Indexed OCR Text

Pages 541-560

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
حتّى طَلَعَتِ الشّمسُ ، فأَجازَ حتّى أَتَى عَرَفةَ ، فوجد القبّة قد ضُربَتْ لهُ
بنمرة ، فنزل بها ؛ حتّى إذا زاغت الشّمس، أَمرَ بالْقصواءِ فَرُحِلَتْ لهُ ، فأَتى
بَطْنِ الوادي فَخَطَبَ النّاس، ثم أَذَّنَ، ثم أَقامَ فَصَلى الظُّهْرَ، ثم أَقَامَ فَصلى
الْعِصْرَ ، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب حتّى أَتَى الموقفَ ، فجعلَ بطنَ ناقته
القصْواءِ إلى الصَّخَرَات ، وجعَلَ حَبْل المشاةِ بين يديْهِ ، واستقْبلَ القِبْلة ، فلم
يَزَلْ واقفاً، حتّى غربت الشّمْسُ؛ وذهبتِ الصُّفرة قليلاً، حتّى غابَ
القُرْصُ . ودَفَعَ ، وقد شَنَقَ للقضْواءِ الزِّمامَ ؛ حتّى إن رأسها ليُصيبُ مَوْرِك
رَحْلِهِ ، ويقولُ بيده اليُمنى: ((أَيُّها النّاسُ السّكينَةَ، السكينةَ))، وكلما أَتَى
حَبْلاً من الحبال، أَرْخى لها قليلاً، حتّى تصْعَدَ ، حتّى أَتى المزدلفة فصلى
بها المغرب والعشاءَ بأذان واحدٍ وإقامتين ، ولم يسبِّحْ بينَهُما شيئاً ، ثم
اضْطَجَعَ ، حتّى طَلَعَ الفَجْرُ ، فَصَلىَ الْفجرَ حين تبين لهُ الصُّبِحُ بأَذان وإقامة ،
ثم ركبَ ، حتّى أَتى المشْعَر الحرَامَ ؛ فاسْتقبل القبلة فدعا وكبّر وهّل ، فَلَمْ
يزل واقفاً، حتّى أَسفرَ جداً، فدفَعَ قِبَلَ أَنْ تَطْلُعَ الشّمس ، حتّى أَتَى بَطْنَ
مُحَسِّرِ فَحَرَّكَ قليلاً، ثم سلكَ الطّريق الوُسْطِى التي تخْرُجُ على الجمرة
الكبرى ، حتّى أَتَى الجمْرةَ التي عند الشّجرةِ؛ فَرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، یکبِّرُ
معَ كلِّ حصاةٍ منها ؛ كل حصاة مثل حصى الخذف ؛ رمى منْ بطن الوادي ،
ثم انصرفَ إلى المنْحر فنحر، ثم ركبَ رَسُولُ الله ◌ِ﴿ُ فأفاض إلى البيتِ
فَصَلى بمكّة الظُّهْرَ. رواهُ مُسلمٌ مُطوَّلاً .
(عن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا: أن رسول الله عَ ليه حج): عبر
بالماضي لأنه روى ذلك بعد تقضي الحج ؛ حين سأله عنه محمد بن عليّ بن
٥٤١

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
الحسين؛ كما في ((صحيح مسلم)) (فخرجنا معه) : أي : من المدينة (حتى إذا
أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس) : بصيغة التصغير امرأة أبي
بكر؛ يعني: محمد بن أبي بكر (فقال): أي: النبي ح 18 (((اغتسلي
واستثفري) : بسين مهملة فمثناة فوقية فثاء مثلثة ففاء ثم راء ، هو: شدّ المرأة
على وسطها شيئاً ، ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم ، وتشد طرفيها
من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذي شدته في وسطها ، وقوله (بثوب) : بيان
لما تستثفر به (وأخْرمي))) فيه: أنه لا يمنع النفاس صحة عقد الإحرام (وصلى
) : أي : صلاة الفجر، كذا ذكره النووي في ((شرح مسلم))،
رسول الله
والذي في (الهدي النبوي)): أنها صلاة الظهر، وهو الأولى؛ لأنه مَخالٍ صلّى
خمس صلوات بذي الحليفة ؛ الخامسة هي الظهر ، وسافر بعدها (في المسجد ،
ثم ركب القَصْواء) : بفتح القاف فصاد مهملة فواو فألف ممدودة - وقيل : بضم
القاف مقصور وخُطئ من قاله - لقب لناقته صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم (حتى إذا استوت به على البيداء): اسم محل (أهلَّ): رفع صوته
(بالتوحيد): أي: إفراد التلبية لله وحده بقوله ((لبيك اللَّهُمَّ لَبيك ، لبيك لا
شريك لك لبيك): وكانت الجاهلية تزيد في التلبية : إلا شريكاً هولك ، تملكه
وما ملك (إن الحمد) : بفتح الهمزة وكسرها والمعنى واحد ، وهو التعليل
(والنعمة لك والملك، لا شريك لك))؛ حتّى إذا أتينا البيت استلم الركن) :
أي : مسحه بيده، وأراد به الحجر الأسود ، وأطلق الركن عليه ؛ لأنه قد غلب
على اليماني (فرمل) : أي : في طوافه بالبيت ؛ أي : أسرع في مشيه مهرولاً
٥٤٢

