Indexed OCR Text
Pages 261-280
١٣ - کتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٢٧ - حديث معاذ بن جبل
إلا أن الشافعي جعل ذلك حداً في جانب القلة ، وأمّا الزيادة ، فتجوز؛ لما
أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّهم صالح أهل نجران على
ألفي حلة ؛ النصف في محرم ، والنصف في رجب ؛ يؤدونها إلى المسلمين ،
وعارية ثلاثين درعاً ، وثلاثين فرساً ، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من
أصناف السلاح ، يغزو بها المسلمون ضامنين لها ، حتّى يردّوها عليهم ، إن كان
بالیمن کید .
قال الشافعي : وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ، ومن أهل الذمة
من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذوا من كل واحد أكثر من دينار ، وإلى هذا
ذهب عمر ؛ فإنه أخذ زائداً علی الدینار .
وذهب بعض أهل العلم : إلى أنه لا توقيف في الجزية في القلة ، ولا في
الكثرة ، وأن ذلك موكول إلى نظر الإمام ، ويجعل هذه الأحاديث محمولة على
التخيير ، والنظر في المصلحة .
وفي الحديث دليل على أنها لا تؤخذ الجزية من الأنثى ؛ لقوله : حالم .
قال في ((نهاية المجتهد)): اتفقوا على أنه لا تجب الجزية إلا بثلاثة أوصاف :
الذكورة والبلوغ والحرية ، واختلفوا في المجنون والمقعد والشيخ وأهل الصوامع
والفقير ؛ قال : وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيف شرعي ؛ قال :
وسبب اختلافهم ؛ هل يقتلون أم لا؟ اهـ.
هذا، وأمّا رواية البيهقي عن الحكم بن عتيبة: أنه ﴿ كتب إلى معاذ
باليمن: ((على كل حالم، أو حالة دينار، أو قيمته)) ، فإسنادها منقطع ، وقد
٢٦١
١٣ - کتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٢٧ - حديث معاذ بن جبل
وصله أبو شيبة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس ؛ بلفظ: ((فعلى
كل حالم دينار، أو عدله من المعافر ؛ ذكر ، أو أنثى ، حرّ ، أو عبد ؛ دينار ، أو
عوضه من الثياب)) ، لكنه قال البيهقي : أبو شيبة ضعيف .
وفي الباب عن عمرو بن حزم ، ولكنه منقطع ، وعن عروة ، وفيه انقطاع ،
وعن معمر عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ؛ وفيه: ((وحالمة))،
لكن قال أئمة الحديث : إن معمراً إذا روى عن غير الزهري ، غلط كثيراً؛ وبه
يعرف أنه لم يثبت في أخذ الجزية من الأنثی حدیث يعمل به .
وقال الشافعي : سألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعدداً
من علماء أهل اليمن ؛ وكلهم حكوا عن عدد مضوا قبلهم ، يحكون عن عدد
مضوا قبلهم كلهم ثقة: أن صلح النبي : كان لأهل الذمة باليمن على دينار
كل سنة ، ولا يثبتون أن النساء كنّ ممن يؤخذ منه الجزية .
وقال عامتهم: ولم يؤخذ من زروعهم - وقد كان لهم زروع -، ولا من مواشيهم
شيئاً علمناه ؛ قال : وسألت عدداً كبيراً من ذمة أهل اليمن ، متفرقين في بلدان
اليمن ؛ فكلهم أثبت لي - لا يختلف قولهم -: أن معاذاً أخذ منهم ديناراً عن
كل بالغ منهم، وسمّى البالغ: حالماً؛ قالوا: وكان في كتاب النبي ◌ُّ مع
معاذ : أن على كل حالم ديناراً .
واعلم أنه يفهم من حديث معاذ وحديث بريدة المتقدّم : أنه يجب قبول
الجزية ممن بذلها ، ويحرم قتله ، وهو المفهوم من قوله تعالى : ﴿حتى يعطوا
الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]؛ أنه ينقطع القتال المأمور به في صدر الآية من قوله تعالى:
٢٦٢
١٣ - كتاب الجهاد ١ - باب الجزية والهدنة ١٢٢٨ و١٢٢٩ - حديثا عائذ بن عمرو وأبي هريرة
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩]، بإعطاء الجزية،
وأمّا جوازه وعدم قبول الجزية ، فتدل الآية على النهي عن القتال عند حصول
الغاية ؛ وهو إعطاء الجزية ؛ فيحرم قتالهم بعد إعطائها .
