Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٥ - حديث عامر بن ربيعة
قبور أنبيائهم مساجد))، واتفقا على إخراج حديث أبي هريرة بلفظ: ((لعن الله
اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، وأخرج الترمذي أن علياً عليه
السَّلام قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله عَ ليه؛ أن
لا أدع قبراً مشرفاً إلا سوّيتهُ، ولا تمثالاً إلا طمسته . قال الترمذي: حديث حسن .
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، فكرهوا أن يرفع القبر فوق الأرض .
قال الشارح رحمه الله: وهذه الأخبار المعبر فيها باللعن والتشبيه بقوله : ((لا
تجعلوا قبري وثناً يعبد من دون الله))، تفيد التحريم للعمارة والتزيين والتخصيص ،
ووضع الصندوق المزخرف ، ووضع الستائر على القبر، وعلى سمائه ، والتمسح
بجدار القبر ، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه
الأم السابقة من عبادة الأوثان ، فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه
الذريعة المفضية إلى الفساد ، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام
من جلب المصالح ودفع المفاسد ، سواء كانت بأنفسها ، أو باعتبار ما تفضي
إليه . انتهى ، وهذا كلام حسن ، وقد وفينا المقام حقه في رسالة مستقلة .
٥٤٥ _ وعَنْ عامرِ بنِ ربيعةَ رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َ ◌ّهِ صلّى على عثمانَ
ابنِ مَظْعُون ، وأَتَى الْقَبْرَ فَحَتى عليه ثلاثَ حَشَيَات، وهو قائمٌ . رواهُ
الدارقطنيُّ .
(وعَنْ عامرِ بنِ ربيعةَ رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َ﴿ِ صلّى على عثمانَ بنِ
مَظْعُون ، وأَتَى الْقَبْرَ فَحَتى عليه ثلاثَ حَثَيَات ، وهو قائمٌ . رواهُ الدارقطنيُّ) :
وأخرجه البزار ، وزاد بعد قوله : وهو قائم عند رأسه ، وزاد أيضاً: فأمر فرشَّ عليه
٣٢١

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٦ - حديث عثمان
الماء. وروى أبو الشيخ في ((مكارم الأخلاق)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من حثا
على مسلم احتساباً كتب له بكل ثراة حسنة)) ، وإسناده ضعيف ، وأخرج ابن
ماجه من حديث أبي هريرة: أن رسول الله :﴿ ﴿ حتى من قبل الرأس ثلاثاً ؛ إلا
أنه قال أبو حاتم : حديث باطل . وروى البيهقي من طريق محمد بن زياد عن
أبي أمامة قال: ((توفي رجل ، فلم تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها
على قبر، فغفرت له ذنوبه))، ولكن هذه شهد بعضها لبعض .
وفيه دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثاً ، وهو يكون باليدين معاً؛
لثبوته في حديث عامر بن ربيعة ففيه : حثا بيديه ، واستحب أصحاب الشافعي
أن يقول عند ذلك: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيد كم﴾ [طه: ٥٥] الآية .
٥٤٦ - وعن عثمانَ رضي الله عنه قال : كانَ رسُولُ الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلَّم إذا فرغ مِنْ دفن المِيِّتِ ، وقَفَ عَليه وقال: ((استغْفِرُوا لأخيكُمْ
واسْأَلُوا لَهُ التّثْبيت؛ فإنه الآن يُسْأَل)). رواهُ أبو داود، وصححه الْحاكِمُ.
(وعن عثمانَ رضي الله عنه قال: كانَ رسُولُ الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلَّم إذا فرغ مِنْ دفن الميّتِ ، وقَفَ عَليه وقال : ((استغْفِرُوا لأخيكُمْ
واسْأَلُوا لَهُ التّْبيت؛ فإنه الآن يُسْأَل)). رواهُ أبو داود، وصححه الْحاكِمُ):
فيه دلالة على انتفاع الميت باستغفار الحي له ، وعليه ورد قوله تعالى : ﴿ربنا
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله: ﴿واستغفر
لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩] ونحوهما .