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
(ثلاثاً) : أي: مرات (ومشى أربعاً، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى) : ركعتي
الطواف (ورجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب): أي : باب الحرم
(إلى الصفا، فلما دنا) : أي: قرب (من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من
شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]: ((أبدأ): في الأخذ في السعي (بما بدأ الله به))،
فرقي) : بفتح القاف (الصفا، حتّى رأى البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله
وكبره) : وبين ذلك بقوله (وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ؛ لا إله إلا الله وحده ؛ أنجز وعده) :
بإظهاره تعالى للدّين (ونصر عبده) : يريد به نفسه (وهزم الأحزاب): في يوم
الخندق (وحده))) : أي : من غير قتال الآدميين ، ولا سبب لانهزامهم ؛ كما
أشار إليه قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]،
أو المراد : كل من تحزب لحربه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه هزمهم (ثم دعا
بين ذلك ثلاث مرات) : دل أنه كرر الذكر المذكور ثلاثاً (ثم نزل من الصفا) :
منتهياً (إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى): قال
عياض : فيه إسقاط لفظة لا بد منها وهي : حتّى انصبت قدماه فرمل في بطن
الوادي ؛ فسقط لفظ : رمل ، قال : وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية لمسلم، وكذا
ذكرها الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) (حتى إذا صعدتا) : من بطن
الوادي (مشى حتّى أتى المروة ؛ ففعل على المروة كما فعل على الصفا) : من
استقباله القبلة إلى آخر ما ذكر (فذكر) : أي : جابر (الحديث) : بتمامه ،
واقتصر المصنف على محل الحاجة (وفيه) : أي : في الحديث (فلما كان يومُ
التَّرْوية) : بفتح المثناة الفوقية فراء ، وهو الثامن من شهر ذي الحجة ؛ سمي
٥٤٣

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
بذلك لأنهم يتروون فيه ؛ إذْ لم يكن بعرفة ماء (توجهوا إلى منى ، وركب
رسول الله ﴾ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم
مكث) : بفتح الكاف ، ثم مثلثة : لبث (قليلاً) : أي : بعد صلاة الفجر (حتى
طلعت الشمس ، فأجاز) : أي : جاوز المزدلفة ، ولم يقف بها (حتى أتى
عرفة) : أي : قرب منها لا أنه دخل بدليل (فوجد القبة): خيمة صغيرة (قد
ضربت له بنمرة) : بفتح النون وكسر الميم فراء فتاء تأنيث : محل معروف (فنزل
بها) : فإن نمرة ليست من عرفات (حتى إذا زاغت الشمس ، أمر بالقصواء
فرحلت له) : مغير صيغة مخفف الحاء المهملة ؛ أي : وضع عليها رحلها (فأتى
بطن الوادي) : وادي عرفة (فخطب الناس ، ثم أذن ، ثم أقام فصلى الظهر ،
ثم أقام فصلى العصر) : جمعاً من غير أذان (ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب
حتّى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل
حبل) : فيه ضبطان بالجيم والحاء المهملة والموحدة، إما مفتوحة أو ساكنة
(المشاة): وبها ذكره في ((النهاية))، وفسره بطريقهم الذي يسلكونه في الرمل ،
وقيل : أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم ؛ تشبيهاً بحبل الرمل (بين يديه ،
واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفاً، حتّى غربت الشمس ؛ وذهبت الصفرة
قليلاً ، حتّى غاب القرص): قال في ((شرح مسلم)) : هكذا في جميع النسخ،
وكذا نقله القاضي من جميع النسخ؛ قال : قيل : صوابه : حين غاب القرص ،
قال : ويحتمل أن يكون قوله : حتى غاب القرص ، بياناً لقوله : غربت الشمس
وذهبت الصفرة ؛ فإن هذه قد تطلق مجازاً على مغيب معظم القرص ، فأزال ذلك
الاحتمال بقوله : حتّى غاب القرص (ودفع ، وقد شنق) : بتخفيف النون : ضم
٥٤٤

