Indexed OCR Text

Pages 521-540

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
أحدهما : ما كانت على وجه التبيين والتعليم فيما يلزم الحاجة إليه من أمر
الدين .
والآخر : ما كان على طريق التعنت والتكلف .
فأباح النوع الأوّل وأمر به وأجاب عنه فقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ [النحل:
٤٣، الأنبياء: ٧]، وقال: ﴿فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك﴾ [يونس: ٩٤]
وأجابه تعالى في الآيات : ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ ﴿ويسألونك
عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وغيرها وقال في النوع الآخر: ﴿ويسألونك عن الروح
قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال: ﴿يسألونك عن الساعة أيّان
مرساها﴾ [الأعراف : ١٨٧] .
فكل ما كان من السؤال على هذا الوجه فهو مكروه ؛ فإذا وقع السكوت عن
جواب ، فإنَّما هو زجر وردع للسائل ؛ فإذا وقع الجواب ، فهو عقوبة وتغليظ .
الثانية : في قوله : فبدأ بالرجل ، ما يدل على أنه يبدأ به ، وهو قياس الحكم
الشرعي؛ لأنه المدّعي فيقدم ، وبه وقعت البداءة في الآية .
وقد وقع الإجماع على أن تقديمه سنة ، واختلف ؛ هل تجب البداءة به أم لا؟
فذهب الجماهير إلى وجوبها؛ لقوله ◌َّةٍ لهلال: ((البينة وإلا حدّ في ظهرك)).
فكانت البداءة؛ لدفع الحدّ عن الرجل ، فلو بدأ بالمرأة ، كان دافعاً لأمر لم
يثبت .
وذهب أبو حنيفة إلى أنها تصح البداءة بالمرأة ؛ لأن الآية لم تدل على لزوم
البداءة للرجل ؛ لأن العطف فيها بالواو؛ وهي لا تقتضي الترتيب .
٥٢١

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
وأجيب عنه بأنها ، وإن لم تقتض الترتيب ؛ فإنه تعالى لا يبدأ إلا بما هو
الأحق في البداءة ، والأقدم في العناية ؛ وبيّن فعله ◌َ﴿ ذلك ، فهو مثل قوله :
((نبدأ بما بدأ الله به))، في وجوب البداءة بالصفا .
الثالثة : قوله : ثم فرّق بينهما ، دال على أن الفرقة بينهما لا تقع إلا بتفريق
الحاكم ، لا بنفس اللعان .
وإلى هذا ذهب كثير مستدلين بهذا اللفظ في الحديث ، وأنه ثبت في
((الصحيح)) بأن الرجل طلقها ثلاثاً بعد تمام اللعان ، وأقرّه النبي صلى الله عليه
وآله وسلم على ذلك .
ولو كانت الفرقة تقع بنفس اللعان، لبيّن أن طلاقه في غير محله .
وقال الجمهور : بل الفرقة تقع بنفس اللعان ، وإنما اختلفوا ؛ هل تحصل الفرقة
بتمام لعانه ، وإن لم تلتعن هي؟ فقال الشافعي : تحصل به .
وقال أحمد : لا تحصل إلا بتمام لعانهما ، وهو المشهور عند المالكية ، وبه
قالت الظاهرية .
واستدلوا بما جاء في ((صحيح مسلم)) من قوله ◌َ : ((ذلكم التفريق بين
كل متلاعنين)) .
قال ابن العربي: أخبر ◌َ له بقوله: ((ذلكم))، عن قوله: ((لا سبيل لك عليها)).
قال : وكذا حكم كل متلاعنين ؛ فإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم ، فقد
نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((ذلكم
التفريق بين كل متلاعنين)) .
٥٢٢

