فإنه إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها ، ولو أدى إلى نقض الحكم؛ لأنه في حكم المشروط . ١٣٠٦ - وعنْ أُمّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عَ ليه: ((إنکمْ تختصمُون إليَّ؛ فلعلّ بعضكمْ أنْ يكونَ أَلحنَ بحُجّتِهِ منْ بعض ، فأقضي له على نحو ما أَسْمع مِنْهُ؛ فَمَنْ قَطَعْت لهُ منْ حق أَخيه شيئاً، فإِنما أَقطعُ لهُ قطعةً من النّار)). مُتّفقٌ عليه . :: ((إنکمْ تختصمُون (وعنْ أَمَّ سَلَمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله إليَّ؛ فلعلَّ بعضكمْ أنْ يكونَ أَلحنَ بحُجّتهِ منْ بعض ، فأقضي له على نحو ما أَسْمع مِنْهُ؛ فَمَنْ قَطَعْت لهُ منْ حق أَخيه شيئاً): زاد في رواية: «فلا يأخذه)). رواه ابن كثير في «الإرشاد)» (فإنما أقطع له قطعة من النار». متفق عليه). ٠ ٣٨٨ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٦ - حديث أم سلمة اللحن: هو الميل عن جهة الاستقامة ، والمراد أن بعض الخصماء يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره . وقوله : ((على نحو ما أسمع))؛ أي: من الدعوى والإجابة والبيّنة أو اليمين ، وقد تكون باطلة في نفس الأمر ؛ فيقتطع من مال أخيه قطعة من نار ، باعتبار ما يؤول إليه من باب: ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ [النساء: ١٠]. والحديث دلیل علی أن حکم الحاکم لا يحل به للمحكوم له ما حكم له به على غيره ، إذا كان ما ادعاه باطلاً في نفس الأمر ، وما أقامه من الشهادة كاذباً؛ وأما الحاکم ، فيجوز له الحکم بما ظهر له والإلزام به وتخليص المحكوم عليه مما حكم به ، لو امتنع ، وينفذ حكمه ظاهراً، ولكنه لا يحل به الحرام ، إذا كان · المدعي مبطلاً وشهادته كاذبة ؛ وإلى هذا ذهب الجمهور . وخالف أبو حنيفة فقال : إنه ينفذ ظاهراً وباطناً ، وأنه لو حكم الحاكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان ، حلت له ، واستدل بآثار لا یقوم بها دلیل ، وبقياس لا يقوى على مقاومة النص . وفي الحديث دليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم يقر على الخطأ ، وقد نقل الاتفاق عن الأصوليين : أنه لا يقرّ فيما حكم فيه باجتهاده ؛ بناءَ على جواز الخطأ في الأحكام . وجمع بين اتفاقهم وما أفاده الحديث بأن مرادهم أنه لا يقر فيما حكم فيه باجتهاده بناءً على جواز الخطأ علیه فیه ، وذلك کقصة أساری بدر والإذن للمتخلفين . وأما الحكم الصادر عن الطريق التي فرضت كالحكم بالبيئة أو يمين ٣٨٩ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٧ ۔ حديث جابر المحكوم عليه ؛ فإنه إذا كان مخالفاً للباطن لا يسمى الحكم به خطأ، بل هو صحيح؛ لأنه على وفق ما وقع به التكليف من وجوب العمل بالشاهدين ، وإن كانا شاهدي زور فالتقصير منهما . أما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ، ولا عتب عليه بسببه ؛ بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد الذي وقع الحكم على وفقه ، مثل أن يحكم بأن الشفعة مثلاً للجار ، وكان الحكم في ذلك في علم الله أنها لا تثبت إلا للخليط ؛ فإنه إذا كان مخالفاً للحق الذي في علم الله فيثبت فيه الخطأ للمجتهد، على من يقول الحق مع واحد ، وهذا هو الذي تقدم أنه إذا أخطأ كان له أجر . واستدل بالحديث على أنه لا يحكم الحاكم بعلمه ؛ لأنه م﴿ كان يمكنه اطلاعه على أعيان القضايا مفصلاً، كذا قاله ابن كثير في (الإرشاد)). قلت : وفيه تأمل لأنه ◌َّهُ إِنما أخبر أنه يحكم على نحو ما يسمع ، ولم ينفِ أنه يحكم بما علم، والتعليل بقوله : ((فإنما أقطع له قطعة من النار))، دال على أن ذلك في حكمه بما يسمع ؛ فإذا حكم بما علمه فلا تجري فيه العلة . ١٣٠٧ - وعنْ جابر رضي الله عنهُ قال: سمعت رسولَ الله ◌َّهِ يقولُ: ((كَيْف تُقدّسُ أَمّةٌ لا يؤخذُ منْ شديدهم لضعيفهم؟!)). رواهُ ابنُ حبّانَ. يقولُ: «كَيْف (وعنْ جابر رضي الله عنهُ قال: سمعت رسولَ الله عَليه تُقدّسُ أُمّةٌ) : أي : تطهر (لا يُؤخذُ مِنْ شديدهمْ لضعيفهم؟!)) . رواه ابن حبان) : وأخرج حديث جابر أيضاً ابن خزيمة وابن ماجه ، وقد شهد له الحديث . ٣٩٠ ١٦ - كتاب القضاء ١٣٠٨ - ١٣١٠ - أحاديث بريدة وأبي سعيد وعائشة ١٣٠٨ - ولَهُ شاهدٌ منْ حديث بُرَيدةَ عنْدَ البزَّار. (وَلَهُ شاهدٌ منْ حديث بريدةَ عنْدَ البزار) : وفي الباب عن قابوس بن المخارق عن أبيه . رواه الطبراني وابن قانع ، وفيه : عن خولة غير منسوبة ؛ فقيل : إنها امرأة حمزة . رواه الطبراني وأبو نعيم ، وشواهد حديث هذا الباب كثيرة منها ما ذکر ومنها الحديث ؛ وهو قوله : ١٣٠٩ - وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه . (وآخر) : أي : وله شاهد (من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه): والمراد أنها لا تطهر أمة من الذنوب لا ينتصف لضعيفها من قويها ؛ فيما يلزم من الحق له ؛ فإنه يجب نصر الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي ، كما يؤيده حديث: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)). ١٣١٠ - وعَنْ عائشةَ رضي اللهُ عنْها قالتْ: سمعتُ رسول الله ◌َّهِ يقولُ: ((يدعى بالقاضي العادل يومَ القيامة، فيلقى مِنْ شدةِ الحساب ما يتمنى أنّهُ لمْ يقضِ بين اثنين في عمره)). رواهُ ابنُ حِبّان، وأخرجهُ البيهقي ولَفظهُ: ((في تَمْرةٍ» . يقولُ : (وعَنْ عائشةَ رضي اللهُ عِنْها قالتْ: سمعتُ رسول الله ◌َ﴾ (يدعى بالقاضي العادل يومَ القيامة، فيلقى مِنْ شدةِ الحساب ما يتمنى أنّهُ لمْ يقضٍ بين اثنين في عمره)). رواهُ ابنُ حِبّان، وأخرجهُ البيهقي ولَفظهُ : ((في تَمْرةٍ)») : في الحديث دليل على شدة حساب القضاة في يوم القيامة ؛ ٣٩١ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١١ - حديث أبي بكرة وذلك لما يتعاطونه من الخطر، فينبغي له أن يتحرّی الحق ، ويبلغَ فیه جهده ، ويحذر من خلطاء السوء ، من الوكلاء والأعوان ؛ فقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((ما استخلف الله من خليفة إلا له بطانتان ؛ بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله تعالى))، وأخرجه النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((ما من وال إلا له بطانتان ... )). الحديث. ويحذر الغرماء والوكلاء ، ويروي لهم حديث: ((من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع))، وفي لفظ: ((من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله)). رواهما أبو داود من حديث ابن عمر . ولما عرفته من تجنب أكابر العلماء ولاية القضاء ، كما قدمناه . وإذا كان هذا في القاضي العدل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟ ! . في ترجمة عبد الله بن وهب في ((الغربال)): أنه كتب إليه الخليفة بقضاء مصر ، فاختفى في بيته فاطلع عليه بعضهم يوماً ، فقال: يابن وهب ! ألا تخرج فتحكم بين الناس بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال: أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء ، والقضاة مع السلاطين؟ ! . ١٣١١ - وعنْ أَبي بكرة رضي اللهُ عنهُ عن النّبِي ◌َ﴿ قال: ((لن يُفْلِحَ قَوْمٌ ولوا أمرهم امرأة)). رواهُ البخاريُّ . (وعنْ أَبي بكرة رضي اللهُ عنهُ عن النّبي ◌َ﴿ قال: ((لن يُفْلِحَ قوْمٌ ولوا أمرهم امرأة)). رواهُ البخاريُ): فيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئاً من ٣٩٢ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٢ - حديث أبي مريم الأزدي الأحكام العامة بين المسلمين ، وإن كان الشارع قد أثبت لها أنها راعية في بيت زوجها ، وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الأحكام إلا الحدود ، وذهب ابن جرير إلى جواز توليتها مطلقاً . والحديث إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة ، وهم منهيون عن جلب عدم الفلاح لأنفسهم ، مأمورون باكتساب ما يكون سبباً للفلاح . ١ قال : ((من ١٣١٢ - وعنْ أَبي مريم الأزديِّ رضي الله عنه عنِ النّبي ولاه الله شيئاً من أمور المسلمین فاحتجب دون حاجتهم وفقیرهمْ ، احتجب الله دونَ حاجتهِ)). أخرجه أبو داود والترمذيُّ . (وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه): وهو صحابي اسمه عمرو بن مرة الجهني ، روى عنه ابن عمه أبو الشماخ وأبو المعطل وغيرهما (عن النبي قال: ((من ولاءُ الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وفقيرهم ، احْتجب الله دونَ حاجته)) . أخرجه أبو داود والترمذي) . ولفظه عند الترمذي : «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة ، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته)) ، وأخرجه الحاكم عن أبي مخيمرة عن أبي مريم ، وله قصة مع معاوية ؛ وذلك أنه قال لمعاوية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من ولاه الله ... الحديث))، فجعل معاوية رجلاً على حوائج المسلمين . ورواه أحمد من حديث معاذ بلفظ : ((من ولي من أمور المسلمين شيئاً فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة ، احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة)). ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٣٩٣ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٣ - حديث أبي هريرة من حديث ابن عباس بلفظ: ((أيما أمير احتجب عن الناس فأهملهم احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة)) . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في هذا الحديث : منكر . وأخرج الطبراني - برجال ثقات ، إلا شيخه ؛ فإنه قال المنذري : لم نقف فيه على جرح ولا تعديل - من حديث أبي جحيفة : أنه قال لمعاوية : سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديثاً أحببت أن أضعه عندك ؛ ﴿ يقول: ((يا أيها الناس! من ولي مخافة أن لا تلقاني؛ سمعت رسول الله عَ ل منکم عملا فحجب بابه عن ذي حاجة للمسلمین ، حجبه الله أن يلج باب الجنة ، ومن كانت همته الدنيا ، حرّم الله عليه جواري ؛ فإني بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها)). والحديث دليل على أنه يجب على من ولي أمراً من أمور عباد الله أن لا يحتجب عنهم ، وأن يسهل الحجاب ؛ ليصل إليه ذو الحاجة من فقير وغيره ، وقوله : «احتجب الله عنه)) كناية عن منعه له من فضله وعطائه ورحمته . ١٣١٣ - أبي هُريرة رضي الله عنهُ قال: لعن رسول الله عَّهِ الرَّاشي والمرتشي في الحكم . رواهُ أحمد والأربعة، وحسّنهُ الترمذي ، وصحّحه ابنُ حِبّان . وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة ، إلا النسائيَّ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله تَّ﴾ الراشي والمُرْتشي): في ((النهاية)): الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل ، والمرتشي الآخذ (في الحكم . رواه أحمد والأربعة ، وحسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان). ٣٩٤ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٣ - حديث أبي هريرة وزاد أحمد: ((والرائش))، هو الذي يمشي بينهما، وهو السفير بين الدافع والآخذ ، وإن لم يأخذ على سفارته أجراً؛ فإن أخذ فهو أبلغ . (ولهُ شاهدٌ منْ حديث عبد الله بن عمرو عنْدَ الأربعة ، إلا النسائي). إلا أنه لم يذكر فيه لفظ: ((في الحكم))، وكذا في رواية أبي داود لم يذكرها ، إنما زادها في رواية الترمذي . والرشوة حرام بالإجماع ؛ سواء كانت للقاضي ، أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما . وقد قال تعالى : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨]، وحاصل ما يأخذه القضاة من الأموال على أربعة أقسام : رشوة وهدية وأجرة ورزق . فالأول : الرشوة؛ إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق ، فهي حرام على الآخذ والمعطي ، وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه ، فهي حرام على الحاكم دون المعطي؛ لأنها لاستيفاء حقه؛ فهي كجُعْل الآبق وأجرة الوكالة على الخصومة . وقيل : تحرم لأنها توقع الحاكم في الإثم . وأما الهدية : وهي الثاني ؛ فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها ، وإن كان لا يهدى إليه إلا بعد الولاية ؛ فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده ، جازت وكرهت ، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي . ويأتي فيه ما سلف في الرشوة على باطل أو حق . ٣٩٥ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٤ - حديث عبد الله بن الزبير ٠٠٠ وأما الأجرة : وهي الثالث ؛ فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق ، حرمت بالاتفاق ؛ لأنه إنما أجري له الرزق ؛ لأجل الاشتغال بالحكم ، فلا وجه للأجرة ، وإن كان لا جراية له من بيت المال ، جاز له أخذ الأجرة على قدر عمله غير حاكم ، فإن أخذ أكثر مما يستحقه ، حرم عليه ؛ لأنه إنما يعطى الأجرة؛ لكونه عمل عملاً، لا لأجل كونه حاكماً؛ فأَخْذُه لما زاد على أجرة مثله غير حاكم ، إنما أخذها لا في مقابلة شيء ؛ بل في مقابلة كونه حاكماً ، ولا يستحق لأجل كونه حاكماً شيئاً من أموال الناس اتفاقاً ، فأجرة العمل أجرة مثله ، فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام ؛ ولذا قيل : إن تولية القضاء لمن كان غنياً أولى من تولية من كان فقيراً؛ وذلك لأنه لفقره يصير متعرّضاً لتناول ما لا يجوز له تناوله ، إذا لم يكن له رزق من بيت المال . قال المصنف : لم ندرك في زماننا هذا من يطلب القضاء ، إلا وهو مصرح بأنه لم يطلبه إلا لاحتياجه إلى ما يقوم بأوده ، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت المال ! . اهـ . ١٣١٤ - وعنْ عبد الله بن الزّبير رضي اللهُ عنهُما قال: قضى رسولُ الله : أَنَّ الخصمين يَقْعدان بين يدي الحاكم . رواه أبو داودَ ، وصحّحهُ الحاكم . (وعنْ عبد الله بن الزّبير رضي اللهُ عنهُما قال: قضى رسولُ الله ◌َ لهُ : أَنَّ الخصمين يَقْعدان بين يدي الحاكم . رواه أبو داوُدَ، وصحّحهُ الحاكم) : وأخرجه أحمد والبيهقي ؛ كلهم من رواية مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وفيه كلام ؛ قال أبو حاتم : إنه كثير الغلط . ٣٩٦ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٤ - حديث عبد الله بن الزبير والحديث دليل على شرعية قعود الخصمين بين يدي الحاكم ، ويسوّي بينهما في المجلس ما لم يكن أحدهما غير مسلم ؛ فإنه يرفع المسلم كما في قصة علي عليه السلام مع غريمه الذمي عند شريح؛ وهي ما أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) بسنده قال : وجد علي بن أبي طالب عليه السلام درعاً له عند يهودي التقطها فعرفها فقال : درعي سقطت عن جمل لي أورق ، فقال اليهودي : درعي وفي يدي ، ثم قال اليهودي : بيني وبينك قاضي المسلمين ، فأتوا شريحاً ، فلما رأى علياً قد أقبل تحرف عن موضعه ، وجلس علي فيه ثم قال علي : لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس لكني سمعت رسول الله ح الهم يقول : ((لا تساووهم في المجلس)) ، وساق الحديث . قال شريح : ما تشاء يا أمير المؤمنين؟ قال : درعي سقط عن جمل لي أورق فالتقطها هذا اليهودي . قال شريح : ما تقول يا يهودي؟ قال : درعي وفي يدي . قال شريح : صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ، ولكن لا بد لك من شاهدين ، فدعا قنبراً والحسن بن علي فشهدا أنها لدرعه . فقال شريح: أمّا شهادة مولاك فقد أجزناها ، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها ، فقال عليه السلام : ثكلتك أمك ! أما سمعت عمر بن الخطاب يقول : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))؟! قال : اللهم نعم ، قال : أفلا تجيز شهادة سيديْ شباب أهل الجنة؟! ثم قال لليهودي : خذ الدرع ، فقال اليهودي : أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ، ورضي ! صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت ٣٩٧ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٤ - حديث عبد الله بن الزبير عن جمل لك التقطتها ؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ! فوهبها له عليّ عليه السلام ، وأجازه بتسعمائة ، وقتل معه يوم صفين . اهـ. وقول شريح : والله إنها لدرعك ؛ کأنه عرفها ، ویعلم أنها درعه لكنه لا يرى الحكم بعلمه ، كما أنه لا يرى شهادة الولد لأبيه . فانظر ما أبرك العمل بالحق من الحاكم والمحكوم عليه ، وما آل إليه من الخير للمدّعى عليه . ٣٩٨ ١٦ - كتاب القضاء ١ - باب الشهادات ١٣١٥ - حدیث زید بن خالد ١ - باب الشهادات الشهادة : مصدر شهد ، جمع لإرادة الأنواع ، قال الجوهري : الشهادة خبر قاطع ، والشاهد : حامل الشهادة ومؤديها ؛ لأنه مشاهد لما غاب عن غيره ، وقيل : مأخوذة من الإعلام من قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨]؛ أي: علم . ١٣١٥ - عن زيد بن خالد الجهنيِّ رضي الله عنه أنَّ النّبيِ ◌َ ﴿ قال: ((ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أنْ يُسألها)). رواه مسلمٌ . (عن زيد بن خالد الجهنيِّ رضي الله عنه: أنَّ النّبيِلَ هُ قال: ((ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أنْ يُسألها)). رواه مسلمٌ) : دل على أن خير الشهداء من يأتي بالشهادة لمن هي له قبل أن يسأله ، إلا أنه يعارضه الحديث الثاني ، وهو حديث عمران ؛ وفيه : «ثم يكون قوم يشهدون ، ولا يستشهدون)) ، في سياق الذم لهم . ولما تعارضا اختلف العلماء في الجمع بينهما على ثلاثة أوجه : الأول : أن المراد بحديث زيد : إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بها صاحب الحق ، فيأتي إليه فيخبره بها ، أو يموت صاحبها فيخلف ورثة ، فيأتي إليهم فيخبرهم بأن عنده لهم شهادة ؛ وهذا أحسن الأجوبة ، وهو جواب يحيى ابن سعيد شيخ مالك . الثاني : أن المراد بها شهادة الحسبة ، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين ٣٩٩ ١٦ - كتاب القضاء ١٣١٦ - حديث عمران بن حصين ٢٠٠ ١ - باب الشهادات المختصة بهم محضاً ، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله تعالى ، أو ما فيه شائبة منه كالصلاة والوقف والوصية العامة ونحوها ، وحديث عمران المراد به الشهادة في حقوق الآدميين المحضة . الثالث: أن المراد بقوله: ((أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها)) ؛ المبالغة في الإجابة ؛ فيكون لقوّة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يسألها ، كما يقال في حق الجواد : إنه ليعطي قبل الطلب . وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق ، ومنهم من أجاز ذلك عملاً برواية زيد ، وتأول حديث عمران بأحد تأويلات : الأول : أنه محمول على شهادة الزور ؛ أي : يؤدون شهادة لم يسبق لهم بها علم. حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم . الثاني : أن المراد إتيانه بالشهادة بلفظ الحلف ؛ نحو: أشهد بالله ما كان إلا كذا ؛ وهذا جواب الطحاوي . الثالث : أن المراد به الشهادة على ما لا يعلم مما سيكون من الأمور المستقبلة ؛ فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل ، كما يصنع ذلك أهل الأهواء . حكاه الخطابي ، والأول أحسنها . ١٣١٦ - وعن عمران بن حصين رضيَ الله عنهما قال: قال رسولُ الله : ((إنَّ خيركُمْ قَرْني، ثم الذين يلونهمْ، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قومٌ يشهدون، ولا يستشهدون، ويخُونون ، ولا يؤتمنُونَ ، وينذرُونَ ، ولا يُوفُون ، ويظْهَرُ فيهم السِّمَنُ)) . متفقٌ عليه . ٤٠٠