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
وضيق (للقصواء الزمام؛ حتّى إن رأسها ليصيب مَوْرك) : بفتح الميم وكسر
الراء (رحْله) : بالحاء المهملة الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام وسط
الرحل ؛ إذا مل من الركوب (ويقول بيده اليمنى): أي: يشير بها قائلاً (((أيها
الناس: السكينة، السكينة))): بالنصب؛ أي: الزموا (وكلما أتى حبلاً من
الحبال) : بالمهملة وسكون الموحدة من حبال الرمل ، وحبل الرمل : ما طال منه
وضخم (أرخى لها قليلاً ، حتّى تصغد) : بفتح المثناة وضمها ؛ يقال : صعد
وأصعد (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ،
ولم يسبح) : أي: لم يصل (بينهما شيئاً) : أي : نافلة (ثم اضطجع، حتّى
طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب ، حتّى
أتى المشعر الحرام): وهو جبل معروف في المزدلفة ؛ يقال له : قُزَح؛ بضم القاف
وفتح الزاي وحاء مهملة (فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ، فلم يزل واقفاً ،
حتّى أسفر) : أي: الفجر (جداً): بكسر الجيم ؛ إسفاراً بليغاً (فدفع قبل أن
تطلع الشمس ، حتّى أتى بطن مُحَسِّر) : بضم الميم وفتح المهملة وكسر السين
المهملة المشددة ؛ سمِّي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حُسر فيه ؛ أي : كلّ وأعيا
(فحرك قليلاً) : أي : حرك لدابته لتسرع في المشي ؛ وذلك مسافة مقدار رمية
حجر (ثم سلك الطريق الوسطى): وهي غير الطريق التي ذهب فيها إلى عرفات
(التي تخرج على الجمرة الكبرى) : وهي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة
التي عند الشجرة) : وهي حد لمنى وليست منها ، والجمرة: اسم لمجتمع الحصى
سميت بذلك ؛ لاجتماع الناس ، يقال : أجمر بنو فلان إذا اجتمعوا (فرماها
بسبع حصيات ، يُكبّر مع كل حصاة منها ؛ كل حصاة مثل حصى الخذف) :
٥٤٥

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
وقدره مثل حبة الباقلاء (رمى من بطن الوادي) : بيان لمحل الرمي (ثم انصرف
إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله ﴿ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة
الظهر) : فيه حذف ؛ أي : فأفاض إلى البيت فطاف به طواف الإفاضة ، ثم
صلى الظهر ، وهذا يعارضه حديث ابن عمر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم
صلى الظهر يوم النحر بمنى ، وجمع بينهما بأنه صلى بمكة ، ثم أعاده بأصحابه
جماعة بمنى ؛ لينالوا فضل الجماعة خلفه (رواه مسلم مطولاً) : وفيه زيادات
حذفها المصنف ، واقتصر على محل الحاجة هنا .
واعلم أن هذا حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ، ونفائس من
مهمات القواعد ؛ قال القاضي عياض : قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه
وأكثروا ، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً، أخرج فيه من الفقه مائة
ونيفاً وخمسين نوعاً ، وقال : ولو تقصي لزيد على هذا العدد ، أو قريب منه.
قلت: وليعلم أن الأصل في كل ما ثبت أنه فعله عَ ل في حجة الوجوب ؛
لأمرين : أحدهما : أن أفعاله في الحج بيان للحج الذي أمر الله به ، والأفعال في
بيان الوجوب محمولة على الوجوب، والثاني: قوله محلية: ((خذوا عني
مناسككم» ، فمن ادعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحجة ، فعليه الدليل .
ولنذکر ما یحتملہ «المختصر» من فوائده ودلا ئله :
ففيه دلالة على أن غسل الإحرام سنة للنفساء والحائض ، ولغيرهما بالأولى ،
وعلى استثفار الحائض والنفساء ، وعلى صحة إحرامهما ، وأن يكون الإحرام
عقيب صلاة فرض ، أو نفل ؛ فإنه قد قيل : إن الركعتين اللتين أهل بعدهما ،
٥٤٦

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
فريضة الفجر ، وأنه يرفع صوته بالتلبية ، قال العلماء : ويستحب الاقتصار على
تلبية النبي ﴿﴿ ، فلو زاد فلا بأس ؛ فقد زاد عمر رضي الله عنه : لبيك ذا
النعماء والفضل الحسن ، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك ، وابن عمر رضيَ الله
عنهُمَا : لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، والرغباء إليك والعمل ، وأنس رضي
الله عنه : لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقّاً .
وأنه ينبغي للحاج القدوم أولاً مكة ليطوف طواف القدوم ، وأن يستلم الركن
قبل طوافه ، ثم يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ، والرمل : إسراع المشي مع
تقارب الخطا ، وهو الخبب ، ثم يمشي أربعاً على عادته ، وأنه يأتي بعد تمام طوافه
مقام إبراهيم ويتلو: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثم
يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين ؛ وقد أجمع العلماء على أنه ينبغي
لكل طائف إذا طاف بالبيت أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف ، واختلفوا ؛
هل هما واجبتان أم لا؟ فقيل بالوجوب ، وقيل : إن كان الطواف واجباً ، وجبتا ؛
وإلا فسنة ، وهل يجبان خلف مقام إبراهيم حتماً ، أو يجزئان في غيره؟ فقيل :
يجبان خلفه ، وقيل: يندبان خلفه . ولو صلاهما في الحجر ، أو في المسجد
الحرام ، أو في أي محل من مكة ، جاز وفاتته الفضيلة .
وورد في القراءة فيهما في الأولى بعد الفاتحة الكافرون ، والثانية بعدها
الصمد . رواه مسلم .
ودل على أنه يشرع له الاستلام عند الخروج من المسجد ، كما فعله عند
الدخول ، واتفقوا أن الاستلام سنة ، وأنه يسعى بعد الطواف ، ويبدأ بالصفا
٥٤٧