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
قالوا : وقوله : فرّق بينهما ، معناه: إظهار ذلك ، وبيان حكم الشرع فيه ، لا
أنه أنشأ الفرقة بينهما .
قالوا : فأما طلاقه إياها ، فلم يكن عن أمره صلى الله عليه وآله وسلم ، وبأنه
لم يزد التحريم الواقع باللعان إلا تأكيداً؛ فلا يحتاج إلى إنكاره .
وبأنه لو كان لا فرقة إلا بالطلاق ، لجاز له الزواج بها بعد أن تنكح زوجاً غيره .
وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس الحديث ؛ وفيه : وقضى رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أن لا بيت لها عليه ولا قوت ، من أجل أنهما يتفرقان من
غير طلاق ، ولا متوفى عنها .
وأخرج أبو داود من حديث سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال :
مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرّق بينهما ، ثم لا يجتمعان أبداً .
وأخرجه البيهقي بلفظ : فرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
بينهما وقال : ((لا يجتمعان أبداً)).
وعن عليّ وابن مسعود قالا : مضت السنة بين المتلاعنين أن لا يجتمعا أبداً .
وعن عمر : يُفَرَّق بينهما ، ولا يجتمعان أبداً .
الرابعة : اختلف العلماء في فرقة اللعان ؛ هل هي فسخ ، أو طلاق بائن؟
فذهبت الهادوية والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنها فسخ ، مستدلين بأنها
توجب تحريماً مؤبداً ، فكانت فسخاً كفرقة الرَّضاعة؛ إذْ لا يجتمعان أبداً .
ولأن اللعان ليس صريحاً في الطلاق ، ولا كناية فيه .
٥٢٣

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٢٩ - حديث ابن عمر
وذهب أبو حنيفة إلى أنها طلاق بائن ، مستدلاً بأنها لا تكون إلا من زوجة ؛
فهي من أحكام النكاح المختصة ؛ فهي طلاق ؛ إذْ هو من أحكام النكاح المختصة ،
بخلاف الفسخ ؛ فإنه قد يكون من أحكام غير النكاح ؛ كالفسخ بالعيب .
وأجيب بأنه لا يلزم من اختصاصه بالنكاح أن يكون طلاقاً ، كما أنه لا يلزم
فيه نفقة ، ولا غيرها .
الخامسة - وهي فرع الرابعة -: اختلفوا لو أكذب نفسه بعد اللعان ؛ هل تحل
له الزوجة؟ فقال أبو حنيفة : تحل له ؛ لزوال المانع ، وهو قول سعيد بن المسيب ؛
فإنه قال : فإن أكذب نفسه ؛ فإنه خاطب من الخطاب .
وقال ابن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة .
وقال الشافعي وأحمد: لا تحل له أبداً؛ لقوله تعَ الرؤية: ((لا سبيل لك عليها)).
قلت: قد يجاب عنه بأنه ◌َّ هُ قاله لمن التعن ، ولم يكذّب نفسه .
السادسة : في حديث لعان هلال بن أمية أنه قذف امرأته عند النبي صلى
الله عليه وآله وسلم بشريك بن سحماء ... الحديث عند أبي داود وغيره .
قال الخطابي : فيه من الفقه أن الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ، ثم
تلاعنا ، فإن اللعان يُسْقِط عنه الحد ، فيصير في التقدير ذكره المقذوف به تبعاً ،
ولا يعتبر حكمه ، وذلك أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم لهلال بن أمية :
((البيِّنة، أو حدٍّ في ظهرك))، فلما تلاعنا ، لم يتعرض لهلال بالحد .
ولا يروى في شيء من الأخبار أن شريك بن سحماء عفا عنه ، فعلم أن
٥٢٤

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٠ - حديث ابن عمر
الحد الذي كان يلزمه بالقذف سقط عنه باللعان ؛ وذلك لأنه مضطر إلى ذكر من
يقذفها به ؛ لإزالة الضرر عن نفسه ، فلم يحمل نفسه على القصد له بالقذف ،
وإدخال الضرر عليه .
قلت : ولا يخفى أنه لا ضرورة في تعيين من قذفها به .
قال : وقال الشافعي: إنما يسقط الحد عنه إذا ذكر الرجل وسمّاه في اللعان ؛
فإن لم يفعل ذلك ، حدّ له .
وقال أبو حنيفة : الحد لازم له ، وللرجل مطالبته به .
وقال مالك : يحد للرجل ، ويلاعن للزوجة . انتهى .
قلت : ولا دليل في حديث هلال على سقوط الحد بالقذف ؛ لأنه حق
للمقذوف ، ولم يرد أنه طالب به ، حتّى يقول له صلى الله عليه وآله وسلم: قد
سقط باللعان ، أو يحد القاذف ، فيتبين الحكم .
والأصل ثبوت الحد على القاذف ، واللعان إنما شرع؛ لدفع الحد عن الزوج
والزوجة .
١٠٣٠ - وعن ابن عمر رضي الله عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: ((حِسَابُكُمَا عَلى اللهِ؛ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ
لِكَ عَلَيْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ
بَمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وإِن كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذاكَ أَبْعَدُ لكَ مِنْهَا)) .
مُتّفقٌ عَلَيهِ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
٥٢٥

