Indexed OCR Text
Pages 541-560
٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر حتّى طَلَعَتِ الشّمسُ ، فأَجازَ حتّى أَتَى عَرَفةَ ، فوجد القبّة قد ضُربَتْ لهُ بنمرة ، فنزل بها ؛ حتّى إذا زاغت الشّمس، أَمرَ بالْقصواءِ فَرُحِلَتْ لهُ ، فأَتى بَطْنِ الوادي فَخَطَبَ النّاس، ثم أَذَّنَ، ثم أَقامَ فَصَلى الظُّهْرَ، ثم أَقَامَ فَصلى الْعِصْرَ ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب حتّى أَتَى الموقفَ ، فجعلَ بطنَ ناقته القصْواءِ إلى الصَّخَرَات ، وجعَلَ حَبْل المشاةِ بين يديْهِ ، واستقْبلَ القِبْلة ، فلم يَزَلْ واقفاً، حتّى غربت الشّمْسُ؛ وذهبتِ الصُّفرة قليلاً، حتّى غابَ القُرْصُ . ودَفَعَ ، وقد شَنَقَ للقضْواءِ الزِّمامَ ؛ حتّى إن رأسها ليُصيبُ مَوْرِك رَحْلِهِ ، ويقولُ بيده اليُمنى: ((أَيُّها النّاسُ السّكينَةَ، السكينةَ))، وكلما أَتَى حَبْلاً من الحبال، أَرْخى لها قليلاً، حتّى تصْعَدَ ، حتّى أَتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاءَ بأذان واحدٍ وإقامتين ، ولم يسبِّحْ بينَهُما شيئاً ، ثم اضْطَجَعَ ، حتّى طَلَعَ الفَجْرُ ، فَصَلىَ الْفجرَ حين تبين لهُ الصُّبِحُ بأَذان وإقامة ، ثم ركبَ ، حتّى أَتى المشْعَر الحرَامَ ؛ فاسْتقبل القبلة فدعا وكبّر وهّل ، فَلَمْ يزل واقفاً، حتّى أَسفرَ جداً، فدفَعَ قِبَلَ أَنْ تَطْلُعَ الشّمس ، حتّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرِ فَحَرَّكَ قليلاً، ثم سلكَ الطّريق الوُسْطِى التي تخْرُجُ على الجمرة الكبرى ، حتّى أَتَى الجمْرةَ التي عند الشّجرةِ؛ فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، یکبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منها ؛ كل حصاة مثل حصى الخذف ؛ رمى منْ بطن الوادي ، ثم انصرفَ إلى المنْحر فنحر، ثم ركبَ رَسُولُ الله ◌ِ﴿ُ فأفاض إلى البيتِ فَصَلى بمكّة الظُّهْرَ. رواهُ مُسلمٌ مُطوَّلاً . (عن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا: أن رسول الله عَ ليه حج): عبر بالماضي لأنه روى ذلك بعد تقضي الحج ؛ حين سأله عنه محمد بن عليّ بن ٥٤١ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر الحسين؛ كما في ((صحيح مسلم)) (فخرجنا معه) : أي : من المدينة (حتى إذا أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس) : بصيغة التصغير امرأة أبي بكر؛ يعني: محمد بن أبي بكر (فقال): أي: النبي ح 18 (((اغتسلي واستثفري) : بسين مهملة فمثناة فوقية فثاء مثلثة ففاء ثم راء ، هو: شدّ المرأة على وسطها شيئاً ، ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم ، وتشد طرفيها من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذي شدته في وسطها ، وقوله (بثوب) : بيان لما تستثفر به (وأخْرمي))) فيه: أنه لا يمنع النفاس صحة عقد الإحرام (وصلى ) : أي : صلاة الفجر، كذا ذكره النووي في ((شرح مسلم))، رسول الله والذي في (الهدي النبوي)): أنها صلاة الظهر، وهو الأولى؛ لأنه مَخالٍ صلّى خمس صلوات بذي الحليفة ؛ الخامسة هي الظهر ، وسافر بعدها (في المسجد ، ثم ركب القَصْواء) : بفتح القاف فصاد مهملة فواو فألف ممدودة - وقيل : بضم القاف مقصور وخُطئ من قاله - لقب لناقته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (حتى إذا استوت به على البيداء): اسم محل (أهلَّ): رفع صوته (بالتوحيد): أي: إفراد التلبية لله وحده بقوله ((لبيك اللَّهُمَّ لَبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك): وكانت الجاهلية تزيد في التلبية : إلا شريكاً هولك ، تملكه وما ملك (إن الحمد) : بفتح الهمزة وكسرها والمعنى واحد ، وهو التعليل (والنعمة لك والملك، لا شريك لك))؛ حتّى إذا أتينا البيت استلم الركن) : أي : مسحه بيده، وأراد به الحجر الأسود ، وأطلق الركن عليه ؛ لأنه قد غلب على اليماني (فرمل) : أي : في طوافه بالبيت ؛ أي : أسرع في مشيه مهرولاً ٥٤٢ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر (ثلاثاً) : أي: مرات (ومشى أربعاً، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى) : ركعتي الطواف (ورجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب): أي : باب الحرم (إلى الصفا، فلما دنا) : أي: قرب (من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]: ((أبدأ): في الأخذ في السعي (بما بدأ الله به))، فرقي) : بفتح القاف (الصفا، حتّى رأى البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره) : وبين ذلك بقوله (وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ؛ لا إله إلا الله وحده ؛ أنجز وعده) : بإظهاره تعالى للدّين (ونصر عبده) : يريد به نفسه (وهزم الأحزاب): في يوم الخندق (وحده))) : أي : من غير قتال الآدميين ، ولا سبب لانهزامهم ؛ كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]، أو المراد : كل من تحزب لحربه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه هزمهم (ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات) : دل أنه كرر الذكر المذكور ثلاثاً (ثم نزل من الصفا) : منتهياً (إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى): قال عياض : فيه إسقاط لفظة لا بد منها وهي : حتّى انصبت قدماه فرمل في بطن الوادي ؛ فسقط لفظ : رمل ، قال : وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية لمسلم، وكذا ذكرها الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) (حتى إذا صعدتا) : من بطن الوادي (مشى حتّى أتى المروة ؛ ففعل على المروة كما فعل على الصفا) : من استقباله القبلة إلى آخر ما ذكر (فذكر) : أي : جابر (الحديث) : بتمامه ، واقتصر المصنف على محل الحاجة (وفيه) : أي : في الحديث (فلما كان يومُ التَّرْوية) : بفتح المثناة الفوقية فراء ، وهو الثامن من شهر ذي الحجة ؛ سمي ٥٤٣ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر بذلك لأنهم يتروون فيه ؛ إذْ لم يكن بعرفة ماء (توجهوا إلى منى ، وركب رسول الله ﴾ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث) : بفتح الكاف ، ثم مثلثة : لبث (قليلاً) : أي : بعد صلاة الفجر (حتى طلعت الشمس ، فأجاز) : أي : جاوز المزدلفة ، ولم يقف بها (حتى أتى عرفة) : أي : قرب منها لا أنه دخل بدليل (فوجد القبة): خيمة صغيرة (قد ضربت له بنمرة) : بفتح النون وكسر الميم فراء فتاء تأنيث : محل معروف (فنزل بها) : فإن نمرة ليست من عرفات (حتى إذا زاغت الشمس ، أمر بالقصواء فرحلت له) : مغير صيغة مخفف الحاء المهملة ؛ أي : وضع عليها رحلها (فأتى بطن الوادي) : وادي عرفة (فخطب الناس ، ثم أذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر) : جمعاً من غير أذان (ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب حتّى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل) : فيه ضبطان بالجيم والحاء المهملة والموحدة، إما مفتوحة أو ساكنة (المشاة): وبها ذكره في ((النهاية))، وفسره بطريقهم الذي يسلكونه في الرمل ، وقيل : أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم ؛ تشبيهاً بحبل الرمل (بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفاً، حتّى غربت الشمس ؛ وذهبت الصفرة قليلاً ، حتّى غاب القرص): قال في ((شرح مسلم)) : هكذا في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي من جميع النسخ؛ قال : قيل : صوابه : حين غاب القرص ، قال : ويحتمل أن يكون قوله : حتى غاب القرص ، بياناً لقوله : غربت الشمس وذهبت الصفرة ؛ فإن هذه قد تطلق مجازاً على مغيب معظم القرص ، فأزال ذلك الاحتمال بقوله : حتّى غاب القرص (ودفع ، وقد شنق) : بتخفيف النون : ضم ٥٤٤ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر وضيق (للقصواء الزمام؛ حتّى إن رأسها ليصيب مَوْرك) : بفتح الميم وكسر الراء (رحْله) : بالحاء المهملة الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام وسط الرحل ؛ إذا مل من الركوب (ويقول بيده اليمنى): أي: يشير بها قائلاً (((أيها الناس: السكينة، السكينة))): بالنصب؛ أي: الزموا (وكلما أتى حبلاً من الحبال) : بالمهملة وسكون الموحدة من حبال الرمل ، وحبل الرمل : ما طال منه وضخم (أرخى لها قليلاً ، حتّى تصغد) : بفتح المثناة وضمها ؛ يقال : صعد وأصعد (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح) : أي: لم يصل (بينهما شيئاً) : أي : نافلة (ثم اضطجع، حتّى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب ، حتّى أتى المشعر الحرام): وهو جبل معروف في المزدلفة ؛ يقال له : قُزَح؛ بضم القاف وفتح الزاي وحاء مهملة (فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ، فلم يزل واقفاً ، حتّى أسفر) : أي: الفجر (جداً): بكسر الجيم ؛ إسفاراً بليغاً (فدفع قبل أن تطلع الشمس ، حتّى أتى بطن مُحَسِّر) : بضم الميم وفتح المهملة وكسر السين المهملة المشددة ؛ سمِّي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حُسر فيه ؛ أي : كلّ وأعيا (فحرك قليلاً) : أي : حرك لدابته لتسرع في المشي ؛ وذلك مسافة مقدار رمية حجر (ثم سلك الطريق الوسطى): وهي غير الطريق التي ذهب فيها إلى عرفات (التي تخرج على الجمرة الكبرى) : وهي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) : وهي حد لمنى وليست منها ، والجمرة: اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك ؛ لاجتماع الناس ، يقال : أجمر بنو فلان إذا اجتمعوا (فرماها بسبع حصيات ، يُكبّر مع كل حصاة منها ؛ كل حصاة مثل حصى الخذف) : ٥٤٥ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر وقدره مثل حبة الباقلاء (رمى من بطن الوادي) : بيان لمحل الرمي (ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله ﴿ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) : فيه حذف ؛ أي : فأفاض إلى البيت فطاف به طواف الإفاضة ، ثم صلى الظهر ، وهذا يعارضه حديث ابن عمر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر يوم النحر بمنى ، وجمع بينهما بأنه صلى بمكة ، ثم أعاده بأصحابه جماعة بمنى ؛ لينالوا فضل الجماعة خلفه (رواه مسلم مطولاً) : وفيه زيادات حذفها المصنف ، واقتصر على محل الحاجة هنا . واعلم أن هذا حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ، ونفائس من مهمات القواعد ؛ قال القاضي عياض : قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا ، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً، أخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً ، وقال : ولو تقصي لزيد على هذا العدد ، أو قريب منه. قلت: وليعلم أن الأصل في كل ما ثبت أنه فعله عَ ل في حجة الوجوب ؛ لأمرين : أحدهما : أن أفعاله في الحج بيان للحج الذي أمر الله به ، والأفعال في بيان الوجوب محمولة على الوجوب، والثاني: قوله محلية: ((خذوا عني مناسككم» ، فمن ادعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحجة ، فعليه الدليل . ولنذکر ما یحتملہ «المختصر» من فوائده ودلا ئله : ففيه دلالة على أن غسل الإحرام سنة للنفساء والحائض ، ولغيرهما بالأولى ، وعلى استثفار الحائض والنفساء ، وعلى صحة إحرامهما ، وأن يكون الإحرام عقيب صلاة فرض ، أو نفل ؛ فإنه قد قيل : إن الركعتين اللتين أهل بعدهما ، ٥٤٦ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر فريضة الفجر ، وأنه يرفع صوته بالتلبية ، قال العلماء : ويستحب الاقتصار على تلبية النبي ﴿﴿ ، فلو زاد فلا بأس ؛ فقد زاد عمر رضي الله عنه : لبيك ذا النعماء والفضل الحسن ، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك ، وابن عمر رضيَ الله عنهُمَا : لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، والرغباء إليك والعمل ، وأنس رضي الله عنه : لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقّاً . وأنه ينبغي للحاج القدوم أولاً مكة ليطوف طواف القدوم ، وأن يستلم الركن قبل طوافه ، ثم يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ، والرمل : إسراع المشي مع تقارب الخطا ، وهو الخبب ، ثم يمشي أربعاً على عادته ، وأنه يأتي بعد تمام طوافه مقام إبراهيم ويتلو: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثم يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين ؛ وقد أجمع العلماء على أنه ينبغي لكل طائف إذا طاف بالبيت أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف ، واختلفوا ؛ هل هما واجبتان أم لا؟ فقيل بالوجوب ، وقيل : إن كان الطواف واجباً ، وجبتا ؛ وإلا فسنة ، وهل يجبان خلف مقام إبراهيم حتماً ، أو يجزئان في غيره؟ فقيل : يجبان خلفه ، وقيل: يندبان خلفه . ولو صلاهما في الحجر ، أو في المسجد الحرام ، أو في أي محل من مكة ، جاز وفاتته الفضيلة . وورد في القراءة فيهما في الأولى بعد الفاتحة الكافرون ، والثانية بعدها الصمد . رواه مسلم . ودل على أنه يشرع له الاستلام عند الخروج من المسجد ، كما فعله عند الدخول ، واتفقوا أن الاستلام سنة ، وأنه يسعى بعد الطواف ، ويبدأ بالصفا ٥٤٧ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر ويرقى إلى أعلاه ، ويقف مستقبلاً القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر ، ويدعو ثلاث مرات ، وفي ((الموطأ)»: حتّى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي ، سعى؛ وقد قدمنا لك أن في رواية مسلم سقطاً، فدلت رواية ((الموطأ»: أنه يرمل في بطن الوادي ؛ وهو الذي يقال له : بين الميلين ، وهو مشروع في كل مرة من السبعة الأشواط ، لا في الثلاثة الأول كما في طواف القدوم بالبيت . وأنه يرقى أيضاً على المروة كما رقى على الصفا ، ويذكر ويدعو ؛ وبتمام ذلك تتم عمرته ؛ فإن حلق ، أو قصر ، صار حلالاً ، وهكذا فعل الصحابة الذين أمرهم ·بفسخ الحج إلى العمرة . وأما من كان قارناً، فإنه لا يحلق ، ولا يقصر ، ويبقى على إحرامه ، ثم في يوم التروية - وهو ثامن ذي الحجة - يحرم من أراد الحج ، ممن حل من عمرته ويطلع هو ومن كان قارناً إلى منى ، كما قال جابر : فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ؛ أي : توجه من كان باقياً على إحرامه لتمام حجه ، ومن كان قد صار حلالاً ، أحرم ، وتوجه إلى منى ، وتوجه صلى الله عليه وآله وسلم إليها راكباً ، فنزل بها وصلى الصلوات الخمس . وفيه أن الركوب أفضل من المشي في تلك المواطن ، وفي الطريق أيضاً ، وفيه خلاف؛ ودليل الأفضلية فعله ◌َ ره . وأن السنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس ، وأن يبيت بها هذه الليلة ، وهي ليلة التاسع من ذي الحجة ، وأن السنة ألا يخرجوا يوم عرفة من منى إلا بعد طلوع الشمس . ٥٤٨ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر وأن السنة ألا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس ، وأن يصلوا الظهر والعصر جمعاً بعرفات؛ فإنه ﴿ نزل بنمرة - وليست من عرفات -، ولم يدخل إلى الموقف إلا بعد الصلاتين ، وألا يصلي بينهما شيئاً . وأن السنة أن يخطب الإمام الناس قبل صلاة العصرين ، وهذه إحدى الأربع الخطب المسنونة ، والثانية يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر ، والثالثة يوم النحر ، والرابعة يوم النفر الأول ؛ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ، وفي رواية: ثم ركب حتّى أتى الموقف ... إلى آخره. سنن وآداب منها أن يجعل الذهاب إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين ، ومنها أن الوقوف راكباً أفضل ، ومنها أن يقف عند الصخرات وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة - وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات -، ومنها استقبال القبلة في الوقوف ، ومنها أنه يبقى في الموقف حتّى تغيب الشمس ويكون في وقوفه داعياً؛ فإنه عَّهُ وقف على راحلته راكباً يدعو الله عز وجل ، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره ، وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة ؛ وذكر من دعائه في الموقف : ((اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول ، اللَّهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، وإليك مآبي ولك تراثي ، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسواس الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح)). ذكره الترمذي ، ومنها أن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة ، ويأمر بها الناس إن كان مطاعاً ، ويضم زمام مركوبه لئلا يسرع في المشي ، إلا إذا ٥٤٩ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٤ - حديث جابر أتى حبلاً من حبال الرمال ، أرخاه قليلاً ؛ ليخف على مركوبه صعوده . فإذا أتى المزدلفة نزل بها ، وصلى المغرب والعشاء جمعاً بأذان واحد وإقامتين ، وهذا الجمع متفق عليه ، وإنما اختلفوا في سببه فقيل : لأنه نسك ، وقيل : لأجل أنهم مسافرون ، وأنه لا يصلي بينهما شيئاً . وقوله : ثم اضطجع حتّى طلع الفجر ، فيه سنن نبوية : المبيت بمزدلفة ، وهو مجمع على أنه نسك ، إنما اختلفوا هل هو واجب ، أو سنة؟ والأصل فيما فعله ﴿ في حجته الوجوب كما عرفت ، وأن السنة أن يصلي الصبح بالمزدلفة ، ثم يدفع منها بعد ذلك فيأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو - والوقوف عنده من المناسك -، ثم يدفع منه عند إسفار الفجر إسفاراً بليغاً ، فيأتي بطن محسر فيسرع السير فيه ؛ لأنه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل ؛ فلا ينبغي الأناة فيه ، ولا البقاء به ، فإذا أتى الجمرة وهي جمرة العقبة ، نزل ببطن الوادي ورماها بسبع حصيات؛ كل حصاة كحبة الباقلاء ، يكبر مع كل حصاة ، ثم ينصرف بعد ذلك إلى المنحر فينحر إن كانت عنده بدنة يريد نحرها؛ وأمّا هو ◌َ ◌ّةٍ ، فإنه نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة ، وكان معه مائة بدنة فأمر علياً عليه السَّلام بنحر باقيها ، ثم ركب إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ، وهو الذي يقال له : طواف الزيارة ، ومن بعده يحل له كل ما حرم بالإحرام ، حتّى وطء النساء ، وأمّا إذا رمى جمرة العقبة ، ولم يطف هذا الطواف ، فإنه يحل له