Indexed OCR Text
Pages 341-360
٨ - كتاب النكاح ٩٣١ و٩٣٢ - حديثا عثمان وابن عباس الكتاب على أخبار الآحاد ، إلا أنه أجاب صاحب ((الهداية)) بأنه حديث مشهور ، والمشهور له حكم القطعي سيما مع الإجماع من الأمة ، وعدم الاعتداد بالمخالف . ٩٣١ - وَعَنْ عُثمَانَ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي روَايةٍ لَهُ: ((وَلا يَخْطِبُ))، زَادَ ابنُ حِبّانَ: ((ولا يُخْطَبُ عَلَيه)). (وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يَنْكِحُ): بفتح حرف المضارعة من نكح (الْمُحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ»): بضمه من أنكح (رواه مسلم ، وفي رواية له): أي: لمسلم عن عثمان (((ولا يَخْطبُ))): أي: لنفسه أو لغيره (زاد ابن حبان: ((ولا يُخْطَبُ عَلَيْهِ))): وتقدم ذلك في كتاب الحج ، إلا قوله : ((ولا يخطب عليه))، والمراد أنه لا یخطب أحد منه وليته . مَيْمُونة ٩٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: تَزَوَّجَ رسولُ الله وَهُوَ مُحْرمٌ . مُتّفقٌ عَلَيْهِ . میمونةً وهو (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : تزوجَ رسول الله مُحْرم . متفقٌ عليه) . الحديث قد أكثر الناس فيه الكلام ، لمخالفة ابن عباس لغيره . قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم ، لكن الرواية أنه تزوجها ٣٤١ ٨- کتاب النكاح ٩٣٣ و٩٣٤ - حديثا ميمونة وعقبة وهو حلال جاءت من طرق شتى ، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد ، لكن الوهم إلى الواحد أقرب من الوهم إلى الجماعة . فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا ، فتطلب الحجة من غيرهما ، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم ، فهو المعتمد . انتهى . وقال الأثرم : قلت لأحمد : إن أبا ثور يقول : بأي شيء يدفع حديث ابن عباس - أي : مع صحته -؟ قال : الله المستعان ، ابن المسيب يقول : وهم ابن عباس ، وميمونة تقول : تزوجني وهو حلال . انتهى . يريد بقول ميمونة ما رواه عنها مسلم وهو : ٩٣٣ - ولمسلم عن ميمونة نفسها : أن النبي تزوجها وهو حلال . صَلى الله (ولمسلم عن ميمونة نفسها: أن النبي ◌َّهُ تزوجها وهو حلال): وعضد حديثها حديث عثمان ، وقد تُؤُوِّلَ حديث ابن عباس بأن معنى : وهو محرم . أي : داخل في الحرم ، أو في الأشهر الحرم ؛ جزم بهذا التأويل ابن حبان في ((صحيحه))، وهو تأويل بعيد لا تساعد عليه ألفاظ الأحاديث . وقد تقدم الكلام في هذا في الحج . ٩٣٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بن عامر رضي اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َخَلِ: إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفِى بِهِ ، مَا اسْتَخْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . (وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفِى بِهِ ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ) : أي : أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح ؛ لأن أمره أحوط وبابه أضيق . ٣٤٢ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٤ - حديث عقبة بن عامر والحديث دليل على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يتعين الوفاء بها ، وسواء كان الشرط عرضاً أو مالاً ، حيث كان الشرط للمرأة ؛ لأن استحلال البضع إنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضاه لغيرها . وللعلماء في المسألة أقوال : قال الخطابي : الشروط في النكاح مختلف فيها . فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقاً ، وهو ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف ، أو تسريح بإحسان ، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث . ومنها : ما لا يوفى به اتفاقاً كطلاق أختها ؛ لما ورد من النهي عنه . ومنها ما اختلف فيه ؛ كاشتراط أن لا يتزوج عليها ، ولا يتسرى ولا ينقلها من منزلها إلى منزله (١) . (١) («أقول: فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: العقد صحيح، ولا يلزم هذا الشرط، ولها