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣١ - حديث أنس
قال للمتلاعنين : ((حسَابُكُما عَلى الله): بيّنه بقوله (أَحَدُكُمَا كاذبٌ) : فإذا
كان أحدهما كاذباً ، فالله هو المتولي لجزائه (لاسبيل لك عليها))): هو إبانة
للفرقة بينهما كما سلف (قال: يا رسول الله ، مالي؟) : يريد به الصداق الذي
سلمه إليها (قال: ((إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَليْها، فهُوَ بَمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِها،
وإن كُنْتَ كَذَبْتَ عَليْها ، فذاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْها)). متفق عليه) .
الحديث أفاد ما سلف من الفراق بينهما ، وأن أحدهما كاذب في نفس
الأمر، وحسابه على الله ، وأنْ لا يَرْجِعَ بشيء مما سلمه من الصداق ؛ لأنه إن
كان صادقاً فى القذف ، فقد استحقت المال بما استحل منها ، وإن كان كاذباً ،
فقد استحقته أيضاً بذلك ، ورجوعه إليه أبعد ؛ لأنه هضمها بالكذب عليها
فكيف يرتجع ما أعطاها؟!
١٠٣١ - وعن أَنَس رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ: ((أبصِرُوهَا؛ فإِن جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً، فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وإِن جَاءَتْ بِهِ
أَكْحَلِ جَعْداً ، فَهُوَ للَّذِي رَمَاهَا بِهِ). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((أَبْصِرُوهَا؛ فإن جاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً) : بفتح السين المهملة وكسر الباء
الموحدة بعدها طاء مهملة ؛ وهو الكامل الخلق من الرجال (فهُوَ لِزَوْجِها، وإن
جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ) : بفتح الهمزة وسكون الكاف ؛ هو الذي منابت أجفانه كلها
سود ، كأن فيها كحلاً؛ وهي خلقة (جَعْداً) : بفتح الجيم وسكون العين المهملة
فدال مهملة ؛ وهو من الرجال القصير (فَهُوَ للَّذِي رَمَاهَا بِه)). متفق عليه) .
٥٢٦

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣١ - حديث أنس
.. ولهما في أخرى : فجاءت به على النعت المكروه .
وفي الأحاديث ثبتت له عدة صفات ، وفي رواية لهما وللنسائي : أنه قال
﴿ - بعد سرد صفات ما في بطنها -: ((اللهمَّ بين))، فوضعت شبيهاً بالذي
ذكر زوجها أنه وجده عندها .
وفي الحديث دليل على أنه يصح اللعان للمرأة الحامل ، ولا يؤخر إلى أن
تضع ، وإليه ذهب الجمهور ؛ لهذا الحديث .
وقالت الهادوية وأبو يوسف ومحمد ؛ ويروى عن أبي حنيفة وأحمد : أنه لا
لعان لنفي الحمل ؛ لجواز أن يكون ريحاً ، فلا يكون للعان حينئذ معنى .
قلت : وهذا رأي في مقابلة النص ؛ وكأنهم يريدون أنه لا لعان بمجرد ظن
الحمل من الأجنبي ، لا لوجدانه معها الذي هو صورة النص .
وفي الحديث دليل على أنه ينتفي الولد باللعان ، وإن لم يذكر النفي في
اليمين ؛ وإلى هذا ذهب أهل الظاهر .
وعند بعض المالكية وبعض أصحاب أحمد : أنه لا يصح اللعان على الحمل
إلا بشرط ذكر الزوج لنفي الولد دون المرأة .
وأنه يصح نفي الولد ، وهو حمل ، ويؤخر اللعان إلى ما بعد الوضع ، ولا
دليل عليهما .
بل الحق قول الظاهرية؛ فإنه لم يقع في اللعان عنده ◌َ﴿ نفي الولد، ولم نره
في حديث هلال ، ولا عويمر ، ولم يكن اللعان إلا منهما في عصره ، صلى الله
عليه وآله وسلم .
٥٢٧