قال: ((الإسلامُ يَعْلو،
١٢٢٨ - وعن عائذ بن عمرو الْمُزنيِّ عن النبي
ولا يُعْلى)). أخرجه الدار قطنيُّ.
(وعن عائذ بنٍ عمرو الْمُزنيِّ عن النبيِ﴿ُ قال: ((الإسلامُ يَعْلو ، ولا
يُعْلى)). أخرجه الدارقطنيُّ): فيه دليل على علو أهل الإسلام على أهل
الأديان في كل أمر ؛ لإطلاقه ، فالحق لأهل الإيمان ، إذا عارضهم غيرهم من أهل
الملل ، كما أشير إليه في إلجائهم إلى مضايق الطرق ، ولا يزال دين الحق يعلو
ويزداد علواً ، والداخلون فيه أكثر في كل عصر من الأعصار .
١٢٢٩ - وعن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ل قال: ((لا
تَبْدَؤُوا اليهودَ والنّصارى بالسّلام، وإذا لَقِيتُم أحدَهُمْ في طريق ، فاضْطُرُّوه
إِلى أَضْيَقِهِ» . رواهُ مُسلمٌ .
(وعن أبي هُرِيرَةَ رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((لا تَبْدَؤُوا
اليهودَ والنّصارى بالسّلام، وإذا لَقِيتُم أحدَهُمْ في طريقٍ ، فاضْطُرُّوه إلى
أَضْيَقِه)). رواهُ مُسلمٌ.): فيه دليل على تحريم ابتداء المسلم لليهودي والنصراني
بالسلام؛ لأن ذلك أصل النهي ، وحمله على الكراهة خلاف أصله ، وعليه
حمله الأقل ، وإلى التحريم ذهب الجمهور من السلف والخلف ، وذهب طائفة
منهم ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم بالسلام ؛ وهو وجه لبعض الشافعية ، إلا
٢٦٣
١٣ - کتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٢٩ - حديث أبي هريرة
أنه قال المازري : إنه يقال : السلام عليك؛ بالإفراد ، ولا يقال : السلام عليكم،
واحتج لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣]، وأحاديث
الأمر بإفشاء السلام .
والجواب : أن هذه العمومات مخصوصة بحدیث الباب ، وهذا ، إذا كان
الذمي منفرداً ، وأمّا إذا كان معه مسلم ، جاز الابتداء بالسلام ، ينوي به المسلم ؛
لأنه قد ثبت أنه عليه سلم على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين .
ومفهوم قوله : ((لا تبدؤوا»، أنه لا ينهى عن الجواب عليهم ، إن سلموا ،
ويدل له عموم قوله تعالى : ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردّوها﴾
[النساء: ٨٦]، وأحاديث: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم))،
وفي رواية : ((إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم ، فقولوا :
وعليك))، وفي رواية: ((قل: وعليك)) . أخرجها مسلم .
واتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب ، ولكنه يقتصر على قوله :
وعليكم ، وهو هكذا بالواو عند مسلم في روايات ؛ قال الخطابي : عامة المحدثين
يروون هذا الحرف بالواو ؛ قالوا : وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو .
وقال الخطابي : هذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف صار كلامه بعينه مردوداً
عليهم خاصة ، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه .
قال النووي : إثبات الواو وحذفها جائز إن صحت به الروايات ؛ فإن الواو ،
وإن اقتضت المشاركة ، فالموت هو علينا وعليهم ، ولا امتناع .
٢٦٤
١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة ١٢٣٠ - حديث المسور بن مخرمة ومروان
وفي الحديث دليل على إلجائهم إلى مضايق الطرق إذا اشتركوا هم والمسلمون
في الطريق ؛ فيكون الطريق واسعهُ للمسلمين ؛ فإن خلت الطريق عن المسلمين ،
فلا حرج عليهم ، وأمّا ما يفعله اليهود في هذه الأزمنة من تعمد جعل المسلم
على يسارهم ، إذا لاقاهم في الطريق ، فشيء ابتدعوه لم يرو فيه شيء ، وكأنهم
يريدون التفاؤل بأنهم من أصحاب اليمين ، فينبغي منعهم مما يتعمدونه من
ذلك ؛ لشدة محافظتهم عليه ، ومضادة المسلم .