مهر المثل ؛ لأن هذا شرط يحرّم الحلال ، فكان كما لو شرطت أن لا تسلمه نفسها . وعند أحمد: هو صحيح يلزمه الوفاء به ، ومتى خالف شيئاً من ذلك ، فلها الخيار في الفسخ)). كذا في كتاب ((رحمة الأمة باختلاف الأئمة)) للشيخ محمد بن عبد الرحمن، وكتاب («الميزان» للشعراني. وقال ابن الملك في ((المبارق)) - في قوله: ((ما استحللتم به الفروج)) - : ((أي : الشروط التي يستحل بها الفروج؛ مثل أن يتزوج امرأة على ألف إن أقام بها في بلدها ، وعلى ألفين إن أخرجها . وما قاله بعض الشرَّح من أنه يدخل فيه ما دعى المرأة إلى الرغبة في الزوجية ؛ مثل أن لا يتزوج عليها ولا يتسرَّى ؛ فضعيف ؛ لأن ما تحرم به الفروج وتستحل بسببه ، هو المهر؛ فما يتعلق به من الشرط يكون أليق بالوفاء دون غيره. وفي قوله: ((أحق الشروط)) إشارة إلى أن كل مشروط في حق النكاح لا يجب الوفاء به)) . انتهى . = ٣٤٣ ء ٨ - كتاب النكاح ٩٣٤ - حديث عقبة بن عامر وأما ما يشترطه العاقد لنفسه خارجاً عن الصداق ، فقيل : هو للمرأة مطلقاً ؛ وهو قول الهادوية وعطاء وجماعة . وقيل : هو لمن شرطه ، وقيل : يختص ذلك بالأب دون غيره من الأولياء . وقال مالك : إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجاً عنه فهو لمن وهب له . ودليله ما أخرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده - يرفعه - بلفظ: ((أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح ؛ فهو لها ، وما كان بعد عصمة النكاح ؛ فهو لمن أعطيه ، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته)) . وأخرج نحوه الترمذي من حديث عروة ، عن عائشة ، ثم قال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة ، منهم عمر ، قال : إذا تزوج الرجل المرأة بشرط أن لا يخرجها ؛ لزم ، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق . إلا أنه قد تعقب بأن نقله عن الشافعي غريب ، والمعروف عن الشافعية : أن = وفي ((الموطأ) عن مالك أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب سئل عن المرأة تشترط على زوجها أنه لا يخرج بها من بلدها؟ فقال سعيد بن المسيب : يخرج بها إن شاء . وقال مالك : ((فالأمر عندنا : أنه إذا اشترط الرجل للمرأة - وإن كان ذلك الشرط عند عقدة النكاح - أن لا أنكح عليك ولا أتسرّر ، أنَّ ذلك ليس بشيء ؛ إلا أن يكون في ذلك يمين بطلاق أو عتاقة ؛ فيجب ذلك عليه ويلزمه)) . انتهى . ٣٤٤ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٥ - حديث سلمة بن الأكوع المراد من الشروط هي التي لا تنافي النكاح ، بل تكون من مقتضياته ومقاصده ؛ كاشتراط حسن العشرة والإنفاق والكسوة والسكنى ، وأن لا يقصر في شيء من حقها؛ من قسمة ونفقة ، وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه ، وأن لا تتصرف في متاعه ، ونحو ذلك . قلت : هذه الشروط إن أرادوا أنه يحمل عليها الحديث فقد قللوا فائدته ؛ لأن هذه أمور لازمة للعقد لا تفتقر إلى شرط ، وإن أرادوا غير ذلك ، فما هو؟ نعم ، لو شرطت ما ينافي العقد كأن لا يقسم لها ، ولا يتسرى عليها ؛ فلا يجب الوفاء به . قال الترمذي : قال علي رضي الله عنه: سبق شرط الله شرطها . فالمراد في الحديث الشروط الجائزة لا المنهي عنها ، فأما شرطها أن لا يخرجها من منزلها ، فهذا شرط غير منهي عنه ؛ فيتعين الوفاء به . ٩٣٥ - وَعَنْ سَلَمَةَ بِنِ الأْوَعِ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: رَخّصَ رَسُولُ الله صَلى الله عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَهَى عَنْها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ الأْوَعِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: رَخّصَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَهَى عَنْها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : اعلم أن حقيقة المتعة - كما في كتب الإمامية - هي النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول ، وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً ، ويرتفع النكاح بانقضاء المؤقت في المنقطعة الحيض ، وبحيضتين في الحائض ، وبأربعة أشهر وعشر في المتوفى عنها زوجها . ٣٤٥ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٥ - حديث سلمة بن الأكوع وحكمه : أن لا يثبت لها مهر غير المشروط ، ولا تثبت لها نفقة ولا توارث ولا عدة ، إلا الاستبراء بما ذكر . ولا يثبت به نسب إلا أن يشترط ، وتحرم المصاهرة بسببه ، هذا كلامهم . وحديث سلمة هذا أفاد أنه عَ ﴿ رخص في المتعة ثم نهى عنها، واستمر النهي ، ونسخت الرخصة ؛ وإلى نسخها ذهب الجماهير من السلف والخلف . وقد روي نسخها بعد الترخيص في ستة مواطن : الأول : في خيبر . الثاني : في عمرة القضاء . الثالث : عام الفتح . الرابع : عام أوطاس . الخامس : غزوة تبوك . السادس : في حجة الوداع . فهذه التي وردت ، إلا أن في ثبوت بعضها خلافاً . قال النووي : الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين ، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها ، ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ، ثم حرمت تحريماً مؤبداً . وإلى هذا التحريم ذهب أكثر الأمة . وذهب إلى بقاء الرخصة جماعة من ٣٤٦ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٦ - حديث علي الصحابة ، وروي رجوعهم وقولهم بالنسخ ، ومن أولئك ابن عباس ، روي عنه بقاء الرخصة ، ثم رجع عنه إلى القول بالتحريم . قال البخاري : بيّن عليّ رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴾ أنه منسوخ . وأخرج ابن ماجه عن عمر - بإسناد صحيح -: أنه خطب فقال : إن رسول الله ◌َيٍ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها . والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن ، إلا رجمته بالحجارة . وقال ابن عمر: نهانا رسول اللّه ◌َ اةٍ ، وما كنا مسافحين . إسناده قوي ، والقول بأن إباحتها قطعيّ ونسخها ظنيّ ، غير صحيح ؛ لأن الراوين لإباحتها رووا نسخها ، وذلك إما قطعيّ في الطرفين أو ظني في الطرفين ؛ كذا في ((الشرح)). وفي ((نهاية المجتهد)): أنها تواترت الأخبار بالتحريم ، إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم . انتهى . وقد بسطنا القول في تحريمها في ((حواشي ضوء النهار)). عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ ٩٣٦ - وَعَنْ عَلي رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: نهى رسُولُ الله خَيْبَرَ . مُتّفَقٌ عَلَيْه . (وعن عليّ رضي الله عنه قال: نهى رسول الله ◌َّةٍ عن المتعة عام خيبر. متفق عليه) : لفظه في البخاري : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة ، وعن الحمر الأهلية زمن خيبر؛ بالخاء المعجمة أوله والراء آخره . وقد وهم من رواه عام حنين ؛ بمهملة أوله ونون آخره ، أخرجه النسائي ٣٤٧ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٦ - حديث علي والدارقطني ، ونبه على أنه وهم . ثم الظاهر أن الظرف في رواية البخاري متعلق بالأمرين معاً : المتعة ولحوم الحمر الأهلية . وحكى البيهقي عن الحميدي : أنه كان يقول سفيان بن عيينة : في خيبر يتعلق بالحمر الأهلية لا بالمتعة . قال البيهقي : وهو محتمل ذلك ، ولكن أكثر الروايات يفيد تعلّقَهُ بهما . وفي رواية لأحمد من طريق معمر بسنده : أنه بلغه أن ابن عباس رخص في متعة النساء، فقال له: إن رسول الله ﴿﴿ نهى عنه يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية . إلا أنه قال السهيلي : إنه لا يعرف عن أهل السير ورواة الآثار أنه نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، قال : والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير . وقد ذكر ابن عبد البر: أن الحميدي ذكر عن ابن عيينة : أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر . وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): سمعت أهل العلم يقولون : معنى حديث علي : أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر ؛ وأما المتعة فسكت عنها ، وإنما نهى عنها يوم الفتح . والحامل لهؤلاء على ما سمعت ثبوت الرخصة بعد زمن خيبر ، ولا تقوم لعليّ الحجة على ابن