Indexed OCR Text
Pages 441-460
٥ - كتاب الصيام
٦٢٤ - حديث ابن عباس
ثم ساق بإسناده(١): أن النبي 8 كان لا يمس وجهها وهي صائمة . وقال :
ليس بين الخبرين تضادّ ؛ لأنه كان يملك إربه ونبه بفعله ذلك على جواز هذا
الفعل لمن هو بمثابة حاله ، وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة علماً منه بما
ركب في النساء من الضعف (٢) عند الأشياء التي ترد عليهن . انتهى .
٦٢٤ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عَنْهُما: أَنَّ النّبِيَِ ﴿ِ احْتجمَ وهُوَ
مُحْرِمٌ ، واحْتَجَمَ وهُو صَائمٌ . رَوَاه البُخاريُّ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي :{8 احتجم وهو محرم،
واحتجم وهو صائم . رواه البخاري) : قيل : ظاهره أنه وقع منه الأمران
المذكوران مفترقين ، وأنه احتجم وهو صائم ، واحتجم وهو محرم ، ولكنه لم يقع
ذلك في وقت واحد ؛ لأنه لم يكن صائماً في إحرامه ، إذا أراد إحرامه وهو في
حجة الوداع؛ إذ ليس في رمضان ، ولا كان محرماً في سفره في رمضان عام
الفتح ، ولا في شيء من عمره التي اعتمرها ، وإن احتمل أنه صام نفلاً إلا أنه
لم يعرف ذلك . وفي الحديث روايات .
(١) في سنده - عند ابن حبان (٩٠٤) - محمد بن الأشعث ، ولم يوثقه غير ابن حبان .
وفي ((التقريب)): «مقبول» .
ثم هو مخالف لحديثها - عند أبي داود وغيره -: كان رسول الله :{ 8﴿ يقبّلني وهو صائم وأنا
صائمة .
وسنده صحيح .
(٢) نقله عن ((التلخيص)) (١٩٠ - ١٩١).
٤٤١
٥ - كتاب الصيام
٦٢٥ - حدیث شداد بن أوس
وقال أحمد : إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياماً ، وقال أبو حاتم :
أخطأ فيه شريك ؛ إنما هو : احتجم وأعطى احجام أجرته ، وشريك حدّث به من
حفظه ، وقد ساء حفظه ؛ فعلى هذا ، الثابت إنما هو الحجامة .
والحديث يحتمل أنه إخبار عن كل جملة على حدة ، وأن المراد احتجم وهو
محرم في وقت ، واحتجم وهو صائم في وقت آخر ، والقرينة على هذا معرفة أنه
لم يتفق له اجتماع الإحرام والصيام .
وأما تغليط شريك وانتقاده على ذلك اللفظ ، فأمر بعيد ، والحمل على صحة
لفظ روایته مع تأويلها أولی .
وقد اختلف فيمن احتجم وهو صائم؛ فذهب إلى أنها لا تفطر الصائم
الأکثر من الأئمة ، وقالوا : إن هذا ناسخ حدیث شداد بن أوس وهو :
٦٢٥ - وعَنْ شدَّاد بن أَوْسِ رضي الله عنه: أَنَّ النّبي ◌َ ◌ّهِ أَتى على رجُل
بالبقيع، وهُو يحتجم في رمضان ، فقال: ((أَفْطر الحاجمُ والمحجومُ)). رواهُ
=
الخمسةُ ، إلا التّرْمذي، وصحّحه أَحمد وابن خزيمة وابنُ حبَّان.
(وعَنْ شدَّاد بن أَوْسِ رضي الله عنه: أَنَّ النّبي ◌َ﴿ أَتى على رجُل
بالبقيع ، وهُو يحتجم في رمضان ، فقال: ((أَفْطر الحاجمُ والمحجومُ)). رواهُ
١١
الخمسةُ، إلا التّرْمذي، وصحّحه أَحمد وابن خزيمة وابنُ حبَّان): الحديث
قد صححه البخاري وغيره ، وأخرجه الأئمة عن ستة عشر من الصحابة ، وقال
السيوطي في ((الجامع الصغير)): إنه متواتر.
٤٤٢
٥ - كتاب الصيام
٦٢٥ ۔ حدیث شداد بن أوس
وهو دليل على أن الحجامة تفطر الصائم من حاجم ومحجوم له ، وقد ذهبت
طائفة قليلة إلى ذلك ؛ منهم أحمد بن حنبل وأتباعه ؛ لحديث شدّاد .
وذهب آخرون إلى أنه يفطر المحجوم له ، وأما الحاجم فإنه لا يفطر؛ عملاً
بالحديث هذا في الطرف الأول ، فلا أدري ما الذي أوجب العمل ببعضه دون
بعض؟!
وأما الجمهور القائلون أنه لا يفطر حاجم ولا محجوم له ، فأجابوا عن حديث
شداد هذا أنه منسوخ؛ لأن حديث ابن عباس متأخر؛ لأنه صحب النبي { ل
عام حجه وهو سنة عشر ، وشداد صحبه عام الفتح ، كذا حكي عن الشافعي ؛
قال : وتوقي الحجامة احتياطاً أحب إليّ . ويؤيد النسخ ما يأتي في حديث أنس
في قصة جعفر بن أبي طالب . وقد أخرج الحازمي من حديث أبي سعيد مثله .
