Indexed OCR Text

Pages 221-240

١٣ - كتاب الجهاد
١١٩٦ - حديث أبي أيوب
أول من يجثو للخصومة يوم القيامة . قال قيس : وفيهم أنزلت : ﴿هذان خصمان
اختصموا في ربهم﴾ [الحج: ١٩]؛ قال : هم الذين تبارزوا في بدر: حمزة ، وعلي ،
وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد
ابن عتبة .
وتفصيله ما ذكره ابن إسحاق : أنه برز عبيدة لعتبة ، وحمزة لشيبة ، وعلي
للوليد . وعند موسى بن عقبة : فقتل علي وحمزة من بارزاهما ، واختلف عبيدة
ومن بارزه بضربتين ، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها ، لما رجعوا
بالصفراء ، ومال علي وحمزة على من بارز عبيدة ، فأعاناه على قتله .
والحديث دليل على جواز المبارزة ؛ وإلى ذلك ذهب الجمهور ، وذهب الحسن
البصري إلى عدم جوازها ، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الأمير
كما في هذه الرواية .
١١٩٦ - وعن أَبي أَيُّوبَ رضي الله عنْهُ قال: إنّما أنزلت هذه الآية فينا
معشرَ الأنصار؛ يعني: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ قالهُ
رَدًا على من أَنكر على منْ حمل على صفِ الرُّومِ حتّى دخَلَ فيهمْ . رواه
الثلاثةُ ، وصحّحهُ الترمذي وابن حبان والحاكم .
(وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر
الأنصار؛ يعني: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾؛ قاله رداً على من أنكر
على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم . رواه الثلاثة ، وصححه
الترمذي) : وقال : حسن صحيح غريب (وابن حبان والحاكم) :
٢٢١

١٣ - کتاب الجهاد
١١٩٦ - حديث أبي أيوب
أخرجه المذكورون من حديث أسلم بن يزيد أبي عمران قال : كنا بالقسطنطينية
فخرج صف عظيم من الروم ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم ، حتى
حصل فيهم ، ثم رجع فيهم مقبلاً ! فصاح الناس : سبحان الله! ألقى بيده إلى
التهلكة ، فقال أبو أيوب : أيها الناس ! إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل ،
وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه ، قلنا
بيننا سراً : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أنا قمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها ؛ فأنزل
الله تعالى هذه الآية ؛ فكانت التهلكة الإقامة التي أردنا . وصح عن ابن عباس
وغيره نحو هذا في تأويل الآية .
قيل : وفيه دليل على جواز دخول الواحد في صف القتال ، ولو ظن الهلاك .
قلت : أما ظن الهلاك ، فلا دليل فيه ، إذ لا يعرف ما كان ظن من حمل هنا؛
وكأن القائل يقول : إن الغالب في واحد يحمل على صف كبير أنه يظن الهلاك .
وقال المصنف في مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو : إنه صرح
الجمهور أنه إذا كان لفرط شجاعته ، وظنه أنه يرهب العدوّ بذلك، أو يجرِّئ
المسلمين عليهم ، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ، ومتى كان
مجرّد تهور فممنوع ، لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين .
قلت : وخرج أبو داود من حديث عطاء بن السائب - قال ابن كثير : ولا
بأس به - عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه ، فعلم ما عليه فرجع ؛
رغبة فيما عندي ، وشفقة مما عندي ، حتى أهريق دمه)) .
٢٢٢

١٣ - کتاب الجهاد
١١٩٧ و١١٩٨ - حديثا ابن عمر وعبادة بن الصامت
قال ابن كثير: والأحاديث والآثار في هذا كثيرة ، تدل على جواز المبارزة لمن
عرف من نفسه بلاء في الحروب وشدة وسطوة .
١١٩٧ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنْهُما قالَ: حَرَّق رَسُولُ الله ◌ِ﴿ نخلَ
بني النّضير وَقَطّعَ . متفقٌ عليه .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حرّق رسول الله يحضّ﴿ نخل بني
النضير وقطع . متفق عليه): يدل على جواز إفساد أموال أهل الحرب بالتحريق
والقطع ؛ لمصلحة ، وفي ذلك نزلت الآية: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ [الحشر: ٥]
الآية . قال المشركون : إنك تنهى عن الفساد في الأرض ، فما بال قطع الأشجار
وتحريقها؟ ! .
قال في ((معالم التنزيل)»: اللينة : فعلة من اللون ، ويجمع على ألوان ، وقيل :
من اللين ، ومعناه : النخلة الكريمة ، وجمعها لين .
وقد ذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه
الأوزاعي وأبو ثور ، واحتجا بأن أبا بكر رضي الله عنه وصى جيوشه أن لا يفعلوا
ذلك . وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائها ؛ لأنه قد علم أنها تصير للمسلمين ،
فأراد بقاءها لهم ؛ وذلك يدور على ملاحظة المصلحة .
١١٩٨ - وَعَنْ عُبادةَ بن الصَّامت رضي الله عَنْهُ قالَ: قالَ رسول الله صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((لا تَغُلُّوا؛ فإن الغُلُولَ نارٌ وعارٌ على أَصحابه في الدنيا
والآخرة)). رواهُ أَحمدُ والنّسائيُّ، وصحّحهُ ابن حبّان .
(وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
٢٢٣

