Indexed OCR Text
Pages 81-100
٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٥ - حديث عبادة بن الصامت (الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح ؛ مثلاً بمثل ، سواء بسواء ، يداً بيد ؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبیعوا کیف شئتم ، إذا كان يدًا بيد)» . رواه مسلم) : لا يخفى ما أفاده من التأكيد بقوله: ((مثلاً بمثل، وسواء بسواء)). وفيه دليل على تحريم التفاضل فيما اتفقا جنساً من الستة المذكورة التي وقع عليها النص . وإلى تحريم الربا فيها ذهبت الأمة كافة ، واختلفوا فيما عداها ؛ فذهب الجمهور إلى ثبوته فيما عداها تما شاركها في العلة ، ولكن لما لم يجدوا علة منصوصة ، اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية ؛ من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها(١). وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها: ((القول المجتبى))، واعلم أنه اتفق العلماء على جواز بيع ربوي بربوي ، لا يشاركه في الجنس (٢) مؤجلاً ومتفاضلاً ، كبيع الذهب بالحنطة والفضة بالشعير، وغيره من المكيل ، (١) قلت: لعل الصواب ما ذهب إليه الحنفية من أن العلة : الكيل والوزن ؛ فإن قوله في الحديث الآتي : ((وكذلك الميزان))؛ أي: الموزون ؛ فهذا نص في اعتبار الوزن والكيل . وقد صرح بذلك ابن رشد في «البداية)) (١٠٨/٢) ؛ لكنه شكَّ في صحة الحديث ؛ حيث قال : ((هذا نص لو صحت الأحاديث)) ! وكأنه خفي عليه ورود أحدها في ((البخاري))! وإلى ذلك مال الشوكاني (١٦٥/٢). ويؤيده نهيه ﴿ أن يبيع العنب بالزبيب كيلاً؛ وهو من المزابنة ، كما يأتي في الحديث (٧٩٦). (٢) وهو العلة: ((نووي)). ٨١ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٦ و٧٨٧ - حديثا أبي هريرة وأبي سعيد وأبي هريرة واتفقوا على أنه لا يجوز بيع الشيء بجنسه ، وأحدهما مؤجل(١). ٧٨٦ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((الذَّهَبُ بالذَّهَب وَزْناً بوَزْن مِثْلاً بمثْل ، وَالْفضَّةُ بالفضة وَزْناً بوزْن مثلاً بمثْل، فَمَنْ زَادَ أو اسْتزادَ فَهُوَ ربا)) . رَوَاهُ مُسْلَمٌ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عز اني: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن): نصب على الحال (مِثْلاً بمثْلٍ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ وزناً بوَزْنٍ مِثْلاً بمثْل، فَمَنْ زَادَ أو اسْتَزَادَ فَهُوَ رِباً))(٢) . رواه مسلم): فيه دليل على تَعَيُّنِ التقدير بالوزن ، لا بالخَرْص والتخمين ؛ بل لا بد من التعيين الذي يحصل بالوزن . وقوله: ((فمن زاد))؛ أي: أعطى الزيادة ((أو استزاد))؛ أي: طلب الزيادة ((فقد أربى))؛ أي: فعل الرِّبا المحرم، واشترك في إثمه الآخذ والمعطي . ٧٨٧ - وعن أبي سَعيدٍ وَأَبِي هُرَيْرةَ رضيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلى خَيْبِرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((أَكُلُ تَمْرٍ خَيْبَرَ هِكَذا؟))، فَقَّالَ: لا والله يا رسولَ الله إنّ لنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ ، والثَلاثَةِ ، فقال النبيُّ .: ((لا تَفْعَلْ بِع الْجَمْعَ بالدَّرَاهم، ثم ابْتَعْ بالدَّرَاهِم جَنیباً»، وَقالَ في الميزَانِ مِثْلَ ذلكَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ ، ولِمِسْلَم: ((وكَذلكَ الْمِيزَانَ)). (وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله (١) ((نووي)). (٢) زاد مسلم من حديث أبي سعيد: ((الآخذ والمعطي فيه سواء)). ٨٢ ٧ - كتاب البيوع ٧٨٧ - حديث أبي سعيد وأبي هريرة ٣ - باب الربا عليه وآله وسلم استعمل رجلاً) : اسمه سواد - بفتح السين المهملة وتخفيف الواو ودال مهملة - ابن عُزيّة - بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي ومثناة تحتية - بزنة : عطية ، وهو من الأنصار (على خيبر فجاءه بتمر جَنِيبٍ(١)) : - بالجيم المفتوحة والنون - بزنة : عظيم يأتي بيان معناه (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أَكُلُّ تَمر خَيْبَرَ هكذا؟)) ، فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، فقال