Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٠ - حديث عبادة بن الصامت
وذهبت الهادوية والحنفية والحنابلة وآخرون إلى أنه يعتبر في الإقرار بالزنا
أربع مرات؛ مستدلين بما يأتي من قصة ماعز ، ويأتي الجواب عنه في شرح حديثه .
وأمره صلى الله عليه وآله وسلم أنيساً برجمها بعد اعترافها ؛ دليل لمن قال
بجواز حكم الحاكم في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده ؛ وهو أحد قولي
الشافعي ، وبه قال أبو ثور ، كما نقله القاضي عياض .
وقال الجمهور: لا يصح ذلك ؛ قالوا : وقصة أنيس يطرقها احتمال الأعذار ،
وأن قوله : ((فارجمها))؛ بعد إعلامه صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أنه فوّض
الأمر إليه ، والمعنى : فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقوله حكمت .
قلت: ولا يخفى أن هذه تكلفات، واعلم أنه تم هه لم يبعث إلى المرأة ؛ لأجل
إثبات الحد عليها؛ فإنه ◌َ﴾ قد أمر باستتار من أتى بفاحشة ، وبالستر عليه
ونهى عن التجسس ، وإنما ذلك ؛ لأنها لما قذفت المرأة بالزنا ، بعث إليها
لتنكر فتطالب بحد القذف ، أو تقرّ بالزنا فيسقط عنه ، فكان منها الإقرار
فأوجبت على نفسها الحد .
ويؤيِّد هذا ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس : أن رجلاً أقر أنه زنی
بامرأة ؛ فجلده النبي تَله مائة ، ثم سأل المرأة ، فقالت : كذب ، فجلده جلد الفرية
ثمانين ، وقد سكت عليه أبو داود ، وصححه الحاكم ، واستنكره النسائي .
١١٣٠ - وعن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله
((خذوا عني ، خذوا عني ؛ فقد جعل الله لهن سبيلاً؛ البكْرُ بالبكر جلْدُ مائة
ونفيُ سنة، والثّيِّبُ بالثّيِّبِ جلدُ مائةٍ والرَّجمُ)) . رواهُ مُسْلمٌ . .
١٠١
٠
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٠ - حديث عبادة بن الصامت
(وعن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ لَةٍ: ((خذوا
عني ، خذوا عني ؛ فقد جعل الله لهن سبيلاً؛ البكْرُ بالبكر جلّدُ مائة ونفيُ
سنة، والثّيِّبُ بالثّيِّبِ جلدُ مائةٍ والرَّجمُ)). رواهُ مُسْلِمٌ): إشارة إلى قوله تعالى:
﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ [النساء: ١٥]؛ بين به أنه قد جعل الله تعالى لهن
السبيل ، بما ذكره من الحكم؛ وفي الحديث مسألتان :
الأولى : حكم البكر إذا زنى ؛ والمراد بالبكر عند الفقهاء الحر البالغ الذي لم
یجامع في نكاح صحيح .
وقوله : ((بالبكر»؛ هذا، خرج مخرج الغالب ؛ لا أنه يراد به مفهومه ؛ فإنه
يجب على البكر الجلد سواء كان مع بكر ، أو ثيب كما في قصة العسيف .
وقوله : ((نفي سنة))، فيه دليل على وجوب التغريب للزاني البكر عاماً ، وأنه
من تمام الحد ؛ وإليه ذهب الخلفاء الأربعة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق
وغيرهم ، وادعيَ فيه الإجماع .
وذهبت الهادوية والحنفية : إلى أنه لا يجب التغريب ، واستدل الحنفية بأنه
لم يذكر في آية النور؛ فالتغريب زيادة على النص ، وهو ثابت بخبر الواحد ؛ فلا
يعمل به ؛ لأنه يكون ناسخاً .
وجوابه : أن الحديث مشهور ؛ لكثرة طرقه ، وكثرة من عمل به من الصحابة ،
وقد عملت الحنفية بمثله ؛ بل بدونه ، كنقض الوضوء من القهقهة ، وجواز الوضوء
بالنبيذ ، وغير ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن ، وهذا منه .
وقال ابن المنذر: أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف أنه
١٠٢٠
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٠ - حديث عبادة بن الصامت
يقضي بكتاب الله، ثم قال: ((إن عليه جلد مائة وتغريب عام))، وهو المبين
لكتاب الله ، وخطب بذلك عمر على رؤوس المنابر .
وكأن الطحاوي لما رأى ضعف جواب الحنفية هذا، أجاب عنهم بأن حديث
التغريب منسوخ بحديث: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها))، ثم قال في
الثالثة: ((فليبعها))؛ والبيع يفوت التغريب . قال : وإذا سقط عن الأمة سقط عن
الحرة ؛ لأنها في معناها . قال: ويتأكد بحديث: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي
محرم)). قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال . انتهى .
وفيه ضعف ؛ لأنه مبني على أن العام إذا خص لم يبق دليلاً؛ وهو ضعيف ؛
كما عرف في الأصول ، ثم نقول : الأمَةُ خصصت من حكم التغريب ، وكان
الحديث عاماً في حكمه للذكر والأنثى والأمة والعبد ، فخصت منه الأمة وبقي
ما عداها داخلاً تحت الحكم .
واستدل الهادوية بما ذكره المهدي في ((البحر)) من قوله: قلت: التغريب
عقوبة لا حدّ؛ لقول علي : جلد مائة وحبس سنة ، ولنفي عمر في الخمر ، ولم
ينكر، ثم قال : لا أنفي بعدها أحداً؛ والحدود لا تسقط . انتهى .
ولا يخفى ضعف ما قاله . أما كلام علي عليه السلام ، فإنه مؤيد لما قاله
الجماهير؛ فإنه جعل الحبس عوضاً عن التغريب؛ فهو نوع منه ، وأمّا نفي عمر
في الخمر فاجتهاد منه ؛ زيادة في العقوبة ، ثم ظهر له أن لا ينفي أحداً باجتهاده ،
والنفي في الزنا بالنص ، ويروى عن علي عليه السلام .
وقال مالك والأوزاعي : إن المرأة لا تغرَّب ؛ قالوا : لأنها عورة ، وفي نفيها
١٠٣
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٠ - حديث عبادة بن الصامت
تضييع لها وتعريض للفتنة ؛ ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم ؛ ولا يخفى
أنه لا يرد ما ذكر؛ ولأنه قد شرط من قال بالتغريب أن تكون مع محرمها وأجرته
منها ؛ إذْ وجبت بجنايتها ، وقيل : في بيت المال ؛ كأجرة الجلاد .
وأما الرقيق : فإنه ذهب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنه لا ينفى ؛ قالوا : لأن
نفيه عقوبة لمالكه ؛ لمنعه نفعه مدة غربته ، وقواعد الشرع قاضية أن لا يعاقب إلا
الجاني؛ ومن ثمة سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك .
وقال الثوري وداود : ينفى ؛ لعموم أدلة التغريب ، ولقوله تعالى : ﴿فعليهن
نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ، وينصف في حق المملوك
لعموم الآية .
وأما مسافة التغريب ، فقالوا : أقلها مسافة القصر ؛ لتحصل الغربة . وغرّب
عمر من المدينة إلى الشام ، وغرب عثمان إلى مصر؛ ومن كان غريباً لا وطن له ،
غرّب إلى غير البلد التي واقع فيها المعصية .
المسألة الثانية: في قوله: ((الثيب بالثيب))؛ المراد بالثيب : من قد وطأ في
نكاح صحيح ، وهو حر بالغ عاقل ، والمرأة مثله ، وهذا الحكم يستوي فيه المسلم
والكافر، والحكم هو ما دل له قوله : ((جلد مائة والرجم)) ؛ فإنه أفاد أنه يجمع
للثيب بين الجلد والرجم ، وهو قول علي ، كما أخرجه البخاري : أنه جلد
شراحَةَ يوم الخميس ، ورجمها يوم الجمعة ، وقال : جلدتها بكتاب الله ،
ورجمتها بسنّة رسول الله ◌َّةٍ . قال الشعبي : قيل لعلي: جمعت بين حدّين؟
فأجاب بما ذكر .
١٠٤
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٠ - حديث عبادة بن الصامت
قال الحازمي : وذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر . وهو مذهب
الهادوية .
وذهب غيرهم : إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم ؛ قالوا : وحديث عبادة
منسوخ بقصة ماعز والغامدية واليهودية؛ فإنه ﴿ رجمهم ، ولم يرْوَ أنه جلدهم؛
قال الشافعي : فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر ، ساقط عن الثيب ؛
قالوا : وحديث عبادة متقدم .
وأجيب بأنه ليس في قصة ماعز ، ومن ذكر معه - على تقدير تأخرها -
تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم ؛ لاحتمال أن يكون ترك روايته ؛ لوضوحه ،
ولکونه الأصل .
وقد احتج الشافعي بنظير هذا ، حين عورض في إيجاب العمرة ؛ بأن النبي
** أمر من سأله أن يحج عن أبيه، ولم يذكر العمرة؛ فأجاب بأن السكوت
عن ذلك لا يدل على سقوطه .
إلا أنه قد يقال: إن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم {# ** لو وقع،
مع کثرة من يحضر عذابهما من طوائف المؤمنین ، یبعد أنه لا یرویه أحد من
حضر ؛ فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها ، واختلاف ألفاظها ، دليل
أنه لم يقع الجلد ، فيقوى معه الظن بعدم وجوبه ؛ وفعل علي ظاهر أنه اجتهاد
منه ؛ لقوله : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم؛ فإنه ظاهر أنه عمل باجتهاده بالجمع بين الدليلين ؛ فلا يتم القول بأنه
توقيف ، وإن كان في قوله: بسنّة رسول الله عَ ليه ، ما يشعر بأنه توقيف .