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
ويرقى إلى أعلاه ، ويقف مستقبلاً القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر ، ويدعو
ثلاث مرات ، وفي ((الموطأ)»: حتّى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي ، سعى؛
وقد قدمنا لك أن في رواية مسلم سقطاً، فدلت رواية ((الموطأ»: أنه يرمل في
بطن الوادي ؛ وهو الذي يقال له : بين الميلين ، وهو مشروع في كل مرة من السبعة
الأشواط ، لا في الثلاثة الأول كما في طواف القدوم بالبيت .
وأنه يرقى أيضاً على المروة كما رقى على الصفا ، ويذكر ويدعو ؛ وبتمام ذلك
تتم عمرته ؛ فإن حلق ، أو قصر ، صار حلالاً ، وهكذا فعل الصحابة الذين أمرهم
·بفسخ الحج إلى العمرة .
وأما من كان قارناً، فإنه لا يحلق ، ولا يقصر ، ويبقى على إحرامه ، ثم في
يوم التروية - وهو ثامن ذي الحجة - يحرم من أراد الحج ، ممن حل من عمرته
ويطلع هو ومن كان قارناً إلى منى ، كما قال جابر : فلما كان يوم التروية توجهوا
إلى منى ؛ أي : توجه من كان باقياً على إحرامه لتمام حجه ، ومن كان قد صار
حلالاً ، أحرم ، وتوجه إلى منى ، وتوجه صلى الله عليه وآله وسلم إليها راكباً ،
فنزل بها وصلى الصلوات الخمس .
وفيه أن الركوب أفضل من المشي في تلك المواطن ، وفي الطريق أيضاً ، وفيه
خلاف؛ ودليل الأفضلية فعله ◌َ ره .
وأن السنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس ، وأن يبيت بها هذه الليلة ، وهي
ليلة التاسع من ذي الحجة ، وأن السنة ألا يخرجوا يوم عرفة من منى إلا بعد
طلوع الشمس .
٥٤٨

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
وأن السنة ألا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس ، وأن يصلوا الظهر
والعصر جمعاً بعرفات؛ فإنه ﴿ نزل بنمرة - وليست من عرفات -، ولم يدخل
إلى الموقف إلا بعد الصلاتين ، وألا يصلي بينهما شيئاً .
وأن السنة أن يخطب الإمام الناس قبل صلاة العصرين ، وهذه إحدى الأربع
الخطب المسنونة ، والثانية يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد
صلاة الظهر ، والثالثة يوم النحر ، والرابعة يوم النفر الأول ؛ وهو اليوم الثاني من
أيام التشريق ، وفي رواية: ثم ركب حتّى أتى الموقف ... إلى آخره.
سنن وآداب
منها أن يجعل الذهاب إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين ، ومنها أن الوقوف
راكباً أفضل ، ومنها أن يقف عند الصخرات وهي صخرات مفترشات في أسفل
جبل الرحمة - وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات -، ومنها استقبال القبلة في
الوقوف ، ومنها أنه يبقى في الموقف حتّى تغيب الشمس ويكون في وقوفه داعياً؛
فإنه عَّهُ وقف على راحلته راكباً يدعو الله عز وجل ، وكان في دعائه رافعاً يديه
إلى صدره ، وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة ؛ وذكر من دعائه في الموقف :
((اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول ، اللَّهم لك صلاتي ونسكي
ومحياي ومماتي ، وإليك مآبي ولك تراثي ، اللهم إني أعوذ بك من عذاب
القبر، ووسواس الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء
به الريح)). ذكره الترمذي ، ومنها أن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة ،
ويأمر بها الناس إن كان مطاعاً ، ويضم زمام مركوبه لئلا يسرع في المشي ، إلا إذا
٥٤٩

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٤ - حديث جابر
أتى حبلاً من حبال الرمال ، أرخاه قليلاً ؛ ليخف على مركوبه صعوده .
فإذا أتى المزدلفة نزل بها ، وصلى المغرب والعشاء جمعاً بأذان واحد وإقامتين ،
وهذا الجمع متفق عليه ، وإنما اختلفوا في سببه فقيل : لأنه نسك ، وقيل :
لأجل أنهم مسافرون ، وأنه لا يصلي بينهما شيئاً .
وقوله : ثم اضطجع حتّى طلع الفجر ، فيه سنن نبوية : المبيت بمزدلفة ، وهو
مجمع على أنه نسك ، إنما اختلفوا هل هو واجب ، أو سنة؟ والأصل فيما فعله
﴿ في حجته الوجوب كما عرفت ، وأن السنة أن يصلي الصبح بالمزدلفة ، ثم
يدفع منها بعد ذلك فيأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو - والوقوف عنده من
المناسك -، ثم يدفع منه عند إسفار الفجر إسفاراً بليغاً ، فيأتي بطن محسر فيسرع
السير فيه ؛ لأنه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل ؛ فلا ينبغي الأناة
فيه ، ولا البقاء به ، فإذا أتى الجمرة وهي جمرة العقبة ، نزل ببطن الوادي ورماها
بسبع حصيات؛ كل حصاة كحبة الباقلاء ، يكبر مع كل حصاة ، ثم ينصرف
بعد ذلك إلى المنحر فينحر إن كانت عنده بدنة يريد نحرها؛ وأمّا هو ◌َ ◌ّةٍ ، فإنه
نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة ، وكان معه مائة بدنة فأمر علياً عليه السَّلام
بنحر باقيها ، ثم ركب إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ، وهو الذي يقال له :
طواف الزيارة ، ومن بعده يحل له كل ما حرم بالإحرام ، حتّى وطء النساء ، وأمّا
إذا رمى جمرة العقبة ، ولم يطف هذا الطواف ، فإنه يحل له ما عدا النساء .
فهذه الجمل من السنن والآداب التي أفادها هذا الحديث الجليل من أفعاله
صلى الله عليه وآله وسلم ، تبين كيفية أعمال الحج ، وفي كثير مما دل عليه هذا
٥٥٠

