Indexed OCR Text

Pages 581-600

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٥٨ - حديث عائشة
متقرراً عندهم : أنه لا يحرم إلا الخمس الرضعات ، ويأتي تحقيقه .
وأما حقيقة الرضعة ، فهي المرة من الرضاع ، كالضربة من الضرب ، والجلسة
من الجلوس ؛ فمتى التقم الصبي الثدي وامتص منه ، ثم ترك ذلك باختياره من
غير عارض ، كان ذلك رضعة ، والقطع لعارض ؛ كنفس ، أو استراحة يسيرة ، أو
لشيء يلهيه ، ثم يعود من قريب ، لا يخرجها عن كونها رضعة واحدة ؛ كما أن
الآكل إذا قطع أكله بذلك ، ثم عاد عن قريب ، كان ذلك أكلة واحدة .
وهذا مذهب الشافعي في تحقيق الرضعة الواحدة ، وهو موافق للغة ؛ فإذا
حصلت خمس رضعات على هذه الصفة حرمت .
١٠٥٨ - وَعَنْهَا رضي الله عنهَا قَالَتْ: قالَ رَسولُ الله ◌ِ: «انْظُرْنَ مَنْ
إِخْوَانُكُنَّ؛ فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)) . مُتّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْهَا رضيَ اللهُ عنها) : أي : عن عائشة (قَالَتْ: قَالَ رَسولُ الله
:
صَلىالله
((انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)). مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) .
في الحديث قصة؛ وهو أنه لو دخل على عائشة وعندها رجل ، فكأنه
تغير وجهه ، كأنه كره ذلك ، فقالت : إنه أخي. فقال: ((انظرن من إخوانكن؛
فإنَّما الرضاعة من المجاعة)) .
قال المصنف : لم أقف على اسمه ، وأظنه ابناً لأبي القعيس .
وقوله : ((انظرن)) ، أمر بالتحقق في أمر الرضاعة ، هل هو رضاع صحيح
بشرطه من وقوعه في زمن الرضاع ، ومقدار الإرضاع؟ فإن الحكم الذي ينشأ من
٥٨١

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٥٨ - حديث عائشة
الرضاع ، إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط .
وقال أبو عبيد : معناه أنه الذي إذا جاع، كان طعامه الذي يشبعه اللبن من
الرضاع ؛ لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع ؛ وهو تعليل لإمعان التحقق في
شأن الرضاع ، وبأن الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتحل به الخلوة هو حيث يكون
الرضيع طفلاً يسدّ اللبن جوعه ؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن ، وينبت بذلك
لحمه فيصير جزءاً من المرضعة ، فيشترك في الحرمة مع أولادها .
فمعناه : لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة ، أو المطعمة من المجاعة ، فهو
في معنى حديث ابن مسعود الآتي : ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت
اللحم))، وحديث أم سلمة: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)). أخرجه
الترمذي وصححه .
واستدل به على أن التغذي بلبن المرضعة محرم؛ سواء كان شرباً ، أو وجوراً،
أو سعوطاً ، أو حقنة ؛ حيث كان يسدّ جوع الصبي؛ وهو قول الجمهور .
وقالت الهادوية والحنفية : لا تحرم الحقنة ؛ وكأنهم يقولون أنها لا تدخل تحت
اسم الرضاع .
قلت : إذا لوحظ المعنى من الرضاع ، دخل كل ما ذكروا .
وإن لوحظ مسمى الرضاع ، فلا يشمل إلا التقام الثدي ومص اللبن منه ،
كما تقوله الظاهرية ؛ فإنهم قالوا : لا يحرم إلا ذلك ، ولما حصر في الحديث
الرضاعة على ما كان من المجاعة ۔ کما قد عرفت -، وقد ورد :
٥٨٢