﴿ خرجَ عامَ
١٢٣٠ - وعن المِسْور بن مَخْرمَةَ ومروان: أنَّ النبي
الحديْبية - فذكر الحديث بطولِهِ -، وفيه: ((هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبد
الله سُهِيلَ بنَ عَمْرو؛ على وضع الحرب عشرَ سنين ؛ يأمَنُ فيها النّاسُ ،
ويكُفُ بعضُهُمْ عنْ بَعْضٍ». أَخرَجْهُ أَبُو داود ، وأَصْلُهُ في البُخاريِّ .
** خرج عام الحديبية .
(وعن المسور بن مخرمة ومروان : أن النبي
فذكر الحديث): هكذا في نسخ ((بلوغ المرام))؛ بإفراد: ذكر؛ وكأن الظاهر:
فذكرا ؛ بضمير التثنية ؛ ليعود إلى المسور ومروان ، وكأنه أراد : فذكر ؛ أي :
الراوي (بطوله -، وفيه: ((هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن
عمرو؛ على وضع الحرب عشر سنين ؛ يأمن فيها الناس ، ويكُفُّ بعضهم عَنْ
بَعْض)). أخرجه أبو داود ، وأصله في البخاري.).
الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة
معلومة ؛ لمصلحة يراها الإمام ، وإن كره ذلك أصحابه ؛ فإنه ذكر في المهادنة ما
يفيده الحديث الآتي ، وهو قوله :
٢٦٥
١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٣١ - حديث أنس
١٢٣١ - وأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضِهُ منْ حديث أنس، وفيه: أَنّ مَنْ جاءَنا منْکمْ
لمْ نَرُدَّهُ عليكم ، ومن جاءَكم منّا رَدَدْتُمُوهُ علينا. فقالوا : أَتَكْتُبُ هذا يا رسولَ
الله؟! قال: (نَعَمْ، إنّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنّا إليهمْ فأَبعدَهُ اللهُ ، ومَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ
فسيجْعلُ اللهُ لَهُ فَرَجاً ومَخْرجاً» .
(وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس ، وفيه: أن من جاءَنا منكم لَمْ
نرُدَّهُ عليكم ، ومنْ جاءَكُمْ منّا رددْتموه علينا.) : أي : من جاء من المسلمين إلى
كفار مكة، لم يردوه إلى رسول الله عَ ليه، ومن جاء من أهل مكة إليه ﴿ه ، ردّه
إليهم؛ فكره المسلمون ذلك (فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟! قال: ((نعم،
إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءَنا منهم فسيجعل الله له فرجاً
کتب هذا الشرط مع ما فيه من كراهة أصحابه له ،
ومخرجاً))) : فإنه
والحديث طويل ، ساقه أئمة السير في قصة الحديبية ، واستوفاه ابن القيم في
((زاد المعاد))، وذكر فيه كثيراً من الفوائد .
وفيه أنه ﴿ رد إليهم أبا جندل بن سهيل ، وقد جاء مسلماً قبل تمام كتاب
الصلح ، وأنه بعد رده إليهم جعل الله له فرجاً ومخرجاً، ففر من المشركين ، ثم
أقام بمحل على طريقهم يقطعها عليهم ، وانضاف إليه جماعة من المسلمين ،
حتّى ضيق على أهل مكة مسالكهم؛ والقصة مبسوطة في كتب السير .
وقد ثبت أنه مح ﴿ لم يردّ النساء الخارجات إليه؛ فقيل: لأن الصلح إنما وقع
في حق الرجال دون النساء ، وأرادت قريش تعميم ذلك في الفريقين ؛ فإنها لما
خرجت أم كلثوم بنت أبي معيط مهاجرة ، طلب المشركون رجوعها ، فمنع رسول
٢٦٦
١٣ - کتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٣٢ - حديث عبد الله بن عمر
الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، وأنزل الله تعالى الآية ؛ وفيها : ﴿فلا
ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠].
والحديث دليل على جواز الصلح على رد من وصل إلينا من العدو ، كما
فعله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى أن لا يردّوا من وصل منّا إليهم .
١٢٣٢ - وعن عَبْد الله بن عمرَ رضي الله عنْهُما عن النّبيَِّ ﴿ِ قال: ((مَنْ
قَتَلَ مُعاهَداً لمْ يَرَحْ رائحةَ الجنّةِ، وإن ريحها لَيُوجَدُ منْ مسيرة أَرْبَعين عامً)) .