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٥ و٦٩٦ - حديثا خزيمة وجابر
الحديث الجليل - ما سقناه - خلاف بين العلماء كثير ، في وجوبه وعدم وجوبه ،
وفي لزوم الدم بتركه وعدم لزومه ، وفي صحة الحج ؛ إن ترك منه شيئاً ، وعدم
صحته. وقد طول بذكر ذلك في ((الشرح)) ، واقتصرنا على ما أفاده الحديث؛
فالآتي بما اشتمل عليه هو الممثل ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذوا
عني مناسككم)) ، والمقتدي به في أفعاله وأقواله .
٦٩٥ - وعَنْ خُزَيْمةَ بن ثابت رضي الله عَنْهُ: أنَّ النّبيَّ صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّم كانَ إذا فرغَ من تلبيتهِ في حج ، أو عمرة ، سأَلَ الله رضوانه
والجنّةَ ، واستعاذَ برحْمته منَ النّار. رواهُ الشافَعَيُّ بإسناد ضعيف .
(وعَنْ خُزَيْمَةَ بن ثابت رضي الله عَنْهُ: أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وآله
وسلم كانَ إذا فرغَ من تلبيتهِ في حج ، أو عمرة ، سأَلَ الله رضوانه والجنّةَ ،
واستعاذَ برحْمته منَ النّار. رواهُ الشافعيُّ بإسناد ضعيف): سقط هذا الحديث
من نسخة الشارح التي وقفنا عليها ، فلم يتكلم عليه ؛ ووجه ضعفه أن فيه :
صالح بن محمد بن أبي زائدة أبو واقد الليثي ؛ ضعفوه .
والحديث دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم ،
في أي حين بهذا الدعاء ونحوه ، ويحتمل أن المراد بالفراغ منها انتهاء وقت
مشروعيتها ، وهو عند رمي جمرة العقبة ، والأول أوضح .
٦٩٦ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَِّهِ: «نحرْتُ ههُنا
ومنِّى كُلُّها مَنْحَرٌ ، فانحروا في رحالكم ، ووقَفْتُ هَهُنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ ،
وَوَقَفْتُ هَهُنا وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ)) . رواهُ مُسلمٌ .
٥٥١

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٧ - حديث عائشة
(وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((نحرت ههنا ومنى
كلها مَنْحَرٌ ، فانحروا في رحالكم) : جمع رحل ؛ وهو المنزل (ووقفت ههنا ،
وعرفة كلها موقفٌ): وحد عرفة ما خرج عن وادي عرفة إلى الجبال المقابلة مما
يلي بساتين بني عامر (ووقفت ههنا وجمعٌ كلها موقف)) . رواه مسلم) : أفاد
﴿ أنه لا يتعين على أحد نحره حيث نحر، ولا وقوفه بعرفة، ولا جمع حيث
وقف ؛ بل ذلك موسع عليهم حيث نحروا في أي بقعة من بقاع منى ؛ فإنه
يجزئ عنهم، وفي أي بقعة من بقاع عرفة وجمع وقفوا ، أجزأ؛ وهذه زيادات
في بيان التخفيف عليهم ، وقد كان ﴿﴿ أفاده تقريره لمن حج معه من لم يقف
في موقفه ، ولم ينحر من منحره؛ إذْ من المعلوم أنه حج معه أم لا تحصى ، ولا
يتسع لها مكان وقوفه ونحره هذا ، والدم الذي محله منى هو دم القران والتمتع
والإحصار والإفساد والتطوّع بالهدي ، وأمّا الذي يلزم المعتمر فمحله مكة ، وأمّا
سائر الدماء اللازمة من الجزاءات ، فمحلها الحرم المحرم ، وفي ذلك خلاف
معروف .
٦٩٧ - وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النبيّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم
لَمّا جَاءَ إلى مَكّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاها، وخرجَ مِنْ أَسْفَلِها . مُتّفقٌ عَلَيْه.
(وعَنْ عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا
جَاءَ إلى مَكّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاها، وخرجَ مِنْ أَسْفَلِها . مُتّفقٌ عَلَيْهِ) : هذا إخبار
عن دخوله صلی الله عليه وآله وسلم عام الفتح ؛ فإنه دخلها من محل یقال له :
كداء ، بفتح الكاف والمدّ غير منصرف ؛ وهي الثنية التي ينزل منها إلى المعلاة :
٥٥٢

