Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٤٩ - حديث ابن عمر
وقال الشافعي : الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب ؛ لأنه الأصل في جواهر
الأرض كلها ، قال الخطابي : ولذلك ؛ فإن الصِّكاك القديمة كان يكتب فيها
عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل ؛ فعرفت الدراهم بالدنانیر وحصرت بها ، حتّی
قال الشافعي : إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار، لم توجب القطع ،
کما قدمناه .
وقال بقول الشافعي في التقويم أبو ثور والأوزاعي وداود .
وقال أحمد بقول مالك في التقويم بالدراهم ، وهذان القولان في قدر النصاب
تفرعا عن الدليل كما عرفت ، وفي الباب أقوال - كما قدمنا - لم ينهض لها
دليل ؛ فلا حاجة إلى شغل الأوراق والأوقات بالقال والقيل .
قَطَعَ في مِجَنَّ
١١٤٩ - وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبي
قيمته ثلاثةُ دراهم . متّفقٌ عليه .
قَطَعَ فی مِجَنِّ قیمته
(وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبي
ثلاثةُ دراهم . متّفقٌ عليه) : المجن بكسر الميم وفتح الجيم : الترس ؛ مِفْعل ؛ من
الاجتنان ، وهو الاستتار والاختفاء ، وكسرت ميمه ؛ لأنه آلة في الاستتار، قال :
وكان مجني دون من كنت أتّقي ثلاثَ شخوص كاعبان ومُعْصِرُ
وقد عرفت مما مضى أن الثلاثة الدراهم ربع دينار ، ويدل له قوله : وفي رواية
لأحمد: ((ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك))، بعد أن ذكر القطع في ربع
الدینار .
قطع في ثلاثة دراهم ؛ ما ذاك إلا لأنها ربع دينار ،
ثم أخبر الراوي هنا أنه
١٤١
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٠ - حديث أبي هريرة
وإلا لنا في قوله: ((ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك»، وقوله هنا : قيمته ،
هذا هو المعتبر ؛ أعني : القيمة ، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين
بلفظ : ثمنه ثلاثة دراهم .
قال ابن دقيق العيد : المعتبر القيمة ، وما ورد في بعض الروايات من ذكر
الثمن ؛ فكأنه ؛ لتساویهما عند الناس في ذلك الوقت ، أو في عرف الراوي ، أو
باعتبار الغلبة ، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي شراه به مالكه ، لم يعتبر
إلا القيمة .
١١٥٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لعن
اللهُ السارق ؛ يسرقُ البيضة فتُقطعُ يدهُ، ويسرقُ الحبلَ فتقطع يدُهُ)). متفقٌ
عليه أيضاً .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّه: ((لعن اللهُ
السارق؛ يسرقُ البيضة فتُقطعُ يدهُ ، ويسرقُ الحبلَ فتقطع يدُهُ)). متفقٌ عليه
أيضاً) : تقدم أنه من أدلة الظاهرية ، ولكنه مؤوّل بما ذكر - قريباً - والموجب لتأويله
ما عرفته من قوله في المتفق عليه : ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار))،
وقوله فيما أخرجه أحمد: ((ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك)) ، فتعين تأويله
بما ذكرناه .
وأما تأويل الأعمش له بأنه أريد بالبيضة بيضة الحديد ، وبالحبل حبل
السفن ، فغير صحيح ؛ لأن الحديث ظاهر في التهجين على السارق ؛ لتفويته
العظيم بالحقير .
١٤٢
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥١ - حديث عائشة
قیل : فالوجه في تأویله أن قوله : (فتقطع)) خبر لا أمر ولا فعل ، وذلك لیس
بدليل ؛ لجواز أن يريد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه يقطعه من لا يراعي
النصاب ، أو بشهادة على النصاب ، ولا يصح إلا دونه ، أو نحو ذلك .
١١٥١ - وعنْ عائشة رضيَ الله عنها: أَنَّ رسولَ الله عَ لَهُ قال: ((أتشفع في
حد من حدود الله؟!))، ثم قام فخطب فقال: «أيها النّاسُ! إنما أهلكَ الذين
قبْلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضَّعيف
أقاموا عليه الحد))، الحديث. متّفقٌ عليه، واللفظُ لمسلم ، ولهُ من وجْهِ آخر
عنْ عائشة رضي الله عنها قالتْ: كانت امرأةٌ تستعير المتاع وتجحده ، فَأَمَرَ
النبي ﴾ بقطع يدها .