عباس إلا إذا وقع النهي أخيراً ، إلا أنه يمكن الانفصال عن ذلك بأن علياً رضي الله عنه لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح ؛ لوقوع النهي عن ٣٤٨ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٧ - حديث ابن مسعود قرب . ويمكن أن علياً عرف بالرخصة يوم الفتح ولكن فهم توقيت الترخيص ، وهو أيام شدة الحاجة مع العزوبة . وبعد مضي ذلك ، فهي باقية على أصل التحريم المتقدم ، فتقوم له الحجة على ابن عباس . وأما قول ابن القيم : إن المسلمين لم يكونوا يستمتعون بالكتابيات؛ يريد فيقوى أن النهي لم يقع عام خيبر؛ إذ لم يقع هناك نكاح متعة ، فقد يجاب عنه : بأنه قد يكون هناك مشركات غير كتابيات ، فإن أهل خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام ، فلعله كان هناك من نساء الأوس والخزرج من يستمتعون منهن . ٩٣٧ - وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رضيَ الله عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِعَ لَهِ الْمُحَلِّلَ والحَلَّلَ له. رَوَاهُ أَحْمَدُ والنّسائيُّ والترمذيُّ وصحّحَهُ ، وفي البابِ عَنْ عَلي رضيَ اللهُ تعالى عنهُ أَخْرَجَهُ الأربعةُ إلا النّسَائِيَّ. (وَعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رضيَ الله عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ الْمُحَلِّلَ والحَلَّلَ له. رَوَاهُ أَحْمَدُ والنّسائيُّ والترمذيُّ وصحّحَهُ ، وفي البابِ عَنْ عَلي رضي الله تعالى عنه): ولفظه: عن علي: أنه ◌َّةٍ لعن المحلل والمحلل له (أَخْرَجَهُ الأربعةُ إلا النّسَائِيَّ) : وصحح حديث ابن مسعود ، ابن القطان وابن دقيق العيد ، على شرط البخاري . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، والعمل عليه عند أهل العلم ، منهم : عمر وعثمان وعبد الله بن عمر ؛ وهو قول الفقهاء من التابعين . ٣٤٩ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٨ - حديث أبي هريرة وأما حديث علي رضي الله عنه ، ففي إسناده مجالد ، وهو ضعيف ، وصححه ابن السكن ، وأعله الترمذي ، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث عقبة بن عامر؛ ولفظه: قال: قال رسول الله عزالية: ((ألا أخبركم بالتيس المستعار؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ((فهو المحلّل، لعن الله المحلِّل والمحلّل له)). والحديث دليل على تحريم التحليل ؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرّم منهيّ عنه ؛ والنهي يقتضي فساد العقد . واللعن وإن كان ذلك للفاعل ، لكنه علق بوصف يصح أن يكون علة الحكم . وذكروا للتحليل صوراً منها : أن يقول له في العقد : إذا أحللتها فلا نكاح، وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت . ومنها أن يقول في العقد : إذا أحللتها طلقتها . ومنها أن يكون مضمراً عند العقد بأن يتواطأ على التحليل ، ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود . وظاهر شمول اللعن فساد العقد لجمیع الصور ، وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض ؛ فلا يشتغل بها . ٩٣٨ - وَعَنْ أبي هُرَيْرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قَالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يَنْكِحُ الزَّاني الَجْلُودُ إلا مِثْلَهُ)). رَوَاهُ أحمدُ وأَبو داودَ ، ورجالُهُ ثقاتٌ . (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله ◌ُِّهِ: ((لا يَنْكِحُ الزَّانِي المَجْلُودُ إلا مِثْلَهُ)). رَوَاهُ أحمَدُ وأَبو داودَ ، ورجالُهُ ثقاتٌ). ٣٥٠ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٩ - حديث عائشة الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه ، ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب ، في حق من ظهر منه الزنا ، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالزانية التي ظهر زناها . وهذا الحديث موافق قوله تعالى : ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣]؛ إلا أنه حمل الحديث والآية الأكثرُ من العلماء على أن معنى لا ينكح : لا يرغب الزاني المجلود إلا في مثله ، والزانية لا ترغب في نكاح غير العاهر ؛ هكذا تأولوهما . والذي يدل عليه الحديث والآية النهي عن ذلك ، لا الإخبار عن مجرد الرغبة ، وأنه يحرم نكاح الزاني العفيفة ، والعفيف الزانية ، ولا أصرح من قوله : ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾؛ أي: كاملي الإيمان ، الذين هم ليسوا بزناة ؛ وإلا فإن الزاني لا يخرج من مسمى الإيمان عند الأكثر . ٩٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: طَلَقَ رَجُلٌ امرَأَتَهُ ثَلاثًاً، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ، ثمَّ طَلّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأوَّلُ أَنْ يتزوَّجَها ، فسألَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ عَنْ ذلك؟ فَقَالَ: ((لا، حتّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأولُ)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، واللّفِظُ لُسْلم. (وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: طَلّقَ رَجُلٌ امرَأَتَهُ ثَلاثاً ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ، ثمَّ طَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها ، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأوَّلُ أَنْ يتزوَّجَها ، فسألَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ عَنْ ذلك؟ فَقَالَ: ((لا، حتّى يَذُوقَ الآَخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا): مصغر عسل، وأُنَّثَ؛ لأن العسل مؤنث ، وقيل : إنه يذكر ويؤنث (ما ذَاقَ الأوَّلُ)). متفق عليه، واللفظ لمسلم). ٣٥١ ٨ - كتاب النكاح ٩٣٩ - حديث عائشة اختلف في المراد بالعسيلة ، فقيل : إنزال المني ، وأن التحليل لا يكون إلا بذلك ، وذهب إليه الحسن . وقال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة ، وهو تغييب الحشفة من الرجل في فرج المرأة ، ويكفي منه ما يوجب الحدّ ، ويوجب الصداق . وقال الأزهري : الصواب أن معنى العسيلة : حلاوة الجماع ، التي تحصل بتغييب الحشفة . وقال أبو عبيد : العسيلة لذة الجماع ، والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلاً ، والحديث محتمل . وأما قول سعيد بن المسيب : إنه يحصل التحليل بالعقد الصحيح ، فقال ابن المنذر: لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا الخوارج ، ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن . وأما رواية ذلك عن سعيد بن جبير ، فلا يوجد مسنداً عنه في كتاب ، إنما نقله أبو جعفر النحاس في ((معاني القرآن))، وتبعه عبد الوهاب المالكي في ((شرح الرسالة)) ، وقد حكى ابن الجوزي مثل قول ابن المسيب عن داود . ٣٥٢ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٠ _ حديث ابن عمر ١ - باب الكفاءة والخيار الكفاءة : المساواة ، أو المماثلة ، والكفاءة في الدين معتبرة ؛ فلا يحل تزوج مسلمة بكافر إجماعاً . ٩٤٠ - عَن ابْن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ : قالَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((الْعَرَبُ بعضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ ، والموَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْض ؛ إلا حائكاً، أو حَجّاماً)) . رواهُ الحاكِمُ، وفي إسنادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ ، واسْتَنْكَرَهُ أَبُو حاتمٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذْ بِنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطع . (عَن ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ : قالَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((الْعَرَبُ بعضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ ، والموَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ ؛ إلا حائكاً، أو حَجّاماً)). رواهُ الحاكِمُ، وفي إسنادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ ، واسْتَنْكَرَّهُ أَبُو حاتمٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذْ بِنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطع) . وسأل ابن أبي حاتم عن هذا الحديث أباه ، فقال : هذا كذب لا أصل له ، وقال في موضع آخر: باطل . ورواه ابن عبد البر في ((التمهيد)). قال الدارقطني في ((العلل)): لا يصح ، وحدّث به هشام بن عبيد الراوي ، فزاد فيه بعد: ((أو حجاماً)): ((أو دباغاً))؛ فاجتمع عليه الدباغون وهمّوا به . قال ابن عبد البر: هذا منكر موضوع ، وله طرق كلها واهية . والحديث دليل على أن العرب سواء في الكفاءة بعضهم لبعض ، وأن الموالي ليسوا أكفاء لهم . ٣٥٣ ٨- کتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٠ - حديث ابن عمر وقد اختلف العلماء في المعتبر من الكفاءة اختلافاً كثيراً ، والذي یقوی هو ما ذهب إليه زيد بن علي ومالك ، ويروى عن عمر وابن مسعود وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز؛ وهو أحد قولي الناصر : أن المعتبر الدين ؛ لقوله تعالى : ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، ولحديث: ((الناس كلهم ولد آدم))، وتمامه: ((وآدم من تراب)). أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة، وليس فيه لفظ: ((كلهم)) ((والناس كأسنان المشط ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى)) . أخرجه ابن لال بلفظ قريب من لفظ حديث سهل بن سعد . وأشار البخاري إلى نصرة هذا القول حيث قال : باب الأكفاء في الدين ، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً﴾ [الفرقان: ٥٤]، فاستنبط من الآية الكريمة المساواة بين بني آدم ، ثم أردفه بإنكاح أبي حذيفة من سالم بابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ؛ وسالم مولى لامرأة من الأنصار ، وقد ﴿ يوم فتح مكة تقدم حديث: ((فعليك بذات الدين)) ، وقد خطب النبي فقال : ((الحمد لله الذي أذهب عنكم عُبِّيَّةَ - بضم المهملة وكسرها - الجاهلية وتكبرها ، يا أيها الناس ! إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله))، ثم قرأ الآية، وقال عَّ الية: ((من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله)). فجعل 08 الالتفات إلى الأنساب من عبية الجاهلية وتكبرها ، فكيف يعتبرها المؤمن ويبني عليها حكماً شرعياً؟ وفي الحديث: ((أربع من أمور الجاهلية لا يتركها الناس ، ثم ذكر منها ٣٥٤ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤١ - حديث فاطمة بنت قيس الفخر بالأنساب)» ، أخرجه ابن جرير من حديث ابن عباس . وفي الأحاديث شيء كثير في ذم الالتفات إلى الترفع بها، وقد أمر ◌َ الم بني بياضة بإنكاح أبي هند الحجام ، وقال: ((إنما هو امرؤ من المسلمين))، فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم ، وهو الاتفاق في وصف الإسلام . وللناس في هذه المسألة عجائب لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع ، ولا إله إلا الله كم حرمت المؤمنات النكاح ؛ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم ! اللهمَّ إنا نبرأ إليك من شرط وَلَّدَهُ الهوى ورباه الكبرياء . ولقد منعت الفاطميات في جهة اليمن ما أحل الله لهن من النكاح ؛ لقول بعض أهل مذهب الهادوية : إنه يحرم نكاح الفاطمية إلا من فاطمي من غير دليل ذكروه ، وليس مذهباً لإمام المذهب الهادي عليه السلام ؛ بل زوج بناته من الطبريين . وإنما نشأ هذا القول من بعده في أيام الإمام أحمد بن سليمان ، وتبعهم بيت رياستها ، فقالوا بلسان الحال : تحرم شرائفهم على الفاطميين إلا من مثلهم ، وكل ذلك من غير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ؛ بل ثبت خلاف ما قالوه عن سيد البشر؛ كما دل له : ٩٤١ - وعن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسِ رضي اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النّبِيِّ ◌َ﴿ِ قالَ لَها: (انْكِحِي أُسَامَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْس رضي اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النّبيَّ ◌َلِ قَالَ لَها: ((انْكحي