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٢ - حديث ابن عباس
وأما لعان الحامل ؛ فقد ثبت في هذه الأحاديث ، وقد أخرج مالك عن نافع
عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعن بين رجل وامرأته ،
وانتفى من ولده ، ففرق بينهما ، وألحق الولد بالمرأة .
وفي حديث سهل : وكانت حاملاً ، فأنكر حملها ، وذكر أنه انتفى من ولده .
ولكنه لا يدل على اشتراط نفي الولد ؛ لأنه فعله الرجل من تلقاء نفسه .
وقال أبو حنيفة : لا يصح نفي الحمل واللعان علیه ؛ فإن لاعنها حاملاً ، ثم
أتت بالولد ، لزمه ، ولم يُمَكَّنْ من نفيه أصلاً؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين
الزوجين ، وهذه قد بانت بلعانهما في حال حملها .
ويجاب بأن هذا رأي في مقابلة النص الثابت في حديث الباب ، وفي
حديث ابن عمر هذا ، وإن كان البخاري قد بيّن أن قوله فيه : وكانت حاملاً،
من كلام الزهري ، لكن حديث الباب صحيح صريح .
وفي الحديث دليل على العمل بالقيافة ، وكان مقتضاها إلحاق الولد بالزوج
إن جاءت به على صفته ؛ لأنه للفراش ، لكنه بیَّن صلى الله عليه وآله وسلم المانع
عن الحكم بالقيافة نفياً وإثباتاً، بقوله : ((لولا الأيمان ، لكان لي ولها شأن)).
١٠٣٢ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُ: أَنَّ رَسُولَ الله عَّهُ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ
يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ : ((إنّهَا مُوجِبَةٌ)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنّسائي ،
وَرَجَالُهُ ثقَاتٌ .
(وَعَنِ ابنِ عَبّاس رضيَ الله عنهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَضَعَ
٥٢٨

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٣ - حديث سهل بن سعد
يَدَهُ عِنْدَ الْخَامسَةِ عَلى فيهِ، وَقَالَ : ((إنّهَا مُوجِبَةٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنّسائي،
وَرِجَالُه ثِقَاتٌ): فيه دلالة على أنه يشرع من الحاكم المبالغة في منع الحلف ؛
خشية أن يكون كاذباً؛ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم منع بالقول بالتذكير
والوعظ ، كما سلف ، ثم منع ههنا بالفعل ، ولم يرو أنه أمر بوضع يد أحد على
فم المرأة ، وإن أوهمه كلام الرافعي .
وقوله : ((إنها الموجبة)) ؛ أي : للفرقة ولعذاب الكاذب .
وفيه دليل على أن اللعنة الخامسة واجبة .
وأما كيفية التحليف ؛ فأخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس في
تحليف هلال بن أمية: أنه قال له رسول الله عَّالية: ((احلف بالله الذي لا إله إلا
هو: إني لصادق))؛ يقول ذلك أربع مرات؛ الحديث بطوله ، قال الحاكم:
صحيح على شرط البخاري .
١٠٣٣ - وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه - في قِصّةِ الْمُتلاعِنَيْنِ - قالَ:
فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلاعُنِهِمَا، قَال: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يا رَسُولَ الله، إنْ أَمْسَكْتُهَا،
فَطَلْقَهَا ثَلاثً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله ◌ِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه - في قِصّةِ الْمُتلاعِنَيْنِ - قالَ: فَلَمّا فَرَغَا
مِنْ تَلاعُنِهِمَا قَال): أي: الرجل (كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إنْ أَمْسَكْتُهَا ،
فَطَلّقَهَا ثَلاثَاً قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللّهِ تَُّهِ ، مُتَفَقٌ عَلَيْه)
تقدم الكلام على تحقيق المقام .
٥٢٩