قال أبو محمد بن حزم: إن حديث : ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ثابت بلا
ريب، لكن وجدنا في حديث: أنه ◌َ اؤُ نهى عن الحجامة للصائم وعن المواصلة
ولم يحرمهما ؛ إبقاء على أصحابه . إسناده صحيح . وقد أخرج ابن أبي شيبة ما
يؤيد ذلك من حديث أبي سعيد: أنه ولية رخص في الحجامة للصائم . والرخصة
إنما تكون بعد العزيمة فدل على النسخ سواء كان حاجماً أو محجوماً .
وقيل : إنه يدل على الكراهة ، ويدل لها حديث أنس الآتي ، وقيل : إنما قاله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في خاص ، وهو أنه مرّ بهما وهما يغتابان
الناس . رواه الوحاظي عن يزيد بن ربيعة ، عن أبي الأشعث الصنعاني أنه قال : إنما
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((أفطر الحاجم والمحجوم له))؛
٤٤٣
٥ - كتاب الصيام
٦٢٦ - حديث أنس بن مالك
لأنهما كانا يغتابان الناس . وقال ابن خزيمة في هذا التأويل : إنه أعجوبة ؛ لأن
القائل به لا يقول : إن الغيبة تفطر الصائم . وقال أحمد: ومن سلم من الغيبة؟! لو
كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم . وقد وجه الشافعي هذا القول ، وحمل الشافعي
الإفطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم ، مثل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم للمتكلم والخطيب يخطب: ((لا جمعة له))، ولم يأمره بالإعادة ؛ فدل على
أنه أراد سقوط الأجر ، وحينئذ فلا وجه لجعله أعجوبة ، كما قال ابن خزيمة .
وقال البغوي : المراد بإفطارهما تعرضهما للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يأمن
وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص ، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف
قوّته بخروج الدم ؛ فيؤول إلى الإفطار .
قال ابن تيمية في ردّ هذا التأويل : إن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم: ((أفطر الحاجم والمحجوم له)) ، نص في حصول الفطر لهما ، فلا يجوز أن
يعتقد بقاء صومهما ، والنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مخبر عنهما
بالفطر ، لا سيما وقد أطلق هذا القول إطلاقاً من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن
ظاهره غير مراد ، فلو جاز أن يريد مقاربة الفطر دون حقيقته ، لكان ذلك تلبيساً لا
تبييناً للحكم . انتهى . قلت : ولا ريب في أن هذا هو الذي دل له قوله :
٦٢٦ - وعَنْ أَنَس بن مالك رضي اللهُ عَنْهُ قال: أَوَّلُ ما كُرهت الحجامةُ
للصائم أَنَّ جعفر بن أبي طالب احْتجمَ وَهُوَ صائمٌ، فَمَرّ بِهِ النّبِيُّ :﴿1 فقال:
((أَفطر هَذان))، ثمَّ رخّص النبيُّ ◌َ﴿ بَعْدُ في الحجامةِ للصائم ، وكان أنس
يحتجمُ وهو صائم . رواه الدارقطني وقواه .
٤٤٤
٥ - كتاب الصيام
٦٢٧ - حديث عائشة
(وعَنْ أَنَس بن مالك رضي اللهُ عَنْهُ قال: ((أَوَّلُ ما كُرهت الحجامةُ للصائم
أَنَّ جعفر بن أبي طالب احْتجمَ وَهُوَ صائمٌ ، فَمَّرّ بِهِ النّبِيُّ :﴿ فقال: ((أَفِطَرَ
هذان))، ثمَّ رخّص النبيُّ :﴿ِ بَعْدُ في الحجامةِ للصائم، وكان أنس يحتجمُ
وهو صائم . رواه الدارقطني وقواه) : قال : إن رجاله ثقات ولا تعلم له علة ،
وتقدم أنه من أدلة النسخ حدیث شداد .
اکتحل في رمضانَ وهو
٦٢٧ - وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنّ النّبي ◌َ ﴾
صائمٌ . رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، وقال الترمذيُّ: لا يصح في هذا
الباب شيءٌ .
(وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنّ النّبي ◌َ﴿ اكتحل في رمضانَ وهو
صائمٌ . رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، وقال الترمذيُّ: لا يصح في هذا
البابِ شيء): ثم قال: واختلف أهل العلم في الكحل للصائم ؛ فكرهه بعضهم
وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق . ورخص بعض أهل العلم في
الكحل للصائم ، وهو قول الشافعي . انتهى .
وخالف ابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا: إنه يفطر؛ لقوله ح الية: ((الفطر مما
دخل وليس مما خرج)) (١) ، وإذا وجد طعمه فقد دخل ، وأجيب عنه بأنا لا نسلم
(١) هذا الحديث ضعيف جدّاً، كما بينه الحافظ في ((التلخيص)) (ص ) !فما كان
ينبغي للشارح أن يجزم بنسبته إلى النبي ﴿﴿ !
وقوله - بعد سطور -: ((علّقه البخاري ... ووصله ابن أبي شيبة)» !