أُسَامَةَ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ٣٥٥ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٢ - حديث أبي هريرة وفاطمة قرشية فهرية ، أخت الضحاك بن قيس ، وهي من المهاجرات الأول ، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إلى رسول الله ◌َ ه بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة؛ بعد انقضاء عدّتها منه ، فأخبرته أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله مح له: «أمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأمّا معاوية ، فصعلوك لا مال له . انكحي أسامة بن زيد ... )) الحديث ؛ فأمرها بنكاح أُسامة مولاه ابن مولاه ، وهي قرشية ، وقدّمه على أكفائها من ذكر ، ولا أعلم أنه طلب من أحد من أوليائها إسقاط حقه . وكأن المصنف رحمهُ الله أورد هذا الحديث بعد بيان ضعف الحديث الأول ؛ للإشارة إلى أنه لا عبرة في الكفاءة بغير الدين ، كما أورد لذلك قوله : ٩٤٢ - وعن أبي هُرَيْرة رضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قال: (يا بني بَيَاضةَ! انْكِحُوا أبا هنْدٍ وأنكحُوا إليْه)). وكان حَجّاماً. رَوَاهُ أَبو داوُدَ والحاکِمُ بسَنَدٍ جَيِّدٍ . (وعن أَبِي هُرَيْرة رضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قال : (يا بني بَيَاضةَ! انْكِحُوا أبا هِنْدٍ): اسمه: يسار، وهو الذي حجم النبي ◌َ﴿ٍ، وكان مولى لبني بياضة (وأنكِحُوا إليْه)). وكان حَجّاماً. رَوَاهُ أَبو داوُدَ والحاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ) . فهو من أدلة عدم اعتبار كفاءة الأنساب . وقد صح أن بلالاً نكح هالة بنت عوف ، أخت عبد الرحمن بن عوف ، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على سلمان الفارسي . ٣٥٦ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٣ - حديث عائشة ٩٤٣ - وعن عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قالَتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلى زَوْجِهَا حين عَتَقَتْ . مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، في حديثٍ طويلٍ ، ولُسْلم عنها: أن زوجها كان عبداً، وفي رواية عنها: كان حراً. والأوَّلُ أَثْبَتُ، وَّصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ الْبُخَارِي : أَنّهُ كانَ عَبْداً . (وعن عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا قالَتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلى زَوْجِهَا حين عَتَقَتْ . مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، في حديثٍ طويلٍ ، ولُسْلم عنها: أن زوجها كان عبداً، وفي رواية عنها: كان حراً. والأوَّلُ أَثْبَتُ) : لأنَّه جزم البخاري أنه كان عَبْداً؛ ولذا قال : (وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ الْبُخَارِي: أَنّهُ كانَ عَبْداً) : ورواه علماء المدينة ، وإذا روى علماء المدينة شيئاً رأوه ، فهو أصح . وأخرجه أبو داود من حديث ابن عباس بلفظ : إن زوج بريرة كان عبداً أسود، يسمى مغيثاً، فخيَّرها النبي ◌َّةٍ وأمرها أن تعتد . وفي البخاري عن ابن عباس : ذاك مغيث عبد بني فلان ؛ يعني : زوج بريرة . وفي أخرى عند البخاري : كان زوج بريرة عبداً أسود يقال له : مغيث . قال الدارقطني : لم تختلف الرواية عن عروة عن عائشة : أنه كان عبداً، وكذا قال جعفر بن محمد عن أبيه عن عائشة . قال النووي : يؤيد قول من قال كان عبداً ، قول عائشة : كان عبداً؛ فأخبرت - وهي صاحبة - القصة بأنه كان عبداً، فصح رجحان كونه عبداً قوّة وكثرة وحفظاً . ٣٥٧ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٣ - حديث عائشة والحديث دليل على ثبوت الخيار للمعتقة ، بعد عتقها في زوجها إذا كان عبداً ، وهو إجماع . واختلف إذا كان حرّاً ، فقيل : لا يثبت لها الخيار، وهو قول الجمهور ؛ قالوا : لأن العلة في ثبوت الخيار، إذا كان عبداً، هو عدم المكافأة من العبد للحرة في كثير من الأحكام؛ فإذا عتقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته ، أو المفارقة ؛ لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار . وذهبت الهادوية والشعبي وآخرون إلى أنه يثبت لها الخيار، وإن كان حراً، واحتجوا بأنه قد ورد في رواية : أن زوج بريرة كان حراً ، وردّه الأولون بأنها رواية مرجوحة لا يعمل بها . قالوا : ولأنها عند تزويجها لم يكن لها اختيار؛ فإن سيدها يزوجها ، وإن كرهت ؛ فإذا أعتقت تجدد لها حال لم يكن قبل ذلك . قال ابن القيم : في تخييرها ثلاثة مآخذ ، وذكر مأخذين وضعفهما ، ثم ذكر الثالث ، وهو أرجحها ؛ وتحقيقه : أن السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكاً لرقبتها ومنافعها ، والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع للمعتق ، وهذا مقصود العتق وحكمته ؛ فإذا ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها ، ومن جملتها منافع البضع ؛ فلا يملك عليها إلا باختيارها ؛ فخيرها الشارع بين الأمرين : البقاء تحت الزوج ، أو الفسخ منه ، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة : ملکت نفسك فاختاري . ٣٥٨ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٣ - حديث عائشة قلت : وهو من تعليق الحكم ، وهو الاختيار على ملكها لنفسها ، فهو إشارة إلى علة التخيير ، وهذا يقتضي ثبوت الخيار وإن كانت تحت حرّ . وهل يقع الفسخ بلفظ الاختيار؟ قيل : نعم ، كما يدل له قوله في الحديث : خیّرت . وقيل : لا بد من لفظ الفسخ . ثم إذا اختارت نفسها لم يكن للزوج الرجعة عليها ، وإنما يراجعها بعقد جديد إن رضيت به ، ولا يزال لها الخيار بعد علمها ما لم يطأها ؛ لما أخرجه أحمد عنه قال: ((إذا عتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها ؛ إن تشأ ، فارقته ، وإن وطئها، فلا خيار لها))، وأخرجه الدارقطني بلفظ: ((إن وطئك؛ فلا خيار لك)» وأخرجه أبو داود بلفظ: ((إن قاربك؛ فلا خيار لك))، فدل أن الوطء مانع من الخيار وإليه ذهب الحنابلة . واعلم أن هذا الحديث جليل ؛ قد ذكره العلماء في مواضع من كتبهم في الزكاة ، وفي العتق ، وفي البيع ، وفي النكاح ، وذكره البخاري في البيع ، وأطال المصنف في عدة ما استخرج منه من الفوائد ، حتّى بلغت مائة واثنتين وعشرين فائدة ؛ فنذكر ما له تعلق بالباب الذي نحن بصدده . منها : جواز بيع أحد الزوجين الرقيقين دون الآخر ، وأن بيع الأمة المزوجة لا يكون طلاقاً ، وأن عتقها لا يكون طلاقاً ، ولا فسخاً . وأن للرقيق أن يسعى في فكاك رقبته من الرق ، وأن الكفاءة معتبرة في الحرية . ٣٥٩ ٨ - كتاب النكاح ١ - باب الكفاءة والخيار ٩٤٤ - حديث فيروز الديلمي قلت : قد أشار في الحديث إلى سبب تخييرها ، وهو ملكها نفسها كما عرفت ؛ فلا يتم هذا ، وأن اعتبارها يسقط برضا المرأة التي لا ولي لها ، ومما ذكر في قصة بريرة : أن زوجها كان يتبعها في سكك المدينة يتحدر دمعه لفرط محبته لها ! قالوا : فيؤخذ منه أن الحب يذهب الحياء ، وأنه يعذر من كان كذلك ، إذا كان بغير اختيار منه ، فيعذر أهل المحبة في الله إذا حصل لهم الوجد عند سماع ما يفهمون منه الإشارة إلى أحوالهم ، حيث يغتفر منهم ما لا يحصل عن اختیار کالرقص ونحوه . قلت : لا يخفى أن زوج بريرة بكى من فراق محبه ؛ فمحب الله يبكي شوقاً إلى لقائه وخوفاً من سخطه، كما كان رسول الله مَ ﴿ يبكي عند سماع القرآن ، وكذلك أصحابه ومن تبعهم بإحسان ؛ وأمّا الرقص والتصفيق ، فشأن أهل الفسق والخلاعة ، لا شأن من يحب الله ويخشاه ، فاعجب لهذا المأخذ الذي أخذوه من الحديث ! وذكره المصنف في ((الفتح)) ، ثم سرد فيه غير ما ذكرناه ، وأبلغ فوائده إلى العدد الذي وصفناه ، وفي بعضها خفاء وتكلف ، لا يليق بمثل كلام رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم . ٩٤٤ - وعن الضَّحاكِ بنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ الله! إني أَسْلَمْتُ وَتْتِي أُختانِ، فقال رسُولُ اللهِ عَهُ: ((طُلِّقْ أَيْتَهُما شِئْتَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والأربعةُ إلا النّسائيَّ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَأَعلّهُ الْبُخَارِيُّ . (وعن الضحاك) : تابعي معروف روى عن أبيه (ابن فيروز) : بفتح الفاء ٣٦٠