قال: «أتشْفع في حد من
(وعنْ عائشة رضيَ الله عنها: أَنَّ رسولَ الله
حدود الله؟!)) ، ثم قام فخطب فقال: ((أَيها النّاسُ! إنما أَهلكَ الذين قبْلكم
أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أَقاموا
عليه الحد))، الحديث. متّفقٌ عليه، واللفظُ لمسلم، ولهُ) : أي لمسلم (من وجْهِ
آخر عنْ عائشة رضي الله عنها قالتْ: كانت امرأةٌ تستعير المتاع وتجحده ، فَأَمَرَ
النبي { بقطع يدها) .
الخطاب في قوله: ((أتشفع)) لأسامة بن زيد كما يدل له ما في البخاري :
أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت ؛ قالوا : من يكلم رسول الله
ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله تَ ﴿؟! فكلّم رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ، فقال: ((أتشفع)) الحديث ، وهذا استفهام إنكار ، وكأنه قد
١٤٣
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥١ - حديث عائشة
سبق علم أسامة بأنه لا شفاعة في حدّ .
وفي الحديث مسألتان :
الأولى : النهي عن الشفاعة في الحدود ، وترجم البخاري بباب كراهية
الشفاعة في الحد ، إذا رفع إلى السلطان ، وقد دل لما قيده من أن الكراهة بعد
الرفع ما في بعض روايات هذا الحديث .
فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأسامة - لما تشفع -: ((لا تشفع في حد ؛
فإن الحدود إذا انتهت إليّ؛ فليس بمتروكة)).
وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه :
(تعافوا الحدود فيما بينكم؛ فما بلغني من حد ، فقد وجب))، وصححه الحاكم .
وأخرج أبو داود والحاكم - وصححه - من حديث ابن عمر قال : سمعت
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول : ((من حالت شفاعته دون
حد من حدود الله ، فقد ضادّ الله في أمره))، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه
أصح عن ابن عمر موقوفاً، وفي الطبراني من حديث أبي هريرة - مرفوعاً .
بلفظ : ((فقد ضادّ الله في ملكه)).
وأخرج الدارقطني من حديث الزبير - موصولاً - بلفظ: ((اشفعوا ما لم يصل
إلى الوالي ؛ فإذا وصل إلى الوالي فعفا ، فلا عفا الله عنه)).
وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال : لقي الزبير سارقاً فشفع فيه ،
فقيل : حتّى يبلغ الإمام ، فقال: إذا بلغ الإمام ، فلعن الله الشافع والمشفع ! قيل :
وهذا الموقوف هو المعتمد .
١٤٤
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥١ - حديث عائشة
وتأتي قصة الذي سرق رداء صفوان ورفعه إليه صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم ، ثم أراد أن لا يقطعه ، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم:
((هلا قبل أن تأتيني به !)) ، ويأتي من أخرجه .
وهذه الأحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الإمام ، وأنه
يجب على الإمام إقامة الحد ، وادّعى ابن عبد البرّ الإجماع على ذلك ، ومثله
في «البحر)) .
ونقل الخطابي عن مالك أنه فرّق بين من عرف بأذية الناس وغيره ، فقال :
لا يشفع في الأوّل مطلقاً ، وفي الثاني : تحسن الشفاعة قبل الرفع .
وفي حديث عن عائشة: ((أقيلوا ذوي الهيئات إلا في الحدود))، ما يدل
على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود ، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق
على ذلك .
المسألة الثانية في قوله : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ، وأخرجه النسائي
بلفظ : استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف ، فباعته وأخذت
ثمنه .
وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن : أن امرأة
جاءت فقالت : إن فلانة تستعير حلياً ، فأعارتها إياه ، فمكثت لا تراه ، فجاءت
إلى التي استعارت لها فسألتها ، فقالت: ما استعرتك شيئاً! فرجعت إلى
الأخرى فأنكرت ، فجاءت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فدعاها
١٤٥
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥١ - حديث عائشة
فسألها فقالت: والذي بعثك بالحق ، ما استعرت منها شيئاً، فقال: ((اذهبوا
إلى بيتها تجدوه تحت فراشها)) ، فأتوه وأخذوه ، فأمر بها فقطعت .
والحديث دليل على أنه يجب القطع على جحد العارية ، وهو مذهب أحمد
وإسحاق والظاهرية .
ووجه دلالة الحديث على ذلك واضحة ؛ فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم رتب القطع على جحد العارية .
وقال ابن دقيق العيد : إنه لا يثبت الحكم المرتب على الجحود ، حتّى يتبين
ترجيح رواية من روى أنها كانت جاحدة ، على رواية من روى أنها كانت
سارقة .
وذهب الجماهير : أنه لا يجب القطع في جحد العارية ؛ قالوا : لأن الآية في
السارق ، والجاجد لا يسمى سارقاً؛ ورد هذا ابن القيم ، وقال : إن الجحد داخل
في اسم السرقة .