وعلى أنه يسأل في القبر، وقد وردت به الأحاديث الصحيحة ، كما أخرج ذلك
٣٢٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٦ - حديث عثمان
الشيخان، فمنها من حديث أنس أنه ◌ّ ةٍ قال: ((إن الميت إذا وضع في قبره،
وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم))، زاد مسلم: ((وإذا انصرفوا؛ أتاه
ملكان))، زاد ابن حبان والترمذي من حديث أبي هريرة: «أزرقان أسودان ؛ يقال
لأحدهما: المنكر، والآخر النكير))، زاد الطبراني في ((الأوسط)): ((أعينهما مثل
قدور النحاس ، وأنيابهما مثل صَياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد))، زاد عبد
الرزاق : ((ويحفران بأنيابهما ، ويطأن في أشعارهما ، ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها
أهل منى لم يقلوها))، وزاد البخاري من حديث البراء : ((فيعاد روحه في جسده)).
ويستفاد من مجموع الأحاديث أنهما يسألانه فيقولان : ما كنت تعبد؟ فإن
كان الله هداه فيقول : كنت أعبد الله ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؛
لمحمد ◌َ انٍ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، وفي رواية: ((أشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقال له : صدقت . فلا يسأل عن
شيء غيرها ، ثم يقال له: على اليقين كنت وعليه مت؛ وعليه تبعث إن شاء
الله تعالى))، وفي لفظ : ((فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من
الجنة ، وافتحوا له باباً إلى الجنة ، وألبسوه من الجنة . قال : فيأتيه من روحها
وطيبها ويفسح له مد بصره ، ويقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك
الله مقعداً من الجنة ؛ فيراهما جميعاً، فيقول : دعوني ؛ حتّى أذهب أبشر
أهلي ، فيقال له : اسكت ، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً ، ويملأ خضراً إلى
يوم القيامة))، وفي لفظ: ((ويقال له : ثم ، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا
أحب أهله ، وأمّا الكافر والمنافق فيقول له الملكان : من ربك؟ فيقول : هاه هاه ،
٣٢٣

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٧ - حدیث ضمرة بن حبيب
لا أدري ! ويقولان : ما دينك؟ فيقول : هاه هاه ، لا أدري ! فيقولان: ما هذا
الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول : هاه هاه ، لا أدري ! فيقال : لا دريت ، ولا
تليت - أيْ : لا فهمت ، ولا تبعت من يفهم - ويضرب بمطارق من حديد ضربة
لو ضرب بها جبل لصار تراباً، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)).
واعلم أنه قد وردت أحاديث دالة على اختصاص هذه الأمة بالسؤال في
القبر دون الأمم السالفة . قال العلماء : والسر فيه أن الأمم كانت تأتيهم الرسل ؛
فإن أطاعوهم فالمراد ، وإن عصوهم اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب ، فلما أرسل الله
محمداً بال رحمة للعالمين ، أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره
سواء أخلص أم لا ، وقيض الله لهم من يسألهم في القبور ؛ ليخرج الله سرهم
بالسؤال ، وليميز الله الخبيث من الطيب .
وذهب ابن القيم إلى عموم المسألة، وبسط المسألة في كتاب ((الروح)).
٥٤٧ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بن حبيب أَحَدِ التّابعين قالَ: كانُوا يَسْتَحِبُّون إذا
سُوِّيَ على المِيِّت قَبْرُهُ، وانْصرف النّاسُ عَنْهُ، أَن يُقالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يا فُلانُ،
قُلْ: لا إله إلا الله ؛ ثلاث مرَّات، يا فلان، قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، وديني الإسْلامُ،
ونَبِيِّي محمّدٌ . رواهُ سَعيدُ بنُ مَنْصُورِ مَوْقُوفاً ، وللطّبَرَانِي نَحْوُهُ مِنْ حَديثِ
أَبِي أُمَامَةَ مَرْفوعاً مُطَوَّلاً .