١٣- کتاب الجهاد
١١٩٨ - حديث عبادة بن الصامت
وآله وسلم: ((لا تغلوا؛ فإن الغلول): بضم الغين المعجمة وضم اللام (نارٌ وعارٌ
على أصحابه في الدنيا والآخرة)) . رواه أحمد والنسائي ، وصححه ابن حبّان).
تقدم أن الغلول : الخيانة . قال ابن قتيبة : سمِّي بذلك؛ لأن صاحبه يغله
في متاعه ؛ أي : يخفيه ، وهو من الكبائر بالإجماع كما نقله النووي ، والعار:
الفضيحة .
ففي الدنيا ؛ أنه إذا ظهر افتضح به صاحبه ، وأما في الآخرة ؛ فلعل العار ما
يفيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام فينا
رسول الله : ﴿، وذكر الغلول ، وعظم أمره فقال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة
على رقبته شاة لها ثغاء ، على رقبته فرس له حمحمة ، يقول: يا رسول الله !
أغثني؛ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً؛ قد أبلغتك ... )) . الحديث ، وذكر
فيه البعير وغيره .
فإنه دل الحديث على أنه يأتي الغال بهذه الصفة الشنيعة يوم القيامة على
رؤوس الأشهاد ؛ فلعل هذا هو العار في الآخرة للغال ، ويحتمل أنه شيء أعظم من
هذا .
ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا ذنب لا يغفر بالشفاعة؛ لقوله خرة: ((لا
أملك لك من الله شيئاً)). ويحتمل أنه أورده في محل التغليظ والتشديد ،
ويحتمل أنه يغفر له بعد تشهيره في ذلك الموقف .
والحديث الذي سقناه ورد في خطاب العاملين على الصدقات ، فدل على
أن الغلول عام لكل ما فيه حق للعباد ، وهو مشترك بين الغال وغيره .
٢٢٤

١٣ - كتاب الجهاد
١١٩٩ - حدیث عوف بن مالك
فإن قلت : هل يجب على الغال ردّ ما أخذ؟ قلت : قال ابن المنذر: إنهم
أجمعوا على أن الغال يعيد ما غل قبل القسمة ، وأما بعدها ، فقال الأوزاعي
والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي ، وكان الشافعي لا
یری ذلك وقال : إن کان ملکه فلیس علیه أن یتصدق به ، وإن کان لم يملكه لم
يتصدق به ، فليس له التصدق بمال غيره ، والواجب أن يدفعه إلى الإمام،
كالأموال الضائعة .
· قضی بالسّلب
١١٩٩ - وَعَنْ عَوْف بن مالك رضي الله عَنْهُ: أن النبي
للقاتل . رواهُ أَبو داود ، وأَصْلُهُ عند مُسْلم .
(وعن عوف بن مالك رضي الله عنه: أن النبي :{8} قضى بالسلب للقاتل.
رواه أبو داود ، وأصله عند مسلم) : ففيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من
العدو الكافر يستحقه قاتله ؛ سواء قال الإمام قبل القتال : من قتل قتيلاً فله
سلبه ، أو لا ، وسواء كان القاتل مقبلاً أو منهزماً ، وسواء كان ممن يستحق السهم
في المغنم أَوْ لا ؛ إذ قوله : قضى بالسلب للقاتل ، حكم مطلق غير مقيد بشيء
من الأشياء .
قال الشافعي: وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ثم ﴿ في مواطن كثيرة :
منها يوم بدر؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم بسلب أبي جهل لمعاذ بن
الجموح ؛ لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل ، وكذا في قتل حاطب بن أبي
بلتعة لرجل يوم أُحد، أعطاه النبي ◌َّةٍ سلبه . رواه الحاكم ، والأحاديث في هذا
الحكم كثيرة .
٢٢٥