١٠٥
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣١ - حديث أبي هريرة
قلت : ولا يخفى قوة دلالة حديث عبادة على إثبات جلد الثيب ، ثم
رجمه، ولا يخفى ظهور أنه في له لم يجلد من رجمه ، فأنا أتوقف في الحكم ،
حتّى يفتح الله - وهو خير الفاتحين -؛ وكنت قد جزمت في ((منحة الغفار)) بقوة
القول بالجمع بين الجلد والرجم ، ثم حصل لي التوقف هنا .
١١٣١ - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رجلٌ من المسلمين
رسول الله ﴿﴿ ، وهو في المسجد ، فناداه فقال: يا رسول الله ! إني زنيت ،
فَأَعْرَضَ عنْهُ ، فتنحی تلقاء وجهه فقال : يا رسول الله ! إني زنيت ! فأعرض
عنهُ؛ حتّى ثَنَّى ذلك عليه أربعَ مراتٍ ؛ فلما شهد على نفسه أربع شهادات ،
دعاه رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فقال: ((أبكَ جُنونٌ؟))، قال: لا،
قال: ((فهل أحصنت؟))، قال: نعم، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ:
«اذهبوا به فارجُمُوهُ)) . متفقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ
الله ﴿، وهو في المسجد ، فناداه فقال: يا رسول الله ! إني زنيت ! فأعرض
عنه ، فتنحى تلقاء وجهه): أي : انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية
التي يستقبل بها وجهه (فقال: يا رسول الله ! إني زنيتُ، فأعرض عنه؛ حتّى
ثنى ذلك عليه أربع مرات ؛ فلما شهد على نفسه أربع شهادات ، دعاه رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((أبك جنونٌ؟))، قال: لا ، قال: «فهل
أحصنت؟))): بفتح الهمزة فحاء مهملة فصاد مهملة ؛ أي : تزوّجت (قال : نعم،
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((اذهبوا به فارجموه)). متفق عليه) .
١٠٦
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣١ - حديث أبي هريرة
الحديث اشتمل على مسائل :
الأولى : أنه وقع منه إقرار أربع مرات ؛ فاختلف العلماء ؛ هل يشترط تكرار
الإقرار بالزنا أربعاً ، أوْ لا؟ .
ذهب من قدمنا ذكره؛ وهم الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون : إِلى
عدم اشتراط التكرار ، مستدلين بأن الأصل عدم اشتراطه في سائر الأقارير؛
كالقتل والسرقة ، وبأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأنيس : ((فإن
اعترفت فارجمها»، ولم يذكر له تكرار الاعتراف؛ فلو كان شرطاً معتبراً؛ لذكره
صلى الله عليه وآله وسلم لأنه في مقام البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة .
وذهب الجماهير: إلى أنه يشترط في الإقرار بالزنا أربع مرات ، مستدلين
بحدیث ماعز هذا .
وأجيب عنهم بأن حديث ماعز هذا اضطربت فيه الروايات في عدد
الإقرارات ، فجاء فيها أربع مرات ، ومثله في حديث جابر بن سمرة عند مسلم ،
ووقع في طريق أخرى عند مسلم أيضاً مرتين ، أو ثلاثاً ، ووقع في حديث عنده
أيضاً في طريق أخرى : فاعترف بالزنا ثلاث مرات .
وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الروايات: ((قد
شهدت على نفسك أربع مرات)) ؛ حكاية لما وقع منه ، فالمفهوم غير معتبر ، وما
كان ذلك ، إلا زيادة في الاستثبات والتبين ؛ ولذلك سأل صلى الله عليه وآله
وسلم : «هل به جنون ، أو هو شارب خمر؟))، وأمر من یشم رائحته ، وجعل
يستفسره عن الزنا - كما سيأتي بألفاظ عديدة - كل ذلك ؛ لأجل الشبهة التي
١٠٧
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣١ - حديث أبي هريرة
عرضت في أمره ، ولأنها قالت الجهنية : أتريد أن تردّني كما رددت ماعزاً؟ فعلم
أن الترديد ليس بشرط في الإقرار.
وبعد ؛ فلو سلمنا أنه لا اضطراب ، وأنه أقرّ أربع مرات ؛ فهذا فعل منه من
غير أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ولا طلبه لتكرار إقراره ؛ بل فعله من
تلقاء نفسه . وتقريره عليه دليل على جوازه ، لا على شرطيته .
واستدل الجمهور بالقياس ، على أنه قد اعتبر في الشهادة على الزنا أربعة ،
ورد بأنه استدلال واضح البطلان؛ لأنه قد اعتبر في المال عدلان، والإقرار به
يكفي مرة واحدة ؛ اتفاقاً .