أَخرِجَهُ البُخاريُّ .
قال: «من قَتَلَ
(وعن عبد الله بن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن النبي :
مُعاهداً لم يرحْ): بفتح المثناة التحتية وفتح الراء ؛ أصله يراح ؛ أي : لم يجد
(رائحة الجنّة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً). أخرجه البخاري.).
وفي لفظ للبخاري: ((من قتل نفساً معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله ... ))،
الحديث ، وفي لفظ له تقييد ذلك: ((بغير جرم))، وفي لفظ له: ((بغير حق))،
وعند أبي داود والنسائي: ((بغير حلها)) ، والتقييد معلوم من قواعد الشرع.
وقوله : ((من مسيرة أربعين عاماً))، وقع عند الإسماعيلي ((سبعين عاماً))،
ووقع عند الترمذي من حديث أبي هريرة ، وعند البيهقي من رواية صفوان بن
سليم، عن ثلاثين من أبناء الصحابة بلفظ: ((سبعين خريفاً»، وعند الطبراني
من حديث أُبيّ: ((مسيرة مائة عام))، وفيه من حديث أبي بكرة : ((خمسمائة
عام))، وهو في ((الموطأ)) من حديث آخر، وفي ((مسند الفردوس)) عن جابر: ((إن
٢٦٧
١٣ - كتاب الجهاد
١ - باب الجزية والهدنة
١٢٣٢ - حديث عبد الله بن عمر
ريح الجنة ليدرك من مسيرة ألف عام)) .
وقد جمع العلماء بين هذه الروايات المختلفة ؛ قال المصنف ما حاصله : إن
ذلك الإدراك في موقف القيامة ، وإنه يتفاوت بتفاوت مراتب الأشخاص ؛ فالذي
يدركه من مسيرة خمسمائة أفضل من صاحب السبعين ... إلى آخر ذلك ، وقد
أشار إلى ذلك شيخنا في ((شرح الترمذي)» ، ورأيت نحوه في كلام ابن العربي .
وفي الحديث دليل على تحريم قتل المعاهد - وتقدم الخلاف في الاقتصاص
من قاتله -، وقال المهلب : هذا فيه دليل على أن المسلم إذا قتل المعاهد ، أو
الذمي ، لا يقتص منه ؛ قال : لأنه اقتصر فيه على ذكر الوعيد الأخروي دون
الدنيوي ؛ هذا كلامه .
٢٦٨
١٣ - کتاب الجهاد
٢ - باب السبق والرمي
١٢٣٣ - حديث ابن عمر
٢ - بابُ السَّبْق والرَّمْي
السّبْق ؛ بفتح السين المهملة وسكون الموحدة ، مصدر؛ وهو المراد هنا ، ويقال :
بتحريك الموحدة ، وهو الرهن الذي يوضع لذلك .
i
والرمي ؛ مصدر رمى ، والمراد به هنا : المناضلة بالسهام للسبق .
١٢٣٣ - عنْ ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: سابقَ النّبي ◌َ ﴿ بالخيل التي
قدْ ضُمِّرت مِنَ الحَفْياءِ ، وكان أَمَدُها ثَنِيّةَ الوداع ، وسابق بَيْنَ الخيل التي لمْ
تُضَمَّر من الثّنية إلى مسجد بني زُريق ، وكان ابنُ عُمَرَ فيمَنْ سابقَ . مُتّفقٌ
عَلَيْه، زادَ البُخاريُّ: قال سُفيانُ: من الحَفيَاءِ إلى ثَنِيّةِ الوداع خمسة أَميال،
أو ستّةٌ ، ومنْ الثّنيّة إلى مَسْجِدٍ بني زريقٍ ميلٌ .
(عن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: سابق النبي { 18 بالخيل التي قد
ضمرت): من التضمير؛ وهو كما في ((النهاية)): أن يظاهر عليها بالعلف حتّى
تسمن ، ثم لا تعلف إلا قوتها؛ لتخف، زاد في ((الصحاح)): وذلك في أربعين
يوماً ، وهذه المدة تسمى : المضمار، والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضاً مضمار،
وقيل : تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة ، حتّى تعرق فيذهب رهلها ويشتد
لحمها (من الحفياء) : بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها مثناة تحتية ممدودة
- وقد تقصر -: مكان خارج المدينة (وكان أمدها) : بالدال المهملة ؛ أي : غايتها
(ثنية الوداع) : محل قريب من المدينة ؛ سميت بذلك ؛ لأن الخارج من المدينة
يمشي معه المودعون إليها (وسابق بين الخيل التي لم تضمّر من الثنية إلى
مسجد بني زريق ، وكان ابن عمر فيمن سابق . متفق عليه ، زاد البخاري) :
٢٦٩
١٣ - كتاب الجهاد
٢ - باب السبق والرمي ١٢٣٤ و١٢٣٥ - حديثا ابن عمر وأبي هريرة
من حديث ابن عمر (قال سفيان : من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال ،
أو ستة ، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل) .