١٣ - كتاب الجهاد
١١٩٩ - حديث عوف بن مالك
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حنين : ((من قتل قتيلاً فله سلبه))
،
بعد القتال ، لا ينافي هذا ، بل هو مقرر للحكم السابق ؛ فإن هذا كان معلوماً
ء
عند الصحابة من قبل حنين؛ ولذا قال عبد الله بن جحش : اللهم ارزقني رجلاً
شديداً ... إلى قوله : أقتله وآخذ سلبه ؛ كما قدمنا قريباً .
وأمّا قول أبي حنيفة والهادوية : إنه لا يكون السلب للقاتل إلا إذا قال الإمام
قبل القتال مثلاً: من قتل قتيلاً فله سلبه ، وإلا كان السلب من جملة الغنيمة
بين الغانمين ؛ فإنه قول لا توافقه الأدلة . وقال الطحاوي : ذلك موكول إلى رأي
الإمام ؛ فإنه ﴿ أعطى سلب أبي جهل لمعاذ بن الجموح بعد قوله له ولمشاركه
في قتله: ((كلاكما قتله))، لما أرياه سيفيهما، وأجيب عنه بأنه ◌َظ له، إنما أعطاه
معاذاً؛ لأنه الذي أثر في قتله لما رأى عمق الجناية في سيفه ، وأما قوله :
((كلاكما قتله))؛ فإنه قاله تطييباً لنفس صاحبه .
وأما تخميس السلب الذي يعطاه القاتل ، فعموم الأدلة من الأحاديث قاضية
بعدم تخمیسه ، وبه قال أحمد وابن المنذر وابن جرير وآخرون ، كأنهم يخصصون
عموم الآية ؛ فإنه أخرج حديث عوف بن مالك أبو داود وابن حبان بزيادة: ((ولم
يخمس السلب»، وكذلك أخرجه الطبراني .
واختلفوا؛ هل تلزم القاتل البينة على أنه قتل من يريد أخذ سلبه؟ فقال
الليث والشافعي وجماعة من المالكية : إنه لا يقبل قوله إلا بالبينة ؛ لورود ذلك
في بعض الروايات بلفظ : ((من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)).
وقال مالك والأوزاعي : يقبل قوله بلا بينة ؛ قالوا : لأنه صلى الله عليه وآله
٢٢٦

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٠٠ - حدیث عبد الرحمن بن عوف
وسلم قد قبل قول واحد ولم يحلفه ، بل اكتفى بقوله ، وذلك في قصة معاذ بن
الجموح وغيرها ؛ فيكون مخصصاً لحديث الدعوى والبينة .
١٢٠٠ - وعن عبد الرحمن بن عَوْفٍ رضي الله عنهُ في قصة قَتْل أَبي
جَهْل ، قال : فابتدراهُ بسیفيهما حتی قَتَلاهُ ، ثمَّ انصرفا إلى رسول الله
فأخبراهُ ، فقال: ((أَيُّكُما قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتما سَيفيْكُما؟)) قالا: لا، قال: فَنَظَرَ
فيهما فقال: ((كلاكما قَتَلَهُ))؛ فقَضى صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ بِسَلَبِه لمعاذ
ابنِ عمرو بن الجموح . متفقٌ عليه .
(وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في قصة قتل أبي جهل) :
يوم بدر (قال: فابتدراه) : تسابقا إليه (بسيفيهما) : أي : ابني عفراء (حتى
قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ◌َ ﴿ فأخبراه، فقال: «أَيُّكما قَتَلَهُ؟ هلْ
مسحتُما سيفيكما؟)) قالا: لا ، قال: فنظر فيهما): أي: في سيفيهما (فقال :
((كلاكما قتله))، فقضى صلى الله عليه وآله وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن
الجموح) : بفتح الجيم آخره حاء مهملة ؛ بزنة فعول (متفق عليه) .
استدل به على أن للإمام أن يعطي السلب لمن شاء ، وأنه مفوض إلى رأيه ؛
لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن ابني عفراء قتلا أبا جهل ، ثم جعل
سلبه لغيرهما ، وأجيب عنه أنه إنما حكم به ﴿﴿ لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛
لأنه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله ؛ لعمقها ، فأعطاه السلب ، وطيب
قلب ابني عفراء بقوله: ((كلاكما قتله)). وإلا فالجناية القاتلة له ضربة معاذ بن
عمرو، ونسبة القتل إليهما مجاز؛ أي : كلاكما أراد قتله ، وقرينة المجاز إعطاء
٢٢٧