النبي ◌َّهِ: ((لا تَفْعلْ بع الْجَمْعَ) : - بفتح الجيم وسكون الميم - التمر الرديء (بالدَّرَاهم ، ثم ابْتَعْ بالدَّراهِم جنيباً» ، وقال في الميزان مِثْلَ ذلك . متفق عليه ، ولمسلم : (وَكَذلكَ الْمِيزان))) : الجنيب : قيل : الطيب ، وقيل : الصلب ، وقيل : الذي أخرج منه حشفه ورديئه ، وقيل : هو الذي لا يختلط بغيره ، وقد فسر الجمع بما ذكرناه آنفاً ، وفسر في رواية لمسلم : بأنه الخلط من التمر ، ومعناه : مجموع من أنواع مختلفة . والحديث دليل على أن بيع الجنس بجنسه يجب فيه التساوي ، سواء اتفقا في الجودة والرداءة ، أو اختلفا ، وأن الكل جنس واحد . وقوله : وقال في الميزان مثل ذلك ؛ أي : قال فيما كان يوزن إذا بيع بجنسه مثل ما قال في المكيل : إنه لا يباع متفاضلاً ، وإذا أريد مثل ذلك بيع بالدراهم وشري ما يراد بها ، والإجماع قائم على أنه لا فرق بين المكيل والموزون في ذلك الحكم . واحتجت الحنفية بهذا الحديث على أن ما كان في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مكيلاً ، لا يصح أن يباع ذلك بالوزن متساوياً ؛ بل لا بدّ (١) الطيب. ٨٣ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٨ - حديث جابر بن عبد الله من اعتبار كيله وتساويه كيلاً ، وكذلك الوزن . وقال ابن عبد البر : إنهم أجمعوا أن ما كان أصله الوزن ، لا يصح أن يباع بالكيل ، بخلاف ما كان أصله الكيل ؛ فإنَّ بعضهم يجيز فيه الوزن ، ويقول : إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شيء . وغيرهم يعتبرون الكيل والوزن بعادة البلد ، ولو خالف ما كان عليه في ذلك الوقت ؛ فإن اختلفت العادة اعتبر بالأغلب ؛ فإن استوی الأمران کان له حكم المكيل إذا بيع بالكيل ، وإن بيع بالوزن كان له حكم الموزون . واعلم أنه لم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره برد البيع ؛ بل ظاهرها أنه قرره ، وإنما أعلمه بالحكم وعذره للجهل به . إلا أنه قال ابن عبد البر: إن سكوت الراوي عن رواية فسخ العقد ، ورده لا يدل على عدم وقوعه ، وقد أخرج من طريق أخرى ؛ وكأنه يشير إلى ما أخرجه من طريق أبي بصرة عن أبي سعيد نحو هذه القصة ؛ فقال: ((هذا الربا فردوه))، قال : ويحتمل تعدد القصة وأن التي لم يقع فيها الرد كانت متقدمة . وفي الحديث دلالة على جواز الترفيه على النفس باختيار الأفضل . ٧٨٨ - وعن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: نهى رَسُولُ الله. عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التّمْر التي لا يُعْلمُ مَكِيلُها، بالْكَيْلِ الْمُسَمّى مِنَ التّمْرِ . رَوَاهُ مُسَّلِمٌ . (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله عَ لُ عن بيع الصُّبْرَة) : بضم الصاد المهملة : الطعام المجتمع (من التمر التي لا يُعلم ٨٤ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٨٩ - حديث معمر بن عبد الله مكيلُها ، بالكيل المسمى من التمر . رواه مسلم) . دلَّ الحديث على أنه لا بدّ من التساوي بين الجنسيْن ؛ وتقدم اشتراطه ، وهو وجه النهي . ٧٨٩ - وعن مَعْمَرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قالَ: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((الطعامُ بالطّعامِ مِثْلاً بمثْل)»، وكان طَعَامُنا يوْمئذ الشّعيرَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال : إني كنت أسمع رسول الله يقول: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل))، وكان طعامنا يومئذ الشعير . رواه مسلم) : ظاهر لفظ الطعام أنه يشمل كل مطعوم ، ويدل على أنه لا يباع متفاضلاً، وإن اختلف الجنس . والظاهر أنه لا يقول أحد بالعموم ، وإنما الخلاف في البر والشعير، كما سيأتي عن مالك ، ولكنّ معمر خص الطعام بالشعير ، وهذا من التخصيص بالعادة الفعلية حيث لم يغلب الاسم ، وقد ذهب إلى التخصيص بها الحنفية . والجمهور لا يخصصون بها إلا إذا اقتضت غلبة الاسم ، وإلا حمل اللفظ على العموم؛ ولكنه مخصوص بما تقدم من قوله : ((فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم)) (١) ، بعد عده للبر والشعير ، فدل على أنهما صنفان ، وهو قول الجماهير. وخالف ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا : هما صنف واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً ، وسبقهم إلى ذلك معمر بن عبد الله راوي الحديث ؛ فأخرج مسلم عنه : أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال : بعه ، ثم اشتر به شعيراً ، فذهب الغلام (١) إذا كان يداً بيد. ٨٥ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٠ - حدیث فضالة بن عبيد فأخذ صاعاً وزيادة بعض صاع ، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟! انطلقْ فردّه ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل؛ فإنّي سمعت رسول الله عَ ليه، ثم ساق هذا الحديث المذكور. فقيل له : فإنّه ليس مثله ، فقال : إني أخاف أن يضارع . وظاهره أنه اجتهاد منه ، ويرد عليهم ظاهر الحديث ، ونص حديث أبي داود والنسائي من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثر، وهما يداً بيد)). ٧٩٠ - وعن فَضَالَةَ بن عُبَيْدٍ رضي الله عنه قالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبِرَ قلادَةً بأثْني عَشَرَ ديناراً فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، فَفَصِلْتُها فَوَجَدْتُ فيها أَكثرَ مِن اثْنِي عَشَرَ ديناراً ، فَذَكَرْتُ ذلكَ للنّبيِّ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فَقَالَ: ((لا تُبَاعُ ، حَتّى تُفْصَل)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال : اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز، ففصلتها(١) فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ((لا تُبَاعُ، حتّى تُفْصَل))(١) . رواه مسلم) : ـي* بالذهب الذي في القلادة، (١) في بعض الروايات - عند مسلم وغيره -: فأمر النبي فنزع وحده . وفي رواية: أنه قال ◌َ له: ((لا؛ حتى تميز بينها)). قال: فردّه، حتى ميّز بينهما. رواه أبو داود ، والطحاوي وغيرهما بسند صحيح . وعلى هذا؛ فمعنى قوله : ففصلتها؛ أي: تقديراً لا فعلاً؛ ليتفق مع الروايات الأخرى . ويمكن أن يقال : إن الفصل وقع بالفعل ، ثم وصلها فضالة وأعاد القلادة كما كانت ؛ ليرجع . بها إلى البائع ويردها إليه ؛ ليشتريها منه مفصولة كما أمر # ٨٦ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٠ - حديث فضالة بن عبيد الحديث قد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) بطرق كثيرة بألفاظ متعددة ، حتّى قيل : إنه مضطرب . وأجاب المصنف أنّ هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً؛ بل النص من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه ، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل ، وأمّا جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الاضطراب . وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها ، وإن كان الجميع ثقات ، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم ، فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة ، وهو كلام حسن يجاب به فيما يشابه هذا ؛ مثلُ حديث جابر وقصة جمله ومقدار ثمنه . والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب ، حتّى يفصل ويباع الذهب بوزنه ذهباً ويباع الآخر بما زاد . ومثله غيره من الربويات؛ فإنه يتَيٍ قال: ((لا تباع، حتّى تفصل))، فصرح ببطلان العقد وأنه يجب التدارك له . وقد اختلف في هذا الحكم ؛ فذهب كثير من السلف والشافعي وأحمد وغيرهم إلى العمل بظاهر الحديث . وخالف في ذلك الهادوية والحنفية وآخرون ، وقالوا بجواز ذلك بأكثر مما فيه من الذهب ، ولا يجوز بمثله ، ولا بدونه ، قالوا : وذلك لأنه حصل الذهب في مقابلة الذهب ، والزائد من الذهب في مقابلة المصاحب له فصح العقد . قالوا : لأنه إذا احتمل العقد وجه صحة وبطلان ، حمل على الصحة . ٨٧ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٠ - حدیث فضالة بن عبيد قالوا: وحديث القلادة الذهب(١) فيها أكثر من اثني عشر ديناراً؛ لأنها إحدى الروايات في مسلم ، وصححها أبو عليّ الغساني . ولفظها : قلادة فيها اثنا عشر ديناراً (٢)، وهي أيضاً كرواية الأكثر في الحكم (٣). وهو على التقديرين لا يصح ؛ لأنه لا بد أن يكون المنفرد أكثر من المصاحب ؛ ليكون ما زاد من المنفرد في مقابلة المصاحب . وأجاب المانعون بأن الحديث فيه دلالة على علة النهي ، وهي عدم الفصل ، حيث قال : ((لا تباع، حتّى تفصل)) ، وظاهره الإطلاق في الُساوي وغيره . فالحق مع القائلين بعدم الصحة ، ولعلَّ وجه حكمة النهي هو سد الذريعة إلى وقوع التفاضل في الجنس الربوي ، ولا يكون إلا بتمييزه بفصل واختيار المساواة بالكيل أو الوزن ، وعدم الكفاية بالظن في التغليب . ولمالك قول ثالث في المسألة ، وهو أنه يجوز بيع السيف المحلى بالذهب ، إذا كان الذهب في البيع تابعاً لغيره ، وقدره بأن يكون الثلث فما دونه ، وعلل لقوله بأنه إذا كان الجنس المقابل بجنسه الثلث فما دونه ، فهو مغلوب ومكثور للجنس المخالف ، والأكثر ينزل في غالب الأحكام منزلة الكل ، فكأنه لم يبع ذلك الجنس بجنسه . ولا تخفى ركته وضعفه . وأضعف منه القول الرابع ، وهو جواز بيعه بالذهب مطلقاً؛ مثلاً بمثل أو أقل (١) لعله : (كان) . (٢) كذا نقله القاضي عن أصحاب الغسّاني ! وردّه النووي فقال : ((والصواب: (قلادة باثني عشر ديناراً)؛ وهو الذي أصلحه صاحب أبي علي الغساني)). (٣) لأنه في حالة التساوي لم يبق هناك ثمن للمصاحب ، وهو الحرز؛ فعاد الحديث حجة عليهم. ٨٨ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩١ - حديث سمرة بن جندب أو أكثر ، ولعل قائله ما عرف حديث القلادة . ٧٩١ - وعن سَمُرَةَ بن جُنْدُبِ رضي الله عنه: أَنَّ النّبيّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم نَهى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ بِالْحَيَوَانِ نَسيئَةً . رَوَاهُ الخمْسَةُ ، وَصَحّحَهُ التّرْمذيُّ وابنُ الْجَارُود . (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . رواه الخمسة ، وصححه الترمذي وابن الجارود) : وأخرجه أحمد وأبو يعلى والضياء في ((المختارة)»، كلهم من حديث الحسن عن سمرة . وقد صححه الترمذي وقال غيره : رجاله ثقات ، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله ؛ لما في سماع الحسن من سمرة من النزاع . لكن رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس ، ورجاله ثقات أيضاً ، إلا أنه رجح البخاري وأحمد إرساله . وأخرجه الترمذي عن جابر بإسناد ليِّن ، وأخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) عن جابر بن سمرة، والطحاوي والطبراني عن ابن عمر. وهو يعضد بعضه بعضاً(١) ، وفيه دليل على عدم صحة بيع الحيوان بالحيوان (١) وهو كما قال ؛ لا سيّما وحديث ابن عباس إسناده صحيح . وقد رواه ابن الجارود أيضاً في ((المنتقى)) (رقم ٦١٠)؛ ولا يضره إرسال من أرسله ؛ فإن الذين وصلوه جماعة من الثقات، لا ينبغي أن ترد زيادتهم، كما بينته في ((زوائد ابن الجارود)» (رقم # ٢). (*) كذا في الأصل . (الناشر) . ٨٩ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩١ - حديث سمرة بن جندب نسيئة ، إلا أنه قد عارضه رواية أبي رافع : أنه صلى الله عليه وآله وسلم استسلف بعيراً بكراً وقضى رباعياً ، وسيأتي . فاختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث سمرة ، فقيل : المراد بحديث سمرة أن يكون نسيئة من الطرفين معاً؛ فيكون من بيع الكالئ بالكالئ ، وهو لا يصح ، وبهذا فسره الشافعي جمعاً بينه وبين حديث أبي رافع(١) . وذهبت الهادوية والحنفية والحنابلة إلى أن هذا ناسخ لحديث أبي رافع . وأجيب عنه بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل ، والجمع أولى منه (٢)، وقد أمكن بما قاله الشافعي . ويؤيده آثار عن الصحابة أخرجها البخاري قال : اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه ، يوفيها صاحبها بالربذة(٣)، واشترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين وأعطاه أحدهما وقال : آتيك بالآخر غداً . (١) حديث أبي رافع يأتي (ص١٢٦)؛ وليس فيه بيع الحيوان بالحيوان؛ بل هو في قرضه! فالأولى الاستدلال بحديث ابن عمرو الآتي (٧٩٥). (٢) وحكى ابن القيم جمعاً آخر ، وهو: لا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل ؛ بل إن وجد أحدهما حرم الآخر . قال : ((وهذا أعدل الأقوال))؛ انظر ((تهذيب السنن)) (٣٠/٥ - ٣١). (٣) إسناده صحيح . لكن جاء عن ابن عمر خلافه ؛ رواه عبدالرزاق بسند صحيح عن طاوس: أنه سأل ابن عمر عن بعير ببعير من نظرة؟ فقال: لا؛ وكرهه . انظر ((الجوهر النقي)) (٢٨٨/٦) ، قال: ((فيحمل الأول على أن الأبعرة كانت بالربذة؛ فهذا بيع غائب، وليس بنسيئة ... )). ٩٠ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٢ - حديث ابن عمر وقال ابن المسيب : لا ربا في البعير بالبعيرين ، والشاة بالشاتين إلى أجل . واعلم أن الهادوية يعللون منع بيع الحيوان الموجود بالحيوان المفقود ؛ بأن المبيع القيمي لا بد أن يكون موجوداً عند العقد في ملك البائع له ، والحيوان قيمي مبيع مطلقاً؛ فيجب كونه موجوداً ، وإن لم يكن حاضراً مجلس العقد ؛ فلا بد أن يكون مميزاً عند البائع ؛ إما بإشارة ، أو لقب ، أو وصف . وكذلك عللوا منع قرض الحيوان بعدم إمكان ضبطه . وحديث أبي رافع يزعمون نسخه ، ويأتي تحقيق الكلام في شرح الحديث الخامس والتسعين والسبعمائة . ٧٩٢ - وعن ابْن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم يقُول: ((إذا تَبَايَعْتُمْ بالعِينةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنابَ الْبَقَرِ ، وَرَضيتمْ بالزَّرْع، وتركْتُمُ الجِهادَ ، سَلّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً لا يَنْزِعُهُ، حتّى تَرْجِعُوا إلى دينكُم)). رَوَاهُ أَبو داودَ مِنْ روايةِ نافعٍ عَنْهُ، وفي إسنادِهِ مَقَالٌ ، ولأحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ روَايةِ عطَاءٍ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَصحَّحَهُ ابْنُ الْقَطّان . (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((إذا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ): بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية (وأَخَذْتُمْ أَذْنَابِ الْبَقَر، وَرَضيتُمْ بالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجهاد، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً) : بضم الذال المعجمة والكسر: الاستهانة والضعف (لا ينْزِعُهُ، حتّى تَرْجِعُوا إلى دينِكُمْ)) . رواه أبو داود من رواية نافع عنه ، وفي إسناده مقال) : لأن في إسناده أبا عبد الرحمن الخراساني - اسمه إسحاق - عن عطاء ٩١ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٢ - حديث ابن عمر الخراساني ، قال الذهبي في ((الميزان)): هذا من مناكيره (ولأحمد نحوه من رواية عطاء ، ورجاله ثقات ، وصححه ابن القطان)(١) : قال المصنف : وعندي أن الحديث الذي صححه ابن القطان معلول ؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً؛ لأن الأعمش مدلس ، ولم يذكر سماعه من عطاء ، وعطاء يحتمل أن يكون هو الخراساني ؛ فيكون من تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر؛ فيرجع إلى الحديث الأول(٢)، وهو المشهور . ا . هـ . والحديث له طرق عديدة عقد له البيهقي باباً وبين عللها . واعلم أن بيع العينة هو: أن يبيع سلعة بثمن معلوم إلى أجل ، ثم يشتريها من المشتري بأقل ؛ ليبقى الكثير في ذمته ، وسميت عينة لحصول العين - أي : النقد - فيها ، ولأنه يعود إلى البائع عين ماله . وفيه دليل على تحريم هذا البيع ، وذهب إليه مالك وأحمد وبعض الشافعية عملاً بالحديث ؛ قالوا : ولما فيه من تفويت مقصد الشارع من المنع عن الربا وسدّ الذرائع مقصود . (١) وهو الصواب؛ فإن للحديث ثلاث طرق يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة ، وقد ذكرتها في ((الأحاديث الصحيحة)) (رقم ١١). وقد قواه ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (١٠٣/٥ - ١٠٤). (٢) هذا الاحتمال باطل : أولاً: لتصريح الأعمش بأنه عطاء بن أبي رباح في ((مسند أحمد)) (رقم ٤٨٢٥) وغيره . وثانياً: أن الأعمش لم يعرف بتدليس التسوية ، ولا وصفه بذلك الحافظ نفسه فى ((التقريب)). ٩٢ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٢ ۔ حديث ابن عمر قال القرطبي : لأن بعض صور هذا البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً ، ويكون الثمن لغواً . وأما الشافعي فنقل عنه أنه قال بجوازه؛ أخذاً من قوله ﴿ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة الذي تقدم: ((بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً)). قال : فإنه دال على جواز بيع العينة ، فيصح أن يشتري ذلك البائع له ويعود له عين ماله ؛ لأنه لما لم يفصل ذلك في مقام الاحتمال ، دل على صحة البيع مطلقاً ؛ سواء كان من البائع ، أو غيره . وذلك لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري مجرى العموم في المقال . وأيد ما ذهب إليه الشافعي بأنه قد قام الإجماع على جواز البيع من البائع بعد مدة ، لا لأجل التوصل إلى عوده إليه بالزيادة . وقالت الهادوية : يجوز البيع من البائع إذا كان غير حيلة ، ولا فرق بين التعجيل والتأجيل ، وبأن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه ؛ فإذا كان مشروطاً عند العقد أو قبله على عوده إلى البائع ، فالبيع فاسد ، أو باطل ؛ على الخلاف ، وإن كان مضمراً غير مشروط فهو صحيح . ولعلهم يقولون : حديث العينة فيه مقال ؛ فلا ينتهض دليلاً على التحريم . وقوله: ((وأخذتم أذناب البقر))، كناية عن الاشتغال عن الجهاد بالحرث. والرضا بالزرع كناية عن كونه قد صارهمهم وهمتهم ، وتسليط الله كناية ٩٣ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٣ - حديث أبي أمامة عن جعلهم أذلاء بالتسليط ؛ لما في ذلك من الغلبة والقهر(١). وقوله : ((حتى ترجعوا إلى دينكم))؛ أي: ترجعوا إلى الاشتغال بأعمال الدین . وفي هذه العبارات زجر بالغ وتقريع شديد ، حتّى جعل ذلك بمنزلة الردة ، وفيه الحث على الجهاد . ٧٩٣ - وعن أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النّبيِّ ◌َ﴿ قالَ: «مَنْ شَفَعَ لأخيه شَفَاعةً فَأَهْدَى لَهُ هَديةً فَقِلها؛ فقد أَتَى باباً عظيماً مِنْ أَبُوابِ الرِّبا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوَدَ ، وفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ . قال: ((من شفع لأخيه (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي شفاعة فأهدى له هدية فقبلها ؛ فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا)) . رواه أحمد وأبو داود ، وفي إسناده مقال(٢)): فيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة ، وظاهره سواء كان قاصداً لذلك عند الشفاعة ، أو غير قاصد لها . وتسميته رباً من باب الاستعارة؛ للشبه بينهما ؛ وذلك لأن الربا هو الزيادة في المال من الغير، لا في مقابلة عوض ، وهذا مثله . (١) وهذا المعنى هو المراد من قوله ﴿﴿ - وقد رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث -: ((لا يدخل هذا بيت قوم ، إلا أدخله الله الذل)) . رواه البخاري . (٢) وكذا قال الخطابي في ((المعالم))؛ وسببه أنه من رواية القاسم، كما بينه الشارح؛ وهو ابن عبدالرحمن أبو عبدالرحمن الدمشقي ، وهو صدوق؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))؛ فهو حسن الحديث إذا لم يخالف . ٩٤ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٤ - حديث عبد الله بن عمرو ولعل المراد إذا كانت الشفاعة في واجب ؛ كالشفاعة عند السلطان في إنقاذ المظلوم من يد الظالم ، أو كانت في محظور؛ كالشفاعة عنده في تولية ظالم على الرعية ، فإنها في الأولى واجبة ، فأخذ الهدية في مقابلها محرم ، والثانية محظورة فقبضها في مقابلها محظور . وأما إذا كانت الشفاعة في أمر مباح ، فلعله جائز أخذ الهدية ؛ لأنها مكافأة على إحسان غير واجب(١) ، ويحتمل أنها تحرم ؛ لأن الشفاعة شيء يسير لا تؤخذ عليه مكافأة . وإنَّما قال المصنف : وفي إسناده مقال ؛ لأنه رواه القاسم عن أبي أمامة - وهو أبو عبد الرحمن مولاهم الأموي الشامي - فيه مقال ؛ قاله المنذري . قلت : في ((الميزان)): قال الإمام أحمد : روى عنه علي بن يزيد أعاجيب ، وما أراها إلا من قبل القاسم . وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ◌َة المعضلات ، ثم قال : إنه وثّقه ابن معين ، وقال الترمذي : ثقة . انتهى. ٧٩٤ - وعن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِيَّةِ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَّ وَالتِّرْمذيُّ وَصَحّحَهُ . (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله عنهُمَا قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي . رواه أبو داود والترمذي وصححه) : (١) قلت: ولعل هذا هو الأقرب؛ بدليل حديث: ((ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه ... )). أبو داود ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم ، وأحمد ، وهو صحيح . ٩٥ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٤ - حديث عبد الله بن عمرو ورواه أحمد(١) في ((القضاء))، وابن ماجه في ((الأحكام)»، والطبراني في ((الصغير))، وقال الهيثمي: رجاله ثقات(٢) . وذكر المصنف هذا الحديث في أبواب الربا ؛ لأنه أفاد لعن من ذكر لأجل أخذ المال الذي يشبه الربا ، كذلك أخذ الربا ، وقد تقدم لعن آخذه أول الباب . وحقيقة اللعن البعد عن مظان الرحمة ومواطنها، وقد ثبت اللعن عنه مَ الية لأصناف كثيرة تزيد على العشرين ، وفيه دلالة على جواز لعن العصاة من أهل القبلة . وأما حديث : ((المؤمن ليس باللعان))؛ فالمراد به لعن من لا يستحق ممن لم يلعنه الله ، ولا رسوله ، أو ليس بالكثير اللعن ؛ كما تفيده صيغة فعال . والراشي : هو الذي يبذل المال ليتوصل به إلى الباطل ؛ مأخوذ من الرشاء ؛ وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر؛ فعلى هذا بذل المال للتوصل إلى الحق لا يكون رشوة(٣) . (١) وأبو داود بسند صحيح . (٢) كذا قال تقليداً منه للهيثمي(*) (١٩٩/٤)، والمنذري (١٤٣/٣)! وفيه أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي؛ ضعفه في ((اللسان))، وذكر له حديثاً منكراً ، وآخر أشار إليه ، وهو هذا ، وقال : ((إنه غريب جدا)) . والسبب: أنه خالف الثقات في لفظه، فقال: ((الراشي والمرتشي في النار)). (٣) ((النهاية)). (*) أي: أقر الصنعانيُّ الهيثميَّ على توثيق رجاله . والله أعلم . (الناشر). ٩٦ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٥ - حديث عبد الله بن عمرو والمرتشي : آخذ الرشوة ، وهو الحاكم . واستحقا اللعنة جميعاً لتوصل الراشي بماله إلى الباطل ، والمرتشي للحكم بغير الحق . وفي حديث ثوبان زيادة: ((والرائش))؛ وهو الذي يمشي بينهما . ﴿ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشاً، فَنَفْدَتِ الإبلُ، ٧٩٥ ۔ وعنه : أَنَّ رسولَ الله فَأَمَرَهُ أَنْ يأخُذَ عَلى قَلائِص الصَّدَقَةِ. قالَ: فَكُنْتُ أَخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرِيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ . رَوَاهُ الْحَاكِمُ والْبَيْهَقِيُّ ، وَرجالُهُ ثِقَاتٌ . (وعنه): أي: ابن عمرو رضيَ الله عنهُمَا (أن رسول الله ◌َ هُ أمره أن يجهز جيشاً ، فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة ، قال : فكنت آخذ (١) البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة . رواه الحاكم والبيهقي ، ورجاله ثقات(٢)) . ذكْرُ المصنف له هنا ؛ لأن الحديث يدل أن لا رباً فى الحيوانات ، وإلا فبابه القرض . وفي الحديث دليل على جواز اقتراض الحيوان ، وفيه أقوال ثلاثة : (١) وفي رواية: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة. ورواه البيهقي (٢٨٨/٦)، وصحح إسناده . (٢) فيه ابن إسحاق ، وقد عنعنه عندهما ؛ لكنه قد صرح بالتحديث عند أحمد في رواية له (رقم ٧٠٢٥) . وله عند الدارقطني طريق أخرى بسند حسن أيضاً. وقال ابن القيم (٣١/٥): «هو حدیث حسن)) . ٩٧ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٥ - حديث عبد الله بن عمرو الأول : جواز ذلك ، وهو قول الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف عملاً بهذا الحديث ، وبأن الأصل جواز ذلك ، إلا جارية لمن يملك وطأها ؛ فإنه لا يجوز، ويجوز لمن لا يملك وطأها كمحارمها والمرأة . والثاني : يجوز مطلقاً للجارية وغيرها ، وهو لابن جرير وداود . الثالث للهادوية والحنفية : أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوانات ، وهذا الحديث يرد قولهم ، وتقدم دعواهم النسخ وعدم صحته . واعلم أنه قد وقع في ((الشرح)) أن حديث ابن عمرو في قرض الحيوان كما ذكرناه، وراجعنا كتب الحديث فوجدنا في ((سنن البيهقي)) ما لفظه بعد سياقه بإسناده : قال عمرو بن حريش لعبد الله بن عمرو بن العاص : إنّا بأرض ليس فيها ذهب ولا فضة ، أفأبيع البقرة بالبقرتيْن ، والبعير بالبعيريْن ، والشاة بالشاتيْن؟ فقال: أمرني رسول الله ي ليه أن أجهز جيشاً ... الحديث المصدر في الكتاب. أن يبتاع ظهراً إلى خروج المُصَدِّق. وفي لفظ : فأمره النبي فسياق الأول واضح أنه في البيع ، ولفظ الثاني صريح في ذلك . إذا عرفت هذا فحمله على القرض خلاف ما دل عليه من بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . وقد عارضه حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، كما تقدم في الحديث العاشر(*) ، وقد علمت ما قيل فيه . (*) وهو يقابل في طبعتنا هذه الرقم : (٧٩١) . (الناشر) . ٩٨ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٦ - حديث ابن عمر والأقرب من باب الترجيح أن حديث ابن عمرو أرجح من حيث الإسناد ؛ فإنه قد قال الشافعي في حديث سمرة : إنه غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما رواه عنه البيهقي . وقرض الحيوان بالحيوان قد صح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جوازه أيضاً . ٧٩٦ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: نَهَى رسولُ الله ◌َلِ عَن الْمُزَابَنَة؛ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حائطه إنْ كانَ نَخْلاً بتَمْرِ كَيْلاً، وإن كانَ كَرْماً أَنْ يَبِيعَهُ بزبيبٍ كَيْلاً، وإن كانَ زَرْعاً أَنْ يَبيعهُ بكيْلٍ طَّعَام؛ نهَى عَنْ ذَلكَ كُلِّهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما): وكان قياس قاعدة المصنف : وعنه (قال: نهى رسول الله تَّةٍ عن الْمُزابَنَةِ): وفسَّرِها (١) بقوله (أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكّيْل طعام؛ نهى عن ذلك كله . متفق عليه) : تقدم الكلام على تفسير المزابنة واشتقاقها ووجه التسمية(٢). (١) هو ابن عمر في رواية للطحاوي (٢١٤/٢) بسند صحيح ، أو نافع في رواية لأحمد (٦٤/٢) . ولا منافاة بينهما؛ فكل صحيح . (٢) قال في ((الفتح)): ((هي مفاعلة من (الزَّبْن) بفتح الزاي وسكون الموحدة ، وهو الدفع الشديد؛ ومنه سميت الحرب : الزَّبون ؛ لشدة الدفع فيها . وقيل للبيع المخصوص : مزابنة ؛ كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه ، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه ، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع)). ٩٩ ٧ - كتاب البيوع ٣ - باب الربا ٧٩٧ ۔ حدیث سعد بن أبي وقاص وقوله: ((ثمر))؛ بالمثلثة وفتح الميم ، فشمل الرطب وغيره(١) ، والمراد ما كان في أصله رطباً من هذه الأمور المذكورة ، وأراد بالكرم العنب . وقد اختلف العلماء في تفسير المزابنة(٢) ، وتقدم أن المعول عليه في تفسيرها ما فسرها به الصحابي ؛ لاحتمال أنه مرفوع وإلا فهو أعرف بمراد الرسول قال ابن عبد البر: لا مخالف لهم أن مثل هذا مزابنة ، وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك كل ما لا يجوز بيعه إلا مثلاً بمثل؟ فالجمهور على الإلحاق في الحكم للمشاركة في العلة في ذلك ، وهو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس والتقدير . وأما تسمية ما ألحق مزابنة فهو إلحاق في الاسم ؛ فلا يصح إلا على رأي من أثبت اللغة بالقياس . ٧٩٧ - وعن سَعْدٍ بن أبي وَقّاص رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطِبِ بالتّمَّرِ فَقَالَ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذا يَبِسَ؟))، قالوا : نَعَمْ ، فَنَهِى عَنْ ذَلكَ . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابنُ المدينيِّ وَالتِّرمذِيُّ وابنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ . (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر (٣) فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس؟))، قالوا: (١) ويؤيده ما في رواية لمسلم (١٥/٥) بلفظ: وعن كل ثمر بخرصه. (٢) فقيل : إن المزابنة بيع الثمر قبل بدو صلاحه! وهو خطأ، ومثله تفسيرها بالمزارعة ! (٣) يعني : ولو يداً بيد. = ١٠٠