الحديث دليل على مشروعية السباق ، وأنه ليس من العبث ؛ بل من الرياضة
المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو ، والانتفاع بها في الجهاد ، وهي
دائرة بين الاستحباب والإباحة ؛ بحسب الباعث على ذلك .
قال القرطبي : لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب،
وعلى الأقدام ، وكذا الترامي بالسهام ، واستعمال الأسلحة ؛ لما في ذلك من
التدرّب على الحرب ، وفيه دليل على جواز تضمير الخيل المعدّة للجهاد ، وقيل :
إنه يستحب .
١٢٣٤ - وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ :﴿ سابقَ بَيْنَ الخيْلِ، وفضَّلَ القُرّح في الغاية.
رواهُ أَحمد وأبو داود ، وصحّحهُ ابنُ حبّانَ.
(وعنه): أي: ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا (أن النبي ◌َ﴿ه سابق بين الخيل،
وفضل القُرَّح) : جمع قارح ، والقارح : ما كملت سنه ، كالبازل في الإبل (في
الغاية . رواه أحمد وأبو داود ، وصححه ابن حبان) .
فيه - مثل الذي قبله - دليل على مشروعية السباق بين الخيل ، وأنه يجعل غاية
القرح أبعد من غاية ما دونها ؛ لقوّتها وجلادتها ، وهو المراد من قوله: وفضل القرّح .
١٢٣٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َلِ: ((لا
سبقَ ، إلا في خفٍّ، أو نَصْلٍ، أو حافر)). رواهُ أَحمدُ والثّلاثَةُ ، وصحّحه ابنُ
حبّان .
٢٧٠
١٣ - کتاب الجهاد
٢ - باب السبق والرمي
١٢٣٦ - حديث أبي هريرة
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مرثية: ((لا سبق): بفتح
السين المهملة وفتح الباء الموحدة؛ هو: ما يجعل للسابق على السبق مِنْ جُعل (إلا
في خُف ، أو نصل ، أو حافر)) . رواه أحمد والثلاثة ، وصححه ابن حبان) .
وأخرجه الحاكم من طرق ، وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد ، وأعل
الدارقطني بعضها بالوقف .
قوله: ((إلا في خف))، المراد به: الإبل ، والحافر: الخيل ، والنصل : السهم؛
أي : ذي خف ، أو ذي حافر ، أو ذي نصل ؛ على حذف المضاف ، وإقامة المضاف
إليه مقامه .
والحديث دليل على جواز السباق على جُعل ؛ فإن كان الجعل من غير
المتسابقين - كالإمام يجعله للسابق -، حل ذلك بلا خلاف ، وإن كان من أحد
المتسابقين ، لم يحل؛ لأنه من القمار.
وظاهر الحديث أنه لا يشرع السبق إلا بما ذكر من الثلاثة ، وعلى الثلاثة
قصره مالك والشافعي ، وأجازه عطاء في كل شيء ، وللفقهاء خلاف في جوازه
على عوض ، أو لا ، ومن أجازه عليه ، فله شرائط مستوفاة فى المطولات .
قال: «منْ أَدخلَ فرساً بین فرسین ، وهو لا
١٢٣٦ - وعنهُ عن النّبي
يأمنُ أنْ يُسْبق، فلا بأس بهِ ، وإن أَمِنَ فَهُوَ قمارٌ)). رواهُ أَحمَد وَأَبُو داودَ ،
وإسْنَادُهُ ضعيفٌ .
(وعنه): أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي ﴿ قال: ((مَنْ
٢٧١
١٣ - کتاب الجهاد
٢ - باب السبق والرمي
١٢٣٧ - حديث عقبة بن عامر
أَدخل فرساً بين فرسين ، وهو لا يأمن أَنْ يُسْبق) : مغير الصيغة ؛ أي: يسبقه
غيره (فلا بأس به ، وإن أمن فهُو قمار)) . رواه أحمد وأبو داود ، وإسناده
ضعيف) .