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠١ - حديث مكحول
سلب المقتول لغيرهما ، وقد يقال : هذا محل النزاع .
نصب المنجنيق على
١٢٠١ - وعن مكحول رضي الله عنه : أن النبي
أَهْلِ الطائف. أخرجهُ أبو داود في ((المراسيل))، ورجاله ثقاتٌ ، ووصله العُقيليُّ
بإسنادٍ ضعيف عَنْ علي رضيَ اللهُ عنهُ ...
(وعن مكحول رضي الله عنه): هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله
الشامي ، كان من سبي كابل ، وكان مولى لامرأة من قيس ، وكان سندياً لا
يفصح ، وهو عالم الشام، ولم يكن أبصر منه بالفتيا في زمانه ، سمع من أنس
ابن مالك وواثلة وغيرهما ، ويروي عنه الزهري وغيره وربيعة الرأي ، وعطاء
الخراساني، مات سنة ثمان عشرة ومائة (أن النبي ◌َّةٍ نصب المنجنيق على
أهل الطائف. أخرجه أبو داود في ((المراسيل))، ورجاله ثقات ، ووصله العقيلي
بإسناد ضعيف عن عليّ رضي الله عنه) : وأخرجه الترمذي عن ثور راويه عن
مكحول ، ولم يذكر مكحولاً ؛ فكان من قسم المعضل .
وقال السهيلي : ذكر الرمي بالمنجنيق الواقدي ، کما ذكره مكحول ، وذكر أن
الذي أشار به سلمان الفارسي ، وروى ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن
سنان ، ومن حديث عبد الرحمن بن عوف : أنه صلى الله عليه وآله وسلم
حاصرهم خمساً وعشرين ليلة ، ولم يذكر أشياء من ذلك .
وفي ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر: حاصر أهل الطائف شهراً . وفي
مسلم من حديث أنس : أن المدة كانت أربعين ليلة . وفي الحديث دليل أنه
يجوز قتل الكفار ، إذا تحصنوا بالمنجنيق ، ويقاس عليه غيره من المدافع ونحوها .
٢٢٨

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٢ حديث أنس
دخل مَكّةَ وعلى رَأْسِهِ
١٢٠٢ - وعن أنس رضي الله عنهُ: أَنَّ النبي
المغْفَرُ، فلمّا نزع المغفر، جاءَهُ رجلٌ فقالَ: ابنُ خَطَلِ مُتعلِّقٌ بأَستار الكعبة ،
فقالَ: ((اقتلوهُ)). متّفقٌ عليه .
(وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي ◌َّهُ دخل مكة وعلى رأسه المغفر):
بالغين المعجمة ففاء ؛ في ((القاموس)) : المغفر ، كمنبر ، وبهاء ، وکكتابة : زرد من
الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المسلح (فلما نزع المغفر، جاءه
رجل فقال: ابن خطل): بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة (متعلق بأستار
الكعبة ، فقال: ((اقتلوه)) . متفق عليه) .
فيه دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة غير محرم يوم
الفتح ؛ لأنه دخل مقاتلاً ، ولكن يختص به ذلك ؛ فإنه محرم القتال فيها ، كما
قال ◌ٍَّ: ((وإنما أحلت لي ساعة من نهار)) . الحديث، وهو متفقٌ عليه.
وأما أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتل ابن خطل ؛ وهو أحد جماعة تسعة
أمر * بقتلهم ، ولو تعلقوا بأستار الكعبة ، فأسلم منهم ستة ، وقتل ثلاثة ؛
منهم ابن خطل .
وكان ابن خطل قد أسلم فبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصدقاً ،
وبعث معه رجلاً من الأنصار، وکان معه مولی یخدمه مسلماً ، فنزل منزلاً ، وأمر
مولاه أن يذبح له تيساً ويصنع له طعاماً ، فنام ، فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً ، فعدا
عليه فقتله ، ثم ارتدّ مشركاً ، وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فأمر بقتلهما معه ، فقتلت إحداهما ، واستؤمن للأخرى ، فأمّنها .
٢٢٩

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٠٢ - حديث أنس
قال الخطابي : قتله صلى الله عليه وآله وسلم بحق ما جناه في الإسلام؛
فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ، ولا يؤخره عن وقته . انتهى .
وقد اختلف الناس في هذا : فذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى الحدود
والقصاص بكل مكان وزمان ؛ لعموم الأدلة ، ولهذه القصة .
وذهب الجمهور من السلف والخلف وهو قول الهادوية إلى أنه لا يستوفى فيها
حد ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولقوله خلوي: ((لا
یسفك بها دم)) .
وأجابوا عما احتج به الأولون بأنه لا عموم للأدلة في الزمان والمكان ، بل
هي مطلقات مقيدة بما ذكرناه من الحديث ، وهو متأخر ؛ فإنه في يوم الفتح بعد
شرعية الحدود .
وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه ؛ فإنه كان في الساعة التي أحلت فيها
مكة لرسول الله ﴿19 ، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر ، وقد قتل
ابن خطل وقت الضحى بين زمزم والمقام .
وهذا الكلام فيمن ارتكب حداً في غير الحرم ثم التجأ إليه ، وأما إذا ارتكب
إنسان في الجرم ما يوجب الحد ، فاختلف القائلون بأنه لا يقام فيه حد ؛ فذهب
بعض الهادوية : أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه الحد وهو فيه ، وخالف ابن
عباس فقال : من سرق أو قتل في الحرم ، أقيم عليه في الحرم . رواه أحمد عن
طاوس عن ابن عباس .
٢٣٠