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٥٩ - حديث عائشة
١٠٥٩ - وَعَنْهَا قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ
سَالِماً مَوْلِى أَبِي حُذَيَّفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا، وقد بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ:
((أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمي عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وَعَنْهَا) : أي : عائشة رضي الله عنها (قالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ سَالِماً مَوْلِى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنا في بَيْتِنَا ، وقد بَلَغَ مَا
١١
يَبْلُغُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: ((أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وفي ((سنن أبي داود)): ((فأرضعيه خمس رضعات))، فكان بمنزلة ولدها من
الرضاعة معارضاً لذلك .
وكأنه ذكره المصنف كالمشير إلى أنه قد خصص هذا الحكم بحديث سهلة ؛
فإنه دالٌّ على أن رضاع الكبير يحرم ، مع أنه ليس داخلاً تحت الرضاعة من
المجاعة .
وبيان القصة : أن أبا حذيفة كان قد تبنّى سالماً وزوّجه ، وكان سالم مولىٌّ
لامرأة من الأنصار، فلما أنزل الله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥]، كان من
له أب معروف نسب إلى أبيه ، ومن لا أب له معروف كان مولىَّ وأخاً في
الدين ؛ فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ما نصه الحديث في الكتاب .
وقد اختلف السلف في هذا الحكم؛ فذهبت عائشة رضي الله عنها إلى
ثبوت حكم التحريم ، وإن كان الراضع بالغاً عاقلاً .
قال عروة : إن عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث ، فكانت تأمر أختها أم
٥٨٣

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٥٩ - حديث عائشة
كلثوم وبنات أخيها ، يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال . رواه مالك .
ويروى عن علي وعروة ، وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم،
ونسبه في ((البحر)) إلى عائشة ، وداود الظاهري ، وحجتهم حديث سهلة هذا،
وهو حديث صحيح لا شك في صحته ، ويدل له أيضاً قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم
اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]؛ فإنه مطلق غير مقيد
بوقت .
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى : أنه لا يحرم من
الرضاع إلا ما كان في الصغر .
وإنما اختلفوا في تحديد الصغر؛ فالجمهور قالوا : مهما كان في الحولين ، فإن
رضاعه يحرم ، ولا يحرم ما كان بعدهما ، مستدلين بقوله تعالى : ﴿حولين
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال جماعة : الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ، ولم يقدّروه بزمان ، وقال
الأوزاعي : إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ، ثم رضع في الحولين ، لم يحرم
هذا الرضاع شيئاً ، وإن تمادى رضاعه ولم يفطم، فما يرضع وهو في الحولين ،
حرم ، وما كان بعدهما ، لا يحرم ، وإن تمادى إرضاعه .
وفي المسألة أقوال أُخر عارية عن الاستدلال ؛ فلا نطيل بها المقال .
واستدل الجمهور بحديث: ((إنما الرضاعة من المجاعة))، وتقدم؛ فإنه لا
يصدق ذلك إلا على من يشبعه اللبن ويكون غذاءه لا غيره ؛ فلا يدخل الكبير ،
سيما وقد ورد بصيغة الحصر .
٥٨٤

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٥٩ - حديث عائشة
وأجابوا عن حديث سالم بأنه خاص بقصة سهلة ؛ فلا يتعدى حكمه إلى
غيرها ؛ كما يدل له قول أم سلمة - أم المؤمنين - لعائشة رضي الله عنهما : لا
نرى هذا إلا خاصاً بسالم ، ولا ندري لعله رخصة لسالم ، أو أنه منسوخ؟
وأجاب القائلون بتحريم رضاع الكبير بأن الآية وحديث: ((إنّما الرضاعة من
المجاعة))، واردان ؛ لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة ، والتي يجبر عليها
الأبوان ؛ رضيا أم كرها ، كما يرشد إليه آخر الآية ، وهو قوله تعالى: ﴿وعلى
المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وعائشة هي الراوية
الحديث: ((إنّما الرضاعة من المجاعة))، وهي التي قالت برضاع الكبير ، وأنه
يحرم فدل على أنها فهمت ما ذكرناه في معنى الآية والحديث .
وأما قول أم سلمة : إنه خاص بسالم ؛ فذلك تَظَنن منها ، وقد أجابت عليها
عائشة ، فقالت : أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة ، ولو كان
خاصاً ، لبيّنه صلى الله عليه وآله وسلم كما بيّن اختصاص أبي بردة بالتضحية
بالجذعة من المعز .
والقول بالنسخ يدفعه : أن قصة سهلة متأخرة عن نزول آية الحولين ؛ فإنها
قالت سهلة لرسول اللّه ◌َاةٍ: كيف أرضعه ، وهو رجل كبير؟ فإن هذا السؤال
منها استنكار لرضاع الكبير ، دال على أن التحليل بعد اعتقاد التحريم .
قلت : ولا يخفى أن الرضاعة لغة إنّما تصدق على من كان في سن الصغر .
وعلى اللغة وردت آية الحولين ، وحديث: ((إنما الرضاعة من المجاعة))، والقول
بأن الآية لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة ، لا ينافي أيضاً أنها لبيان زمان الرضاعة ؛
٥٨٥