يوهم أنه عند البخاري مرفوع ! وإنما هو موقوف على ابن عباس ؛ وهو الذي وصله ابن أبي
شيبة . وسنده صحيح، كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة)).
٤٤٥
٥ - كتاب الصيام
٦٢٨ - حديث أبي هريرة
كونه داخلاً؛ لأن العين ليست بمنفذ ، وإنما يصل من المسام، فإن الإنسان قد
يدلك قدميه بالحنظل فيجد طعمه في فيه ، ولا يفطر. وحديث: ((الفطر مما
دخل)) ، علقه البخاري عن ابن عباس ، ووصله عنه ابن أبي شيبة .
وأما ما أخرجه أبو داود عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في الإثمد :
((ليتقه الصائم))، فقال أبو داود : قال لي يحيى بن معين : هو منكر .
٦٢٨ - وعنْ أَبي هريرة رضي الله عَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهُ: ((مَنْ نَسِيَ
وهُوَ صَائِمٌ فَأَكلَ أَوْ شرب ، فليتمَّ صَوْمَهُ؛ فإنّما أَطعمهُ اللهُ وسقاهُ)) . مُتّفقٌ
عليه ، وللحاكم: ((من أَفْطَر في رمضان ناسياً، فَلَا قَضَاءَ عليه ولا كفارة)).
وهُو صحیحٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح له: ((من نسي وهو
صائمٌ فَأَكل أو شرب ، فلْيتمَّ صوْمهُ ؛ فإنما أَطعمهُ الله وسقاه))): وفي رواية
الترمذي: ((فإنما هو رزق ساقه الله إليه)) (متفق عليه، وللحاكم): أي : من
حديث أبي هريرة ((من أفطر في رمضان ناسياً، فلا قضاءَ عليه ولا كفارة)).
وهو صحيح). وورد لفظ: ((من أفطر)) يعم الجماع ، وإنما خص الأكل والشرب؛
لكونهما الغالب في النسيان ؛ کما قاله ابن دقيق العيد .
والحديث دليل على أن من أكل أو شرب أو جامع ، ناسياً لصومه ، فإنه لا
يفطره ذلك ؛ لدلالة قوله: ((فليتم صومه)) على أنه صائم حقيقة ، وهذا قول
الجمهور وزيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى والإمام يحيى والفريقين .
وذهب غيرهم إلى أنه يفطر ؛ قالوا : لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم ،
٤٤٦
٥ - كتاب الصيام
٦٢٩ - حديث أبي هريرة
فحكمه حكم من نسي ركناً من الصلاة ، فإنه تجب عليه الإعادة ، وإن كان
ناسياً ، وتأولوا قوله: ((فليتم صومه)) بأن المراد: فليتم إمساكه عن المفطرات .
وأجيب بأن قوله : ((فلا قضاء عليه ولا كفارة)) صريح في صحة صومه ،
وعدم قضائه له . وقد أخرج الدارقطني إسقاط القضاء في رواية أبي رافع وسعيد
المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار، كلهم عن أبي هريرة . وأفتى به
جماعة من الصحابة منهم عليّ عليه السلام وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن
عمر ؛ كما قاله ابن المنذر وابن حزم .
وفي سقوط القضاء أحاديث يشدّ بعضها بعضاً ويتم الاحتجاج بها .
وأما القياس على الصلاة ، فهو قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص ،
على أنه منازع في الأصل . وقد أخرج أحمد عن مولاة لبعض الصحابيات : أنها
كانت عند النبي ﴿ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت منها ، ثم تذكرت أنها
صائمة ، فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت! فقال لها النبي صل8: ((أتمي
صومك ؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك))، وروى عبد الرزاق : أن إنساناً جاء إلى
أبي هريرة فقال له : أصبحت صائماً وطعمت؟ فقال : لا بأس ، قال : ثم دخلت
على إنسان فنسيت فطعمت؟ قال أبو هريرة : أنت إنسان لم تتعود الصيام .
٦٢٩ - وعَنْ أَبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ ذَرَعَهُ
القيءُ فلا قضاءَ عليه، ومن اسْتقاءَ فعليه القضاءُ)). رواهُ الخمسة، وأَعلّهُ
أَحمد ، وَقَوَّاهُ الدَّار قطنيُّ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((من ذَرَعَهُ
٤٤٧
٥ - كتاب الصيام
٦٣٠ ۔ حديث جابر
الْقَيءُ) : بالذال المعجمة والراء والعين المهملتين ؛ أي: سبقه وغلبه في الخروج
(فلا قضاءَ عليه ، ومن اسْتقاء): أي: طلب القيء باختياره (فعليْه القضاء)).
رواه الخمسة، وأعله أحمد): بأنه غلط (وقواه الدارقطني): وقال البخاري :
لا أراه محفوظاً. وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده ، وأنكره أحمد وقال:
ليس من ذا بشيء . قال الخطابي : يريد أنه غير محفوظ ، وقد يقال: صحيح
على شرطهما .
والحديث دليل على أنه لا يفطر بالقيء الغالب؛ لقوله: ((فلا قضاء عليه))؛
إذ عدم القضاء فرع الصحة . وعلى أنه يفطر من طلب القيء واستجلبه ، وظاهره :
وإن لم يخرج له قيء؛ لأمره بالقضاء .