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٢ ۔ حديث أنس
وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضاً : من أحدث حدثاً في الحرم أقيم عليه الحد
ما أحدث فيه من شيء ، والله تعالى يقول : ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام
حتی یقاتلو کم فیه فإن قاتلو کم فاقتلوهم ﴾ [البقرة: ١٩١]. ودل کلام ابن عباس
رضي الله عنه أنه يقام فيه .
وفرّقوا بينه وبين الملتجئ إليه بأن الجاني فيه هاتك لحرمته ، والملتجئ معظم
لها ، ولأنه لم يقم الحد على من جنى فيه من أهله ؛ لعظم الفساد في الحرم،
وأدّى إلى أن من أراد الفساد قصد إلى الحرم ؛ ليسكنه ، وفعل فيه ما تتقاضاه
شهوته .
وأما الحد بغير القتل فيما دون النفس من القصاص ، ففيه خلاف أيضاً .
فذهب أحمد في رواية : أنه يستوفى ؛ لأن الأدلة إنما وردت فيمن سفك الدم ،
وإنما ينصرف إلى القتل ، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه ؛ لأن حرمة
النفس أعظم ، والانتهاك بالقتل أشد ، ولأن الحد فيما دون النفس جار مجرى
تأديب السيد عبده؛ فلم يمنع منه ، وعنه رواية بعدم الاستيفاء لشيء ؛ عملاً
بعموم الأدلة ؛ ولا يخفى أن الحکم للأخص حیث صح أن سفك الدم لا ينصرف
إلا إلى القتل .
قلت : ولا يخفى أن الدليل خاص بالقتل ، والكلام من أوله في الحدود ؛
فلا بدّ من حملها على القتل ؛ إذ حد الزنا غير الرجم ، وحد الشرب والقذف
یقام عليه .
٢٣١

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٣ و١٢٠٤ - حديثا سعيد بن جبير وعمران بن حصين
١٢٠٣ - وعنْ سعيد بن جبير رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ قَتَلَ يومَ بدْر ثَلاثة صَبْراً. أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) ، ورجالُهُ ثقاتٌ .
(وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه) : هو أبو عبد الله سعيد بن جبير؛
بضم الجيم وفتح الباء الموحدة فمثناة فراء ، الأسدي مولى بني والبة ؛ بطن من
بني أسد بن خزيمة ، كوفي ، أحد علماء التابعين ، سمع ابن مسعود وابن عباس
وابن عمر وابن الزبير وأنساً ، وأخذ عنه عمرو بن دينار وأيوب ، قتله الحجاج
سنة خمس وتسعين في شعبان منها ، ومات الحجاج في رمضان من السنة
المذكورة (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل يوم بدر ثلاثة صبراً): في
((القاموس)): صبر الإنسان وغيره على القتل ؛ أن يحبس ويرمى حتى يموت ؛ وقد
قتله صبراً، وصبّره عليه ، ورجل صبورة : مصبور للقتل . انتهى (أخرجه أبو
داود في ((المراسيل))، ورجاله ثقات) .
والثلاثة هم: طعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط .
ومن قال بدل طعيمة : المطعم بن عدي ، فقد صحف ؛ كما قاله المصنف .
وهذا دليل على جواز قتل الصبر ، إلا أنه قد روي عنه صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم - برجال ثقات، وفي بعضهم مقال -: ((لا يقتلن قرشي بعد هذا
صبراً)) ؛ قاله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قتل ابن خطل يوم الفتح .
١٢٠٤ - وعنْ عِمْرَان بن حصين رضي الله عَنْه: أَنَّ رسول الله مح ﴿ فدى
رجلين منَ المسلمين برجل من المشركين. أُخْرَجهُ الترمذي وصححه ، وأَصْلُهُ
عند مسلم .
٢٣٢

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٠٥ - حديث صخر بن العيلة
فدی رجلين
(وعنْ عِمْرَان بن حصين رضي الله عَنْه: أَنَّ رسول الله
مِنَ الْمُسلمين برجلٍ من المشْركين. أَخْرَجهُ الترمذي وصححه ، وأَصْلُهُ عند
مسلم) .
ء
فيه دليل على جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين ؛ وإلى هذا
ذهب الجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا تجوز المفاداة ، ويتعين : إما قتل الأسير أو
استرقاقه ، وزاد مالك : أو مفاداته بأسير ، وقال صاحبا أبي حنيفة : يجوز المفاداة
بغيره أو بمال أو قتل الأسير أو استرقاقه .
وقد وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قتل الأسير كما في قصة
عقبة بن أبي معيط ، وفداؤه بالمال كما في أسارى بدر ، والمنّ عليه كما منّ على
أبي غرّة يوم بدر؛ على أن لا يقاتل ، فعاد إلى القتال يوم أحد فأسره وقتله ، وقال
في حقه: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين))، والاسترقاق وقع منه ﴿﴿ الأهل
مكة ثم أعتقهم .
١٢٠٥ - وعن صخْر بن العَيْلَةِ رضي الله عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ قال: ((إنَّ القَوْمَ إذا أَسْلموا أَحرزُوا دماءَهم وأموالهمْ)). أَخرجهُ أَبو
داودَ ، ورجالهُ مُوثّقون .
(وعن صخر): بالصاد المهملة فخاء معجمة ساكنة فراء (ابن العَيْلة رضي
الله عنه) : بالعين المهملة مفتوحة وسكون المثناة التحتية - ويقال : ابن أبي
العيلة -، عداده في أهل الكوفة ، وحديثه عندهم ، روى عنه عثمان بن أبي
حازم، وهو ابن ابنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ القوم إذا
٢٣٣