ما عدا النساء . فهذه الجمل من السنن والآداب التي أفادها هذا الحديث الجليل من أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم ، تبين كيفية أعمال الحج ، وفي كثير مما دل عليه هذا ٥٥٠ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٥ و٦٩٦ - حديثا خزيمة وجابر الحديث الجليل - ما سقناه - خلاف بين العلماء كثير ، في وجوبه وعدم وجوبه ، وفي لزوم الدم بتركه وعدم لزومه ، وفي صحة الحج ؛ إن ترك منه شيئاً ، وعدم صحته. وقد طول بذكر ذلك في ((الشرح)) ، واقتصرنا على ما أفاده الحديث؛ فالآتي بما اشتمل عليه هو الممثل ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذوا عني مناسككم)) ، والمقتدي به في أفعاله وأقواله . ٦٩٥ - وعَنْ خُزَيْمةَ بن ثابت رضي الله عَنْهُ: أنَّ النّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم كانَ إذا فرغَ من تلبيتهِ في حج ، أو عمرة ، سأَلَ الله رضوانه والجنّةَ ، واستعاذَ برحْمته منَ النّار. رواهُ الشافَعَيُّ بإسناد ضعيف . (وعَنْ خُزَيْمَةَ بن ثابت رضي الله عَنْهُ: أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كانَ إذا فرغَ من تلبيتهِ في حج ، أو عمرة ، سأَلَ الله رضوانه والجنّةَ ، واستعاذَ برحْمته منَ النّار. رواهُ الشافعيُّ بإسناد ضعيف): سقط هذا الحديث من نسخة الشارح التي وقفنا عليها ، فلم يتكلم عليه ؛ ووجه ضعفه أن فيه : صالح بن محمد بن أبي زائدة أبو واقد الليثي ؛ ضعفوه . والحديث دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم ، في أي حين بهذا الدعاء ونحوه ، ويحتمل أن المراد بالفراغ منها انتهاء وقت مشروعيتها ، وهو عند رمي جمرة العقبة ، والأول أوضح . ٦٩٦ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَِّهِ: «نحرْتُ ههُنا ومنِّى كُلُّها مَنْحَرٌ ، فانحروا في رحالكم ، ووقَفْتُ هَهُنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ ، وَوَقَفْتُ هَهُنا وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ)) . رواهُ مُسلمٌ . ٥٥١ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٧ - حديث عائشة (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((نحرت ههنا ومنى كلها مَنْحَرٌ ، فانحروا في رحالكم) : جمع رحل ؛ وهو المنزل (ووقفت ههنا ، وعرفة كلها موقفٌ): وحد عرفة ما خرج عن وادي عرفة إلى الجبال المقابلة مما يلي بساتين بني عامر (ووقفت ههنا وجمعٌ كلها موقف)) . رواه مسلم) : أفاد ﴿ أنه لا يتعين على أحد نحره حيث نحر، ولا وقوفه بعرفة، ولا جمع حيث وقف ؛ بل ذلك موسع عليهم حيث نحروا في أي بقعة من بقاع منى ؛ فإنه يجزئ عنهم، وفي أي بقعة من بقاع عرفة وجمع وقفوا ، أجزأ؛ وهذه زيادات في بيان التخفيف عليهم ، وقد كان ﴿﴿ أفاده تقريره لمن حج معه من لم يقف في موقفه ، ولم ينحر من منحره؛ إذْ من المعلوم أنه حج معه أم لا تحصى ، ولا يتسع لها مكان وقوفه ونحره هذا ، والدم الذي محله منى هو دم القران والتمتع والإحصار والإفساد والتطوّع بالهدي ، وأمّا الذي يلزم المعتمر فمحله مكة ، وأمّا سائر الدماء اللازمة من الجزاءات ، فمحلها الحرم المحرم ، وفي ذلك خلاف معروف . ٦٩٧ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النبيّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم لَمّا جَاءَ إلى مَكّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاها، وخرجَ مِنْ أَسْفَلِها . مُتّفقٌ عَلَيْه. (وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا جَاءَ إلى مَكّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاها، وخرجَ مِنْ أَسْفَلِها . مُتّفقٌ عَلَيْهِ) : هذا إخبار عن دخوله صلی الله عليه وآله وسلم عام الفتح ؛ فإنه دخلها من محل یقال له : كداء ، بفتح الكاف والمدّ غير منصرف ؛ وهي الثنية التي ينزل منها إلى المعلاة : ٥٥٢ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٧ - حديث عائشة مقبرة أهل مكة ، وكانت صعبة المرتقى فسهَّلها معاوية ، ثم عبد الملك ، ثم المهدي ، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر المؤيد في حدود عشرين وثمانيمائة ، وأسفل مكة هي الثنية السفلى يقال لها : كُدى ؛ بضم الكاف والقصر ، عند باب الشبيكة ؛ ويقول أهل مكة : افتح وادخل ، وضم واخرج ، ووجه دخوله صلى الله عليه وآله وسلم من الثنية العليا ، ما روي أنه قال أبو سفيان : لا أسلم حتّى أرى الخيل تطلع من كداء ، فقال له العباس : ما هذا؟ قال : شيء طلع بقلبي ، وإن الله لا يطلع الخيل من هنالك أبداً . قال العباس : فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل رسول الله ◌َ منها . وعند البيهقي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله عَ ليه: ((كيف قال حسان؟))، فأنشده شعراً: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كَداء فتبسم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال : ((ادخلوها من حيث قال حسان)) . واختلف في استحباب الدخول من حيث دخل ◌َ ، والخروج من حيث خرج ؛ فقيل : يستحب ، وأنه يعدل إليه من لم يكن طريقه عليه ، وقال البعض : وإنما فعله ◌َّةٍ لأنه كان على طريقه ؛ فلا يستحب لمن لم يكن كذلك. وقال ابن تيمية : يشبه أن يكون ذلك والله أعلم أن الثنية العليا التي تشرف على الأبطح والمقابر، إذا دخل منها الإنسان فإنه يأتي من وجهة البلد والكعبة ، ويستقبلها استقبالاً من غير انحراف ؛ بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى ؛ لأنه يستدبر البلد والكعبة ، فاستحب أن يكون ما يليه منها مؤخراً؛ لئلا يستدبر وجهها . ٥٥٣ ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٨ و٦٩٩ - حديثا ابن عمر وابن عباس ٦ - كتاب الحج ٦٩٨ - وعن ابْن عُمر رضيَ اللّه عنهُمَا: أَنّهُ كانَ لا يَقْدُمُ مَكّة إلا باتَ بذي طُوَى، حتّى يصبحَ ويغْتَسلَ، ويذكُرُ ذلك عن النبيِّ ◌َهِ. مُتفقٌ عليه. (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان لا يقدم مكة إلا بات) : ليلة قدومه (بذي طُوى): في ((القاموس)) : مثلثة الطاء ويُنَّوَّن : موضع قرب مكة (حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ◌َّةٍ) : أي : أنه فعله (متفق عليه). فيه استحباب ذلك وأنه يدخل مكة نهاراً، وهو قول الأكثر . وقال جماعة من السلف وغيرهم: الليل والنهار سواء؛ والنبي تَ دخل مكة في عمرة الجعرانة ليلاً . وفيه دلالة على استحباب الغسل لدخول مكة . ٦٩٩ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان يُقَبِّلُ الْحَجَر الأسود ويَسْجُدُ عليه . رواهُ الحاكم مرفوعاً ، والبيهقي موقوفاً . (وعن ابنِ عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأسود ويَسْجُدُ عليه . رواهُ الحاكم مرفوعاً ، والبيهقي موقوفاً): وحسنه أحمد ، وقد رواه الأزرقي بسنده إلى محمد بن عباد بن جعفر ؛ قال : رأيت ابن عباس جاء يوم التروية وعليه حلة ، مرِّجلاً رأسه ، فقبل الحجر وسجد عليه ، ثم قبله وسجد عليه - ثلاثاً -. رواه أبو يعلى بسنده من حديث أبي داود الطيالسي ، عن جعفر بن عثمان المخزومي قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه ، وقال : رأيت خالي ابن عباس يقبل الحجر ويسجد عليه ، وقال : رأيت عمر يقبل الحجر ٥٥٤ : ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦ - كتاب الحج ٧٠٠ و٧٠١ - حديثا ابن عباس وابن عمر ويسجد عليه ، وقال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعله ، وحديث عمر في ((صحيح مسلم)): أنه قبل الحجر والتزمه وقال : رأيت رسول الله ◌َومُ بك حفياً؛ يؤيد هذا ، ففيه شرعية تقبيل الحجر والسجود عليه . ٧٠٠ - وعنْهُ قال: أَمرُهُم النّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أَن يرْمُلُوا ثلاثة أَشْواطٍ ، وْشُوا أَرْبعاً ما بين الركنين . . متفقٌ عليه . (وعنه) : أي : ابن عباس (قال: أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) : أي : أصحابه الذين قدموا معه مكة في عمرة القضاء (أن يرمُلوا) : بضم الميم (ثلاثة أشواط) : أي : يهرولون فيها في الطواف (ويمشوا أربعاً ما بين الركنين . متفق عليه) . ٧٠١ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنّهُ كان إذا طاف بالبيت الطّوافَ الأوَّلَ خَبَّ ثلاثاً ومشى أَرْبعاً. وفي رواية : رأَيتُ رسول اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلّم إذا طاف في الحج ، أو العُمْرة أوَّل ما يقْدُمُ ، فإنه يسعى ثلاثة أَطواف بالبيت ويمشي أَربعةً . مُتّفقٌ عليهما . (وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنّهُ كان إذا طاف بالبيت الطّوافَ الأوَّلَ حَبَّ ثلاثاً ومشى أَرْبعاً. وفي رواية: رأَيتُ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم إذا طافٍ في الحج ، أو العُمْرةِ أَوَّل ما يقْدُُ ، فإنه يسعى ثلاثة أَطواف بالبيت وبمشي أربعةً . مُتّفقٌ عليهما) : وأصل ذلك ووجه حكمته ما رواه ابن عباس قال: قدم رسول الله ي ◌ٍ وأصحابه مكة ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حُمَّى يثرب ، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى ٥٥٥ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٢ ۔ حديث ابن عباس آله وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . أخرجه الشيخان ، وفي لفظ مسلم : إن المشركين جلسوا ما يلي الحجر، وإنهم حين رأوهم يرملون قالوا : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟! إنهم لأجلد من كذا وكذا . وفي لفظ لغيره : إن هم إلا كالغزلان! فكان هذا أصل الرمل ؛ وسببه إغاظة المشركين وردّ قولهم ، وكان هذا في عمرة القضاء ، ثم صار سنّة ، ففعله في حجة الوداع مع زوال سببه ، وإسلام مَنْ في مكة ، وإنما لم يرملوا بين الركنين ؛ لأن المشركين كانوا من ناحية الحجر عند قعيقعان فلم يكونوا يرون من بين الركنين . وفيه دليل على أنه لا بأس بقصد إغاظة الأعداء بالعبادة ، وأنه لا ينافي إخلاص العمل ؛ بل هو إضافة طاعة إلى طاعة ، وقد قال تعالى : ﴿ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ٧٠٢ - وعنْه رضي الله عنهما: قال: لم أَر رسُول الله عَ له يستلم من البيت غير الرّكنين اليمانيين . رواهُ مسلمٌ . (وعنه) : أي : ابن عباس رضي الله عنهما (قال: لم أر رسول الله. يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين . رواه مسلم) . اعلم أن للبيت أربعة أركان : الركن الأسود ، ثم اليماني ، ويقال لهما : اليمانيان بتخفيف الياء ، وقد تشدّد ، وإنما قيل لهما : اليمانيان ؛ تغليباً كالأبوين والقمرين ، والركنان الآخران يقال لهما : الشاميان ، وفي الركن الأسود فضيلتان : كونه على قواعد إبراهيم عليهِ السَّلام ، والثانية كونه فيه الحَجَر ؛ وأمّا اليماني ٥٥٦ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٣ - حديث عمر ففيه فضيلة كونه على قواعد إبراهيم ؛ وأمّا الشاميان ، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين ؛ فلهذا خص الأسود بسنتي التقبيل والاستلام للفضيلتين ، وأمّا اليماني فيستلمه من يطوف ، ولا يقبله ؛ لأن فيه فضيلة واحدة . واتفقت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين ، واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الطائف الركنين الآخرين ، قال القاضي: وكان فيه - أي: في استلام الركنين الآخرين -، خلاف لبعض الصحابة والتابعين ، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان ، وعليه حديث الباب . ٧٠٣ - وعن عُمَرَ رضي الله عنهُ: أنّهُ قَبَلَ الحجر ، وقالَ: إني أَعْلمُ أَنك حجرٌ لا تضُرُّ، ولا تنْفعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله ◌َّهُ يُقَبِّلكَ ، ما قبّلْتك . مُتّفقٌ عليه . (وعن عُمَرَ رضي الله عنهُ: أَنّهُ قَبّلَ الحجر ، وقالَ : إني أَعْلمُ أَنك حجرٌ لا تضُرُّ، ولا تنْفعُ، ولولا أَني رأَيتُ رسول الله ◌َ ◌ّهُ يُقَبِّلكَ، ما قبَّلْتك. مُتّفقٌ عليه) . وأخرج مسلم من حديث سويد بن غفلة أنه قال : رأيت عمر قَبل الحجر والتزمه ، وقال : رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بك حفياً. وأخرج البخاري بسنده إلى الزبير بن عربي قال : سأل رجل ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن استلام الحجر؟ فقال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستلمه ويقبله قال : أرأيت إن غلبت؟ فقال : دع أرأيت باليمن ؛ رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستلمه ويقبله . وروى الأزرقي حديث عمر بزيادة ، وأنه قال له عليّ عليه السلام : بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع ! ٥٥٧ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٤ - حديث أبي الطفيل قال : وأين ذلك؟ قال : في كتاب الله ، قال : وأين ذلك من كتاب الله عز وجل؟ قال : قال الله : ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: فلما خلق الله آدم مسح ظهره فأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ، ثم كتب ميثاقهم في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال له : افتح فاك ، فألقمه ذلك الرق وجعله في هذا الموضع ، وقال : تشهد لمن وافاك بالإيمان يوم القيامة . قال الراوي : فقال عمر : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن ! قال الطبري : إنما قال ذلك عمر ؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ؛ فخشي عمر أن يفهموا أن تقبيل الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار؛ كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته ، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان . ٧٠٤ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َ ◌ّهِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . يطوف بالبيت ، ويستلم (وعن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله عَ ليه الركن بمحجن) : هي عصا محنية الرأس (معه ، ويقبل المحجن . رواه مسلم) : وأخرج الترمذي وغيره - وحسنه - من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله مع زيارة : ((يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق)). وروى الأزرقي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، ٥٥٨ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٥ - حديث يعلى بن أمية قال : إن هذا الركن يمين الله عزَّ وَجَلَّ في الأرض ؛ يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه . وأخرج أحمد عنه : الركن يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه ، والذي نفس ابن عباس بيده، ما من امرئ مسلم يسأل الله عنده شيئاً ، إلا أعطاه إياه . وحديث أبي الطفيل دال أنه يجزئ عن استلامه باليد استلامه بآلة ، ويُقَبِّل الآلة كالمحجن والعصا ، وكذلك إذا استلمه بيده قَبَّل يده ؛ فقد روى الشافعي أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحداً من أصحاب رسول الله مَ اه إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ قال : نعم ، رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة ؛ إذا استلموا قبّلوا أيديهم . فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة ، قام حياله ، ورفع يده وكبر؛ لما روي أنه عَّ ﴾ قال: ((يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء ، إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فاستقبله وهلل وكبر)) . رواه أحمد والأزرقى ، وإذا أشار بيده فلا يقبلها ؛ لأنه لا يقبل إلا الحجر ، أو ما مس الحجر. ٧٠٥ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيّةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: طَافَ النبيُّعَهُ مُضْطَبِعَاً بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . (وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: طاف النبي ◌َّةُ مضطبعاً ببرد أخضر . رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي) : الاضطباع : افتعال من الضبع وهو العضو ، ويسمى : التأبط ؛ لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط ويبدي ضبعه الأيمن ، وقيل: يبدي ضبعيه ، وفي ((النهاية)): هو أن يأخذ الإزار، أو البرد ويجعله تحت إبطه الأيمن ، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره . ٥٥٩ ٦ - كتاب الحج ٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٦ و٧٠٧ - حديثا أنس وابن عباس وأخرج أبو داود عن ابن عباس : اضطبع فكبر واستلم وكبر ، ثم رمل ثلاثة أُطواف؛ كانوا إذا بلغوا الركن اليماني ، وتغيبوا من قريش ، مشوا، ثم يطلعون عليهم يرملون ؛ تقول قريش : كأنهم الغزلان ! قال ابن عباس : فكانت سُنَّة . وأول ما اضطبعوا في عمرة القضاء ؛ ليستعينوا بذلك على الرمل ؛ ليرى المشركون قوتهم ، ثم صار سنة . ويضطبع في الأشواط السبعة ؛ فإذا قضى طوافه سوّى ثيابه ، ولم يضطبع في ركعتي الطواف ، وقيل : في الثلاثة الأولى لا غَير . ٧٠٦ - وَعَنْ أَنَس رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ ، فلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكُبِّرُ، فلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان يهل منا المهل ، فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه . متفق عليه): تقدم أن الإهلال رفع الصوت بالتلبية ، وأول وقته من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال ، وهو في الحج إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة ، وفي العمرة إلى الطواف . ودل الحديث على أنه من كبر مكان التلبية فلا نكير عليه ؛ بل هو سنة لأنه يريد أنس أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فيقر كلاً على ما قاله ، إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم من منى إلى عرفات ؛ وفيه رد على من قال : يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة . ٧٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ:﴿ فِي الثَّقَلِ ، أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعِ بِلَيْل . في الثَّقَل) : (وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا قال: بعثني النبي ٥٦٠