قلت : أما دخول الجاحد تحت لفظ السارق لغة ، فلا تساعده عليه اللغة .
وأما الدليل فثبوت قطع الجاحد بهذا الحديث .
قال الجمهور: وحديث المخزومية قد ورد بلفظ : أنها سرقت ، من طريق
عائشة وجابر وعروة بن الزبير ومسعود بن الأسود ، أخرجه البخاري ومسلم
والبيهقي وغيرهم ، مصرحاً بذكر السرقة ؛ قالوا : فقد تقرر أنها سرقت ، ورواية
جخد العارية لا تدل على أن القطع كان لها ؛ بل إنما ذكر جحدها العارية ؛ لأنه
١٤٦
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٢ - حديث جابر
قد صار خلقاً لها معروفاً ، فعرفت المرأة به ، والقطع كان للسرقة
وهذا خلاصة ما أجاب به الخطابي ، ولا يخفى تكلفه ، ثم هو مبني على أن
المعبر عنه امرأة واحدة ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك ، لكن في عبارة
المصنف ما يشعر بذلك ؛ فإنه جعل الذي ذكره ثانياً رواية ، وهو يقتضي من
حيث الإشعار العادي أنهما حديث واحد، أشار إليه ابن دقيق العيد في ((شرح
العمدة))، والمصنف هنا صنع ما صنعه صاحب ((العمدة)) في سياق الحديث ،
ثم قال الجمهور : ويؤيد ما ذهبنا إليه الحديث الآتي ، وهو قوله :
١١٥٢ - وعن جابر رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ قال: «ليس على خائن،
ولا منتهب ، ولا مختلس قَطْعٌ)). رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحّحُهُ التِّرمذيُّ
وابنُ حِبّان .
قال: ((ليس على خائن ، ولا
(وعن جابر رضي الله عنه عن النبي
منتهبٍ ، ولا مختلس قَطْعٌ)). رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحّحهُ التِّرمذيُّ وابنُ
حبّان) : قالوا: وجاحد العارية خائن ، ولا يخفى أنّ هذا عام لكل خائن ، ولكنه
مخصص بجاحد العارية ، ويكون القطع فيمن جحد العارية لا غيره من الخونة .
وقد ذهب بعض العلماء إلى : أنه يخص القطع بمن استعار على لسان غيره
مخادعاً للمستعار منه ، ثم تصرف في العارية وأنكرها لما طولب بها ؛ قال : فإن
هذا لا يقطع بمجرد الخيانة ؛ بل لمشاركة السارق في أخذ المال خفية .
والحديث فيه كلام كثير لعلماء الحديث ، وقد صححه من سمعت ، وهذا
دال على أن الخائن لا قطع عليه .
١٤٧
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٢ - حديث جابر
والمراد بالخائن ، الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه ، والخائن هنا هو الذي
يأخذ المال خفية من مالكه ، مع إظهاره له النصيحة والحفظ ، والخائن أعم،
فإنها قد تكون الخيانة في غير المال ، ومنه خائنة الأعين وهي مسارقة الناظر
بطرفه ما لا يحل له نظره .
والمنتهب : المغير؛ من النهبة وهي : الغارة والسلب ، وكأنّ المراد هنا ما كان
على جهة الغلبة والقهر .
والمختلس : السالب ، من اختلسه إذا سلبه .
واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية أن تكون السرقة في حرز، فذهب
أحمد بن حنبل وإسحاق - وهو قول للناصر والخوارج -: إلى أنه لا يشترط ؛
لعدم ورود الدليل باشتراطه من السنة ، ولإطلاق الآية .
وذهب غيرهم إلى اشتراطه مستدلين بهذا الحديث ؛ إذْ مفهومه لزوم القطع
فيما أخذ بغير ما ذكر، وهو ما كان عن خفية .
وأجيب بأن هذا مفهوم ، ولا تثبت به قاعدة يقيد بها القرآن ، ويؤيد عدم
اعتباره أنه صلى الله عليه وآله وسلم قطع يد من أخذ رداء صفوان من تحت
رأسه من المسجد الحرام ، وبأنه صلى الله عليه وآله وسلم قطع يد المخزومية ؛ وإنما
كانت تجحد ما تستعيره .
وقال ابن بطال : الحرز مأخوذ من مفهوم السرقة لغة ؛ فإن صح ، فلا بدّ من
التوفيق بينه وبين ما ذكر ما لا يدل على اعتبار الحرز، فالمسألة كما ترى ،
والأصل عدم الشرط ، وأنا أستخير الله وأتوقف ، حتّى يفتح الله .