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٠ - حديث عائشة
بل جعله الله تعالى زمان من أراد تمام الرضاعة ، وليس بعد التمام ما يدخل في
◌ُكْم ما حكم الشارع بأنه قد تم .
والأحسن في الجمع - بين حديث سهلة ، وما عارضه - كلام ابن تيمية ؛
فإنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا
يستغنى عن دخوله على المرأة ، وشق احتجابها عنه ؛ كحال سالم مع امرأة أبي
حذيفة ، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة ، أَثّر رضاعه ، وأمّا من عداه ، فلا
بد من الصغر . اهـ .
فإنه جمع بين الأحاديث حسن ، وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها
باختصاص ، ولا نسخ ، ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث .
١٠٦٠ - وَعَنْهَا: أَنَّ أَفْلَحَ - أَخَا أَبـي الْقُعَيْسِ - جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ
الحِجَاب؛ قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فلما جَاءَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ أَخْبَرْتُهُ بِالّذِي صَنَعتُهُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَذَنَ لَهُ عَليَّ ، وَقَالَ : ((إنّهُ عَمُكِ
الأول)) . مُتّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعنها) : أي: عن عائشة رضيَ الله عنهَا (أَنَّ أَفْلَحَ): بفتح الهمزة ففاء آخره
حاء مهملة ، مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل : مولى لأم سَلَمة
(أخا أبي القُعَيْس) : بقاف مضمومة وعين وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية
(جاء يستأذنُ عَلَيْها بعدَ الحجابِ؛ قالت: فأبيتُ أنْ آذنَ لَهُ ، فلما جاء رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته بالذي صَنَعتُهُ ، فأمرني أن آذن له عليَّ،
وقال: ((إنّهُ عَمك الأول)). متفق عليه) : اسم أبي القعيس : وائل بن أفلح
٥٨٦

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٠ - حديث عائشة
الأشعري ، وقيل : اسمه : الجعد ؛ فعلى الأول يكون أخوه ، وافق اسمه اسم أبيه .
قال ابن عبد البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكراً إلا في هذا الحديث .
والحديث دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة ، وأقاربه ؛
كالمرضعة ؛ وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل ، والمرأة معاً ، فوجب أن يكون
الرضاع منهما ، كالجد لما كان سبب ولد الولد، أوجب تحريم ولد الولد به ؛ لتعلقه
بولده .
لذلك قال ابن عباس في هذا الحكم : اللقاح واحد ، أخرجه عنه ابن أبى
شيبة ؛ فإن الوطء يدرّ اللبن فللرجل منه نصيب .
وإلى هذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب .
والحديث دليل واضح لما ذهبوا إليه ، وفي رواية أبي داود زيادة تصريح حيث
قالت : دخل عليّ أفلح ، فاستترت منه، فقال : أتستترين مني وأنا عمك؟!
قلت : من أين؟ قال : أرضعتك امرأة أخي ، قلت : إنما أرضعتني المرأة ، ولم
يرضعني الرجل . الحديث .
وخالف في ذلك ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وعائشة ، وجماعة من
التابعين وابن المنذر وداود وأتباعه ، فقالوا : لا يثبت حكم الرضاع للرجل ؛ لأن
الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها .
قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]،
وأجيب بأن الآية ليس فيها ما يعارض الحديث ؛ فإن ذكر الأمهات لا يدل على
أن ما عداهن ليس كذلك ، ثم إن دل بمفهومه ، فهو مفهوم لقب مطرح ؛ كما عرف
٥٨٧