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٩٧ - حديث عائشة
مقبرة أهل مكة ، وكانت صعبة المرتقى فسهَّلها معاوية ، ثم عبد الملك ، ثم
المهدي ، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر المؤيد في حدود عشرين وثمانيمائة ،
وأسفل مكة هي الثنية السفلى يقال لها : كُدى ؛ بضم الكاف والقصر ، عند
باب الشبيكة ؛ ويقول أهل مكة : افتح وادخل ، وضم واخرج ، ووجه دخوله
صلى الله عليه وآله وسلم من الثنية العليا ، ما روي أنه قال أبو سفيان : لا أسلم
حتّى أرى الخيل تطلع من كداء ، فقال له العباس : ما هذا؟ قال : شيء طلع
بقلبي ، وإن الله لا يطلع الخيل من هنالك أبداً . قال العباس : فذكرت أبا سفيان
بذلك لما دخل رسول الله ◌َ منها . وعند البيهقي من حديث ابن عمر قال :
قال رسول الله عَ ليه: ((كيف قال حسان؟))، فأنشده شعراً:
عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كَداء
فتبسم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال : ((ادخلوها من حيث قال
حسان)) .
واختلف في استحباب الدخول من حيث دخل ◌َ ، والخروج من حيث
خرج ؛ فقيل : يستحب ، وأنه يعدل إليه من لم يكن طريقه عليه ، وقال البعض :
وإنما فعله ◌َّةٍ لأنه كان على طريقه ؛ فلا يستحب لمن لم يكن كذلك.
وقال ابن تيمية : يشبه أن يكون ذلك والله أعلم أن الثنية العليا التي تشرف على
الأبطح والمقابر، إذا دخل منها الإنسان فإنه يأتي من وجهة البلد والكعبة ، ويستقبلها
استقبالاً من غير انحراف ؛ بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى ؛ لأنه يستدبر
البلد والكعبة ، فاستحب أن يكون ما يليه منها مؤخراً؛ لئلا يستدبر وجهها .
٥٥٣

٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٦٩٨ و٦٩٩ - حديثا ابن عمر وابن عباس
٦ - كتاب الحج
٦٩٨ - وعن ابْن عُمر رضيَ اللّه عنهُمَا: أَنّهُ كانَ لا يَقْدُمُ مَكّة إلا باتَ
بذي طُوَى، حتّى يصبحَ ويغْتَسلَ، ويذكُرُ ذلك عن النبيِّ ◌َهِ. مُتفقٌ عليه.
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان لا يقدم مكة إلا بات) : ليلة
قدومه (بذي طُوى): في ((القاموس)) : مثلثة الطاء ويُنَّوَّن : موضع قرب مكة (حتى
يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ◌َّةٍ) : أي : أنه فعله (متفق عليه).
فيه استحباب ذلك وأنه يدخل مكة نهاراً، وهو قول الأكثر .
وقال جماعة من السلف وغيرهم: الليل والنهار سواء؛ والنبي تَ دخل
مكة في عمرة الجعرانة ليلاً .
وفيه دلالة على استحباب الغسل لدخول مكة .
٦٩٩ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان يُقَبِّلُ الْحَجَر الأسود
ويَسْجُدُ عليه . رواهُ الحاكم مرفوعاً ، والبيهقي موقوفاً .
(وعن ابنِ عباس رضيَ الله عنهُمَا: أنه كان يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأسود ويَسْجُدُ
عليه . رواهُ الحاكم مرفوعاً ، والبيهقي موقوفاً): وحسنه أحمد ، وقد رواه الأزرقي
بسنده إلى محمد بن عباد بن جعفر ؛ قال : رأيت ابن عباس جاء يوم التروية وعليه
حلة ، مرِّجلاً رأسه ، فقبل الحجر وسجد عليه ، ثم قبله وسجد عليه - ثلاثاً -.
رواه أبو يعلى بسنده من حديث أبي داود الطيالسي ، عن جعفر بن عثمان
المخزومي قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه ، وقال :
رأيت خالي ابن عباس يقبل الحجر ويسجد عليه ، وقال : رأيت عمر يقبل الحجر
٥٥٤
:

٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٦ - كتاب الحج
٧٠٠ و٧٠١ - حديثا ابن عباس وابن عمر
ويسجد عليه ، وقال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعله ،
وحديث عمر في ((صحيح مسلم)): أنه قبل الحجر والتزمه وقال : رأيت رسول
الله ◌َومُ بك حفياً؛ يؤيد هذا ، ففيه شرعية تقبيل الحجر والسجود عليه .
٧٠٠ - وعنْهُ قال: أَمرُهُم النّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أَن يرْمُلُوا ثلاثة
أَشْواطٍ ، وْشُوا أَرْبعاً ما بين الركنين . . متفقٌ عليه .
(وعنه) : أي : ابن عباس (قال: أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) :
أي : أصحابه الذين قدموا معه مكة في عمرة القضاء (أن يرمُلوا) : بضم الميم
(ثلاثة أشواط) : أي : يهرولون فيها في الطواف (ويمشوا أربعاً ما بين الركنين .
متفق عليه) .
٧٠١ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنّهُ كان إذا طاف بالبيت الطّوافَ
الأوَّلَ خَبَّ ثلاثاً ومشى أَرْبعاً. وفي رواية : رأَيتُ رسول اللهِ صلَّى الله عليه
وآله وسلّم إذا طاف في الحج ، أو العُمْرة أوَّل ما يقْدُمُ ، فإنه يسعى ثلاثة
أَطواف بالبيت ويمشي أَربعةً . مُتّفقٌ عليهما .
(وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا: أَنّهُ كان إذا طاف بالبيت الطّوافَ الأوَّلَ
حَبَّ ثلاثاً ومشى أَرْبعاً. وفي رواية: رأَيتُ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم إذا طافٍ في الحج ، أو العُمْرةِ أَوَّل ما يقْدُُ ، فإنه يسعى ثلاثة أَطواف
بالبيت وبمشي أربعةً . مُتّفقٌ عليهما) : وأصل ذلك ووجه حكمته ما رواه ابن
عباس قال: قدم رسول الله ي ◌ٍ وأصحابه مكة ، فقال المشركون : إنه يقدم
عليكم وفد قد وهنتهم حُمَّى يثرب ، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
٥٥٥

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٢ ۔ حديث ابن عباس
آله وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم
يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . أخرجه الشيخان ، وفي لفظ
مسلم : إن المشركين جلسوا ما يلي الحجر، وإنهم حين رأوهم يرملون قالوا : هؤلاء
الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟! إنهم لأجلد من كذا وكذا . وفي لفظ لغيره :
إن هم إلا كالغزلان! فكان هذا أصل الرمل ؛ وسببه إغاظة المشركين وردّ قولهم ،
وكان هذا في عمرة القضاء ، ثم صار سنّة ، ففعله في حجة الوداع مع زوال
سببه ، وإسلام مَنْ في مكة ، وإنما لم يرملوا بين الركنين ؛ لأن المشركين كانوا من
ناحية الحجر عند قعيقعان فلم يكونوا يرون من بين الركنين .
وفيه دليل على أنه لا بأس بقصد إغاظة الأعداء بالعبادة ، وأنه لا ينافي
إخلاص العمل ؛ بل هو إضافة طاعة إلى طاعة ، وقد قال تعالى : ﴿ولا ينالون
من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ [التوبة: ١٢٠].
٧٠٢ - وعنْه رضي الله عنهما: قال: لم أَر رسُول الله عَ له يستلم من البيت
غير الرّكنين اليمانيين . رواهُ مسلمٌ .
(وعنه) : أي : ابن عباس رضي الله عنهما (قال: لم أر رسول الله.
يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين . رواه مسلم) .
اعلم أن للبيت أربعة أركان : الركن الأسود ، ثم اليماني ، ويقال لهما :
اليمانيان بتخفيف الياء ، وقد تشدّد ، وإنما قيل لهما : اليمانيان ؛ تغليباً كالأبوين
والقمرين ، والركنان الآخران يقال لهما : الشاميان ، وفي الركن الأسود فضيلتان :
كونه على قواعد إبراهيم عليهِ السَّلام ، والثانية كونه فيه الحَجَر ؛ وأمّا اليماني
٥٥٦

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٣ - حديث عمر
ففيه فضيلة كونه على قواعد إبراهيم ؛ وأمّا الشاميان ، فليس فيهما شيء من
هاتين الفضيلتين ؛ فلهذا خص الأسود بسنتي التقبيل والاستلام للفضيلتين ،
وأمّا اليماني فيستلمه من يطوف ، ولا يقبله ؛ لأن فيه فضيلة واحدة .
واتفقت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين ، واتفق الجماهير
على أنه لا يمسح الطائف الركنين الآخرين ، قال القاضي: وكان فيه - أي: في
استلام الركنين الآخرين -، خلاف لبعض الصحابة والتابعين ، وانقرض
الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان ، وعليه حديث الباب .
٧٠٣ - وعن عُمَرَ رضي الله عنهُ: أنّهُ قَبَلَ الحجر ، وقالَ: إني أَعْلمُ أَنك
حجرٌ لا تضُرُّ، ولا تنْفعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله ◌َّهُ يُقَبِّلكَ ، ما قبّلْتك .
مُتّفقٌ عليه .
(وعن عُمَرَ رضي الله عنهُ: أَنّهُ قَبّلَ الحجر ، وقالَ : إني أَعْلمُ أَنك حجرٌ لا
تضُرُّ، ولا تنْفعُ، ولولا أَني رأَيتُ رسول الله ◌َ ◌ّهُ يُقَبِّلكَ، ما قبَّلْتك. مُتّفقٌ
عليه) . وأخرج مسلم من حديث سويد بن غفلة أنه قال : رأيت عمر قَبل الحجر
والتزمه ، وقال : رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بك حفياً. وأخرج
البخاري بسنده إلى الزبير بن عربي قال : سأل رجل ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا
عن استلام الحجر؟ فقال : رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
يستلمه ويقبله قال : أرأيت إن غلبت؟ فقال : دع أرأيت باليمن ؛ رأيت رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستلمه ويقبله . وروى الأزرقي حديث
عمر بزيادة ، وأنه قال له عليّ عليه السلام : بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع !
٥٥٧