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٤ - حديث ابن عباس
١٠٣٤ - وعن ابْن عَبّاس رضيَ اللهُ عنهما: أنّ رَجُلاً جَاءَ إلى رسول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ، فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسِ، قالَ: ((غَرِّبْهَا)) ،
قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسي، قالَ : ((فَاسْتَمْتَعْ بِهَا)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرْمِذِي
وَالْبَزَّارُ، وَرَجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَخْرَجَهُ النّسائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ ؛ بِلَفْظ :
قَالَ: ((طَلِّقْهَا))، قالَ: لا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ : ((فَأَمْسِكَّهَا)) ...
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: ((غَرِّبْها))):
بالغين المعجمة والراء وباء موحدة؛ قال في ((النهاية)): أي : أبعدها؛ يريد
الطلاق (قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: ((فاسْتَمْتعْ بها)) . رواه أبو داود
والترمذي والبزار ، ورجاله ثقات) : وأطلق عليه النووي الصحة .
لكنه نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال : لا يثبت عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء ، وليس له أصل ، فتمسك بهذا ابن
الجوزي وعده في ((الموضوعات)) مع أنه أورده بإسناد صحيح!
(وأخرجه النسائي من وجه آخر عن ابن عباس؛ بلفظ: قال: ((طَلِّقْها))،
قال: لا أصبر عنها ، قال: ((فأمسكها))) :
اختلف العلماء في تفسير قوله : لا تردّ يد لامس ، على قولين :
الأول : أن معناه الفجور ، وأنها لا تمنع من يريد منها الفاحشة ؛ وهذا قول
أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطّابي .
٥٣٠

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٥ - حديث أبي هريرة
واستدل به الرَّافعي على أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنا ، إذا كان
الرجل لا يقدر على مفارقتها .
والثاني : أنها تبذر بمال زوجها ، ولا تمنع أحداً طلب منها شيئاً منه ؛ وهذا
قول أحمد والأصمعي؛ ونقله عن علماء الإسلام ، وأنكر ابن الجوزي على من
ذهب إلى الأول .
قال في ((النهاية)): وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول يُشْكِل على ظاهر
قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣]، وإن كان في معنى الآية
وجوه كثيرة .
قلت : الوجه الأول في غاية من البعد ؛ بل لا يصح ؛ للآية ، ولأنه صلى الله
عليه وآله وسلم لا يأمر الرجل أن يكون ديّوثاً؛ فحمله على هذا لا يصح .
والثاني بعيد ؛ لأن التبذير إن كان بمالها ، فمنعها ممكن ، وإن كان من مال
الزوج ، فكذلك ، ولا يُوجِبُ أَمْرَهُ بطلاقها؛ على أنه لم يتعارف في اللغة أن
يقال : فلان لا يردّ يد لامس؛ كناية عن الجود ، فالأقرب المراد أنها سهلة
الأخلاق ، ليس فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب ؛ لا أنها تأتي الفاحشة .
وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة ، ولو أراد به
أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب ، لكان قاذفاً لها .
١٠٣٥ - وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌َيُّهِ يَقُولُ
- حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ -: (أَيُمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلى قَوْمِ مَنْ لَّيْسَ مِنْهُمْ،
فَلَيْسَتْ مِن الله في شيءٍ ، ولم يُدْخِلْهَا اللَّه جَنْتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ،
٥٣١

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٦ - حديث عمر
وهو يَنْظُرُ إِلَيْه، احْتَجَبَ الله عَنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلى رُؤوس الأوَّلِينَ وَالآخرِينَ)).
أَخْرَجَهَ أَبُو دَاودَ والنّسائي وابنُ مَاجَه ، وَصَحّحُهُ ابنُ حِبّانَ .
(وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّهِ يَقُولُ - حِينَ
نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلاعِنَيْنِ -: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلى قَوْم مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ
مِن الله في شيءٍ ، ولم يُدْخِلْهَا اللّهَ جَنّتَهُ؛ وَأَيُّمَا رَجُلُّ جَحَدَ وَلَدَهُ، وهو يَنْظُرُ
إِلَيْهِ) : أي: يعلم أنه ولده (احْتَجَبَ الله عَنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوس الأوَّلِينَ
وَالآخرِينَ)). أَخْرَجَه أَبُو دَاودَ والنّسائي وابنُ مَاجَه، وَصَحّحُهُ ابنُ حِبّانَ) .
وقد تفرد به عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، ولا
يعرف عبد الله إلا بهذا الحديث ؛ ففي تصحيحه نظر .
وصححه أيضاً الدارقطني مع اعترافه بتفرد عبد الله !
وفي الباب عن ابن عمر عند البزار ، وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي ؛ ضعيف ،
وأخرج أحمد من طريق مجاهد عن ابن عمر نحوه ؛ أخرجه عبد الله بن أحمد في
((زوائد المسند)) عن أبيه عن وكيع ؛ وقال : تفرد به وكيع ، ومعنى الحديث واضح .
١٠٣٦ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فليس لَهُ
أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وهو حَسَنٌ مَوْقُوفٌ .
(وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عيْنِ ، فليس لَهُ أَنْ
يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وهو حَسَنٌ مَوْقُوفٌ).
فيه دليل على أنه لا يصح النفي للولد بعد الإقرار به ؛ وهو مجمع عليه ،
واختلف فيما إذا سكت بعد علمه به ، ولم ينفه ؛ فقال المؤيد : إنه يلزمه ، وإن
٥٣٢