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦١ - حديث عائشة
في الأصول ، وقد استدلوا بفتوى جماعة من الصحابة بهذا المذهب ، ولا يخفى
أنه لا حجة في ذلك ، وقد أطال بعض المتأخرين البحث في المسألة ، وسبقه
ابن القيم في ((الهدي)) ، واستحسنه ابن تيمية ، والواضح ما ذهب إليه الجمهور .
١٠٦١ - وَعَنْهَا قَالتْ: كَانَ فِيْمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَات
يُحَرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ؛ فُتَوْفِّيَ رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ وَهُو فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعنها) : أي : عائشة رضيَ الله عنها (قالت: كان فيما أنزل من القرآن:
عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ؛ فتوفي رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو فيما يُقرأ من القرآن . رواه مسلم): يقرأ
بضم حرف المضارعة ؛ تريد : أن النسخ بخمس رضاعات تأخر إنزاله جداً ، حتّى
إنه توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الناس يقرأ خمس رضعات،
ويجعلها قرآناً متلوّاً؛ لكونه لم يبلغه النسخ ، لقرب عهده ، فلما بلغهم النسخ
بعد ذلك ، رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنه لا يتلى .
وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم ، وهو أحد أنواع النسخ ؛ فإنه ثلاثة أقسام :
نسخ التلاوة والحكم مثل : عشر رضعات يحرمن .
والثاني : نسخ التلاوة دون الحكم : كخمس رضعات ، وكالشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما .
والثالث : نسخ الحكم دون التلاوة ، وهو كثير نحو قوله تعالى : ﴿والذين
٥٨٨

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٢ - حديث ابن عباس
يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقد تقدم تحقيق القول في حكم
هذا الحديث ، وأن العمل على ما أفاده ؛ هو أرجح الأقوال .
والقول بأن حديث عائشة هذا ليس بقرآن ؛ لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ولا
هو حديث ؛ لأنها لم تروه حديثاً ، مردود بأنها - وإن لم تثبت قرآنيته ويجري
عليه حكم ألفاظ القرآن - فقد روته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فله
حكم الحديث في العمل به .
وقد عمل بمثل ذلك العلماء ؛ فعمل به الشافعي وأحمد في هذا الموضع .
وعمل به الهادوية والحنفية في قراءة ابن مسعود في صيام الكفارة ثلاثة أيام
متتابعات ، وعمل مالك في فرض الأخ من الأم بقراءة أبيّ : (وله أخ وأخت
من أم) ، والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة .
والعمل بحديث الباب هذا لا عذر عنه ؛ ولذا اخترنا العمل به فيما سلف .
١٠٦٢ - وعن ابن عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ أُرِيدَ عَلى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ : ((إنّهَا لا تَحِلُّ لي ؛ إنّهَا ابنَةُ أَخِي مِنَ
الرَّضَاعة، ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعة مَا يَحْرُمُ مِنَ النّسَبِ)). مُتّفَقٌ عَلَيه.
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أريد) : بضم الهمزة مبني للمجهول (على ابنة حمزة) : أي : قيل له : لو
تزوجتها! (فقال: ((إنّها لا تَحِلُّ لي؛ إنّها ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيَحْرُم من
الرضاعة ما يحرم مِنَ النّسَبِ)). متفقٌ عليه).
٥٨٩

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٣ - حديث أم سلمة
اختلف في اسم ابنة حمزة على سبعة أقوال ، ليس فيها ما يجزم به ، وإنما
كانت ابنة أخيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه رضع من ثويبة أمة أبي لهب ،
وقد كانت أرضعت عمه حمزة .
وأحكام الرضاع هي : حرمة التناكح وجواز النظر والخلوة والمسافرة .
لا غير ذلك من : التوارث ، ووجوب الإنفاق ، والعتق بالملك ، وغيره من
أحكام النسب .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))،
يراد به تشبيهه به في التحريم .
ثم التحريم ونحوه بالنظر إلى المرضع ؛ فإن أقاربه أقارب للرضيع ، وأمّا أقارب
الرضيع - ما عدا أولاده -، فلا علاقة بينهم وبين المرضع ؛ فلا يثبت لهم شيء
من الأحكام .
١٠٦٣ - وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى الله
تعالى عليه وسلّمَ : ((لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاع إلا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ، وكان قَبْلَ
الفِطَامِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ هُوَ والحاكمُ .
(وعن أم سلمة رضيَ الله عنها ، قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: ((لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلا مَا فَتَقَ) : بالفاء فمثناة فوقية فقاف
(الأمعَاء) : جمع المعا؛ بكسر الميم وفتحها (وكانَ قَبْلَ الْفِطَام)). رواه
الترمذي ، وصححه هو والحاكم) .
٥٩٠