١٤٨
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٣ - حديث رافع بن خديج
١١٥٣ - وعن رافع بن خَديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ح اليه
يقولُ: ((لا قطع في ثمر، ولا كَثَر)). رواهُ المذكورونَ، وصحّحهُ أيضاً الترمذي
وابنُ حِبّان .
(وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله مح له يقول:
((لا قَطْعَ في ثمر، ولا كثر))): هو بفتح الكاف وفتح المثلثة جُمار النخل ، وهو
شحمه الذي في وسط النخلة ؛ كما في ((النهاية)) (رواه المذكورون): وهم
أحمد والأربعة (وصححه أيضاً الترمذي وابن حبان) : كما صححا ما قبله .
قال الطحاوي : الحديث تلقته الأمة بالقبول .
والثمر: المراد به ما كان معلقاً في النخل قبل أن يجذّ ويحرز، وعلى هذا
تأوله الشافعي وقال : حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من جوانبها ،
والثمر اسم جامع للرطب واليابس من الرطب والعنب وغيرهما؛ كما في ((البدر
المنير)) .
وأما الكَثر : فوقع تفسيره في رواية النسائي بالجمار ، والجمار بالجيم آخره راء
بزنة رمان، وهو شحم النخل الذي في وسط النخلة ؛ كما في ((النهاية)).
والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز القطع في سرقة الثمر والكثر، وظاهره
سواء كان على ظهر المنبت له ، أو قد جذّ ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة .
قال في ((نهاية المجتهد)): قال أبوحنيفة: لا قطع في طعام، ولا فيما أصله
مباح كالصيد والحطب والحشيش ، وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب ،
قوله صلی الله عليه وآله وسلم: «لا قطع في ثمر، ولا کثر)» .
١٤٩
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٤ - حديث أبي أمية المخزومي
وعند الجمهور: أنه يقطع في كل محرز سواء كان على أصله باقياً ، أو قد
جذّ سواء كان أصله مباحاً کالحشیش ونحوه ، أوْ لا .
قالوا : لعموم الآية والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب ، وأمّا حديث :
((لا قطع في ثمر، ولا كثر))، فقال الشافعي: إنه أخرج على ما كان عليه عادة
أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها ، فترك القطع ؛ لعدم الحرز؛ فإذا أحرزت
الحوائط ، كانت كغيرها .
١١٥٤ - وعن أبي أُميّة المخزوميِّ رضي الله عنه قالَ: أُتي رسولُ الله صلَّى
الله عليه وآله وسلَّمَ بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجدْ مَعَهُ مَتَاعٌ ، فقال لهُ
رسول الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((ما إخالك سرقت))، قال: بلى ، فأعاد
عليه ؛ مرّتين ، أو ثلاثاً، فأمر به فقطع ، وجيءَ بهِ ، فقالَ: ((استغفر الله وتُب
إليه))، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، فقال: («اللهُمَّ تُب عَلَيه))؛ ثلاثاً .
أخرجه أبو داود - واللفظ لهُ -، وأحمد والنسائي ، ورجاله ثقاتٌ .
(وعن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه) : لا يعرف له اسم ، عداده في
أهل الحجاز، وروى عنه أبو المنذر مولى أبي ذرّ هذا الحديث (قالَ: أُتي رسولُ
الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجدْ مَعَهُ مَتَاعٌ،
فقال لهُ رسول الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((ما إخالك سرقت)) ، قال :
بلى ، فأعاد عليه ؛ مرَّتين ، أو ثلاثاً، فأمر به فقطع ، وجيء بهِ ، فقالَ :
((استغفر الله وتُب إليه))، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، فقال: ((اللهُمَّ تُب
عَلَيه)) ؛ ثلاثاً. أخرجه أبو داود - واللفظ لهُ -، وأحمد والنسائي ، ورجاله
١٥٠
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٥ - حديث أبي هريرة
ثقاتٌ) : وقال الخطابي : في إسناده مقال ، والحديث إذا رواه مجهول لم يكن
حجة ، ولم يجب الحكم به . قال عبد الحق : أبو المنذر المذكور في إسناده لم يرو
عنه إلا إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة .
وفي الحديث دليل على أنه ينبغي للإمام تلقين السارق الإنكار ، وقد روي
أنه لو قال السارق: ((أسرقت؟ قل: لا)). قال الرافعي: لم يصححوا هذا
الحديث ، وقال الغزالي: قوله: ((قل: لا))، لم يصححه الأئمة .
وروى البيهقي موقوفاً على أبي الدرداء : أنه أتي بجارية سرقت فقال :
أسرقت؟ قولي : لا ، فقالت : لا ، فخلى سبيلها .