المسألة الثانية : دلت ألفاظ الحديث على أنه يجب على الإمام الاستفصال
عن الأمور التي يجب معها الحدّ؛ فإنه قد روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة
( دالة عليه ؛ ففي حديث بريدة أنه قال: ((أشربت خمراً؟)) قال: لا ، وأنه قام
رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحاً ، وفي حديث ابن عباس ((لعلك قبلت ، أو
غمزت!))، وفي رواية: ((هل ضاجعتها؟)) قال: نعم، قال: ((فهل باشرتها؟))
قال: نعم، قال: ((هل جامعتها؟)) قال : نعم، وفي حديث ابن عباس
((أَنكْتَها؟))، لا يكني، رواه البخاري، وفي حديث أبي هريرة ((أنكتها؟))، قال:
نعم، قال: ((دخل ذلك منك في ذلك منها؟))، قال : نعم ، قال: «كما يغيب
المِرْوَدُ في المكحلة ، والرِّشَاءُ في البئر؟))، قال: نعم، قال: ((تدري ما الزِّنا؟))،
قال : نعم ؛ أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ، قال : «فما ترید
بهذا القول؟)) قال : تطهرني ، فأُمر به فرجم .
١٠٨
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣١ - حديث أبي هريرة
فدل جميع ما ذكر على أنه يجب الاستفصال والتبين ، وأنه یندب تلقین ما
يسقط الحد ، وأن الإقرار لا بدّ فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة .
وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ، كما أخرجه مالك عن أبي
الدرداء وعن علي عليهِ السَّلام في قصة شراحة ؛ فإنه قال لها علي : استكرهت؟
قالت : لا ، قال: فلعل رجلاً أتاك في نومك؟ ... الحديث ؛ وعند المالكية أنه لا
يلقن من اشتهر بانتهاك الحرمات .
وفي قوله: ((أشربت خمراً؟)»، دليل على أنه لا يصح إقرار السكران ؛ وفيه
خلاف .
وفيه دلیل علی أنه يحفر للرجل عند رجمه ؛ لأن في حدیث بريدة عند
مسلم : فحفر له حفيرة ، وفي الحديث عند البخاري : أنها لما أذلقته الحجارة ،
هرب فأدركناه بالحرّة فرجمناه ، زاد في رواية: حتى مات ، وأخرج أبو داود : أنه
قال صلى الله عليه وآله وسلم، - يعني: حين أخبر بهربه -: ((هلا رددتموه إلي !))،
وفي رواية : ((تركتموه؛ لعله يتوب فيتوب الله عليه!)).
وأخذ من هذا الهادوية والشافعي وأحمد أنه يصح رجوع المقرّ عن الإقرار؛
فإذا هرب ، ترك لعله يرجع .
وفي قوله مَ له: ((لعله يتوب!))، إشكال؛ لأنه ما جاء إلا تائباً يطلب تطهيره
من الذنب . وقد أخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في قصة
ماعز: ((والذي نفسي بيده ، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها)).
ولعله يجاب بأن المراد : لعله يرجع عن إقراره ويتوب بينه وبين الله تعالی
١٠٩
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٢ - حديث ابن عباس
فيغفر له ، أو المراد : يتوب عن إكذابه نفسه .
لم يحضر الرجم ، وأنه لا
واعلم أن قوله : فأمر به فرجموه ، يدل أنه
يجب أن يكون أوّل من يرجم الإمام ، فيمن ثبت عليه الحد بالإقرار؛ وإلى هذا
ذهب الشافعي والهادي .
والأوْلَى حمل ذلك على النَّدْب ؛ وعليه يُحْمل ما أخرج البيهقي عن علي
عليهِ السَّلام: أنه قال: أيّما امرأة بَغَى عليها ولدها ، أو كان اعتراف؛ فالإمام
أوّل من يرجم ؛ فإن ثبت بالبينة ، فالشهود أوّل من يرجم .
١١٣٢ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: لَمّا أتى ماعزُ بن مالك
إلى النبي ﴿ قالَ لهُ: ((لعلك قبّلت، أو غمزْتَ، أو نَظَرْت؟))، قال: لا ، یا
رسول الله . رواه البخاري'.
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي
﴿ قال له: ((لعلّك قبّلت، أو غَمزْت): بفتح الغين المعجمة والميم فزاي. في
(النهاية)): أنه فسر الغمز في بعض الأحاديث بالإشارة ، كالرمز بالعين
والحاجب؛ ولعل المراد هنا الجس باليد؛ لأنه ورد في بعض الروايات: ((أو
لمست))، عوضاً عنه (أو نظَرْت؟))، قال: لا، يا رسول الله. رواه البخاري):
والمراد استفهامه ؛ هل هو أطلق لفظ الزنا على أي هذه مجازاً؟ وذلك كما جاء :
((العين تزني وزناها النظر)).