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٤ - حديث ابن عباس
والمراد ما سلك فيها من الفتق بمعنى الشق ، والمراد ما وصل إليه ؛ فلا يحرم
القليل الذي لا ينفذ إليها ، ويحتمل أن المراد ما وصلها وغذاها ، واكتفت به عن
غيره ؛ فيكون دليلاً على عدم تحريم رضاع الكبير .
ويدل على أن المراد هذا قوله في الحديث : ((وكان قبل الفطام)) ؛ فإنه يراد به
قبل الحولين ، كما ورد في هذا الحديث الآخر: ((إن ابني إبراهيم مات في
الثدي ، وإن له مرضعاً في الجنة))، وتقدم الكلام في الأمرين ، ويدل لهذا
الأخير قوله :
١٠٦٤ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قَالَ: لَا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ.
رَوَاهُ الدَّارِقُطْنِيُّ وابنُ عَدِي مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً، وَرَجَحَا المَوْقوفَ .
(وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: لَا رَضَاعَ إلا في الحَوْلَينِ. رَوَاهُ
الدَّارِقُطْنِيُّ وابنُ عَدِيَ مَرْفوعاً وَمَوْقوفاً، وَرَجْحَا المَوْقوفَ) .
لأنه تفرد برفعه الهيثم بن جميل عن ابن عيينة ؛ قاله الدارقطني ، وقال :
وكان ثقة حافظاً ، ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه .
قلت : وهذا ليس بعلة كما قررناه مراراً ، وقال ابن عدي : إن الهيثم كان
يغلط .
وقال البيهقي : الصحيح أنه موقوف . وروى البيهقي التحديد بالحولين عن
عمر وابن مسعود .
والحديث دال على اعتبار الحولين ، وأنه لا يسمى الرضاع رضاعاً إلا في
٥٩١

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع ١٠٦٥ و١٠٦٦ - حديثا ابن مسعود وعقبة بن الحارث
الحولين ، وقد تقدم أنه الذي دلت عليه الآية ، والقول بأنها إنما دلت على حكم
الواجب من النفقة ونحوها ، لا على مدة الرضاع ، تقدم دفعه ، ويدل لهذا الحكم
قوله :
١٠٦٥ - وعن ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ◌ِ ظُ: ((لا
رَضَاعٍ إلا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
: ((لا رَضَاع إلا
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قالَ رَسولُ الله
مَا أَنْشَزَ): بشين معجمة فزاي؛ أي : شد وقوى (الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ)).
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ) .
فإن ذلك إنما يكون لمن هو في سن الحولين ، ينمو باللبن ، ويقوى به عظمه ،
وينبت عليه لحمه .
١٠٦٦ - وعن عُقْبَةَ بنِ الْحَارثِ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّهُ تَزَوِّجَ أُمَّ يَحْيِي بِنْتَ
أَبِي إِهَابٍ ، فَجَاءَت امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: لقَدْ أَرْضَعْتُكما! فَسَأَلَ النّبي صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ؟ فَقَالَ: ((كَيْفَ وقد قِيلَ؟!)) ، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، فَنَكَحَتْ زَوْجاً
غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
(وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه) : وهو أبو سروعة عقبة بن الحارث
ابن عامر القرشي النوفلي ، أسلم يوم الفتح ، يعد في أهل مكة (أنه تَزَوّجَ أُم
يحيي بنت أبي إهاب): بكسر الهمزة (فجاءت امرأةٌ) : قال المصنف : لم
أعرف اسمها (فقالت: لقد أرضعتكما! فسأل النبي صلى الله عليه وآله
٥٩٢

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٦ - حديث عقبة بن الحارث
وسلم؟ فقال: ((كيْفَ وقد قيلَ؟!))، ففارقها عقبة، فنكحت زوجاً غيره.
أخرجه البخاري) .
الحديث دليل على أنَّ شهادة المرضعة وحدها تقبل ، وبوّب على ذلك
البخاري ، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة من السلف وأحمد بن حنبل .
وقال أبو عبيد : يجب على الرجل المفارقة ، ولا يجب على الحاكم الحكم
بذلك .
وقال مالك : إنه لا يقبل في الرضاع إلا امرأتان ، وذهب الهادوية والحنفية
إلى أن الرضاع كغيره؛ لا بد من شهادة رجلين ، أو رجل وامرأتين ، ولا تكفي
شهادة المرضعة ؛ لأنها تقرر فعلها .
وقال الشافعي : تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة ، بشرط أن لا تعرض
بطلب أجرة .
قالوا : وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظانّ الاشتباه .
وأجيب بأن هذا خلاف الظاهر ، سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى الله عليه
وآله وسلم أربع مرات ، وأجابه بقوله: ((كيف وقد قيل؟!))، وفي بعض ألفاظه :
(دعها))، وفي رواية الدارقطني: ((لا خير لك فيها))، ولو كان من باب الاحتياط ؛
لأمره بالطلاق مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق؛ فيكون هذا الحكم
مخصوصاً من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد ، وقد اعتبرتم ذلك في عورات
النساء ، فقلتم : يكتفى بشهادة أمرأة واحدة ، والعلة عندهم فيه أنه قلما يطلع
الرجال على ذلك ، فالضرورة داعية إلى اعتباره ؛ فكذا هنا .
٥٩٣