ولأئمة الحديث في صحته إلى أبي هريرة كلام كثير ، حتّى قال أبو حاتم :
أحسن أحواله أن يكون موقوفاً على سعيد بن المسيب ؛ فقد رواه يحيى بن
سعيد عن سعيد ، من قوله . انتهى؛ وهو كذلك في ((الموطأ)» عن الزهري عن
سعيد .
وقال ابن أبي خيثمة : سألت ابن معين عنه؟ فقال : هذا باطل ، وضرب
على أبي هريرة ، وقد غلّط الشافعي من رواه عن سعيد عن أبي هريرة .
وفي قوله : ((وهو لا يأمن أن يسبق))، دلالة على أن المحلل - وهو الفرس
الثالث في الرهان - يشترط عليه أن لا يكون متحقق السبق ، وإلا كان قماراً؛
وإلى هذا الشرط ذهب البعض ، وبهذا الشرط يخرج عن القمار ؛ ولعل الوجه أن
المقصود إنما هو الاختبار للخيل ! فإذا كان معلوم السبق ، فات الغرض الذي
يشرع لأجله ، وأمّا المسابقة بغير جعل ، فمباحة إجماعاً .
، وهو على المنبر
١٢٣٧ - وعن عُقّبَةَ بنِ عامر قالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله
يقرأ: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠]: ((ألا
إنَّ القوَّةَ الرَّميُ ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْي)). رواهُ مسلمٌ.
(وعن عُقْبَةَ بنِ عامر قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله عَليه، وهو على المنبر يقرأُ :
﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾: ((ألا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ،
٢٧٢
١٣ - کتاب الجهاد
٢ - باب السبق والرمي
١٢٣٧ - حديث عقبة بن عامر
أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْي)). رواهُ مسلمٌ) : أفاد الحديث تفسير
القوّة في الآية بالرمي بالسهام ؛ لأنه المعتاد في عصر النبوّة ، ويشمل الرمي
بالبنادق للمشركين والبغاة ، ويؤخذ من ذلك شرعية التدرّب فيه ؛ لأن الإعداد
إنما يكون مع الاعتياد ؛ إذْ من لم يحسن الرمي ، لا يسمى معداً للقوة .
٠
٢٧٣
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٣٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرةَ رضي اللهُ عنهُ عن النّبِيِ تَ﴿ قال: «كلُّ ذي ناب
مِنَ السباعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» . رواهُ مسلمٌ .
قال: ((كلُّ ذي ناب مِنَ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي اللهُ عنهُ عن النّبي ◌َّ
السباع فَأُكلُهُ حرامٌ» . رواهُ مسلمٌ) : دل الحدیث على تحريم ما له ناب من سباع
الحيوانات .
والناب : السنّ خلف الرباعية كما في ((القاموس)).
والسبع : هو المفترس من الحيوان كما في ((القاموس)) أيضاً؛ وفيه : الافتراس :
الاصطياد، وفي ((النهاية)) أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ؛ هو ما
يفترس الحيوان ويأكله قهراً وقسراً كالأسد والذئب والنمر ونحوها .
واختلف العلماء في المحرم منها : فذهب الهادوية والشافعي وأبو حنيفة
وأحمد وداود إلى ما أفاده الحديث ، ولكنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة ؛
فقال أبو حنيفة : كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع
والسنور . وقال الشافعي : يحرم من السباع ما يعدو على الناس کالأسد والذئب
والنمر، دون الضبع والثعلب؛ لأنهما لا يعدوان على الناس .
وذهب ابن عباس فيما حكاه عنه ابن عبد البرّ وعائشة وابن عمر - على
رواية عنه فيها ضعف - والشعبي وسعيد بن جبير إلى حل لحوم السباع ،
مستدلين بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]،
فالمحرم هو ما ذكر في الآية وما عداه حلال .