(وعن ضمرة) : بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم (ابن حبيب): بالحاء
المهملة مفتوحة فموحدة فمثناة فموحدة (أحد التابعين) : حمصي ثقة ، روى
عن شدّاد بن أوس وغيره (قال : كانوا) : ظاهره الصحابة الذين أدركهم (يستحبون
٣٢٤

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٧ - حديث ضمرة بن حبيب
إذا سوي) : بضم السين المهملة ؛ مغير الصيغة من التسوية (على الميت قبره ،
وانصرف الناس عنه ، أن يقال عند قبره: يا فلان ، قل : لا إله إلا الله ؛ ثلاث
مرات ، يا فلان ، قل : ربي الله ، وديني الإسلام، ونبيي محمد . رواه سعيد
ابن منصور موقوفاً) : على ضمرة بن حبيب (وللطبراني نحوه من حديث أبي
أمامة مرفوعاً مطولاً) : ولفظه عن أبي أمامة : إذا أنا متُّ فاصنعوا بي كما أمر
رسول الله صل أن نصنع بموتانا؛ أمرنا رسول الله : ﴿ فقال: ((إذا مات أحد من
إخوانكم ، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ، ثم
ليقل: يا فلان بن فلانة ؛ فإنه يسمعه ، ولا يجيب ، ثم يقول : يا فلان بن
فلانة ؛ فإنه يقول : أرشدنا رحمك الله ! ولكن لا تشعرون ، فليقل : اذكر ما
كنت عليه في الدنيا ؛ من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ،
وأنك رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً؛ فإن
منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ، فيقول : انطلق بنا ما
يقعدنا عند من لقن حجته؟!)) قال: فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف
أمه؟ قال: ((ينسبه إلى أمّه حوّاء، يا فلان بن حواء))، قال المصنف : إسناده
صالح، وقد قوّاه أيضاً في ((الأحكام)) له ، قلت : قال الهيثمي بعد سياقه ما
لفظه: أخرجه الطبراني في ((الكبير)) ، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم، وفي
هامشه : فيه عاصم بن عبد الله ؛ ضعيف ، ثم قال : والراوي عن أبي أمامة
سعيد الأزدي ؛ بيض له أبو حاتم ، وقال الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل: هذا
الذي يصنعونه إذا دفن الميت ؛ يقف الرجل ويقول : يا فلان بن فلانة؟ قال : ما
٣٢٥

٣ - کتاب الجنائز
٥٤٨ - حديث بريدة بن الحصيب
رأيت أحداً يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة ، ويروى فيه عن أبي بكر
ابن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه .
وقد ذهب إليه الشافعية .
وقال في ((المنار)): إن حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة
بالحديث في وضعه ، وأنه أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) عن ضمرة بن
حبيب ، عن أشياخ له من أهل حمص فالمسألة حمصية .
وأما جعل: ((اسألوا له التثبيت ؛ فإنه الآن يسأل))، شاهداً له ، فلا شهادة
فيه .
وكذلك أمر عمرو بن العاص بالوقوف عند قبره مقدار ما ينحر جزور ؛
ليستأنس بهم عند مراجعة رسل ربه ، لا شهادة فيه على التلقين . وابن القيم
جزم في ((الهدي)) بمثل كلام ((المنار))، وأمّا في كتاب ((الروح)) فإنه جعل حديث
التلقين من أدلة سماع الميت لكلام الأحياء ، وجعل اتصال العمل بحديث
التلقين - من غير نكير - كافياً في العمل به ، ولم يحكم له بالصحة ؛ بل قال
في كتاب ((الروح)) : إنه حديث ضعيف؛ ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه
حديث ضعيف ، والعمل به بدعة ، ولا يغتر بكثرة من يفعله .
٥٤٨ - وعَنْ بُرَيْدَة بن الحُصيْبِ الأسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ
اللّه ◌َِّةٍ: «كُنْتُ نَھَيْتُكُمْ عن زيارَةِ القُبُورِ فَزُوروها». رواهُ مُسْلِمٌ، زَادَ التِّرْمِذيُّ:
((فإنها تُذكّرُ الآخِرَةَ)) .
٣٢٦

٣ - كتاب الجنائز
٥٤٩ - حديث ابن مسعود
(وعن بريدة بن الحُصيب الأسلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله
﴿ُ : ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)). رواه مسلم ، زاد الترمذي):
أي : من حديث بريدة: ((«فإنها تذكَّرُ الآخرة))) .