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفطر . قلت : ولکنه روي عن
ابن عباس ومالك وربيعة والهادي أن القيء لا يفطر مطلقاً ، إلا إذا رجع منه
شيء فإنه يفطر ، وحجتهم ما أخرجه الترمذي والبيهقي بإسناد ضعيف: ((ثلاث
لا يفطرن: القيء والحجامة والاحتلام))، ويجاب عنه بحمله على من ذرعه
القيء؛ جمعاً بين الأدلة ، وحملاً للعام على الخاص ؛ على أن العام غير صحيح
والخاص أرجح منه سنداً ، فالعمل به أولى ، وإن عارضته البراءة الأصلية .
خَرَج
٦٣٠ - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله
عامَ الْفتح إلى مكّة في رمضان، فصام حتّى بَلَغَ كُرَاعِ الْغميم، فَصَامِ النّاسُ،
ثمَّ دعا بقَدح منْ ماءٍ فَرَفَعهُ حتى نَظَرَ الناسُ إليه، ثمَّ شربَ . فقيل لهُ بَعْدَ
ذلك : إنَّ بعض الناس قدْ صامَ؟ فقال: ((أُولئكَ العُصاةُ، أُولئكَ الْعُصاةُ))،
٤٤٨
٥ - كتاب الصيام
٦٣٠ - حديث جابر
وفي لفظ: فقيلَ لهُ: إنَّ النّاس قدْ شقَّ عَلَيْهمُ الصِّيام ، وإنما ينظرون فيما
فعلتَ ، فدعا بقدح منْ ماءِ بعد العصر فشرب . رواهُ مسلمٌ .
(وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله عَظيم خرج عام
الفتح إلى مكة في رمضان) : سنة ثمان من الهجرة ، قال ابن إسحاق وغيره :
إنه خرج يوم العاشر منه (فصام حتى بلغ كراع الغميم) : بضم الكاف فراء
آخره مهملة ، والغميم ؛ بمعجمة مفتوحة ، وهو واد أمام عسفان (فصام الناس ،
ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ، ثم شرب): ليعلم الناس
بإفطاره (فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام؟ فقال: ((أُولئك العُصاةُ،
أُولئك العُصاة))، وفي لفظ: فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما
ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب . رواه مسلم) .
الحديث دليل على أن المسافر له أن يصوم وله أن يفطر ، وأن له الإفطار وإن
صام أكثر النهار، وخالف في الطرف الأول داود والإمامية فقالوا : لا يجزئ
الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فعمدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥] وبقوله ◌َانٍ:
((أولئك العصاة))، وقوله عَ ليه: ((ليس من البر الصيام في السفر)).
وخالفهم الجماهير فقالوا: يجزئه صومه لفعله ﴿ه، والآية لا دليل فيها
على عدم الإجزاء، وقوله تعَالٍ: ((أولئك العصاة)) إنما هو لمخالفتهم لأمره بالإفطار
وقد تعین علیھم .
وفيه أنه ليس في الحديث أنه أمرهم ، وإنما يتم على أن فعله يقتضي الوجوب .
وأما حديث: ((ليس من البر))، فإنما قاله ﴿﴿: فيمن شق عليه الصيام ، نعم، يتم
٤٤٩
٥ - كتاب الصيام
٦٣٠ - حديث جابر
الاستدلال بتحريم الصوم في السفر على من شق عليه؛ فإنه إنما أفطر ﴿ لقولهم:
إنهم قد شق عليهم الصيام ، والذين صاموا بعد ذلك وصفهم بأنهم عصاة .
٠٠٠٠
وأما جواز الإفطار إن صام أكثر النهار ، فذهب أيضاً إلى جوازه الجماهير ،
وعلق الشافعي القول به على صحة الحديث ، وهذا إذا نوى الصيام في السفر،
فأما إذا دخل فيه وهو مقيم ثم سافر في أثناء يومه ، فذهب الجمهور إلى أنه
ليس له الإفطار ، وأجازه أحمد وإسحاق وغيرهم والظاهر معهم لأنه مسافر .
وأما الأفضل فذهبت الهادوية وأبو حنيفة والشافعي إلى أن الصوم أفضل
للمسافر حيث لا مشقة عليه ولا ضرر ، فإن تضرر فالفطر أفضل .
وقال أحمد وإسحاق وآخرون : الفطر أفضل مطلقاً ، واحتجوا بالأحاديث
التي احتج بها من قال : لا يجزئ الصوم . قالوا : وتلك الأحاديث وإن دلت على
المنع لكن حديث حمزة بن عمرو الآتي وقوله : ((ومن أحب أن يصوم فلا جناح
عليه)) ، وأفاد بنفيه الجناح أنه لا بأس به ، لا أنه محرم ولا أفضل .
في أسفاره - ولا
واحتج من قال بأن الصوم الأفضل أنه كان غالب فعله
يخفى أنه لا بد من الدليل على الأكثرية -، وتأولوا أحاديث المنع بأنه لمن يشق
عليه الصوم .