٢٧٥
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٣٩ - حديث ابن عباس
وأجيب ؛ بأن الآية مكية ، وحديث أبي هريرة بعد الهجرة ، فهو ناسخ للآية
عند من يرى نسخ القرآن بالسنّة ، وبأن الآية خاصة بثمانية الأزواج من الأنعام ؛
ردّاً على من حرم بعضها؛ كما ذكر الله تعالى قبلها من قوله : ﴿وقالوا ما في
بطون هذه الأنعام﴾ [الأنعام: ١٣٩]، إلى آخر الآيات . فقيل في الرد عليهم:
﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أي: إن الذي أحللتموه
هو المحرم ، والذي حرمتموه هو الحلال ، وأن ذلك افتراء على الله ، وقرن بها لحم
الخنزير ؛ لكونه مشاركاً لها في علة التحريم ؛ وهو كونه رجساً . فالآية وردت في
الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلٌّ لغير الله به ، ويحرمون
كثيراً مما أباحه الشرع؛ وكان الغرض من الآية بيان حالهم وأنهم يضادون الحق ؛
فكأنه قيل : ما حرام إلا ما أحللتموه ؛ مبالغة في الرد عليهم .
قلت : ويحتمل أن المراد قل : لا أجد الآن محرماً إلا ما ذكر في الآية ، ثم
حَرَّم الله من بغد كل ذي ناب من السباع . ویروی عن مالك أنه إنما يكره أكل
كل ذي ناب من السباع ، لا أنه محرم .
١٢٣٩ - وأخرجه من حديث ابن عباس بلفظ: نَهَى. وزادَ: وكلِّ ذِي
مِثْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ .
(وأخرجه) : أي : أخرج معنى حديث أبي هريرة (من حديث ابن عباس
بلفظ : نھی) : أي : عن کل ذي ناب من السباع (وزاد) : أي ابن عباس (وكل
ذي مخلب) : بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة ، وفتح اللام ، آخره موحدة (من
الطير) : وأخرج الترمذي من حديث جابر تحريم كل ذي مخلب من الطير،
٢٧٦
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٣٩ ۔ حديث ابن عباس
وأخرجه أيضاً من حديث العرباض بن سارية ، وزاد فيه : يوم خيبر .
في ((القاموس)) : المخلب : ظفر كل سبع من الماشي والطائر، أو هو لما يصيد
من الطير ، والظفر لما لا يصيد . وإلى تحريم كل ذي مخلب من الطير ذهبت
الهادوية ، ونسبه النووي إلى الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور؛ وفي
((نهاية المجتهد)) نسب إلى الجمهور القول بحل كل ذي مخلب من الطير، وقال :
وحرمها قوم . ونقل النووي أثبت ؛ لأنه المذكور في كتب الفريقين ، وأحمد ؛ فإن
في ((دليل الطالب)) على مذهب أحمد ما لفظه: ويحرم من الطير ما يصيد
بمخلبه كعقاب وباز وصقر وباشق وشاهين ، وعدَّ كثيراً من ذلك ، ومثله في
((المنهاج)) للشافعية ، ومثله للحنفية .
وقال مالك : يكره كل ذي مخلب من الطير ولا يحرم . وأما النسر فقالوا :
ليس بذي مخلب لكنه محرم لاستخبائه . قالت الشافعية : ويحرم ما ندب قتله
كحية وعقرب وغراب أبقع وحدأة وفأرة وكل سبع ضار، واستدلوا بقوله تع ظيم:
((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم)) - وتقدم في كتاب الحج -، قالوا : ولأن
هذه مستخبثات شرعاً وطبعاً .
قلت : وفي دلالة الأمر بقتلها على تحريم أكلها نظر ، ويأتي لهم أن الأمر بعدم
القتل دليل على التحريم ، وقد قال الشافعية : إن الآدمي إذا وطىء بهيمة من
بهائم الأنعام ، فقد أمر الشارع بقتلها ، قالوا : ولا يحرم أكلها ، فدل على أنه لا
ملازمة بين الأمر بالقتل والتحريم .
٢٧٧
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٠ - حديث جابر
١٢٤٠ - وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله ◌َ﴿ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ
لُحُومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ ، وأَذِنَ في لُحُومِ الخَيْلِ. متفق عليه ، وفي لفظ للبخاري :
ورخَّص .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله { * يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل . متفق عليه ، وفي لفظ للبخاري) : لرواية جابر هذه
(ورخص) : عوض أذن وقد ثبت في روايات أنه عليه وجد القدور تغلي بلحمها فأمر
بإراقتها ، وقال: ((لا تأكلوا من لحومها شيئاً»، والأحاديث في ذلك كثيرة ، وفي
رواية ((إنها رجس)) أو ((نجس))، وفي لفظ: ((إنها رجس من عمل الشيطان)).