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٧ - حديث أبي هريرة
لم يعلم أن له النفي ؛ لأن ذلك حق يبطل بالسكوت ، وذلك كالشفيع إذا أبطل
شفعته قبل علمه باستحقاقها .
وذهب أبو طالب إلى أن له النفي متى علم؛ إذْ لا يثبت التخيير من دون
علم؛ فإن سكت عند العلم ، لزم ، ولم يمكن من النفي بعد ذلك ، ولا يعتبر
عنده فور ، ولا تراخ ؛ بل السكوت كالإقرار .
وقال الإمام يحيى والشافعي : بل يكون نفيه على الفور ، قال : وحد الفور ما
لم يعد تراخیاً عرفاً، كما لو اشتغل بإسراج دابته ، أو لبس ثيابه ، أو نحو ذلك ؛
لم يعد تراخياً عرفاً ، ولهم في المسألة تقادير ليس عليها دليل إلا الرأي ، وفروع
على غير أصل أصيل .
١٠٣٧ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رسولَ الله! إِن
امرأتي ولدت غُلاماً أَسْوَدَ؟ قالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إبل؟))، قالَ: نَعَمْ، قال: ((فَمَا
أَلْوَانُهَا؟))، قالَ: حُمْرٌ ، قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟))، قالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَنّى
ذلكَ؟))، قالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: ((فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ)). متفق
عَلَيْهِ ، وفي روايَةٍ لِمُسْلم: وهو يُعَرِّضُ بِأَن يَنْفِيَهُ، وقالَ في آخِرِهِ : ولم يُرَخِّصْ
لَهُ في الانتفاءِ مِنْهُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً) : قال عبد الغني: إن اسمه
ضمضم بن قتادة (قال: يا رسول الله ! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود؟ قال :
(هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟))، قال: نعم، قال: ((فَمَا أَلْوانُها؟))، قال: حُمْرٌ ، قال: ((هَلْ
فِیھا مِنْ أَوْرَق؟))): بالراء والقاف - بزنة أحمر -؛ وهو الذي في لونه سواد لیس
٥٣٣

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٧ - حديث أبي هريرة
بحالك (قال: نعم ، قال: ((فأَنّى ذلكَ؟))، قال: لعله نَزَعَهُ) : بالنون فزاي وعين
مهملة ؛ أي : جذبه إليه (عِرْقٌ ، قال: ((فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذا نَزَعَهُ عِرْق)). متفق عليه) .
(وفي رواية لمسلم) : أي : عن أبي هريرة (وهو) : أي : الرجل (يعرض بأن
ينفيه ، وقال في آخره: ولم يرخص له في الانتفاء منه) .
قال الخطابي : هذا القول من الرجل تعريض بالريبة ؛ كأنه يريد نفي الولد .
فحكم النبي ◌َ بأن الولد للفراش، ولم يجعل خلاف الشبه واللون دلالة
يجب الحكم بها ، وضرب له المثل بما يوجد من اختلاف الألوان في الإبل
ولقاحها واحد .
وفي هذا إثبات القياس ، وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث الشبه
واحد ، ثم قال :
وفيه دليل على أن الحدّ لا يجب في المكاني ، وإنما يجب في القذف الصريح .
وقال المهلب : التعريض إذا كان على جهة السؤال لا حدّ فيه ، وإنما يجب
الحدّ في التعريض إذا كان على المواجهة والمشائمة .
وقال ابن المنير: يفرّق بين الزوج والأجنبي في التعريض ؛ أن الأجنبي
يقصد الأذية المحضة ، والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب .
وقال القرطبي : لا خلاف أنه لا يجوز نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة ،
كالسمرة والأدمة ، ولا في البياض والسواد ، إذا كان قد أقر بالوطء ، ولم تمض
مدة الاستبراء .
٥٣٤