وروى عبد الرزاق عن عمر : أنه أتي برجل سرق ، فسأله : أسرقت؟ قل :
لا ، فقال : لا ، فتركه ، وساق روايات عن الصحابة دالة على التلقين .
واختلف في إقرار السارق فذهبت الهادوية وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بدّ
في ثبوت السرقة بالإقرار من إقراره مرتين ، وكأنّ هذا دليلهم ، ولا دلالة فيه ؛
لأنه خرج مخرج الاستثبات وتلقين المسقط ، ولأنه تردد الراوي ؛ هل مرتين ، أو
ثلاثاً ، وكان طريق الاحتياط لهم أن يشترطوا الإقرار ثلاثاً ، ولم يقولوا به .
وذهب الفريقان وغيرهم إلى أنه يكفي الإقرار مرة واحدة ؛ كسائر الأقارير،
ولأنها قد وردت عدة روايات لم يذكر فيها اشتراط عدم الإقرار .
١١٥٥ - وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فساقه بمعناهُ ،
وقال فيه : ((اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه)). وأخرجهُ البزار أيضاً، وقال : لا
بأس بإسناده .
١٥١
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة ١١٥٦ - حديث عبد الرحمن بن عوف
(وأخرجه): أي : حديث أبي أمية (الحاكم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه فساقه بمعناه ، وقال فيه : ((اذهبوا به فاقطعوه ، ثم احسموه)).):
بالمهملتين (وأخرجه البزار أيضاً) : أي : من حديث أبي هريرة (وقال : لا بأس
بإسناده .) .
الحديث دال على وجوب حسم ما قطع ، والحسم : الكي بالنار ؛ أي : يكوى
محل القطع ؛ لينقطع الدم ؛ لأن منافذ الدم تنسدّ ، وإذا ترك ، فربما استرسل
الدم ، فيؤدي إلى التلف .
وفي الحديث دلالة على أنه يأمر بالقطع والحسم الإمام ، وأجرة القاطع والحاسم
من بيت المال ، وقيمة الدواء الذي يحسم به منه ؛ لأن ذلك واجب على غيره .
فائدة : من السنة أن تعلق يد السارق في عنقه ؛ لما أخرجه البيهقي بسنده
من حديث فضالة بن عبيد : أنه سئل : أرأيت تعليق يد السارق في عنقه من
السنة؟ قال: نعم، رأيت النبي ◌َ له﴾ قطع سارقاً، ثم أمر بيده فعلقت في عنقه .
وأخرج بسنده أن علياً رضي الله عنه قطع سارقاً فمرَّ به ويده معلقة في
عنقه ، وأخرج عنه أيضاً أنه أقرَّ عنده سارق مرتين فقطع يده وعلقها في عنقه ،
قال الراوي : فكأني أنظر إلى يده تضرب صدره .
١١٥٦ - وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله
قال: ((لا يغْرَمِ السّارق، إذا أقيم عليه الحدُّ)). رواهُ النسائي، وبيّن أنّهُ مُنقطعٌ،
وقال أبو حاتم : هُو منكر .
(وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله عَ ◌ّةٍ قال: ((لا
١٥٢
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة ١١٥٦ - حديث عبد الرحمن بن عوف
يَغْرَمِ السّارق، إذا أقيم عليه الحدُّ). رواهُ النسائي، وبين أنّهُ مُنقطعٌ، وقال أبو
حاتم : هُو منکر) : رواه النسائي من حديث المسور بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن
ابن عوف ، والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف ، قال النسائي : هذا
مرسل ، ولیس بثابت .
وكذا أخرجه البيهقي ، وذكر له علة أخزى .
وفي الحديث دليل على أن العين المسروقة إذا تلفت في يد السارق ، لم
يغرمها بعد أن وجب عليه القطع ، سواء أتلفها قبل القطع ، أو بعده .
وإلى هذا ذهب الهادوية ، ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة ، وفي ((شرح الكنز))
على مذهبه تعليل ذلك ؛ بأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول ،
فصار القطع بدلاً من الغرم ؛ ولذلك إذا ثنى سرقة ما قطع به ، لم يقطع .
وذهب الشافعي وأحمد وآخرون ورواية عن أبي حنيفة : إلى أنه يغرم ؛ لقوله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((على اليد ما أخذت ، حتّى تؤديه)).
وحديث عبد الرحمن هذا لا تقوم به حجة مع ما قيل فيه ، ولقوله تعالى :
﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] ولقوله عليه السلام: ((لا
يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)).
ولأنه اجتمع في السرقة حقان : حق الله تعالى ، وحق للآدمي ، فاقتضى
كل حق موجبه .
ولأنه قام الإ جماع أنه إذا كان موجوداً بعينه ، أخذ منه ؛ فیکون إذا لم يوجد
في ضمانه ؛ قياساً على سائر الأموال الواجبة .
١٥٣
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٧ - حدیث عبد الله بن عمرو
وقوله : اجتماع الحقين ، مخالف للأصول ، دعوى غير صحيحة ؛ فإن الحقين
مختلفان ؛ فإن القطع بحكمة الزجر ، والتغريم ؛ لتفويت حق الآدمي كما في
الغصب ، ولا يخفى قوة هذا القول .
١١٥٧ - وعن عبْد اللهِ بنِ عَمْرو بنِ العاصِ رضيَ الله تعالى عنهُمَا عن
رَسُول اللّه ◌َ ﴿ِ: أَنّهُ سُئِل عن التمْر المعلَّق؟ فقال: ((منْ أَصاب بِفِيهِ مِنْ ذي
حاجة، غير متخذ خُبْنةً ، فلا شيءَ عليه، ومنْ خرَجَ بشيءٍ منهُ ، فعليه
الغرامةُ والعُقوبةُ ، ومِنْ خَرَجَ بشيءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يؤويه الجرينُ فبَلَغَ ثَمِنَ
المجنِّ ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ)). أخرجه أبو داودَ والنّسائي، وصحّحه الحاكم.
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله تعالى عنهُمَا عن رسول الله
! : أنه سئل عن التمر المعلق؟ فقال: ((مَنْ أُصاب بفيه مِنْ ذي حاجة ،
غير مُتّخذ خُبْنة): بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون ، وهو معطف الإزار
وطرف الثوب (فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيء منهُ ، فعليْه الغرامة والعقوبة،
ومَنْ خرج بشيءٍ مِنْهُ بعْد أن يُؤوبِه الجرينُ) : هو موضع التمر الذي يجفف فيه
(فبلغ ثمن المجنِّ ، فعليه القَطْعُ)). أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم).
قال المنذري : المراد بالتمر المعلق ، ما كان معلقاً في النخل قبل أن يُجَذ
ويجرن ، والتمر اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما .
وفي الحديث مسائل :
الأولى : أنه إذا أخذ المحتاج بفيه ؛ لسدّ فاقته ، فإنه مباحٌ له .
١٥٤
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٧ - حديث عبدالله بن عمرو
والثانية : أنه يحرم عليه الخروج بشيء منه ؛ فإن خرج بشيء منه ، فلا يخلو
أن يكون قبل أن يجذه ويؤويه الجرين ، أو بعده؛ فإن كان قبل الجذ ، فعليه
الغرامة والعقوبة ، وإن كان بعد القطع وإيواء الجرين له ، فعليه القطع مع بلوغ
المأخوذ النصاب .
لقوله ﴿: ((فبلغ ثمن المجن))، وهذا مبني على أن الجرين حرز كَمَا هو
الغالب؛ إِذْ لا قطع إلا من حرز، كما يأتي .
الثالثة : أنه أجمل في الحديث الغرامة والعقوبة ، ولكنه قد أخرج البيهقي
تفسيرها بأنها غرامة مثْليه ، وبأن العقوبة جلدات نكالاً .
وقد استدل بحديث البيهقي هذا على جواز العقوبة بالمال ؛ فإن غرامة مثليه
من العقوبة بالمال ، وقد أجازه الشافعي في القديم ، ثم رجع عنه وقال : لا
تضاعف الغرامة على أحد في شيء إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال .
وقال: هذا منسوخ، والناسخ له قضاءً رسول الله : 18 على أهل الماشية
بالليل ؛ أن ما أتلفت فهو ضامن ؛ أي : مضمون على أهلها ، قال : وإنما يضمنونه
بالقيمة ، وقد قدمنا الكلام في ذلك في حديث بهز في الزكاة .
الرابعة: أخذ منه اشتراط الحرز في وجوب القطع؛ لقوله تعَ له: ((بعد أن
يؤويه الجرين))، وقوله في الحديث الآخر: ((لا قطع في ثمر، ولا في حريسة
الجبل؛ فإذا آواه الجرين ، أو المراح، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)). أخرجه
النسائي .
١٥٥
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٨ - حديث صفوان بن أمية
قالوا : والإحراز مأخوذ من مفهوم السرقة ؛ فإن السرقة والاستراق هو المجيء
مستتراً في خفية؛ لأخذ مال غيره من حرز؛ كما في ((القاموس)) وغيره ، فالحرز
مأخوذ من مفهوم السرقة لغة ؛ ولذا لا يقال لمن خان أمانته : سارق ؛ هذا مذهب
الجمهور .