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٤ - حديث أبي الطفيل
قال : وأين ذلك؟ قال : في كتاب الله ، قال : وأين ذلك من كتاب الله عز وجل؟
قال : قال الله : ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: فلما خلق الله آدم
مسح ظهره فأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ، ثم كتب
ميثاقهم في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال له : افتح فاك ، فألقمه
ذلك الرق وجعله في هذا الموضع ، وقال : تشهد لمن وافاك بالإيمان يوم القيامة .
قال الراوي : فقال عمر : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن !
قال الطبري : إنما قال ذلك عمر ؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة
الأصنام ؛ فخشي عمر أن يفهموا أن تقبيل الحجر من باب تعظيم بعض
الأحجار؛ كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد عمر أن يعلم الناس أن
استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا لأن الحجر ينفع
ويضر بذاته ، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان .
٧٠٤ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َ ◌ّهِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَيَسْتَلِمُ
الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
يطوف بالبيت ، ويستلم
(وعن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله عَ ليه
الركن بمحجن) : هي عصا محنية الرأس (معه ، ويقبل المحجن . رواه مسلم) :
وأخرج الترمذي وغيره - وحسنه - من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله
مع زيارة : ((يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به،
يشهد لمن استلمه بحق)). وروى الأزرقي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس،
٥٥٨

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة
٧٠٥ - حديث يعلى بن أمية
قال : إن هذا الركن يمين الله عزَّ وَجَلَّ في الأرض ؛ يصافح به عباده مصافحة الرجل
أخاه . وأخرج أحمد عنه : الركن يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه ، والذي
نفس ابن عباس بيده، ما من امرئ مسلم يسأل الله عنده شيئاً ، إلا أعطاه إياه .
وحديث أبي الطفيل دال أنه يجزئ عن استلامه باليد استلامه بآلة ، ويُقَبِّل
الآلة كالمحجن والعصا ، وكذلك إذا استلمه بيده قَبَّل يده ؛ فقد روى الشافعي أنه قال
ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحداً من أصحاب رسول الله مَ اه إذا استلموا قبلوا
أيديهم؟ قال : نعم ، رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة ؛ إذا
استلموا قبّلوا أيديهم . فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة ، قام حياله ، ورفع يده
وكبر؛ لما روي أنه عَّ ﴾ قال: ((يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي
الضعفاء ، إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فاستقبله وهلل وكبر)) . رواه أحمد
والأزرقى ، وإذا أشار بيده فلا يقبلها ؛ لأنه لا يقبل إلا الحجر ، أو ما مس الحجر.
٧٠٥ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيّةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: طَافَ النبيُّعَهُ مُضْطَبِعَاً
بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
(وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: طاف النبي ◌َّةُ مضطبعاً ببرد
أخضر . رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي) : الاضطباع : افتعال
من الضبع وهو العضو ، ويسمى : التأبط ؛ لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط
ويبدي ضبعه الأيمن ، وقيل: يبدي ضبعيه ، وفي ((النهاية)): هو أن يأخذ الإزار،
أو البرد ويجعله تحت إبطه الأيمن ، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي
صدره وظهره .
٥٥٩

٦ - كتاب الحج
٥ - باب صفة الحج ودخول مكة ٧٠٦ و٧٠٧ - حديثا أنس وابن عباس
وأخرج أبو داود عن ابن عباس : اضطبع فكبر واستلم وكبر ، ثم رمل ثلاثة
أُطواف؛ كانوا إذا بلغوا الركن اليماني ، وتغيبوا من قريش ، مشوا، ثم يطلعون
عليهم يرملون ؛ تقول قريش : كأنهم الغزلان ! قال ابن عباس : فكانت سُنَّة . وأول
ما اضطبعوا في عمرة القضاء ؛ ليستعينوا بذلك على الرمل ؛ ليرى المشركون
قوتهم ، ثم صار سنة . ويضطبع في الأشواط السبعة ؛ فإذا قضى طوافه سوّى
ثيابه ، ولم يضطبع في ركعتي الطواف ، وقيل : في الثلاثة الأولى لا غَير .
٧٠٦ - وَعَنْ أَنَس رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ ، فلا يُنْكَرُ
عَلَيْهِ ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكُبِّرُ، فلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أنس رضي الله عنه قال: كان يهل منا المهل ، فلا ينكر عليه،
ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه . متفق عليه): تقدم أن الإهلال رفع الصوت
بالتلبية ، وأول وقته من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال ، وهو في الحج
إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة ، وفي العمرة إلى الطواف .
ودل الحديث على أنه من كبر مكان التلبية فلا نكير عليه ؛ بل هو سنة لأنه
يريد أنس أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم
فيقر كلاً على ما قاله ، إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم من منى إلى عرفات ؛
وفيه رد على من قال : يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة .
٧٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ:﴿ فِي
الثَّقَلِ ، أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعِ بِلَيْل .
في الثَّقَل) :
(وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا قال: بعثني النبي
٥٦٠