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٠٥ - حديث صخر بن العيلة
أَسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم)). أخرجه أبو داود ، ورجاله موثّقون .).
وفي معناه الحديث المتفق عليه: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا
إله إلا الله ؛ فإذا قالوها أحرزوا دماءهم وأموالهم ... )) الحديث. وفي الحديث
دليل على أن من أسلم من الكفار ، حرم دمه وماله .
وللعلماء تفصيل في ذلك ؛ قالوا: من أسلم طوعاً من دون قتال ، ملك ماله ...
وأرضه ، وذلك كأرض اليمن ، وإن أسلموا بعد القتال ، فالإسلام قد عصم
دماءهم ؛ وأما أموالهم ، فالمنقول غنيمة ، وغير المنقول فيء، ثم اختلف العلماء
في هذه الأرض التي صارت فيئاً للمسلمين على أقوال : الأوّل لمالك ــ ونصره
ابن القيم -: أنها تكون وقفاً؛ يقسم خراجها في مصالح المسلمين وأرزاق المقاتلة ،
وبناء القناطر والمساجد ، وغير ذلك من سبل الخير ، إلا أن يرى الإمام - في وقت
من الأوقات - أن المصلحة في قسمتها ؛ كان له ذلك .
قال ابن القيم : وبه قال جمهور العلماء ، وكانت عليه سيرة الخلفاء الراشدين ،
ونازع في ذلك بلال وأصحابه ، وقالوا لعمر: اقسم الأرض التي فتحوها في
الشام؛ وقالوا له : خذ خمسها واقسمها ، فقال عمر: هذا غير المال ، ولكن
أحبسه فيئاً يجري عليكم وعلى المسلمين ، ثم وافق سائر الصحابة عمر رضي
الله عنه . وكذلك جری في فتوح مصر ، وأرض العراق ، وأرض فارس ، وسائر
البلاد التي فتحوها عنوة ، فلم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة ، ثم
قال: ووافقه على ذلك جمهور الأئمة ، وإن اختلفوا في كيفية بقائها بلا قسمة ؛
فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير
٢٣٤

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٦ - حديث جبير بن مطعم
مصلحة ، لا تخيير شهوة ؛ فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها ، وإن كان
الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم ، وإن كان الأصلح قسمة البعض
ووقف البعض فعله ؛ فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل
الأقسام الثلاثة ؛ فإنه قسم أرض قريظة والنضير ، وترك قسمة مكة ، وقسم
بعض خيبر ، وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين .
وذهب الهادوية إلى أن الإمام مخير فيها بين الأصلح من الأربعة الأشياء :
إما القسم بين الغانمين ، أو يتركها لأهلها على خراج ، أو يتركها على معاملة من
غلتها ، أو يَمُنّ بها عليهم ؛ قالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي صلى الله عليه وآله
وسلم .
١٢٠٦ - وعَنْ جُبير بن مُطْعِم رضي الله عَنْهُ: أَنَّ النبي ◌َ ﴿ قال في أُسارى
بَدْر: ((لوْ كان المطعمُ بن عديّ حَيّاً، ثمَّ كلمني في هؤلاءِ التّتنى ، لترَكْتُهُمْ
لهُ» . رواهُ البخاريُ.
(وعن جبير) : بالجيم والموحدة والراء مصغراً (ابن مطعم رضي الله عنه):
بزنة اسم الفاعل ؛ أي : ابن عدي ، وجبير صحابي عارف بالأنساب ، مات سنة
ثمان، أو تسع وخمسين (أن النبي ﴿ قال في أسارى بدر: ((لو كان المطعم
ابن عدي حياً): هو والد جبير (ثم كلّمني في هؤلاء النّْنى) : جمع نتن
بالنون والمثناة الفوقية (لتركتُهُمْ لهُ)). رواه البخاري).
المراد بهم أسارى بدر؛ وصفهم بالنتن لما هم عليه من الشرك ، كما وصف
الله تعالى المشركين بالنجس ، والمراد : لو طلب مني تركهم وإطلاقهم من الأسر
٢٣٥