والحديث دليل على التَّثَبُّت، وتلقين المُسْقط للحدّ، وأنه لا بدّ من التصريح
في الزِّنا باللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير ذلك .
١١٠
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٣ - حديث عمر بن الخطاب
١١٣٣ - وعن عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه: أنّهُ خطب فقال: إن الله
بعث محمداً بالحقِّ ، وأَنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أَنْزِلَ عليه آية الرَّجم ؛
قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسولُ الله ◌َّهِ وَرَجَمْنا بعده ؛ فأخشى إن
طال بالنّاس زمان ، أن يقول قائلٌ: ما نجد الرَّجم في كتاب الله! فيضلُّوا بترك
فريضة أَنزلها اللهُ . وإن الرَّجم حقٌّ في كتاب الله على من زَنَى ، إذا أُحْصَنَ من
الرِّجال والنساء ، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبَلُ، أو الاعترافُ. متّفقٌ عليه .
(وعن عُمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه: أنّهُ خطب فقال: إن الله بعث محمداً
بالحقِّ ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أَنزلَ عليه آية الرَّجم ؛ قرأناها ووعيناها
وعقلناها ، فرجم رسولُ الله ◌ِ﴿ وَرَجَمْنا بعده ؛ فأخشى إن طال بالنّاس زمان ، أن
يقول قائلٌ : ما نجد الرَّجم في كتاب الله! فيضلُّوا بترك فريضة أَنزلها اللهُ. وإن
الرَّجم حقٍّ في كتاب الله على من زَنَى، إذا أُحْصَنَ من الرِّجال والنساء، إذا
قامت البيّنة ، أو كان الحبَلُ): بفتح المهملة والموحدة (أو الاعترافُ. متّفقٌ عليه).
زاد الإسماعيلي بعد قوله : أو الاعتراف ، وقد قرأناها : الشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما ألبتَّة ، وبين في رواية عند النسائي محلها من السورة ، وأنها
كانت في سورة الأحزاب .
وكذلك أخرج هذه الزيادة في هذا الحديث ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد عن ابن
المسيب ، وفي رواية زيادة : إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ،
وفي رواية : لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها بيدي . وهذا
القسم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، وقد عده الأصوليون قسماً من أقسام النسخ .
١١١
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٤ - حديث أبي هريرة
وفي الحديث دليل على أنها إذا وجدت المرأة الخالية من الزوج أو السيد ،
حبلى ، ولم تذكر شبهة ، أنه يثبت الحد بالحبل ؛ وهو مذهب عمر وإليه ذهب
مالك وأصحابه .
وقالت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة : أنه لا يثبت الحد إلا ببينة ، أو
اعتراف ؛ لأن الحدود تسقط بالشبهات ، واستدل الأولون بأنه قاله عمر على
المنبر ، ولم ينكر عليه فينزل منزلة الإجماع .
قلت : لا يخفى أن الدليل هو الإجماع ، لا ما ينزل منزلته .
١١٣٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ يقولُ: ((إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحدَّ ، ولا
يُثَرِّب عليها، ثم إن زَنَت فليجلدها الحد ، ولا يُثرِّبْ عليها، ثم إن زنتِ الثّالثَة
فتبيَّنَ زِنَاها فَلْيبعْها، ولو بحبْلٍ من شَعَر)) . متفقٌ عليه، وهذا لَفْظُ مُسلم .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم يقول : إذا زَنَتْ أمَةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ، ولا یثرِّبْ
عَليْها) : بمثناة تحتية فمثلثة فراء فموحدة ؛ التعنيف لفظاً ومعنَّى (ثمَّ إن زنت
فليجلدها الحدَّ، ولا يُثرِّب عليها ، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فَلْيبِعْها ، ولو
بحبل منْ شعر)). متفق عليه، وهذا لفظ مسلم).
فيه مسائل :
الأولى: دلَّ قوله: ((فتبيّن زناها))، أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها ، وإن
لم تقم شهادة ؛ وذهب إليه بعض العلماء .
١١٢
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٤ - حديث أبي هريرة
وقيل : المراد إذا تبين زناها بما يتبين به في حق الحرّة؛ وهو الشهادة ، أو الإقرار.
والشهادة تقام عند الحاكم عند الأكثر. وقال بعض الشافعية : تقام عند السيد .
وفي قوله : ((فليجلدها))، دليل على أن ولاية جلد الأَمَة إلى سيدها ، وإليه
ذهب الشافعي ، وعند الهادوية : أن ذلك إذا لم يكن في الزمان إمام؛ وإلا
فالحدود إلیه ، والأول أقوى .
والمراد بالجلد الحد المعروف في قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على
المحصنات من العذاب ﴾ [النساء: ٢٥].
المسألة الثانية: قوله: ((ولا يثرب عليها))، ورد في لفظ النسائي: ((ولا
يعنفها))؛ وهو بمعنى ما هنا، وهو نهي عن الجمع لها بين العقوبة بالتعنيف
والجلد ، ومن قال : المراد أنه لا يقنع بالتعنيف دون الجلد ، فقد أبعد .