وقال آخرون : الصوم والإفطار سواء ؛ لتعادل الأحاديث في ذلك ، وهو ظاهر
فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر
حديث أنس : سافرنا مع رسول الله
على الصائم . وظاهره التسوية .
٠٠
٤٥٠
٥ - كتاب الصيام
٦٣١ - حديث حمزة بن عمرو
٦٣١ - وعنْ حمزةَ بن عَمْرو الأسلمي رضي الله عنهُ أنّهُ قال: يا رسول
الله! أَجِدُ فِيّ قوَّةً على الصيام في السّفر ، فَهَلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((هي رُخْصةٌ من الله ؛ فمنْ أَخذ بها فحسنٌ ، ومَنْ
أَحَبَّ أَنْ يصوم فلا جناحَ عليه)). رواهُ مُسلمٌ ، وأَصلهُ في الْمُتّفق عليه منْ
حديث عائشةَ : أنَّ حمزةَ بن عَمْرو سأَلَ .
(وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه) : هو أبو صالح أو محمد ،
حمزة - بالحاء المهملة وزاي - ، يعد في أهل الحجاز، روى عنه ابنه محمد
وعائشة ، مات سنة إحدى وستين وله ثمانون سنة (أنه قال: يا رسول الله!
أجد فيّ قوّة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: ((هي رخصة من الله ؛ فمن أخذ بها فحسنٌ ، ومن أحب
أن يصوم فلا جناح عليه)). رواه مسلم ، وأصله في المتفق عليه من حديث
عائشة : أن حمزة بن عمرو سأل) : وفي لفظ مسلم : إني رجل أسرد الصوم
أفأصوم في السفر؟ قال: ((صم إن شئت وأفطر إن شئت))، ففي هذا اللفظ
دلالة على أنهما سواء ، وتقدم الكلام في ذلك .
وقد استدل بالحديث من يرى أنه لا يكره صوم الدهر ، وذلك أنه أخبر أنه
يسرد الصوم فأقرّه ولم ينكر عليه ، وهو في السفر؛ ففي الحضر بالأولى ، وذلك
إذا كان لا يضعف به عن واجب ، ولا يفوت بسببه عليه حق ، وبشرط فطره
العيدين والتشريق .
وأما إنكاره ﴿ على ابن عمرو صوم الدهر فلا يعارض هذا؛ لأنه علم ◌َ
٤٥١
٥ - كتاب الصيام
٦٣٢ - حديث ابن عباس
أنه سيضعف عنه ، وهكذا كان ؛ فإنه ضعف آخر عمره ، وكان يقول : يا ليتني
قبلت رخصة رسول الله ﴿! وكان ◌َّ لهٍ يحب العمل الدائم وإن قل ، ويحثهم
عليه .
٦٣٢ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهما قال: رُخِّصَ للشيخ الكبير أن
يُفطرَ ويُطعم عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مسْكيناً ، ولا قضاء عَلَيْه . رواهُ الدارقطنيُّ والحاكم
وصحّحاهُ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : رخص للشيخ الكبير أن يفطر
ويطعم عن كل يوم مسكيناً ، ولا قضاء عليه . رواه الدارقطني والحاكم
وصححاه(١)): اعلم أنه اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه
فديةٌ طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ والمشهور أنها منسوخة ، وأنه كان أول فرض
الصيام : أن من شاء أطعم مسكيناً وأفطر ، ومن شاء صام . ثم نسخت بقوله
تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقيل: بقوله : ﴿فمن شهد منكم
الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال قوم: هي غير منسوخة ، منهم ابن عباس
كما هنا ، وروي عنه أنه كان يقرؤها : وعلى الذين يطوّقونه : أي : يكلفونه ويقول :
ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الهرمة ، وهذا هو الذي أخرجه عنه من
ذكره المصنف . وفي ((سنن الدارقطني)) عن ابن عباس: ﴿وعلى الذين يطيقونه
(١) ووافقهما الذهبي في ((تلخيصه)) (٤٤٠/١).
وله شاهد من حديث معاذ بن جبل : عند الحاكم (٢٧٤/٢)، وصححه أيضاً ، ووافقه
الذهبي؛ وفيه المسعودي ؛ لكنه لم يتفرد به؛ فانظر ((التعليقات الجياد)) (١٤٦/٣).
٤٥٢
٥ - كتاب الصيام
٦٣٢ - حديث ابن عباس
فدية طعام مسكين﴾ واحد ﴿فمن تطوع خيراً﴾ قال: زاد مسكيناً آخر ﴿فهو
خير له﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي
لا يستطيع الصيام . إسناده صحيح ثابت ، وفيه أيضاً: لا يرخص في هذا إلا
الكبير الذي لا يطيق الصيام، أو مريض لا يشفى. قال: وهذا صحيح(١).
وعين في رواية قدر الإطعام ، وأنه نصف صاع من حنطة . وأخرج أيضاً عن
ابن عباس وابن عمر في الحامل والمرضع: أنهما تفطران ولا قضاء (٢). وأخرج
مثله عن جماعة من الصحابة وأنهما يطعمان كل يوم مسكيناً . وأخرج عن
أنس بن مالك : أنه ضعف عاماً عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين
مسكيناً فأشبعهم ، وفي المسألة خلاف بين السلف .
