Indexed OCR Text
Pages 301-320
٨ - كتاب النكاح النكاح لغة : الضم والتداخل ، ويستعمل في الوطء ، وفي العقد ، قيل : مجاز من إطلاق اسم المسبب على السبب ، وقيل : إنه حقيقة فيهما ، وهو مراد من قال : إنه مشترك فيهما . وأكثر استعماله في العقد ، فقيل : إنه فيه حقيقة شرعية . ولم يرد في الكتاب العزيز إلا في العقد . ٩١١ - عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ لَنَا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : (يَا مَعْشَرَ الشبابِ! مَنِ اسْتطاعَ مِنكم الباءَةَ فَلْيَتَزَوِجْ ؛ فإنّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفِرِجِ، وَمَنْ لمْ يستطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنّهُ لَهُ وجَاء)) . مُتّفقٌ عَلَيْهِ . (عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ لَنَا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشبابِ ! مَنِ اسْتطاعَ مِنكم الباءَةَ) : بالباء الموحدة والهمزة والمد (فَلْيَتَزَوجْ؛ فإنّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ للْفرجِ ، وَمَنْ لمْ يستطعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ ؛ فإنّهُ لَهُ وجَاء))) : بكسر الواو والجيم والمد (متفق عليه) . وقع الخطاب منه للشباب ؛ لأنهم مظنة الشهوة للنساء . واختلف العلماء في المراد بالباءة، والأصح أن المراد بها الجماع ، فتقديره : من استطاع منكم الجماع ، لقدرته على مؤنة النكاح ، فليتزوج ، ومن لم يستطع الجماع ؛ لعجزه عن مؤنته ، فعليه بالصوم ؛ ليدفع شهوته ؛ ويقطع شر مائه ، كما ٣٠١ ٨ - كتاب النكاح ٩١١ - حديث ابن مسعود يقطع الوجاء . ووقع في رواية ابن حبان - مدرجاً - تفسير الوجاء بأنه الإخصاء ، وقيل : الوجاء رض الخصيتين ، والإخصاء سلبهما . والمراد أن الصوم كالوجاء . والأمر بالتزوج يقتضي وجوبه ، مع القدرة على تحصيل مؤنته ، وإلى الوجوب ذهب داود ، وهو رواية عن أحمد . وقال ابن حزم: وفرض على كل قادر على الوطء ، إن وجد ، أن يتزوج أو يتسرى ؛ فإن عجز عن ذلك ، فليكثر من الصوم ، وقال : إنه قول جماعة من السلف . وذهب الجمهور إلى أن الأمر للندب ، مستدلين بأنه تعالى خيَّر بين التزوج والتسري ، بقوله : ﴿فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]، والتسري لا يجب إجماعاً، فكذا النكاح ؛ لأنه لا تخيير بين واجب وغير واجب ، إلا أن دعوى الإجماع غير صحيحة ؛ لخلاف داود وابن حزم . وذكر ابن دقيق العيد أن من الفقهاء من قال بالوجوب على من خاف العنت ، وقدر على النكاح ، وتعذر عليه التسري ، وكذا حكاه القرطبي؛ فيجب على من لا يقدر على ترك الزنا إلا به ، ثم ذكر من يحرم عليه ويكره ويندب له ويباح . فيحرم على من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق ، مع قدرته عليه وتوقانه إليه . ويكره في حق مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة . والإباحة فيما إذا انتفت الدواعي والموانع . ٣٠٢ ٨ - كتاب النكاح ٩١١ - حديث ابن مسعود ويندب في حق كل من يرجى منه النسل ، ولو لم يكن له في الوطء شهوة ؛ لقوله معَة: ((فإني مكاثر بكم الأمم))، ولظواهر الحث على النكاح والأمر به . وقوله : ((فعليه بالصوم)» إغراء بلزوم الصوم . وضمير ((عليه)) يعود إلى ((من))، فهو مخاطب في المعنى . وإنما جعل الصوم وجاء ؛ لأنه بتقليل الطعام والشراب يحصل للنفس إنكسار عن الشهوة ، ولسرِّ جعله الله تعالى في الصوم؛ فلا ينفع تقليل الطعام وحده من دون صوم . واستدل به الخطابي على جواز التداوي لقطع الشهوة بالأدوية ، وحكاه البغوي في ((شرح السنة))، ولكن ينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة ، ولا يقطعها بالأصالة ؛ لأنه قد يقوى على وجدان مؤن النكاح ، بل قد وعد الله من يستعف أن يغنيه من فضله ؛ لأنه جعل الإغناء غاية للاستعفاف ، ولأنهم اتفقوا على منع الجب والإخصاء ، فيلحق بذلك ما في معناه . وفيه : الحث على تحصيل ما يغض به البصر ويحصن الفرج . وفيه : أنه لا يتكلف للنكاح بغير الممكن كالاستدانة . واستدل به العراقي على أن التشريك في العبادة لا يضر ، بخلاف الرياء ، لكنه يقال: إن كان المشرك عبادة ، كالمشرك فيه ؛ فإنه لا يضر ، فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر . وأما تشريك المباح؛ كما لو دخل إلى الصلاة ؛ لترك خطاب من يحل خطابه ، ٣٠٣ ٨ - كتاب النكاح ٩١٢ ۔ حديث أنس فهو محل نظر ، يحتمل القياس على ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس . نعم ، إن دخل في الصلاة ؛ لترك الخوض في الباطل أو الغيبة وسماعها ، كان مقصداً صحيحاً . واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء ؛ لأنه لو كان مباحاً لأرشد إليه ؛ لأنه أسهل ، وقد أباح الاستمناء بعض الحنابلة وبعض الحنفية . ٩١٢ - وَعَنْ أَنَس بنِ مَالكِ رضيَ الله عَنْهُ: أَنّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ حَمِدَ اللهَ وأَثْنى عَلَيْهِ ، وَقَالَ: ((لكني أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وأَصُومُ وأُقْطِرُ، وَأَتَزوَّجُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْس مني)) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ . (وَعَنْ أَنَس بنِ مَالك رضيَ الله عَنْهُ: أَنّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ حَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَلَّيْهِ ، وقالَ: ((لكني أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وأَصُومُ وأُفْطِرُ ، وأَتَزوَّجُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْس مني)). مُتْفِقٌ عَلَيْهِ) : هذا اللفظ لمسلم، وللحديث سبب ؛ وهو أنه قال أنس : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته صلى الله عليه وآله وسلم فلما أُخبروا ، ! قد غفر الله له ما تقدّم من كأنهم تقالوها ، فقالوا : أين نحن من رسول الله ذنبه وما تأخر؛ فقال أحدهم: أمّا أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، فقال: ((أنتم قلتم كذا وكذا؟! أما والله ، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أنا أصلي وأنام ، وأصوم ... )) الحديث. وهو دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات ، دون الانهماك والإضرار ٣٠٤ ٨ - كتاب النكاح ٩١٢ - حديث أنس بالنفس ، وهجر المألوفات كلها ، وأن هذه الملة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل ، والتيسير وعدم التعسير : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] . قال الطبري : في الحديث الرد على من منع استعمال الحلال من الطيبات ؛ مأكلاً وملبساً . قال القاضي عياض : هذا مما اختلف فيه السلف ، فمنهم من ذهب إلى ما قاله الطبري ، ومنهم من عكس ، واستدل بقوله تعالى : ﴿أَذْهَبْتُم طيباتكم في حياتكم الدنيا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. قال : والحق أن الآية في الكفار، وقد أخذ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالأمرين ، والأولى التوسط في الأمور، وعدم الإفراط في ملازمة الطيبات ؛ فإنه يؤدي إلى الترفّه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات ؛ فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً ؛ فلا يستطيع الصبر عنه ، فيقع في المحظور . كما أن من منع من تناول ذلك أحياناً ، قد يفضي به إلى التنطع ، وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة المنهي عنه ، ويرد عليه صريح قوله تعالى : ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يؤدي إلى الملل القاطع لأصلها . وملازمة الاقتصار على الفرائض - مثلاً -، وترك النفل يفضي إلى البطالة ، وعدم النشاط إلى العبادة ، وخيار الأمور أوسطها . ٣٠٥ ٨ - كتاب النكاح ٩١٣ ۔ حديث أنس وأراد ◌َّةٍ بقوله: ((فمن رغب عن سنتي)) عن طريقتي ((فليس مني)) أي: ليس من أهل الحنيفية السهلة ؛ بل الذي يتعين عليه أن يفطر ؛ ليقوى على الصوم ، وينام ؛ ليقوى على القيام ، وينكح النساء ؛ ليعف نظره وفرجه . وقيل: إن أراد من خالف هديه ◌َّهُ وطريقته ، أن الذي أتى به من العبادة أرجح مما كان عليه ﴿، فمعنى ((ليس مني)): أي: ليس من أهل ملّتي؛ لأن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر . ٩١٣ - وعنه قالَ: كانَ النبيُّ ◌َ ﴿ِ يَأْمُرُنَا بالبَاءَة، وَيَنْهَى عَنِ التّبَتُّل نهْياً شَدِيداً، وَيَقُولُ: ((تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ؛ فإني مُكاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبي داودَ والنسائي وابنِ حِبّانَ أيضاً مِنْ حديث مَعْقِلِ بنِ يسار. (وعنه): أي عن أنس (قالَ: كانَ النبيُّمَ ﴿ يَأْمُرُنَا بِالبَاءَة، وَيَنْهَى عَن التّبَتُّلِ نهْياً شديداً، وَيَقُولُ: ((تزَوَّجُوا الْوَّلُودَ الْوَدُودَ ؛ فإني مُكاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبي داودَ والنسائي وابنِ حِبّانَ أيضاً مِنْ حديث مَعْقِلِ بنِ يسار) . التبتل : الانقطاع عن النساء ، وترك النكاح : انقطاعاً إلى عبادة الله . وأصل البتل القطع ، ومنه قيل لمريم : البتول ، وفاطمة عليها السلام : البتول ؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما ديناً، وفضلاً، ورغبة في الآخرة . والمرأة الولود : كثيرة الولادة ، ويعرف ذلك في البكر بحال قرابتها . ٣٠٦ : ٨ - كتاب النكاح ٩١٤ - حديث أبي هريرة والودود : المحبوبة بكثرة ما هي عليه من خصال الخير ، وحسن الخلق ، والتحبب إلى زوجها . والمكاثرة: المفاخرة، وفيه : جوازها في الدار الآخرة ، ووجه ذلك أن مَنْ أُمّتُهُ أكثر ، فثوابه أكثر؛ لأن له مثل أجر من تبعه . ٩١٤ - وَعَن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النبيِّ ◌َـ . قال: ((تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَع: لمالها ولِحَسَبها ولِجَمَالها وَلدينها؛ فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّين تَرَبَتْ يَدَاكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقيّةِ السّبْعَةِ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّه قال: ((تنكح المرأة لأربع): أي : الذي يرغُّب في نكاحها ويدعو إليه ، خصال أربع (لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك)). متفق عليه) : بين الشيخين (مع بقية السبعة) : الذين تقدم ذكرهم في خطبة الكتاب . الحديث إخبار أن الذي يدعو الرجال إلى التزوج ، أحد هذه الأربع ، وآخرها عندهم ذات الدين ؛ فأمرهم ويظهر أنهم إذا وجدوا ذات الدين ، فلا يعدلوا عنها . وقد ورد النهي عن نكاح المرأة لغير دينها ، فأخرج ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((لا تنكحوا النساء لحسنهن ؛ فلعله يرديهن ، ولا لمالهن ؛ فلعله يطغيهن ، وانكحوهن للدين . ولأمة سوداء خرقاء ذات دين ، أفضل)). وورد في صفة خير النساء ، ما أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ٣٠٧ ٨ - كتاب النكاح ٩١٥ - حديث أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله! أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر ، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)). والحسب : هو الفعل الجميل للرجل وآبائه . وقد فسر الحسب بالمال ، في الحديث الذي أخرجه الترمذي - وحسنه - من حديث سمرة مرفوعاً: ((الحسب المال ؛ والكرم التقوى)). إلا أنه لا يراد به المال في حديث الباب ؛ لذكره بجنبه ، فالمراد فيه المعنى الأول . ودل الحديث على أن مصاحبة أهل الدين في كل شيء هي الأولى ؛ لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم ، ولا سيما الزوجة ؛ فهي أولى من يعتبر دينه ؛ لأنها ضجيعته ، وأم أولاده ، وأمينته على ماله ومنزله وعلى نفسها . وقوله : ((تربت يداك))؛ أي: التصقت بالتراب من الفقر، وهذه الكلمة خارجة مخرج ما يعتاده الناس في المخاطبات ، لا أنه متَّهُ قصد بها الدعاء . ٩١٥ - وَعَنْه: أَنّ النبيَّ :﴿﴿ُ كانَ إذا رقَّى إنساناً إذا تزوجَ، قالَ: ((باركَ اللهُ لك، وباركَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ ، وَصَحّحَهُ الترْمذي وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ حِبّانَ . (وعنه): أي: أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي ◌َ﴿ كان إذا رقّى): بالراء وتشديد الفاء فألف مقصورة (إنساناً إذا تزوج، قال: ((باركَ اللهُ لك، وباركَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ٣٠٨ ٨ - كتاب النكاح ٩١٦ - حديث عبد الله بن مسعود الترْمذي وابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ حِبّانَ) : الرَّفَاءُ الموافقة وحسن المعاشرة ، وهو من رفأ الثوب ، وقيل : من رفوتُ الرجل إذا سكنتُ ما به من روع . فالمراد: إذا دعا ◌َي للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله ، وحسن العشرة بينهما ؛ قال ذلك . وقد أخرج بقيّ بن مخلد ، عن رجل من بني تميم قال : كنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فعلمنا رسول الله مح له، فقال: ((قولوا :... )) الحديث. وأخرج مسلم من حديث جابر: أنه ◌َ ﴿ قال له: ((تزوجت؟)) قال: نعم. قال: ((بارك الله لك))، وزاد الدارمي: ((وبارك عليك)). وفيه : أن الدعاء للمتزوج سنّة ، فيسن له أن يفعل ويدعو بما أفاده حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ثَ له: ((إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادماً أو دابة ، فليأخذ بناصيتها ، وليقل : اللهم إني أسألك خيرها ، وخير ما جبلت عليه ، وأعوذ بك من شرها ، وشر ما جبلت عليه)) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه . ٩١٦ - وَعَن عبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: عَلّمَنَا رسولُ الله ◌َل. التّشَهُّدَ في الحاجَةِ: ((إن الحمْدَ لله نحمده ونستعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالله مِنْ شرور أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هاديَ لَهُ، وَأَشْهِدُ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)). وَيَقرَأُ ثَلاثَ آياتٍ . رَوَاهُ أَحمدُ والأرْبعةُ ، وَحَسَنَهُ الترْمذيُّ والحاكمُ . (وَعَن عبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: عَلَّمَنَا رسولُ الله عَليه التّشَهُّدَ في الحاجَةِ): زاد فيه ابن كثير في ((الإرشاد)): في النكاح وغيره («إن ٣٠٩ ٨- كتاب النكاح ٩١٦ - حديث عبد الله بن مسعود الحَمْدَ لله نحْمدُه ونستعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بالله مِنْ شرور أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هاديَ لَهُ ، وَأَشْهِدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ، وَأَشْهِدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) وَيَقرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحمدُ والأرْبعةُ ، وَحَسَّنَهُ الترْمذيُّ والحاكمُ) : والآيات: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾، إلى ﴿رقيباً﴾ [النساء: ١]. والثانية: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ إلى آخرها. [آل عمران: ١٠٢]. والثالثة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ إلى قوله: وعظيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، كذا في ((الشرح)). وفي «الإرشاد)) لابن كثير عدّ الآيات في نفس الحديث . وقوله : في الحاجة ، عام لكل حاجة ، ومنها النكاح ، وقد صرح به في رواية ، كما ذكرناه . وأخرج البيهقي أنه قال شعبة: قلت لأبي إسحاق : هذه في خطبة النكاح وغيرها؟ قال : في كل حاجة . وفيه دلالة على سنية ذلك في النكاح وغيره ، ويخطب بها العاقد بنفسه حال العقد ، وهي من السنن المهجورة . وذهبت الظاهرية إلى أنها واجبة ، ووافقهم من الشافعية أبو عوانة ، وترجم في («صحيحه)): باب وجوب الخطبة عند العقد . ويأتي في شرح الحديث التاسع عشر بعد التسعمائة ما يدل على عدم الوجوب . ٣١٠ ٨ - كتاب النكاح ٩١٧ - حديث جابر ٩١٧ - وعَنْ جابر رضيَ اللهُ عنهُ قال: قالَ رسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((إذا خَطَبَ أَحَدُكُمْ المرْأَةَ، فإن اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلى ما يدْعوهُ إلى نكاحها، فَلْيَفْعِلْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داودَ ، ورجالُهُ ثقَاتٌ ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ ، وَلَّهُ شاهدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ والنّسائِيِّ عَنِ المغِيرةِ. وَعِنْدَ ابنِ مَاجَهْ وابنِ حِبّانَ مِنْ حديثِ مُحَمّدٍ بِنِ مَسْلَمَةَ . وَلِمُسْلِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النبيِّ:﴿ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: ((أَنَظَرْتَ إليْها؟)) قالَ: لا، قالَ: ((اذهَبْ، فَانْظُرْ إليْهَا)). (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلم : ((إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فإن اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلى مَا يَدْعُوهُ إلى نكَاحِهَا، فَلْيَفْعَل))) : وتمامه : قال جابر: فخطبت جارية ، فكنت أتخبأ لها ، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها (رواه أحمد وأبو داود ، ورجاله ثقات ، وصححه الحاكم ، وله شاهد عند الترمذي والنسائي عن المغيرة) : ولفظه : أنه قال له ، وقد خطب امرأة: ((أنظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) (وعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة . ولمسلم عن أبي هريرة : أن النبي ◌َّه قال لرجل تزوج امرأة): أي: أراد ذلك (((أنظرت إليها؟)) قال: لا ، قال: ((اذهب، فانظر إليها))): دلت الأحاديث على أنه يندب تقديم النظر إلى من يريد نكاحها ، وهو قول جماهير العلماء . والنظر إلى الوجه والكفين ؛ لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده . ٣١١ ٨ - كتاب النكاح ٩١٧ ۔ حديث جابر والكفين على خصوبة البدن أو عدمها . وقال الأوزاعي : ينظر إلى مواضع اللحم . وقال داود : ينظر إلى جميع بدنها . والحديث مطلق ؛ فينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه ، ويدل على فهم الصحابة لذلك ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور: أن عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي ، لما بعث بها إليه لينظرها . ولا يشترط رضا المرأة بذلك النظر ، بل له أن يفعل ذلك على غفلتها ؛ كما فعله جابر . قال أصحاب الشافعي : ينبغي أن يكون نظره إليها قبل الخطبة ، حتى إن كرهها ، تركها من غير إيذاء ، بخلافه بعد الخطبة ، وإذا لم يمكنه النظر إليها ، استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر إليها ، وتخبره بصفتها ، فقد روى أنس : أنه ◌َ ليه بعث أم سليم إلى امرأة، فقال: ((انظري إلى عرقوبها، وشمي معاطفها)) . أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي ، وفيه كلام، وفي رواية : ((شمِّي عوارضها)) ، وهي الأسنان التي في عرض الفم ، وهي ما بين الثنايا والأضراس ، واحدها عارض ، والمراد : اختبار رائحة النكهة . وأما المعاطف فهي ناحيتا العنق ، ويثبت مثل هذا الحكم للمرأة ، فإنها تنظر إلی خاطبها ؛ فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها ؛ كذا قیل ، ولم يرد به حديث . والأصل تحريم نظر الأجنبي والأجنبية إلا بدليل ، كالدليل على جواز نظر الرجل لمن يريد خطبتها . ٣١٢ ٨ - كتاب النكاح ٩١٨ - حديث ابن عمر ٩١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: قالَ رسول الله عَانِ: ((لا يخطبْ أَحدُكُمْ على خطبة أخيهِ، حَتى يَتْرُكَ الْخاطبُ قَبْلَهُ ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، واللفْظُ للبُخاري . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله مَالله: ((لا يَخْطُبْ أَحَدْكُمْ عَلى خِطْبَةٍ أَخِيهِ): تقدّم أنها بكسر الخاء (حَتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ)). متفق عليه، واللفظ للبخاري) . النهي أصله التحريم إلا لدليل يصرفه عنه ، وادعى النووي الإجماع على أنه له . وقال الخطابي : النهي للتأديب وليس للتحريم . وظاهره أنه منهي عنه ، سواء أجيب الخاطب أم لا ، وقدمنا في البيع أنه لا يحرم إلا بعد الإجابة ، والدليل حديث فاطمة بنت قيس ، وتقدم . والإجماع قائم على تحريمه بعد الإجابة . والإجابة من المرأة المكلفة في الكفء، ومن ولي الصغيرة . وأما غير الكفء فلا بد من إذن الولي ؛ على القول بأن له المنع ، وهذا في الإجابة الصريحة ، وأما إذا كانت غير صريحة ، فالأصح عدم التحريم ، وكذلك إذا لم يحصل رد ولا إجابة . ونص الشافعي أن سكوت البكر رضاً بالخاطب فهو إجابة . وأما العقد مع تحريم الخطبة فقال الجمهور: يصح . ٣١٣ ٨ - كتاب النكاح ٩١٩ - حديث سهل بن سعد وقال داود : يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده . وقوله: ((أو يأذن له))، دل على أنه يجوز له الخطبة بعد الإذن ، وجوازها للمأذون له بالنص ، ولغيره بالإلحاق ؛ لأن إذنه قد دل على إضرابه ، فتجوز خطبتها لكل من يريد نكاحها ، وتقدم الكلام على قوله: ((أخيه))، وأنه أفاد التحريم على خطبة المسلم ، لا على خطبة الكافر ، وتقدم الخلاف فيه . وأما إذا كان الخاطب فاسقاً ، فهل يجوز للعفيف الخطبة على خطبته؟ قال الأمير الحسين في ((الشفاء)): إنه يجوز الخطبة على خطبة الفاسق ، ونقل عن ابن القاسم صاحب مالك ، ورجحه ابن العربي ، وهو قريب فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة ، فيكون الفاسق غير كفء لها ، فتكون خطبته كلا خطبة . ولم يعتبر الجمهور بذلك ، إذا صدرت عنها علامة القبول . ٩١٩ - وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ السّاعدِيِّ رضيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: جَاءَتِ امْرَأَة إلى رسولِ الله ◌َ ﴿ٍ، فَقَالتْ: يا رسولَ الله! جِئْتُ أَهَبُ لكَ نَفْسِي ، فَتَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ عَ ◌ّةِ؛ فَصَعّدَ النّظَرِ فيها وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طأطأً رأسَهُ. فَلَمّا رَأَتِ المرأَةُ أَنّهُ لَمْ يَقْضِ فِيها شيئاً، جَلَسَتْ، فَقَامَ رجلٌ مِنْ الصحابة فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حَاجَةٌ فَزَوّجْنِيها، فَقَالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيءٍ؟)) فَقَالَ: لا والله، يَا رسول الله! فَقالَ: ((اذْهَبْ إلى أَهْلِكَ، فانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)) فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لا والله، ما وَجَدْتُ شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَل : ((انْظِرْ وَلَوْ خَاتَاً مِنْ حديد)) فَذَهَبَ ثُمَّرَجَعَ فَقَالَ: لا والله ! يَا رَسُولَ الله ! ولا خَاتَماً مِنْ حَديد ، ولكنْ هذا إزاري - قالَ: ما لهُ رداءٌ - فَلَهَا نصْفُهُ . فَقَال ٣١٤ ٨ - كتاب النكاح ٩١٩ - حديث سهل بن سعد رسولُ الله ◌َةِ: ((مَا تَصْنَعُ بإزَاركَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ ، لَمْ يكُنْ عليها مِنْهُ شيءٌ ، وإنْ لَبِسَتْهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شيءٌ))، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حتى إذا طَالَ مَجْلِسُهُ، قَامَ ، فَرَهُ رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ مُوَلِّياً، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَا جَاءَ ، قَالَ: ((ماذا مَعَكَ مِنَ القُرْآن؟)) قَالَ: مَعي سُورَةُ كذَا وَسُورَةُ كَذا - عَدَّدَهَا-، فَقَالَ: ((تَقْرَؤْهُنَّ عَنْ ظَهْرٍ قَلْبِكَ؟» قالَ: نعمْ، قال: ((اذهبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بما مَعَكَ مِنَ القُرْآن)). مُتَّفَقٌ عَلَّيْهِ ، واللّفْظُ لُسْلم، وفي روايةٍ : قَالَ: ((انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكها ، فَعَلِّمْها مِنَ القُرْآن)» . وفي رواية للبخاريِّ: ((أَمْكَنّاكَهَا بَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) ، ولأبي داودَ عَنْ أَبي هُرَيْرَة قَالَ: «مَا تْفَظُ؟)) قَالَ : سُورةَ البَقَرَة، والتي تَليْهَا. قَالَ : ((قُم فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً)) . (وعن سهل بن سعد الساعديّ رضي الله عنه ، قال: جاءت امرأة) : قال المصنف في ((الفتح)): لم أقف على اسمها (إلى رسول الله عَ ليه ، فقالت : يا رسول الله ! جئت أهب لك نفسي) : أي أمر نفسي ؛ لأن الحرّ لا تملك رقبته (فنظر إليها رسول اللّه ◌َ ا؛ فصعد النظر فيها وصوّبه): في ((النهاية)): ومنه الحديث : فصعد فيَّ النظر وصوّبه ؛ أي : نظر أعلاي وأسفلي ، وتأملني ، وهو من أدلة جواز النظر إلى من يريد زواجها . وقال المصنف : إنه تحرر عنده : أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات ، بخلاف غيره (ثم طَأْطَأْ رَأْسَهُ ، فلما رأت المرأةُ أَنّهُ لم يقضِ فيها شيئاً، جَلَسَتْ ، فقامَ رجلٌ من الصحابة) : قال المصنف : لم أقف على اسمه (فقال: يا رسول الله ! ٣١٥ ٨ - كتاب النكاح ٩١٩ ۔ حديث سهل بن سعد إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بها حَاجَةٌ فَزَوّجْنِيها! فَقَالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيءٍ؟))، فَقَالَ: لا والله، يا رسول الله! فَقالَ: ((اذْهَبْ إلى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تجد شَيْئاً؟» فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لا والله، ما وَجَدْتُ شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللّه ◌َّةٍ : ((انْظِرْ وَلَوْ خَاتماً) ؛ أي ولو نظرت خاتماً (مِنْ حَديدٍ))؛ فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسولَ الله ! ولا خَاتماً من حديد) : أي : موجود ، فخاتم مبتدأ حذف خبره (ولكِنْ هذا إزَاري - قال: ما له رداء - فَلَهَا نصْفُهُ . فَقَال رسولُ الله : ((مَا تَصْنَعُ بـإزَاركَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ) : أي كله (لمْ يكُنْ عليها مِنْهُ شيءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ) : أي كله (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شيءٌ) : ولعله بهذا الجواب بيّن له أن قسمة الرداء لا تنفعه ، ولا تنفع المرأة (فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حتى إذا طَالَ مَجْلسُهُ، مُؤَلِّياً ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَا جَاءَ ، قَالَ: ((ماذا مَعَكَ قَامَ ، فَرَآهُ رَسُولُ الله ◌ِ مِنَ القُرْآن؟» قَالَ: مَعِي سُورةُ كذَا وَسُورَةُ كَذا - عَدَّدَهَا -، فَقَالَ: ((تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرٍ قَلْبِكَ؟)) قالَ: نعمْ، قال: ((اذهبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بما مَعَكَ منَ القُرْآن)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ ، واللّفْظُ لُسْلم، وفي روايةٍ : قَالَ: ((انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكُها، فَعَلِّمْها مِنَ القُرْآن)). وفي رواية للَّبخاريِّ: ((أَمَكَنَاكَهَا بَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) ، ولأبي داودَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةٍ قَالَ): أي: رسول الله ◌َ ﴿ ((مَا تَحْفَظ؟)) قال: سورة البقرة ، والتي تليها. قال: ((قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً))). دل الحديث على مسائل عديدة ، وقد تتبعها ابن التين ، وقال : هذه إحدى وعشرين فائدة ؛ بوّب البخاري على أكثرها . قلت : ولنأت بأنفسها وأوضحها : ٣١٦ ٨ - كتاب النكاح ٩١٩ - حديث سهل بن سعد الأولى : جواز عرض المرأة نفسها على رجل من أهل الصلاح . وجواز النظر من الرجل - وإن لم يكن خاطباً -؛ لإرادة التزوج ؛ يريد : أنه ليس جواز النظر خاصاً للخاطب، بل يجوز لمن تخطبه المرأة؛ فإنَّ نظره ◌َّهِ إليها أنه أراد زواجها بعد عرضها عليه نفسها ، وكأنها لم تعجبه ، فأضرب عنها . والثانية : ولاية الإمام على المرأة التي لا قريب لها إذا أذنت ، إلا أن فى بعض ألفاظ الحديث : أنها فوضت أمرها إليه ؛ وذلك توكيل . وأنه يعقد للمرأة من غير سؤال عن وليها : هل هو موجود أو لا ، حاضر أو لا؟ ولا سؤالها : هل هي في عصمة رجل أو عدمه؟ قال الخطابي : وإلى هذا ذهب جماعة ؛ حملاً على ظاهر الحال . وعند الهادوية : أنها تحلّف الغريبة احتياطاً . الثالثة : أن الهبة لا تثبت إلا بالقبول . الرابعة : أنه لا بد من الصداق في النكاح ، وأنه يصح أن يكون شيئاً يسيراً ، فإن قوله : ((ولو خاتماً من حديد))، مبالغة في تقليله؛ فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان ، أو من إليه ولاية العقد ، مما فيه منفعة . وضابطه : أن كل ما يصلح أن يكون قيمة وثمناً لشيء ، يصح أن يكون مهراً . ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له ، ولا یحل به النكاح . وقال ابن حزم : يصح بكل ما يسمى شيئاً ، ولو حبة من شعير ؛ لقوله ((هل تجد شيئاً؟)). :藥 ٣١٧ ٨ - كتاب النكاح ٩١٩ ۔ حديث سهل بن سعد وأجيب بأن قوله :﴿ه: ((ولو خاتماً من حديد))؛ مبالغة في التقليل ، وله قيمة . وبأن قوله في الحديث: ((من استطاع منكم الباءة ... ، ومن لم يستطع ... ))، دل على أنه شيء لا يستطيعه كل واحد ، وحبة الشعير مستطاعة لكل أحد، وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى : ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]، دال على اعتبار المالية في الصداق، حتى قال بعضهم : أقله خمسون ، وقيل : أربعون ، وقيل : خمسة دراهم ، وإن كانت هذه التقادير لا دليل على اعتبارها بخصوصها . والحق أنه يصح بما يكون له قيمة ، وإن تحقرت . والأحاديث والآيات يحتمل أنها خرجت مخرج الغالب ، وأنه لا يقع الرضا هنا من الزوجة ، إلا بكونه مالاً له صورة ، ولا يطيق كل أحد تحصيله . الخامسة : أنه ينبغي ذكر الصداق في العقد ؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة ، فلو عقد بغير ذكر صداق ، صح العقد ، ووجب لها مهر المثل بالدخول ، وأنه یستحب تعجیل المهر . السادسة : أنه يجوز الحلف ، وإن لم يكن عليه اليمين ، وأنه يجوز الحلف على ما يظنه ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال له بعد يمينه : ((اذهب إلى أهلك ، فانظر هل تجد شيئاً؟))؛ فدل أن يمينه كانت على ظنه ، ولو كانت لا تكون إلا على العلم ، لم يكن للأمر بذهابه إلى أهله فائدة . السابعة : أنه لا يجوز للرجل أن يخرج من ملكه ما لا بد له منه ، كالذي يستر عورته أو يسد خلته من الطعام والشراب ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ٣١٨ ٨ - کتاب النكاح ٩١٩ ۔ حديث سهل بن سعد علل منعه عن قسمة ثوبه بقوله: ((إن لبسته ، لم يكن عليك منه شيء)). الثامنة: اختبار مدعي الإعسار، فإنه مخلية لم يصدقه في أول دعواه الإعسار حتى ظهر له قرائن صدقه ، وهو دليل على أنه لا يسمع اليمين من مدعي الإعسار، حتى تظهر قرائن إعساره . التاسعة : أنها لا تجب الخطبة للعقد ؛ لأنها لم تذكر في شيء من طرق الحديث ؛ وتقدم أن الظاهرية تقول بوجوبها ، وهذا يرد قولهم . وأنه يصح أن يكون الصداق منفعة كالتعليم ، فإنه منفعة ، ويقاس عليه غيره ، ويدل عليه قصة موسى مع شعيب . وقد ذهب إلى جواز كونه منفعة الهادوية ، وخالفت الحنفية ، وتكلفوا لتأويل الحديث ، وادعوا أن التزوج بغير مهر من خواصه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو خلاف الأصل . العاشرة: قوله : ((بما معك من القرآن))، يحتمل - كما قاله القاضي عياض - وجهين : أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن ، أو قدراً معيناً منه ، ويكون ذلك صداقاً ، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: ((فعلمها من القرآن))، وفي بعضها تعيين عشر من الآيات ، ويحتمل أن الباء للتعليل ، وأنه زوجه بها بغير صداق إكراماً له ؛ لكونه حافظاً لبعض من القرآن . ويؤيد هذا الاحتمال قصة أم سليم مع أبي سليم ؛ وذلك أنه خطبها ، فقالت : والله ، ما مثلك يرد ، ولكنك كافر ، وأنا مسلمة ، ولا يحل لي أن أتزوجك ؛ فإن تسلم ، فذلك مهرك ، ولا أسألك غيره ، فأسلم ، فكان ذلك مهرها . ٣١٩ ٨- كتاب النكاح ٩١٩ ۔ حدیث سهل بن سعد أخرجه النسائي ، وصححه عن ابن عباس ، وترجم له النسائي : باب التزويج على الإسلام . وترجم على حديث سهل هذا بقوله : باب التزويج على سورة البقرة ؛ وهذا ترجيح منه للاحتمال الثاني ، والاحتمال الأول أظهر ؛ كما قاله القاضي ، لثبوت رواية: ((فعلمها من القرآن)). الحادية عشرة : أن النكاح ينعقد بلفظ التمليك ، وهو مذهب الهادوية والحنفية ، ولا يخفى أنها قد اختلفت الألفاظ في الحديث ؛ فروي بالتمليك وبالتزويج وبالإمكان . قال ابن دقيق العيد : هذه لفظة واحدة في قصة واحدة ، اختلفت مع اتحاد مخرج الحديث ، والظاهر أن الواقع من النبي ثم لفظ واحد ؛ فالمرجع في هذا إلى الترجيح . وقد نقل عن الدارقطني أن الصواب رواية من روى: ((قد زوجتكها))، وأنهم أكثر وأحفظ ، وأطال المصنف في ((الفتح)) الكلام على هذه الثلاثة الألفاظ ، ثم قال : فرواية التزويج والإنكاح ، أرجح . وأما قول ابن التين : إنه اجتمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية : ((زوجتكها))، وأن رواية: ((ملكتكها)) وهم فيه ، فقد قال المصنف : إن ذلك مبالغة منه . وقال البغوي : الذي يظهر أنه كان بلفظ : التزويج على وفق قول الخاطب : زوجنيها ؛ إذ هو الغالب في لفظ العقود ؛ إذ قلما يختلف فيه لفظ المتعاقدين . ٣٢٠