قال ابن بطال : يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزّر بالتعنيف واللوم ،
وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام ، للتحذير والتخويف ؛ فإذا
رفع وأقيم عليه الحد ، كفاه ؛ ويؤيد هذا نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن سب
الذي أقيم عليه حد الخمر وقال: ((لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم)).
وفي قوله : «ثم إن زنت ... إلى آخره)) ، دليل على أن الزاني إذا تكرر منه
الزنا بعد إقامة الحد علیه ، تکرر علیه الحد ، وأمّا إذا زنی مراراً من دون تخلل
إقامة الحد ، لم یجب علیه إلا حد واحد .
ويؤخذ من ظاهر قوله: «فليبعها)) ، أنه كان عليها الحد ؛ قال المصنف في
((الفتح)): الأرجح أنه يجلدها قبل البيع ، ثم يبيعها ؛ والسكوت عنه للعلم بأن
١١٣
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٤ - حديث أبي هريرة
الحد لا يترك ، ولا يقوم البيع مقامه .
المسألة الثالثة : ظاهر الأمر وجوب بيع السيد للأمة ، وأن إمساك من تكررت
منه الفاحشة محرم ؛ وهذا قول داود وأصحابه .
وذهب الجمهور إلى أنه مستحب لا واجب ؛ قال ابن بطال : حمل الفقهاء
الأمر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنا ؛ لئلا يظن بالسيد الرضا
بذلك؛ فیکون دیوثاً؛ وقد ثبت الوعيد على من اتصف بالدياثة .
وفيه دليل على أنه لا يجب فراق الزانية ؛ لأن لفظ: ((أمة أحدكم))، عام
لمن يطؤها مالكها ومن لا يطؤها ، ولم يجعل الشارع مجرد الزنا موجباً للفراق ؛ إذْ
لو كان موجباً لوجب فراقها في أول مرة ؛ بل لم يوجبه إلا في الثالثة ؛ على
القول بوجوب فراقها بالبيع؛ كما قاله داود وأتباعه ؛ وهذا الإيجاب لا لمجرد الزنا ؛
بل لتكريره ؛ لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك فيتصف بالصفة القبيحة ، ويجري
هذا الحكم في الزوجة أنه لا يجب طلاقها وفراقها لأجل الزنا ؛ بل إن تكرر منها
وجب ؛ لما عرفت .
قالوا : وإنما يؤمر ببيعها في الثالثة ؛ لما ذكرنا قريباً ، ولما في ذلك من الوسيلة
إلی تکثیر أولاد الزنا ، قال : وحمله بعضهم على الوجوب ، ولا سلف له من
الأمة ؛ فلا يشتغل به ، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال ، فكيف يجب بيع ماله
قيمة خطيرة بالحقير؟! انتهى .
قلت : ولا يخفى أن الظاهر مع من قال بالوجوب ، ولم يأتِ القائل بالاستحباب
بدليل على عدم الإيجاب . قوله : وقد ثبت النهي عن إضاعة المال ، قلنا : وثبت
١١٤
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٤ - حديث أبي هريرة
هنا مخصص لذلك النهي ؛ وهو هذا الأمر؛ وقد وقع الإجماع على جواز بيع
الشيء الثمين بالشيء الحقير إذا كان البائع عالماً به ، وكذلك إذا كان جاهلاً
عند الجمهور. وقوله : ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا ، فقال :
ليس في الأمر ببيعها قطع لذلك ؛ إذْ لا ينقطع إلا بتركها له ، وليس في بيعها ما
يصيرها تاركة له ، وقد قيل في وجه الحكم في الأمر ببيعها مع أنه ليس من
موانع الزنا : أنه جواز أن تستغني عند المشتري ، وتعلم بأن إخراجها من ملك
السيد الأول بسبب الزنا ، فتتركه ؛ خشية من تنقلها عند الملاك ، أو لأنه قد
يعفها بالتسري لها ، أو بتزويجها .
المسألة الرابعة : هل يجب على البائع أن يعرّف المشتري بسبب بيعها ؛ لئلا
يدخل تحت قوله : ((من غشنا فليس منّا))؟ فإن الزنا عيب ؛ ولذا أمر بالحط من
القيمة .
يحتمل أنه لا يجب عليه ذلك؛ لأن الشارع قد أمره ببيعها ، ولم يأمره ببيان
عيبها ، ثم هذا العيب ليس معلوماً ثبوته في الاستقبال ؛ فقد يتوب الفاجر
ويفجر البارّ؛ وكونه قد وقع منها وأقيم عليها الحد ، قد صيَّره كغير الواقع ؛ ولهذا
نھی عن التعنيف لها ، وبيان عيبها قد يكون من التعنيف وهل يندب له ذکر
سبب بيعها؟ فلعله يندب ويدخل تحت عموم المناصحة .