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٧ - حديث أبي سعيد الخدري
بغير فداء ، لفعلت ذلك ؛ مكافأة له على يد كانت له عند رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم .
وذلك أنه * لما رجع من الطائف، دخل النبي :{8} في جوار المطعم بن عدي
إلى مكة ؛ فإن المطعم بن عدي أمر أولاده الأربعة ، فلبسوا السلاح وقام كل واحد
منهم عند الركن من الكعبة ، فبلغ ذلك قريشاً ، فقالوا له : أنت الرجل الذي لا
تخفر أمتك . وقيل : إن اليد التي كانت له أنه أعظم من سعى في نقض الصحيفة ،
التي كانت كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ، ومن معهم من المسلمين ، حين
حصروهم في الشعب ، وكان المطعم قد مات قبل وقعة بدر؛ كما رواه الطبراني .
وفيه دليل على أنه يجوز ترك أخذ الفداء من الأسير ، والسماحة به ؛ لشفاعة
رجل عظيم ، وأنه يكافأ المحسن وإن كان كافراً .
١٢٠٧ - وعنْ أَبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ قال: أَصَبْنا سبايا يَوْمِ
أَوْطاس لهُنَّ أَزواجٌ فَتَحرَّجوا؛ فأَنزل الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا
ما ملكت أيمانكم) الآية [النساء: ٢٤]. أخرجَهُ مُسلمٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : أصبنا سبايا يوم أوطاس
لهن أزواج فتحرجوا ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] الآية . أخرجه مسلم) : قال أبو عبيد البكري : أوطاس :
وادٍ في ديار هوازن . والحديث دليل على انفساخ نكاح المسبية ؛ فالاستثناء على
هذا متصل ؛ وإلى هذا ذهبت الهادوية والشافعي ، وظاهر الإطلاق ، سواء سبي
معها زوجها أم لا .
٢٣٦

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٨ - حديث ابن عمر
ودلت أيضاً على جواز الوطء ، ولو قبل إسلام المسبية ؛ سواء كانت كتابية أو
وثنية؛ إذ الآية عامة، ولم يعلم أنه ﴿: عرض على سبايا أوطاس الإسلام، ولا
أخبر أصحابه أنها لا توطأ مسبية حتى تسلم ، مع أنه لا يجوز تأخير البيان عن
وقت الحاجة .
ويدل لهذا ما أخرجه الترمذي من حديث العرباض بن سارية : أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم : حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن .
فجعل للتحريم غاية واحدة ، وهي وضع الحمل ، ولم يذكر الإسلام .
وما أخرجه في ((السنن)) مرفوعاً: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن
يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها)) ، ولم يذكر الإسلام ، وأخرجه أحمد .
وأخرج أحمد أيضاً: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا ينكح شيئاً
من السبايا ؛ حتى تحيض حيضة))، ولم يذكر الإسلام، ولا يعرف اشتراط
الإسلام في المسبية في حديث واحد ؛ وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره .
وذهب الشافعي وغيره من الأئمة إلى أنه لا يجوز وطء المسبية بالملك حتى
تسلم؛ إذا لم تكن كتابية . وسبايا أوطاس هن وثنيات ؛ فلا بدّ عندهم من
التأويل ؛ بأن حلهن بعد الإسلام ، ولا يتم ذلك إلا لمجرد الدعوى ؛ فقد عرفت
أنه لم يأت دليل بشرطية الإسلام .
١٢٠٨ - وعن ابنٍ عُمَرَ رضي اللهُ عَنْهما قال: بعثَ رسولُ الله ◌َّهِ سريّةً
وأَنا فيهم قِبَلَ نَجْد ، فغَنمُوا إِيلاً كثيرةً ، فكانت سُهْماتُهُم اثني عشر بعيراً ،
ونُفِّلوا بعيراً بعيراً . متفقٌ عليه .
٢٣٧

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٨ - حديث ابن عمر
سرية) : بفتح
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله عز له
السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء (وأنا فيهم قِبَل): بكسر القاف وفتح
الباء الموحدة ؛ أي : جهة (نجد ، فغنموا إبلاً كثيرة ، فكانت سهمانهم) : بضم
السين المهملة ؛ جمع سهم؛ وهو: النصيب (اثني عشر بعيراً، ونفّلوا بعيراً
بعيراً . متفق عليه) .
السرية : قطعة من الجيش، تخرج منه وتعود إليه ، وهي من مائة إلى
خمسمائة ؛ والسرية : التي تخرج بالليل ، والسارية : التي تخرج بالنهار .
والمراد من قوله : سهمانهم ؛ أي : أنصباؤهم ؛ أي : بلغ نصيب كل واحد
منهم هذا القدر؛ أعني : اثني عشر بعيراً ، والنفل : زيادة يزادها الغازي على
نصيبه من المغنم .
وقوله : نفلوا ، مبني للمجهول ، فيحتمل أنه نفلهم أميرهم ؛ وهو قتادة ، ويحتمل
أنه النبي ◌َ ليه، وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن القسم والتنفيل كان من
أمير الجيش ، وقرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ؛ لأنه قال : ولم يغيّره النبي
﴿. وأما رواية ابن عمر عند مسلم أيضاً بلفظ: ونفلنا رسولُ الله ◌َ له بعيراً بعيراً،
فقد قال النووي : نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان مقرراً لذلك.
ولكن الحديث عند أبي داود بلفظ : فأصبنا نعماً كثيرة وأعطانا أميرنا بعيراً
بعيراً لكل إنسان ، ثم قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقسم بيننا
غنيمتنا ، فأصاب كل رجل اثني عشر بعيراً بعد الخمس ؛ فدل على أن التنفيل
من الأمير، والقسمة منه صلى الله عليه وآله وسلم .
٢٣٨