فالجمهور أن الإطعام لازم في حق من لم يطق الصيام لكبر ، منسوخ في غيره .
وقال جماعة من السلف : الإطعام منسوخ ، وليس على الكبير إذا لم يطق
الصيام إطعام .
وقال مالك : يستحب له الإطعام . وقيل غير ذلك ، والأظهر ما قاله ابن
عباس .
(١) قلت: وكل ذلك صحيح! وصحح الرواية الآتية في التعيين ؛ وهو كما قال.
(٢) أخرجهما عنهما بإسنادين صحيحين .
ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٩٥ - ١٩٦) عن ابن عباس؛ إلا أنه زاد في متنه: إذا خافتا .
وفيه إبراهيم بن مرزوق ؛ قال الحافظ :
((ثقة ؛ عمي قبل موته ، فكان يخطئ ولا يرجع)) .
ويحقّق المراد من الاستطاعة المنفية ؛ هل هي على ظاهرها؟!
٤٥٣
٥ - كتاب الصيام
٦٣٣ - حديث أبي هريرة
والمراد بالشيخ : العاجز عن الصوم . ثم الظاهر أن حديثه موقوف . ويحتمل
أن المراد: رخص النبي ﴿، فغيَّر الصيغة للعلم بذلك؛ فإن الترخيص إنما
يكون توقيفاً ، ويحتمل أنه فهمه ابن عباس من الآية ، وهو الأقرب .
٦٣٣ - وعَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنْهُ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبي
فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله ، قال: ((وما أَهْلَكك؟)) قال: وقعْتُ على امرأتي
في رمضان؟ فقال: ((هلْ تَجدُ ما تُعتقُ رقبة؟)) قال: لا، قال: ((فهل تَسْتَطيعُ
أَن تَصومَ شهرين مُتتابعين؟)) قال: لا ، قال: «فهل تَجدُ ما تُطعمُ ستِّين
مسْكيناً؟)) قال: لا ، قال: ثمَّ جلس ، فأُتي النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم
بِعَرَق فيه تمرٌ ، فقال: (تَصَدَّقْ بهذا)) فقال: أَعلى أَفْقَر منّا؟ فما بيْنَ لابَتَيها
أَهل بيت أَحْوج إليه منّا! فَضَحِك النّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتى
بدتْ أنيابهُ، ثم قالَ: ((اذهب فأَطعمهُ أَهلك)). رواهُ السّبّعة ، واللفظ لمسْلم .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل) : هو سلمة أو سلمان بن
صخر البياضي (إلى النبي ◌َ ﴾ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: ((وما أَهْلكك؟))
قال: وقعت على امرأتي في رمضان؟ فقال: ((هل تجد ما تُعْتق رقبة؟))):
بالنصب بدل من: ما (قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين
متتابعين؟)) قال: لا، قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟))): الجمهور أن
لكل مسكين مدّ من طعام ربع صاع (قال: لا، قال : ثم جلس ، فأُتيَ) : بضم
الهمزة مغير الصيغة (النبي ﴿ بعرق) : بفتح العين المهملة والراء ثم قاف (فيه
تمر) : ورد في رواية في غير ((الصحيحين)): فيه خمسة عشر صاعاً وفي أخرى :
٤٥٤
٥ - كتاب الصيام
٦٣٣ - حديث أبي هريرة
عشرون (فقال: ((تصدق بهذا)) فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها) : تثنية :
لابة ؛ وهي الحرة ، ويقال فيها : لوبة ونوبة ؛ بالنون ، وهي غير مهموزة (أهل بيت
أحوج إليه منا ! فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت أنيابه ،
ثم قال: ((اذهب فأَطعمه أهلك)). رواه السبعة، واللفظ لمسلم) .
الحديث دليل على وجوب الكفارة على من جامع(١) في نهار رمضان عامداً ،
وذكر النووي أنه إجماع ، معسراً كان أو موسراً، فالمعسر تثبت في ذمته على
أحد قولين للشافعية، ثانيهما: لا تستقر في ذمته؛ لأنه ◌َ﴿﴿ لم يبين له أنها
باقية عليه .
واختلف في الرقبة ؛ فإنها هنا مطلقة ؛ فالجمهور قيدوها بالمؤمنة حملاً
للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل ، قالوا : لأن كلام الله في حكم الخطاب
الواحد ، فيترتب فيه المطلق على المقيد .
وقالت الحنفية : لا يحمل المطلق على المقيد مطلقاً ، فتجزئ الرقبة الكافرة .
(١) أقول: وأما من أكل متعمداً؛ فعليه قضاء ذلك اليوم والكفارة: عند الإمام أبي حنيفة
ومالك . قال الصفدي في ((رحمة الأمة)) :
((واتفقوا على أن من تعمد الأكل والشرب صحيحاً مقيماً في يوم من شهر رمضان : أنه
يجب عليه القضاء وإمساك بقية النهار. ثم اختلفوا في وجوب الكفارة ؛ فقال أبو حنيفة ومالك :
عليه الكفارة . وقال الشافعي - في أرجح قوليه - وأحمد: لا كفارة عليه)). اهـ. قال الشعراني
في («الميزان)):
«ووجه الثاني: عدم ورود نص عن الشارع في وجوب الكفارة بذلك . ووجه الأول : التغليظ
بانتهاكه حرمة رمضان» .