١٠ - كتاب الرجعة
٢ - باب اللعان
١٠٣٧ - حديث أبي هريرة
قال في ((الشرح)): كأنه أراد في مذهبه ، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية
بتفصيل ؛ وهو إن لم ينضم إليه قرينة زناً ، لم يجز النفي ، وإن اتهمها بولد على
لون الرجل الذي اتهمها به ، جاز النفي على الصحيح .
وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقاً، والخلاف إنما هو عند عدمها ،
والحديث يحتمله ؛ لأنه لم يذكر أن معه قرينة الزنا ، وإنما هو مجرد مخالفة
اللون .
1
٥٣٥

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة
٣ - باب العدّة والإحداد والاستبراء ، وغير ذلك
بكسر العين المهملة : اسم لمدّة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة
زوجها ، وفراقه لها؛ إما بالولادة ، أو الأقراء ، أو الأشهر.
والإحداد ؛ بالحاء بعدها دالان مهملتان بينهما ألف ؛ وهو لغة : المنع ، وشرعاً :
ترك الطيب والزينة للمعتدة عن وفاة .
١٠٣٨ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ
فَاسْتَأْذَنَتْهُ أنْ تَنْكِحَ ، فَأَذِنَ لِهَا فَنَكَحَتْ .
زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَجَاءَتِ النّبيَّ
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَصْلَهُ في ((الصَّحِيْخَيْنٍ))، وفي لَفْظٍ: أَنّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاة
زَوْجِهَا بِأَربعين لَيْلَةً ، وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلا أَرَى بأساً أَنْ تَزَوَّجَ
وَهِيَ فِي دَمِهَا ، غَير أنّه لا يَقْرَبُها زَوْجُهًا، حتّى تَطْهُرَ .
(عن المسور) : بكسر الميم وسكون السين المهملة فواو مفتوحة فراء (ابن
مخرمة) : بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، تقدمت ترجمته (أن
سُبَيْعَةَ) : بضم السين المهملة فباء موحدة فمثناة تحتية ؛ تصغير سبع ، وتاء
التأنيث (الأسْلَميّةَ نُفِسَتْ): بضم النون وكسر الفاء (بعد وفاة زوجها) : هو
سعيد بن خولة ، توفي بمكة بعد حجة الوداع (بليال) : وقع في تقدیرها خلاف
﴿ فاستأذنته أن
كبير لا حاجة إلى ذكره ، ويأتي بعضه قريباً (فجاءت النبي
تنكح، فأذن لها فنكحت . رواه البخاري، وأصله في ((الصحيحين))، وفي
لفظ) : للبخاري (أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة ، وفي لفظ
المسلم): أي : عن المسور (قال الزهري : ولا أرى بأساً أن تزوّج وهي في دمها):
٥٣٦

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة
أي: دم نفاسها (غير أنه لا يقربها زوجها، حتّى تطهر) .
الحديث دليل على أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدّتها بوضع
الحمل ، وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشراً ، ويجوز بعده أن تنكح .
وفي المسألة خلاف ؛ فهذا الذي أفاده الحديث قول جماهير العلماء من
الصحابة وغيرهم؛ لهذا الحديث ، ولعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن
أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]، والآية، وإن كان ما قبلها في المطلقات ؛ لكن
ذلك لا یخص عمومها .
وأيد بقاء عمومها على أصله ما أخرجه عبد الله بن أحمد في ((رواية
المسند»، والضياء في ((المختارة)) ، وابن مردويه عن أبي بن كعب ، قال :
قلت: يا رسول الله! ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ هي
المطلقة ثلاثاً أم المتوفى عنها؟ قال: ((هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها)).
وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني عن أُبيّ من وجه
آخر قال : لما نزلت هذه الآية ، قلت: يا رسول الله! هذه الآية مشتركة أم مبهمة؟
قال رسول اللّه ◌َا: ((أية آية؟)) قلت: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن﴾ المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: ((نعم)).
وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه عدة روايات دالّة على قوله بهذا .
وأخرج عنه ابن مردويه قال : نسخت سورة النساء القصرى كل عدة :
﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ أجَلُ كل حامل مطلقة ، أو
٥٣٧