وذهبت الظاهرية وآخرون : إلى عدم اشتراطه ؛ عملاً بإطلاق الآية الكريمة ،
إلا أنه لا يخفى أنه إذا كان الحرز مأخوذاً من مفهوم السرقة ، فلا إطلاق في
الآية ، والله أعلم .
واعلم أن حريسة الجبل ؛ بالحاء المهملة مفتوحة فراء فمثناة تحتية فسين
مهملة ، والجبل بالجيم فموحدة؛ قيل : هي المحروسة ؛ أي : ليس فيما يحرس
بالجبل إذا سرق ، قطع ؛ لأنه ليس بموضع حرز .
وقيل : حريسة الجبل الشاة التي يدركها الليل ، قبل أن تصل إلى مأواها ،
والمراح الذي تأوي إليه الماشية ليلاً؛ كذا في ((جامع الأصول))، وهذا الأخير
أقرب بمراد الحديث ، والله أعلم .
قالَ لهُ - لَمَا
١١٥٨ - وعن صَفْوان بن أُميّةَ رضي الله عنه: أَنَّ النبيّ ◌َ
أَمَرَ بقطْع الذي سرق رداءَهُ فَشَفَعَ فيهِ - : «هلا كان ذلك قَبْلَ أَنْ تأتيني به!)).
أَخرجهُ أَحمدُ والأربعةُ، وصحّحهُ ابنُ الجارود والحاكمُ .
(وعن صَفْوان بن أُميّةَ رضي الله عنه: أَنَّ النبيّ :﴿ُ قالَ لهُ - لَمّا أَمَرَ
بقطْع الذي سرق رداءَهُ فَشَفَعَ فيهِ - : ((هلا كان ذلك قَبْلَ أَنْ تأتيني به !)) .
أَخرجهُ أَحمدُ والأربعةُ، وصحّحهُ ابنُ الجارود والحاكمُ) : الحديث أخرجوه
١٥٦
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٨ - حدیث صفوان بن أمية
من طرق : منها عن طاوس عن صفوان ، ورجحها ابن عبد البرّ وقال : إن سماع
طاوس من صفوان ممكن ؛ لأنه أدرك عثمان ، وقال : أدركت سبعين شيخاً من
أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وللحديث قصة : أخرج
البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال : بينما صفوان بن أمية مضطجع بالبطحاء ؛
إذْ جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه ، فأتى به النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم فأمر بقطعه ، فقال: إني أعفو وأتجاوز، فقال: ((فهلا قبل أن تأتيني به!)).
وله ألفاظ في بعضها : أنه كان في المسجد الحرام ، وفي أخرى : في مسجد
المدينة نائماً .
وفي الحديث دليل على أنها تقطع يد السارق فيما كان مالكه حافظاً له ،
وإن لم يكن مغلقاً عليه في مكان .
قال الشافعي : رداء صفوان کان محرزاً باضطجاعه علیه ؛ وإلى هذا ذهب
الشافعي والحنفية والمالكية ، وقال في ((نهاية المجتهد)): وإذا توسد النائم شيئاً،
فتوسده له حرز؛ على ما جاء في رداء صفوان .
قال في ((الكنز)) للحنفية : ومن سرق من المسجد متاعاً وربّه عنده يقطع،
وإن كان غير محرز بالحائط ؛ لأنّ المسجد ما بني لإحراز الأموال ، فلم يكن المال
محرزاً بالمكان . انتهى .
وتقدم الخلاف في الحرز؛ واختلف القائلون بشرطيته .
فقال الشافعي ومالك والإمام يحيى : إنّ لكل مال حرزاً يخصه ؛ فحرز
الماشية ليس حرز الذهب والفضة .
١٥٧
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٥٩ - حديث جابر
وقال الهادوية والحنفية : ما أحرز فيه مال فهو حرز لغيره ؛ إذ الحرز ما وضع
لمنح الداخل ألا يدخل ، والخارج ألا يخرج ، وما كان لیس كذلك ، فلیس بحرز
لا لغة ولاشرعاً ، وكذلك قالوا : المسجد والكعبة حرزان لآلاتهما وكسوتهما .
واختلفوا في القبر؛ هل هو حرز للكفن فيقطع آخذه ، أو ليس بحرز؟ فذهب
إلى أنّ النباش سارق جماعة من السلف والهادي والشافعي ومالك ، وقالوا :
يقطع ؛ لأنه أخذ المال خفية من حرز له .
وقد روي عن عليّ عليهِ السَّلام وعائشة ، وقال الثوري وأبو حنيفة : لا يقطع
النباش ؛ لأنّ القبر لیس بحرز .