٥٤٩ - زادَ ابنُ مَاجَهْ مِنْ حديث ابنِ مَسْعودٍ: ((وَتُزَهِّدُ في الدُّنْيَا)) .
(زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود) : وهو الحديث السابق بلفظ ما
مضى ، وزاد (((وتُزَهّدُ في الدنيا))) : وفي الباب أحاديث عن أبي هريرة عند
مسلم ، وعن ابن مسعود عند ابن ماجه والحاكم ، وعن أبي سعيد عند أحمد
والحاكم ، وعن عليّ عليهِ السَّلام عند أحمد ، وعن عائشة عند ابن ماجه .
والكل دال على مشروعية زيارة القبور، وبيان الحكمة فيها وأنها للاعتبار؛
فإنه في لفظ حديث ابن مسعود: ((فإنها عبرة وذكرى للآخرة والتزهيد في
الدنيا))؛ فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعاً .
وحديث بريدة جمع فيه بين ذكر أنه ﴿ ﴿ كان نهى أولاً عن زيارتها ، ثم أذن
فيها أخرى .
وفي قوله : «فزوروها)» ، أمر الرجال بالزيارة ، وهو أمر ندب اتفاقاً ، ويتأكد في
حق الوالدين ؛ لآثار في ذلك .
وأما ما يقوله عند وصوله المقابر؛ فهو: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين ورحمة
الله وبركاته ، ويدعو لهم بالمغفرة ونحوها ، وسيأتي حديث مسلم في ذلك قريباً؛
وأمّا قراءة القرآن ونحوها عند القبر، فسيأتي الكلام فيها قريباً .
٣٢٧

٣ - کتاب الجنائز
٥٥٠ - حديث أبي هريرة
٥٥٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ لَعَنَ زَائِرَاتِ
القُبُور. أَخْرجهُ الترمذيُّ ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان .
لَعَنَ زَائرَات القُبُور.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسُولَ الله
أَخْرجهُ الترمذيُّ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان) : وقد قال بعض أهل العلم : إن هذا
كان قبل أن يرخص النبي 19 في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته
الرجال والنساء .
وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور للنساء ؛ لقلة صبرهنّ وكثرة جزعهن ، ثم
ساق بسنده أن عبد الرحمن بن أبي بكر توفي ودفن في مكة ، وأتت عائشة
قبره ، ثم قالت :
من الدهر حتّی قیل لن يتصدعا
وكنا كندماني جذيمة برهة
أصاب المنايا رهط کسری وتبَّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ولما تفرقنا كأني ومالكاً
اهـ. ويدل لما قاله بعض أهل العلم ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت :
كيف أقول يا رسول الله، إذا زرت القبور؟ فقال: ((قولي : السلام على أهل
الديار من المسلمين والمؤمنين ، يرحم الله المتقدمين منّا والمتأخرين ، وإنا إن
شاء الله بكم لاحقون))، وما أخرج الحاكم من حديث علي بن الحسين : أن
فاطمة عليها السلام كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة ، فتصلي وتبكي
عنده . قلت : وهو حديث مرسل ؛ فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت
٣٢٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٥١ و٥٥٢ - حديثا أبي سعيد وأم عطية
محمد ﴾(١). وعموم ما أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلاً: ((من زار
ء
قبر الوالدين ، أو أحدهما في كل جمعة ، غفر له وكتب بارًاً)) .
٥٥١ _ وعَنْ أَبي سعيدٍ الْخُدْريِّ رضي الله عنه قالَ: لَعَن رسولُ الله
النّائِحَةَ والمُسْتَمعَةَ . رواهُ أَبُو داود .
(وعَنْ أَبي سعيد الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: لَعَن رسولُ الله ◌ِّهِ النّائِحَةَ
والمُسْتَمِعَةَ. رواه أَبُو داود) : النوح هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت
ومحاسن أفعاله .
والحديث دليل على تحريم ذلك ، وهو مجمع عليه .
٥٥٢ - وعَنْ أُمَّ عطيّةَ رضي الله عنها قالت: أَخذ عَلَيْنا رسولُ الله صلَّى
الله عليه وآله وسلَّم عند البيعة أن لا نَنُوح. متفقٌ عليه .