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة
متوفى عنها زوجها أن تضع حملها .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت سورة النساء القصرى
بعد التي في البقرة بسبع سنين .
وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن
المنذر وابن مردويه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : كنت أنا وابن عباس
وأبو هريرة رضيَ الله عنهُ فجاء رجل فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد وفاة
زوجها بأربعين ليلة ؛ أحلت؟
قال ابن عباس : تعتد آخر الأجلين ، قلت أنا : ﴿وأولات الأحمال أجلهن
أن يضعن حملهن﴾ .
قال ابن عباس : ذلك في الطلاق ، قال أبو سلمة : أرأيت لو أن امرأة جرت
حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس : آخر الأجلين .
قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي ، يعني أبا سلمة ، فأرسل ابن عباس غلامه
كريباً إلى أم سلمة يسألها؛ أمضت في ذلك سنة؟ فقالت : قتل زوج سبيعة
الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول
· 葉 山
وأخرجه عبد بن حميد من حديث أبي سلمة ؛ وفيه : أنهم أرسلوا إلى عائشة
فسألوها ، فقالت : ولدت سبيعة - مثل ما مضى -، إلا أنها قالت : بعد وفاة
زوجها بلیال .
٥٣٨

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٣٨ - حديث المسور بن مخرمة
وفي الباب عدة روايات عن السلف دالة على أن الآية باقية على عمومها في
جميع العدد ، وأن عموم آية البقرة منسوخ بهذه الآية الكريمة ، ومع تأخر نزولها
كما صرحت به الروايات ؛ ينبغي أن يكون التخصيص ، أو النسخ متفقاً عليه .
وذهبت الهادوية وغيرهم ويروى عن عليّ: أنها تعتد بآخر الأجلين ؛ إما
وضع الحمل إن تأخر عن الأربعة الأشهر والعشر، أو بالمدة المذكورة إن تأخرت
عن وضع الحمل مستدلين بقوله تعالى : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً
يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤].
قالوا : فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه ، وقوله : ﴿وأولات
الأحمال أجلهن﴾ [الطلاق: ٤]، كذلك فجمع بين الدليلين بالعمل بهما ، والخروج
من العهدة بيقين ، بخلاف ما إذا عمل بأحدهما .
وأجيب عنه بأن حديث سبيعة نص في الحكم ، مبين بأن آية النساء القصرى
شاملة للمتوفى عنها زوجها ، وأيد حديثها ما سمعته من الأحاديث والآثار .
وأما الرواية عن علي رضي الله عنه ، فقال الشعبي : ما أصدق أن علي بن
أبي طالب كان يقول : عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين .
هذا ؛ وكلام الزهري صريح أنه يعقد بها ، وإن كانت لم تطهر من دم نفاسها ،
وإن حرم وطؤها ؛ لأجل علة أخرى هي بقاء الدم .
وقال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء من أصحابنا وغيرهم : سواء
كان الحمل ولداً، أو أكثر ، كامل الخلقة ، أو ناقصها ، أو علقة ، أو مضغة ؛ فإنها
٥٣٩

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٣٩ - حديث عائشة
تنقضي العدة بوضعه ، إذا كان فيه صورة خلقة آدمي ، سواء كانت صورة خفية
تختص النساء بمعرفتها ، أو صورة جلية يعرفها كل أحد .
وتوقف ابن دقيق العيد فيه من أجل أن الغالب في إطلاق وضع الحمل ؛ هو
الحمل التام المتخلق ، وأمّا خروج المضغة والعلقة فهو نادر، والحمل على الغالب
أقوى .
قال المصنف : ولهذا نقل عن الشافعي قولٌ بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة
لحم ليس فيها صورة بينة ، ولا خفية .
وظاهر الحديث والآية الإطلاق فیما یتحقق کونه حملاً ، وأمّا ما لا يتحقق
كونه حملاً، فلا؛ لجواز أنه قطعة لحم ، والعدة لازمة بيقين ؛ فلا تنقضي
بمشكوك فيه .
١٠٣٩ - وعن عَائشَةَ رضي الله عنهَا، قَالَتْ: أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثِ
حِيَضِ . رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاتُهُ ثقَاتٌ ، لكنّهُ مَعْلُولٌ .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: ((أُمِرَتْ): مغير الصيغة؛ والأمر هو
النبي ﴾ (بريرة أن تعتد بثلاث حيض . رواه ابن ماجه ، ورواته ثقات،
لكنه معلول) .
وقد ورد ما يؤيده ، وهو دليل على أن العدة تعتبر بالمرأة - عند من يجعل عدة
المملوكة دون عدة الحرة - لا بالزوج ؛ على القول الأظهر من أن زوج بريرة كان
عبداً .
٥٤٠