١٠ - كتاب الرجعة
٤ - باب الرضاع
١٠٦٧ - حديث زياد السهمي
١٠٦٧ - وعن زياد السّهْمِي قالَ: نهى رسولُ اللهِ عٍَّ أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَاءِ .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ ، وهو مُرْسِلٌ ، وَلَيْسَتْ لزيَادِ صُحْبَةٌ .
(وعن زياد السهمي قال: نهى رسول الله ﴿ ﴿ أن تسترضع الحمقاء):
خفيفة العقل (أخرجه أبو داود . وهو مرسل ، وليس لزياد صحبة) : ووجه
النهي أن للرضاع تأثيراً في الطباع فيختار من لا حماقة فيها ونحوها .
٥٩٤

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٨ - حديث عائشة
٥ - باب النَّفَقات
جمع نفقة ، والمراد بها الشيء الذي يبذله الإنسان فيما يحتاجه هو أو غيره ،
من الطعام والشراب وغيرهما .
١٠٦٨ - عَن عَائِشَةَ رضيَ اللّه عنهَا قالَتْ: دَخَلَتْ هنْد بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ
أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله !
إِنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ؛ لا يُعْطِيني من النّفَقَةِ مَا يَكْفِيني ويكفي بَنِيَّ،
إلا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِنْ جُنَاحِ؟ فَقَالَ:
((خُذِي مِنْ مَالِهِ بالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ)) . مُتَفَقٌ عَلَيهِ .
(عن عائشة رضيَ الله عنها قالت : دخلت هند بنت عتبة) : ابن ربيعة بن
عبد شمس بن عبد مناف ، أسلمت عام الفتح في مكة بعد إسلام زوجها ، قُتل
أبوها عتبة وعمها شيبة وأخوها الوليد بن عتبة يوم بدر؛ فشق عليها ذلك ، فلما
قتل حمزة فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه فشقته وأخذت كبده فلاكتها ، ثم
لفظتها ، توفيت في المحرم سنة أربع عشرة وقيل غير ذلك (امرأة أبي سفيان) :
أبو سفيان بن حرب : اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، من
رؤساء قريش ، أسلم عام الفتح قبل إسلام زوجته حين أخذته جند النبي
في يوم الفتح .
وأجاره العباس ، ثم غدا به إلى رسول الله مية فأسلم، وكانت وفاته في
خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين (على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فقالت : يا رسول الله ! إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ) : الشح البخل مع حرص ؛
٥٩٥

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٨ - حديث عائشة
فهو أخص من البخل، والبخل يختص بمنع المال ، والشح بكل شيء (لا
يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ، إلا ما أخذت من ماله بغير
علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال: ((خُذِي مِنْ مَالِه بالمعْرُوف مَا
يكفيك ويكْفي بنِيكِ)) . متفقٌ عليه).
الحديث فيه دليل على جواز ذكر الإنسان بما يكره ، إذا كان على وجه
الاشتكاء والفتيا ؛ وهذا أحد المواضع التي أجازوا فيها الغيبة .
ودل على وجوب نفقة الزوجة والأولاد على الزوج ، وظاهره وإن كان الولد
کبیراً؛ لعموم اللفظ وعدم الاستفصال ؛ فإن أتی ما یخصصه من حديث آخر ،
وإلا فالعموم قاض بذلك . وفيه دليل على أن الواجب الكفاية من غير تقدير
للنفقة ، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء ؛ منهم الهادي والشافعي ؛ وعليه دل
قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وفي قول للشافعي : إنها مقدرة بالأمداد ، فعلى الموسر كل يوم مدّان ،
والمتوسط مدّ ونصف ، والمعسر مدّ .
وعن الهادي کل یوم مدّان ، وفي کل شهر درهمان .
وعن أبي يعلى : الواجب من الخبز رطلان كل يوم في حق المعسر والموسر،
وإنما يختلفان في صفته وجودته ؛ لأن الموسر والمعسر مستويان في قدر المأكول وإنما
يختلفان في الجودة وغيرها .
قال النووي : وهذا الحديث حجة على من اعتبر التقدير .
قال المصنف ؛ تَعَقُّباً له : ليس صريحاً في الرد عليه ، ولكن التقدير بما ذكر
٥٩٦