المسألة الخامسة : في إطلاق الحديث ، دليل على إقامة الحد على الأمّة
مطلقاً ؛ سواء أحصنت ، أو لا ؛ وفي قوله تعالى : ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] دليل على شرطية
١١٥
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٥ - حديث علي
الإحصان ؛ ولكن يحتمل أنه شرط للتنصيف في جلد المحصنة من الإماء ، وأن
عليها نصف الجلد لا الرجم ؛ إذْ لا يتنصف ؛ فيكون فائدة التقييد في الآية .
وصرح بتفصيل الإطلاق قول علي عليهِ السَّلام في خطبته : يا أيها الناس !
أقيموا على أرقائكم الحد ؛ من أحصن منهن ، ومن لم يحصن . رواه ابن عيينة
ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب ، كما قال مالك ؛ وهذا مذهب الجمهور .
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يحد من العبيد والإماء إلا من أحصن ؛
وهو مذهب ابن عباس ، ولكنه يؤيد كلام الجمهور إطلاق الحديث الآتي :
١١٣٥ - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: «أقيموا
الْحُدودَ عَلى ما ملكتْ أيمانُكُمْ)) . رواه أبو داود، وهو في «مسلم» موقوفٌ .
(وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّهِ: ((أقيموا الحُدودَ عَلى
ما ملكتْ أيمانُكُمْ)). رواه أبو داود، وهو في ((مسلم)) موقوفٌ): على علي
رضي الله عنه وأخرجه البيهقي مرفوعاً .
وقد غفل الحاكم فظن أنه لم يذكره أحد الشيخين ، واستدركه عليهما!
قلت : يمكن أنه استدركه لكون مسلم لم يرفعه ، وقد ثبت عند الحاكم رفعه .
والحديث دل على ما دل عليه الحديث الأول ؛ من إقامة الملاك الحد على
المماليك ، إلا أن هذا يعم ذكورهم وإناثهم ؛ فهو أعم من الأول ، ودل على إقامة الحد
عليهم مطلقاً؛ أحصنوا ، أو لا ، وعلى أن إقامته إلى المالك ؛ ذكراً كان ، أو أنثى .
واختلف في الأمة المزوجة ؛ فالجمهور يقولون : إن حدها إلى سيدها ، وقال
مالك : حدها إلى الإمام ، إلا أن يكون زوجها عبداً لمالكها ، فأمْرُها إلى السيد.
١١٦
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٥ - حديث علي
وظاهره أنه لا يشترط في السيد شرط صلاحية ، ولا غيرها ؛ قال ابن حزم :
يقيمه السيد إلا أن يكون كافراً؛ قال : لأنهم لا يقرون إلا بالصَّغّار، وفي تسليطه
على إقامة الحد على مماليكه منافاة لذلك .
ثم ظاهر الحديث أن للسيد إقامة حد السرقة والشرب ، وقد خالف في ذلك
جماعة بلا دلیل ناهض .
وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع : أن ابن عمر قطع يد
غلام له سرق ، وجلد عبداً له زنى ؛ من غير أن يرفعهما إلى الوالي .
وأخرج مالك في ((الموطأ )) بسنده: أن عبداً لبني عبد الله بن أبي بكر سرق
واعترف ، فأمرت به عائشة فقطعت يده .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسندهما إلى الحسين بن محمد بن علي : أن
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدت جارية لها زنت ، ورواه
ابن وهب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن فاطمة بنت رسول الله
کانت تجلد ولیدتها خمسین إذا زنت .
وذهبت الهادوية إلى أنه لا يقيم الحد عليه إلا الإمام ؛ إلا أن لا يوجد إمام ،
أقامه السید.
وذهبت الحنفية إلى أنه لا يقيم الحدود مطلقاً إلا الإمام ، أو من أذن له ، وقد
استدل الطحاوي بما أخرجه من طريق مسلم بن يسار قال : كان أبو عبد الله
رجل من الصحابة يقول : الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان .
١١٧
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٦ - حديث عمران بن حصين
قال الطحاوي : ولا نعلم له مخالفاً من الصحابة ؛ وقد تعقبه ابن حزم،
فقال: بل خالفه اثنا عشر نفساً من الصحابة ، وقد سمعت ما روي عن
الصحابة ، وكفى به رداً على الطحاوي .
ومن ذلك ما أخرجه البيهقي عن عمرو بن مرة، وفیه : عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى قال : أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في
مجالسهم ، إذا زنت . قال الشافعي : وكان ابن مسعود يأمر به ، وأبو برزة يحدّ
وليدته .