٤٥٥
٥- کتاب الصيام
٦٣٣ - حديث أبي هريرة
وقيل : يفصل في ذلك ، وهو أنه يقيد المطلق إذا اقتضى القياس التقييد ،
فيكون تقييداً بالقياس ؛ كالتخصيص بالقياس وهو مذهب الجمهور. والعلة
الجامعة هنا هو أن جميع ذلك كفارة عن ذنب مكفر للخطيئة ، والمسألة مبسوطة
في الأصول .
ثم الحديث ظاهر في أن الكفارة مرتبة كما ذكر في الحديث ؛ فلا يجزئ
العدول إلى الثاني مع إمكان الأول ، ولا إلى الثالث مع إمكان الثاني ؛ لوقوعه
مرتباً في رواية ((الصحيحين)) ، وروى الزهري الترتيب عن ثلاثين نفساً أو أكثر.
ورواية التخيير مرجوحة مع ثبوت الترتيب في «الصحيحين»، ويؤيد رواية
الترتيب أنه الواقع في كفارة الظهار ، وهذه الكفارة شبيهة بها .
قوله: ((ستين مسكيناً)) ظاهر مفهومه أنه لا يجزئ إلا إطعام هذا العدد ، فلا
يجزئ أقل من ذلك .
وقال الحنفية : يجزئ الصرف في واحد ؛ ففي ((القدوري)) من كتبهم : فإن
أطعم مسكيناً واحداً ستين يوماً ، أجزأه عندنا ، وإن أعطاه في يوم واحد لم يجزه
إلا عن یومه .
وقوله: ((اذهب فأطعمه أهلك)) فيه قولان للعلماء: أحدهما : أن هذه
كفارة. ومن قاعدة الكفارات أن لا تصرف في النفس، لكنه ◌َّ رُ خصه بذلك؛
ورد بأن الأصل عدم الخصوصية . الثاني : أن الكفارة ساقطة عنه الإعساره ،
ويدل له حديث علي رضي الله عنه: ((كله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك))،
إلا أنه حديث ضعيف، أو أنها باقية في ذمته، والذي أعطاه { ل﴿ صدقة عليه
٤٥٦
٥ - كتاب الصيام
٦٣٣ - حديث أبي هريرة
وعلى أهله لما عرفه ﴿ من حاجتهم .
وقالت الهادوية وجماعة : إن الكفارة غير واجبة أصلاً لا على موسر ولا
معسر ؛ قالوا : لأنه أباح له أن يأكل منها ، ولو كانت واجبة لما جاز ذلك ، وهو
استدلال غير ناهض ؛ لأن المراد ظاهر في الوجوب ، وإباحة الأكل لا تدل على
أنها كفارة ، بل فيها الاحتمالات التي سلفت .
واستدل المهدي في ((البحر)) على عدم وجوب الكفارة بأنه مع ل﴿ قال
للمجامع : ((استغفر الله ، وصم يوماً مكانه)) : ولم يذكرها ، وأجيب عنه بأنه قد
ثبت رواية الأمر بها عند السبعة بهذا الحديث المذكور هنا .
واعلم أنه ** لم يأمره في هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع فيه ، إلا أنه
ورد في رواية أخرجها أبو داود من حديث أبي هريرة بلفظ: ((كله أنت وأهل
بيتك ، وصم يوماً واستغفر الله)).
وإلى وجوب القضاء ذهبت الهادوية والشافعي ؛ لعموم قوله تعالى : ﴿فعدة
من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، وفي قول للشافعي أنه لا قضاء؛ لأنه ﴿ ﴿ لم يأمره
إلا بالكفارة لا غير. وأجيب بأنه اتكل هم على ما علم من الآية . هذا حكم
ما يجب على الرجل .
وأما المرأة التي جامعها فقد استدل بهذا الحديث أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة ،
وأنها لا تجب على الزوجة ، وهو الأصح من قولي الشافعي ، وبه قال الأوزاعي .
وذهب الجمهور إلى وجوبها على المرأة أيضاً؛ قالوا : وإنما لم يذكرها النبي
مع الزوج لأنها لم تعترف ، واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحكم ، أو لاحتمال
٤٥٧
٥ - كتاب الصيام
٦٣٤ - حديث عائشة وأم سلمة
أن المرأة لم تكن صائمة ؛ بأن تكون طاهرة من الحيض بعد طلوع الفجر ، أو أن
بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في حق المرأة أيضاً؛ لما علم من تعميم
الأحكام ، أو أنه عرف فقرها كما ظهر من حال زوجها .
واعلم أن هذا حديث جليل كثير الفوائد، قال المصنف في ((فتح الباري)):
إنه قد اعتنى بعض المتأخرين ممن أدرك شيوخنا بهذا الحديث ، فتكلم عليه في
مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة . انتهى وما ذكرناه فيه كفاية لما فيه من
الأحكام ، وقد طوّل الشارح فيه ناقلاً من ((فتح الباري)) .