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٨ - حديث عائشة
محتاج إلى دليل ؛ فإن ثبت ، حملت الكفاية في ذلك الحديث على ذلك المقدار .
وفي قولها : إلا ما أخذت من ماله ، دليل على أن للأم ولاية في الإنفاق
على أولادها مع تمرد الأب .
وعلى أن مَنْ تعذر عليه استيفاء ما يجب له أن يأخذه؛ لأنه معَ ةٍ أقرها على
الأخذ في ذلك ، ولم يذكر لها أنه حرام ، وقد سألته ؛ هل عليها جناح؟ فأجاب
بالإباحة في المستقبل ، وأقرها على الأخذ في الماضي .
وقد ورد في بعض ألفاظه في البخاري : ((لا حرج عليك أن تطعميهم
بالمعروف)) .
وقوله: ((خذي ما يكفيك وولدك)) يحتمل أنه فتيا منه عَ ليه ، ويحتمل أنه
حكم ، وفيه دليل على الحكم على الغائب من دون نصب وكيل عنه ؛ وعليه
بوّب البخاري : باب القضاء على الغائب ، وذكر هذا الحديث .
لكنه قال النووي : شرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد ، أو
متعززاً لا يقدر عليه ، أو متعذراً، ولم يكن أبو سفيان فيه شيء من هذه ؛ بل
كان حاضراً في البلد ؛ فلا يكون هذا من القضاء على الغائب .
إلا أنه قد أخرج الحاكم في تفسير الممتحنة في ((المستدرك)): أنه صلى الله
عليه وآله وسلم لما اشترط في البيعة على النساء: (ولا يسرقن))، قالت هند: لا
أبايعك على السرقة ؛ إني أسرق من زوجي ، فكف ، حتّى أرسل إلى أبي سفيان
يتحلل لها منه ، فقال: ((أما الرطب فنعم، وأمّا اليابس فلا))، وهذا المذكور يدل
على أنه قضى على حاضر ، إلا أنه خلاف ما بوَّب له البخاري .
٥٩٧

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٩ - حديث طارق المحاربي
والحاصل أن القصة مترددة بين كونه فتياً وبين كونه حكماً ، وكونه فتياً
أقرب؛ لأنه لم يطالبها ببينة ، ولا استحلفها ، وقد قيل : إنه حكم بعلمه
بصدقها فلم يطلب منها بينة ، ولا يميناً ، فهو حجة لمن يقول إنه يحكم الحاكم
بعلمه ، إلا أنه مع الاحتمال لا ينهض دليلاً على معين من صور الاحتمال .
إنما يتم به الاستدلال على وجوب النفقة على الزوج للزوجة وأولاده ، وعلى
أن لها الأخذ من ماله إن لم يقم بكفايتها .
وهو الحكم الذي أراده المصنف من إيراد الحديث هذا هنا في باب النفقات .
١٠٦٩ - وعن طَارِق الْمُحَاربيِّ رضي الله عنه قالَ: قَدمْنَا الَدينَةَ؛ فإذا
رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قَائِمٌ عَلى المِنْبر يَخْطُبُ النّاسَ وَيَقُولُ:
(يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأُ بَنْ تَعُولُ؛ أُمّكَ وَأَبَاكَ ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثم أَدْنَاكَ
فَأَدْنَاكَ)) . رَوَاهُ النّسَائِي، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والدَّارَقُطْنئُّ.
(وَعن طارق المحاربي رضي الله عنه): هو طارق بن عبد الله المحاربي ؛ بضم
الميم وحاء مهملة ، روى عنه جامع بن شداد وربعي - بكسر الراء وسكون
الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد المثناة التحتية - ابن حراش - بكسر الحاء
المهملة وتخفيف الراء والشين المعجمة - (قالَ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ ؛ فإذا رَسُولُ الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قَائِمٌ عَلى الِنْبر يَخْطُبُ النّاسَ وَيَقُولُ: ((يَدَّ
الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بَنْ تَعُولُ؛ أُمَكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثم أَدْنَاكَ
فَأَدْنَاكَ)). رِوَاهُ النّسَائِي، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .
الحديث كالتفسير لحديث: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)).
٥٩٨