١١٣٦ - وعن عمران بن حصين رضيَ الله عنهُ: أنَّ امرأةً منْ جُهينة أتت
النبي ﴿ وهي حُبْلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله! أصبْتُ حداً فأَقِمْه
عليّ، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ وليَّها فقال: ((أحسن إليها؛
فإذا وَضعتْ ، فائتني بها))، فَفَعَلَ ، فَأَمر بها ، فَشُكّت عَليْها ثيابُها ، ثم أَمر بها
فرُجمت، ثم صلى عليها، فقال عُمَرُ: أَتُصَلِّي عليها يا نبي الله ، وقد زَنَتْ؟
فقال: ((لقَدْ تابتْ توْبةً لَوْ قُسمتْ بين سبعين منْ أهل المدينة لوسعتهمْ، وهَلْ
وجدْت أفضلَ مِنْ أَنْ جادت بنفسِها لله؟!)). رواهُ مسلمٌ.
(وعن عمران بن حصين رضيَ الله عنهُ: أن امرأة من جهينة) : هي
المعروفة بالغامدية (أتت النبي {﴿ وهي حُبْلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله !
أصبْتُ حداً فَأَقمْه عليَّ، فدعا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ وليّها
فقال: ((أحسن إليها ؛ فإذا وَضعتْ، فائتني بها))، فَفَعَلَ ، فَأَمر بها ، فَشُكّت
عَليْها ثيابُها) : مبني للمجهول ؛ أي : شدّت . وورد في رواية : عليها ثيابها (ثم
١١٨
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٦ - حديث عمران بن حصين
أمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها ، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله ، وقد
زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم؛
وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟!)) . رواه مسلم) .
ظاهر قوله: ((فإذا وضعَت ، فائتني بها ففعل))، أنه وقع الرجم عقيب
الوضع ، إلا أنه قد ثبت في رواية أخرى أنها رجمت بعد أن فطمت ولدها وأتت
به ، وفي يده كسرة خبز، ففي رواية الكتاب طيّ واختصار .
قال النووي بعد ذكر الروايتين - وهما في ((صحيح مسلم)) -: ظاهرهما
الاختلاف ؛ فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز ،
والأولى أنه رجمها عقيب الولادة ؛ فيجب تأويل الأولى وحملها على وفق
الثانية ؛ فيكون قوله في الرواية الأولى : قام رجل من الأنصار فقال : إلى
رضاعه ، إنما قاله بعد الفطام، وأراد برضاعه كفايته وتربيته ؛ وسماه رضاعاً
مجازاً ، انتھی باختصار .
والحديث دليل على وجوب الرجم ، وتقدم الكلام فيه ، وأمّا شدُّ ثيابها
عليها ؛ فلأجل أن لا تُكْشف عند اضطرابها من مس الحجارة .
واتفق العلماء أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائماً ، إلا عند مالك فقال :
قاعداً؛ وقيل : يتخير الإمام بينهما .
وفي الحديث دليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على المرأة بنفسه ، إن
صحت الرواية ، فصّلى بالبناء للمعلوم ، إلا أنه قال الطبري : إنها بضم الصاد
وكسر اللام؛ قال : وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ، وفي رواية لأبي
١١٩
١٢ - كتاب الحدود
١ - باب حد الزاني
١١٣٧ - حديث جابر
داود : فأمرهم أن يصلوا ؛ ولكن أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد وفتح اللام .
وظاهر قول عمر : تصلي عليها؟! أنه صلى الله عليه وآله وسلم باشر الصلاة
بنفسه ؛ فهو يؤيد رواية الأكثر لمسلم. والقول بأن المراد مِنْ: صَلَّى، أمرٌ بأن
يصلي ، وأنه أسند إليه صلى الله عليه وآله وسلم لكونه الآمر ، خلاف الظاهر؛
فإن الأصل الحقيقة .
وعلى كل تقدير ؛ فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها ، أو
أمر بالصلاة ؛ فالقول بكراهة الصلاة على المرجوم يصادم النص ، إلا أن تخص
الكراهة بمن رجم بغير الإقرار؛ لجواز أنه لم يتب ؛ فهذا ينزل على الخلاف في
الصلاة على الفساق ؛ فالجمهور أنه يصلى عليهم ، ولا دليل مع المانع عن الصلاة
عليهم .
وفي الحديث دليل على أن التوبة لا تسقط الحدّ؛ وهو أصح القولين عند
الشافعية والجمهور؛ والخلاف في حدّ المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه ؛ فإنه
يسقط بالتوبة عند الجمهور ؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا
عليهم ﴾ [المائدة : ٣٤].
١١٣٧ - وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قالَ: رجمَ النبيُّ صلَّى
اللهُ تعالى عليه وآله وسلَّمَ رجُلاً مِنْ أسْلَمَ ورجلاً من اليهود وامرأةً . رواهُ
مسلمٌ ، وقصَّةُ رجْم اليهوديّين في ((الصحيحين)) من حديث ابن عُمَرَ .
(وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قال: رجم النبي صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم رجلاً من أسلم): يريد ماعز بن مالك (ورجلاً من
١٢٠