١٣ - كتاب الجهاد
١٢٠٨ - حديث ابن عمر
وقد جمع بين الروايات بأن التنفيل كان من الأمير قبل الوصول إلى النبي
** ، ثم بعد الوصول قسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الجيش ، وتولى
الأمير قبض ما هو للسرية جملة ، ثم قسم ذلك على أصحابه ، فمن نسب ذلك
إلى النبي ﴿ ؛ فلكونه الذي قسم أولاً ، ومن نسب ذلك إلى الأمير ؛ فباعتبار
أنه الذي أعطى ذلك أصحابه آخراً .
وفي الحديث دليل على جواز التنفيل للجيش ، ودعوى أنه يختص ذلك
بالنبي ◌َ، لا دليل عليه، بل تنفيل الأمير - قبل الوصول إليه . - في هذه
القصة ، دليل على عدم الاختصاص .
وقول مالك : إنه يكره أن يكون التنفيل بشرط من الأمير؛ بأن يقول : من
فعل كذا فله كذا؛ قال: لأنه يكون القتال للدنيا، فلا يجوز، يرده قوله ﴿ظ ين :
((من قتل قتيلاً فله سلبه))، سواء ما قاله ﴿ قبل القتال أو بعده؛ فإنه تشريع
عام إلى يوم القيامة ، وأما لزوم كون القتال للدنيا ، فالعمدة الباعث عليه ؛ لأنه
لا يُصَيِّرُ قول الإمام: من فعل كذا فله كذا، قتاله للدنيا بعد الإعلام له أن
المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا . فمن كان قصده
إعلاء كلمة الله ، لم يضره أن يريد مع ذلك المغنم والاسترزاق ؛ كما قال
:
((وجعل رزقي تحت ظل رمحي)).
واختلف العلماء ؛ هل يكون التنفيل من أصل الغنيمة ، أو من الخمس ، أو
من خمس الخمس؟ قال الخطابي : أكثر ما روي من الأخبار يدل على أن النفل
من أصل الغنيمة .
٢٣٩

١٣ - کتاب الجهاد
١٢٠٩ - حديث ابن عمر
يوْمَ خَيْبر للفَرَس
١٢٠٩ - وعنْهُ رضي الله عنهُ قال: قَسَمَ رسولُ الله
سهمين والراجلِ سهماً. مُتّفقٌ عليه، واللفظ للبخاريِّ. ولأبي داود: أُسْهَمَ
لرجلٍ ولفرسه ثلاثةَ أَسْهُمِ؛ سهْمَيْنِ لفَرسِهِ وسهماً لهُ.
(وعنه رضي الله عنه): أي: ابن عمر (قال: قسم رسول الله عَ ﴿ يوم
خيبر للفرس سهمين ، وللراجل سهماً . متفق عليه ، واللفظ للبخاري . ولأبي
داود) : أي : عن ابن عمر (أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ؛ سهمين لفرسه
وسهماً له) .
الحديث دليل على أنه يسهم لصاحب الفرس ثلاثة سهام من الغنيمة ؛ له
سهم، ولفرسه سهمان ؛ وإليه ذهب الناصر والقاسم ومالك والشافعي ؛ لهذا
﴿ أعطى
الحديث ، ولما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة : أن النبي
للفرس سهمين ، ولكل إنسان سهماً ؛ فكان للفارس ثلاثة أسهم ، ولما أخرجه
: ضرب له أربعة أسهم ؛ سهمين لفرسه
النسائي من حديث الزبير : أن النبي
وسهماً له وسهماً لقرابته ؛ يعني : من النبي
وذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الفرس له سهم واحد ؛ لما في بعض روايات
أبي داود بلفظ: فأعطى للفارس سهمين ، وللراجل سهماً . وهو من حديث
مجمّع بن جارية ؛ ولا يقاوم حديث ((الصحيحين)).
واختلفوا إذا حضر بفرسين ؛ فقال الجمهور: لا يسهم إلا لفرس واحد ، ولا
يسهم لها إلا إذا حضر بها القتال .
٢٤٠