٦٣٤ - وعَنْ عائشة وأُمِّ سلمة رضي الله عَنْهما: أَنَّ النّبيَّ ◌ِ﴿ كان يُصبحُ
جُنُباً منْ جماع ، ثم يغتسل ويصُوم. مُتّفقٌ عَلَيْهِ ، وزادَ مُسْلمٌ في حديث أُمِّ
سَلَمَةَ : ولا يقْضي .
كان يصبح جنباً
(وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أن النبي ثَـ
من جماع ، ثم يغتسل ويصوم . متفق عليه ، وزاد مسلم في حديث أم سلمة :
ولا يقضي): فيه دليل على صحة صوم من أصبح - أي: دخل في الصباح -
وهو جنب من جماع ، وإلى هذا ذهب الجمهور . وقال النووي : إنه إجماع . وقد
عارضه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله
ـيُ: ((إذا نودي للصلاة: صلاة الصبح، وأحد كم جنب، فلا يصم يومه))،
وأجاب الجمهور بأنه منسوخ ، وأن أبا هريرة رجع عنه لما روي له حديث عائشة
وأم سلمة وأفتى بقولهما .
ويدل للنسخ ما أخرجه مسلم وابن حبان وابن خزيمة عن عائشة : أن رجلاً
٤٥٨
٥ - كتاب الصيام
٦٣٥ - حديث عائشة
جاء إلى النبي ◌َّيُ يستفتيه ، وهي تسمع من وراء حجاب، فقال: يا رسول الله!
تدركني الصلاة - أي: صلاة الصبح - وأنا جنب؟ فقال النبي ◌َّالية: ((وأنا تدركني
الصلاة وأنا جنب فأصوم)). قال: لست مثلنا يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما
تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله،
وأعلمكم بما أتقي)). وقد ذهب إلى النسخ ابن المنذر والخطابي وغيرهما .
وهذا الحدیث پدفع قول من قال: إن ذلك كان خاصاً به ميزان . .
ورد البخاري حديث أبي هريرة بأن حديث عائشة أقوى سنداً، حتى قال
ابن عبد البر: إنه صح وتواتر . وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات أنه كان
يفتي به ، ورواية الرفع أقل ، ومع التعارض يرجح لقوة الطريق .
◌َل قال: «من مات وعليه
٦٣٥ - وعنْ عائشة رضي اللهُ عنها: أنَّ النبي
صيامٌ صامَ عَنْهُ وليّهُ)) . متّفقٌ عليه .
(وعنْ عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي ◌َّهِ قال: ((من مات وعليه صيامٌ
صامَ عَنْهُ وليّهُ)). متّفقٌ عليه) : فيه دليل على أنه يجزئ الميت صيام وليه عنه ،
إذا مات وعليه صوم واجب . والإخبار في معنى الأمر ؛ أي : ليصم عنه وليه ،
والأصل فيه الوجوب ، إلا أنه قد ادعي الإجماع على أنه للندب .
والمراد من الولي : كل قريب ، وقيل : الوارث خاصة ، وقيل : عصبته ؛ وفي
المسألة خلاف :
فقال أصحاب الحديث ، وأبو ثور وجماعة : إنه يجزئ صوم الولي عن
الميت ؛ لهذا الحديث الصحيح .
٤٥٩
٥ - كتاب الصيام
٦٣٥ - حديث عائشة
وذهبت جماعة من الآل ومالك وأبو حنيفة أنه لا صيام عن الميت ، وإنما
الواجب الكفارة ؛ لما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من مات
وعليه صيام ، أطعم عنه مكان كل يوم مسكين))، إلا أنه قال بعد إخراجه:
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر .
قالوا : ولأنه ورد عن ابن عباس وعائشة الفتيا بالإطعام ، ولأنه الموافق لسائر
العبادات ؛ فإنه لا يقوم بها مكلف عن مكلف ، والحج مخصوص .
وأجيب بأن الآثار المروية عن فتيا عائشة وابن عباس لا تقاوم الحديث الصحيح .
وأما قيام مكلف بعبادة عن غيره ، فقد ثبت في الحج بالنص الثابت ،
فيثبت في الصوم به ، فلا عذر عن العمل به .
واعتذار المالكية عنه بعدم عمل أهل المدينة به ، مبني على أن تركهم العمل
بالحديث حجة ، وليس كذلك كما عرف في الأصول ، وكذلك اعتذار الحنفية
بأن الراوي أفتى بخلاف ما روى ، عذر غير مقبول إذ العبرة بما روى لا بما رأى ،
كما عرف فيها أيضاً .
ثم اختلف القائلون بإجزاء الصيام عن الميت ؛ هل يختص ذلك بالولي أو
لا؟ فقيل : لا يختص بالولي بل لو صام عنه الأجنبي بأمره أجزأ كما في الحج،
وإنما ذكر الولي في الحديث للغالب ، وقيل : يصح أن يستقل به الأجنبي بغير
أمر؛ لأنه قد شبهه تَ﴿ بالدين حيث قال: ((فدين الله أحق أن يقضى))، فكما
أن الدين لا يختص بقضائه القريب ، فالصوم مثله ، وللقريب أن يستنيب .
٤٦٠