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٩ - حديث طارق المحاربي
وفسر في ((النهاية)) اليد العليا؛ بالمعطية ، أو المنفقة ، واليد السفلى؛ بالمانعة ،
أو السائلة .
وقوله : ((ابدأ بمن تعول))، دليل على وجوب الإنفاق على القريب، وقد
فصله بذكر الأم قبل الأب إلى آخر ما ذكره .
فدل هذا الترتيب على أن الأم أحق من الأب بالبر .
قال القاضي عياض : وهو مذهب الجمهور ، ويدل له ما أخرجه البخاري من
حديث أبي هريرة ؛ فذكر الأمّ ثلاث مرات ، ثم ذكر الأب معطوفاً بثم ، فمن لا
يجد إلا كفاية لأحد أبويه ، خص بها الأمّ؛ للأحاديث هذه .
وقد نبه القرآن على زيادة حق الأمّ في قوله : ﴿ووصينا الإنسان بوالديه
إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كُرهاً﴾ [الأحقاف: ١٥].
وفي قوله : ((وأختك وأخاك، ثم أدناك ... )) إلى آخره، دليل على وجوب
الإنفاق للقريب المعسر؛ فإنه تفصيل لقوله: ((وابدأ بمن تعول))، فجعل الأخ من
عياله .
وإلى هذا ذهب عمر وابن أبي ليلى وأحمد والهادي ، ولكنه اشترط في
((البحر)): أن يكون القريب وارثاً مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل
ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣].
واللام للجنس ، وعند الشافعي : أن النفقة تجب لفقير غير مكتسب؛ زمناً،
أو صغيراً، أو مجنوناً ؛ لعجزه عن كفاية نفسه .
قالوا : فإن لم يكن فيه إحدى هذه الصفات الثلاث ، فأقوال ؛ أحسنها :
٥٩٩

١٠ - كتاب الرجعة
٥ - باب النفقات
١٠٦٩ - حديث طارق المحاربي
تجب ؛ لأنه يقبح أن يكلف التكسب مع اتساع مال قريبه .
والثاني : المنع ؛ للقدرة على الكسب ؛ فإنه نازل منزلة المال .
الثالث : أنه يجب نفقة الأصل على الفرع دون العكس ؛ لأنه ليس من
المصاحبة بالمعروف أن يكلف أصله التكسب مع علو السن .
وعند الحنفية يلزم التكسب لقريب محرم فقير عاجز عن الكسب بقدر
الإرث ، هكذا في كتب الفريقين .
وفي ((البحر)) نقل عنهم ما يخالف هذا ، وهذه أقوال لم يسفر فيها وجه
الاستدلال ، وفي قوله تعالى: ﴿وآَتِ ذا القربى حقه﴾ [الإسراء: ٢٦]، ما يشعر
بأن للقريب حقاً على قريبه ، والحقوق متفاوتة فمع حاجته للنفقة تجب ، ومع
عدمها ، فحقه الإحسان بغيرها من البر والإكرام .
والحديث كالمبين لذوي القربى ودرجاتهم ؛ فيجب الإنفاق للمعسر على
الترتيب في الحديث ، ولم يذكر فيه الولد والزوجة ؛ لأنهما قد علما من دليل
آخر؛ وهو الحديث الأوّل ، والتقييد بكونه وارثاً ، محل توقف .
واعلم أن للعلماء خلافاً في سقوط نفقة الماضي ، فقيل : تسقط للزوجة
والأقارب ، وقيل : لا تسقط .
وقيل : تسقط نفقة القريب دون الزوجة .
وعللوا هذا التفصيل بأن نفقة القريب إنَّما شرعت للمواساة لا لأجل إحياء
النفس ، وهذا قد انتفى بالنظر إلى الماضي ، وأمّا نفقة الزوجة ، فهي واجبة لا
٦٠٠