وفي الحديث مسألتان :
الأولى: أنه دل منطوقه على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية ، إذ النهي أصله
التحريم ، وإلى تحريم أكل لحومها ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم إلا ابن عباس ، فقال: ليست بحرام . وفي رواية ابن جريج عن ابن
عباس : وأبى ذلك البحر ، وتلا قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي
محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وروي عن عائشة وعن مالك روايات أنها مكروهة أو
حرام أو مباحة .
وأما ما أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر قال : أصابتنا سنة فلم يكن في
مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر ، فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة؟ فقال: ((أطعم
أهلك من سمين حمرك ؛ فإنما حرمتها من جهة جَوَالِّ القرية)) يعني الجلالة .
٢٧٨
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٠ - حديث جابر
فقد قال الخطابي : أما حديث ابن أبجر فقد اختلف في إسناده ، قال أبو
داود : رواه شعبة عن عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل عن عبد
الرحمن بن بشر عن ناس من مزينة : أن سيد مزينة أبجر ، أو ابن أبي أبجر سأل
النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ورواه مسعر فقال : عن ابن عيينة عن أبي
معقل عن رجلين من مزينة ؛ أحدهما عن الآخر . وقد ثبت التحريم من حديث
جابر - یرید هذا -، وساقه من طريق أبي داود متصلاً ، ثم قال :
وأما قوله : ((إنما حرمتها من أجل جوالّ القرية))، فإن الجوال هي التي تأكل
العذرة ؛ وهي الجلة ، إلا أن هذا لا يثبت ، وقد ثبت أنه إنما نهي عن لحومها لأنها
رجس ، وساق سنده إلى محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال : لما افتتح
﴿ خيبر أصبنا حمراً خارجة من القرية فنحرنا وطبخنا منها ، فنادى
رسول الله عَزّ
منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عنها ،
وإنها رجس من عمل الشيطان ؛ فأُكفئت القدور . انتهى .
وبهذا يبطل القول بأنها إنما حرمت مخافة قلة الظهر ، كما أخرجه الطبراني
وابن ماجه عن ابن عباس : إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمر
الأهلية مخافة قلة الظهر .
وفي رواية البخاري عن ابن عباس في المغازي من رواية الشعبي : أنه قال
ابن عباس: لا أدري أنهى عنها رسول الله ﴿ من أجل أنها حمولة الناس؛
فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمها ألبتة يوم خيبر؟ .
فإنه يقال : قد علم بالنص أنه حرمها لأنها رجس ، وكأن ابن عباس لم يعلم
٢٧٩
١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٠ - حديث جابر
بالحديث ، فتردد في نقله النهي ، وإذ قد ثبت النهي - وأصله التحريم -، عمل
به ، وإن جهلنا علته .
وأما ما أخرجه الطبراني من حديث أم نصر المحاربية : أن رجلاً سأل النبي
عن الحمر الأهلية فقال: أليس ترعى الكلا وتأكل الشجر؟ قال: ((فأصب
من لحومها)) ، فهي رواية غير صحيحة لا تعارض بها الأحاديث الصحيحة .
المسألة الثانية : دل الحديث على حل أكل لحوم الخيل ؛ وإلى حلها ذهب
زيد بن علي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وجماهير السلف
والخلف ؛ لهذا الحديث ، ولما في معناه من الأحاديث الصحيحة . وأخرج ابن
أبي شيبة - بسنده على شرط الشيخين - عن عطاء أنه قال لابن جريج : لم يزل
سلفك يأكلونه . قال ابن جريج: قلت له : أصحاب رسول الله؟ قال : نعم.
ويأتي حديث أسماء: نحرنا على عهد رسول الله ◌َّ
فرساً فأكلناه .
وذهبت الهادوية ومالك - وهو المشهور عند الحنفية - إلى تحريم الخيل ،
واستدلوا بحديث خالد بن الوليد: نهى رسول الله عَ ليه عن لحوم الخيل والبغال
والحمير وكل ذي ناب من السباع ، وفي رواية بزيادة : يوم خيبر .
وأجيب عنه ؛ بأنه قال البيهقي فيه : هذا إسناد مضطرب مخالف لرواية الثقات ،
وقال البخاري : یروی عن أبي صالح ثور بن یزید وسليمان بن سليم ، وفيه نظر .
وضعف الحديث أحمد والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق .
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]، وتقدير الاستدلال
بالآية بوجوه :
٢٨٠