وفي ((المنار)): هذه المسألة فيها صعوبة ؛ لأنّ حرمة الميت كحرمة الحي، لكن
حرمة يد السارق كذلك الأصل منعها ، ولم يدخل النباش تحت السارق لغة ،
والقياس الشرعي غير واضح، وإذا توقفنا ، امتنع القطع . انتهى .
واختلف في السارق من بيت المال ؛ فذهبت الهادوية والشافعي وأبو
حنيفة : إلى أنه لا یقطع من سرق من بيت المال ، وروي عن عمر .
وذهب مالك : إلى أنه يقطع .
واتفقوا على أنه لا يقطع من سرق من الغنيمة والخمس ، وإن لم يكن من
أهلها ، قالوا : لأنه قد يشارك فيها بالرضخ ، أو من الخمس .
١١٥٩ - وعن جابر رضي الله عنه قالَ: جيءَ بسارقٍ إلى النبي صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ فقال: ((اقتلوه))، فَقَالوا: إنما سرقَ يا رسول الله؟ قال:
((اقطعُوهُ))، فقُطع، ثم جيء به الثّانية فقال: ((اقتُلوهُ))، فذكرَ مِثلهُ ، ثم جيء
١٥٨
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٦٠ - حديث الحارث بن حاطب
به الثالثة فذكر مثله ، ثم جيء به الرابعة كذلك ، ثم جيء به الخامسة
فقالَ : ((اقتلوهُ)). أَخرجهُ أَبو داود والنسائي واستنكره .
(وعن جابر رضي الله عنه قال : جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فقال: ((اقتلوه))، فقالوا: إنما سرق يا رسول الله؟ قال: ((اقطعوه))،
فقطع ، ثم جيء به الثانية فقال: ((اقتلوه))، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة
فذكر مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة فقال: ((اقتلوه)).
أخرجه أبو داود والنسائي) : تمامه عندهما : فقال جابر : فانطلقنا به فقتلناه ،
ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة (واستنكره) : أي : النسائي ؛
فإنه قال : الحديث منكر ، ومصعب بن ثابت ليس بقوي في الحديث ، قيل :
لكن يشهد له الحديث الآتي ، وهو قوله :
١١٦٠ - وأخرج مِنْ حديث الحارثِ بنِ حاطب نحْوَهُ، وذكر الشّافعيُّ أن
القتلَ في الخامسة منسوخٌ .
(وأخرج) : أي : النسائي (من حديث الحارث بن حاطب نحوه) : وأخرج
حديث الحارث الحاكم، وأخرج في ((الحلية)) لأبي نعيم عن عبد الله بن زيد
الجهني ، قال ابن عبد البرّ: حديث القتل منكر لا أصل له (وذكر الشافعي أنّ
القتل في الخامسة منسوخ) .
.وزاد ابن عبد البر في كلام الشافعي : لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وفي
((النجم الوهاج)) : أن ناسخه حديث: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى
ثلاث)) ، تقدّم .
١٥٩
١٢ - كتاب الحدود
٣ - باب حد السرقة
١١٦٠ - حديث الحارث بن حاطب
قال ابن عبد البرّ: وهذا يدل على أن حكاية أبي مصعب عن عثمان وعمر
ابن عبد العزيز : أنه يقتل لا أصل له .
وجاء في رواية النسائي : بعد قطع قوائمه الأربع ، ثم سرق الخامسة في عهد
أبي بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: كان رسول الله ◌َ ﴿ أعلم بهذا حين قال:
((اقتلوه)) ، ثم دفعه إلى فتية من قريش فقال : اقتلوه ، فقتلوه .
قال النسائي : لا أعلم في هذا الباب حديثاً صحيحاً .
والحديث دليل على قتل السارق في الخامسة ، وأن قوائمه الأربع تقطع في
الأربع المرّات ، والواجب قطع اليمين في السرقة الأولى إجماعاً ، وقراءة ابن
مسعود مبينة لإجمال الآية ؛ فإنه قرأ : فاقطعوا أيمانهما .
وفي الثانية : الرجل اليسرى عند الأكثر ؛ لفعل الصحابة ، وعند طاوس اليد
اليسرى ؛ لقربها من اليمنى .
وفي الثالثة : يده اليسرى ، وفي الرابعة : رجله اليمنى ؛ وهذا عند الشافعي
ومالك .
وأخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم قال في السارق: ((إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا
رجله ، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله)) ، وفي إسناده
الواقدي .
وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً ، وأخرج الطبراني
والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك ، وإسناده ضعيف .
١٦٠