(وعَنْ أُمَّ عطيّةَ رضي الله عنها قالت: أَخذ عَلَيْنا رسولُ الله صلى الله
عليه وآله وسلم عند البيعة أن لا نَنُوح. متفقٌ عليه) : كان أخذه عليهنّ ذلك
وقت المبايعة على الإسلام .
والحديثان دالان على تحريم النياحة وتحريم استماعها؛ إذْ لا يكون اللعن إلا
(١) الحديث إنما هو من رواية علي بن الحسين عن أبيه ؛ كذلك أخرجه الحاكم ، وقال:
((رجاله ثقات))! ورده الذهبي بقوله :
«منکر جداً ، وسليمان بن داود ضعيف)) .
وانظر تمام الكلام عليه في كتابنا ((أحكام الجنائز)).
٣٢٩

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٢ - حديث أم عطية
على محرم، وفي الباب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله عم الية: ((ليس منّا
من ضرب الخدود ، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)). متفق عليه ،
وأخرجا من حديث أبي موسى: أن رسول الله عَ ◌ّةٍ قال: ((أنا بريء ممن حلق
وسلق وخرق))، وفي الباب غير ذلك .
ولا يعارض ذلك ما أخرج أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم ، عن ابن
عمر: أنه ◌َ﴿﴿ُ مر بنساء ابن عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد ، فقال:
(لكن حمزة لا بواكي))، فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة ، الحديث؛ فإنه
منسوخ بما في آخره بلفظ: ((فلا تبكين على هالك بعد اليوم))، وهو يدل على
أنه عبر عن النياحة بالبكاء .
فإن البكاء غير منهي عنه ؛ كما يدل له ما أخرجه النسائي عن أبي هريرة
قال: مات ميت من آل رسول الله تعَ ل، فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر
ينهاهن ويطردهن، فقال له عَ لهم: ((دعهن يا عمر؛ فإن العين تدمع ، والقلب
مصاب، والعهد قريب))، والميت هي زينب بنته ﴿، كما صرح به في حديث
ابن عباس، أخرجه أحمد؛ وفيه أنه قال لهن: «إياكن ونعيق الشيطان ؛ فإنه
مهما كان من العين ومن القلب ، فمن الله ومن الرحمة ، وما كان من اليد
واللسان ، فمن الشيطان))؛ فإنه يدل على جواز البكاء ، وأنه إنما نهي عن الصوت .
ومنه قوله : ((العين تدمع، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي
الرب))؛ قاله في وفاة ولده إبراهيم. وأخرج البخاري من حديث ابن عمر: ((إن
الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب؛ ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى
٣٣٠

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٣ - حديث ابن عمر
لسانه -، أو يرحم))، وأمّا ما في حديث عائشة عند الشيخين في قوله {حَ ال - لمن
أمره أن ينهى النساء المجتمعات للبكاء على جعفر بن أبي طالب -: ((احث في
وجههن التراب))، فيحمل على أنه كان بكاء بتصويت النياحة ، فأمر بالنهي
عنه ، ولو بحثو التراب في أفواههنّ .
٥٥٣ - وعن ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا عن النّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلَّم
قال: ((المِيِّتُ يُعَذبُ في قبره بما نيح عليهِ))، مُتّفقٌ عَلَيْه، ولهُما نحْوُهُ عن
المغيرة بن شعبةً .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: ((الميتُ يعذب في قبره بما نيح عليه)). متفق عليه ، ولهما): أي :
الشيخين كما دل له : متفق عليه ، فإنهما المراد به (نحوه) : أي : نحو حديث
ابن عمر ، وهو (عن المغيرة بن شعبة) .
الأحاديث في الباب كثيرة ، وفيها دلالة على تعذيب الميت بسبب النياحة
عليه ، وقد استُشْكِلَ ذلك ؛ لأنه تعذيبه بفعل غيره ، واختلفت الجوابات .
فأنكرت عائشة ذلك على عمر وابنه عبد الله ، واحتجت بقوله تعالى :
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨]، وكذلك أنكره أبو هريرة .
واستبعد القرطبي إنكار عائشة ، وذكر أنه رواه عدة من الصحابة ؛ فلا وجه
لإنكارها مع إمكان تأويله ، ثم جمع القرطبي بين حديث التعذيب والآية ؛ بأن
قال : حال البرزخ يلحق بأحوال الدنيا ، وقد جرى التعذيب فيها بسبب ذنب
الغير كما يشير إليه قوله تعالى : ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم
٣٣١

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٣ - حديث ابن عمر
خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]؛ فلا يعارض حديث التعذيب آية: ﴿ولا تزر وازرة وزر
أخرى﴾ [الزمر: ٧]؛ لأن المراد بها الإخبار عن حال الآخرة، واستقواه الشارح .
وذهب الأ کثرون إلى تأويله بوجوه :
الأوّل : للبخاري أنه يعذب بذلك إذا كان سنته وطريقته ، وقد أقرّ عليه أهله
في حياته فيعذب لذلك ، وإن لم يكن طريقته ، فإنه لا يعذب ، فالمراد على هذا
أنه يعذب ببعض بكاء أهله ، وحاصله : أنه قد يعذب العبد بفعل غيره إذا كان
له فيه سبب .
الثاني : المراد أنه يعذب إذا أوصى أن يُبْكى عليه ، وهو تأويل الجمهور؛
قالوا : وقد كان معروفاً عند القدماء ، كما قال طرفة بن العبد :
إذا مت فابكيني بما أنا أهله وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
ولا يلزم من وقوع النياحة من أهل الميت امتثالاً له ، ألا يعذب لو لم يمتثلوا؛
بل يعذب بمجرّد الإيصاء ؛ فإن امتثلوه وناحوا عذب على الأمرين : الإيصاء لأنه
فعله ، والنياحة لأنها بسببه .
الثالث: أنه خاص بالكافر، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلاً، وفيه
بُعْد لا يخفى ؛ فإن الكافر لا يحمل عليه ذنب غيره أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا
تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
الرابع : أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة للميت بما يندبه به أهله ؛ كما روى
أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: ((الميت يعذب ببكاء الحي ؛ إذا قالت
٣٣٢

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٤ ۔ حديث أنس
النائحة : وا عضداه ، وا ناصراه ، وا كاسياه ، جلد الميت وقال: أنت عضدها؟!
أنت ناصرها؟! أنت كاسيها؟!))، وأخرج معناه ابن ماجه والترمذي .
الخامس : أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها ؛
فإنه يرق لهم ، وإلى هذا التأويل ذهب محمد بن جرير وغيره ، وقال القاضي
﴿ زجر امرأة عن
عياض : هو أولى الأقوال . واحتجوا بحديث فيه: أنه ﴾
البكاء على ابنها وقال : «إن أحد کم إذا بکی استعبر له صويحبه ، يا عباد
الله ، لا تعذبوا إخوانكم))، واستدل له أيضاً أن أعمال العباد تعرض على
موتاهم ، وهو صحيح .
وثمة تأولات أخر ، وما ذكرناه أشف ما في الباب .
تدفن ،
٥٥٤ - وَعَنْ أَنَس رضي الله عنه قالَ: شهدْتُ بِنْتاً لرسول الله
جالسٌ عند الْقَبْر؛ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعان . رَوَاهُ البخاريُّ .
ورسول الله
(وَعَنْ أَنَسِ رضي الله عنه قالَ: شهِدْتُ بِنْتاً لرسولِ الله عَ ﴿ تدفن ،
ورسول الله ◌َ﴿ جالسٌ عندَ الْقَبْر فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعان. رَوَاهُ البخاريُّ) : قد
بين الواقدي وغيره في روايته أن البنت أم كلثوم ، وقد رد البخاري قول من قال :
إنها رُقیة ، بأنها ماتت ورسول الله
في بدر، فلم يشهد ◌َ ﴿ دفنها .
والحديث دليل على جواز البكاء على الميت بعد موته ، وتقدم ما يدل له
أيضاً إلا أنه عورض بحديث: ((فإذا وجبت فلا تبكين باكية))، وجمع بينهما
بأنه محمول على رفع الصوت ، أو أنه مخصوص بالنساء ؛ لأنه قد يفضي
بکاؤهن إلى النياحة ؛ فيكون من باب سد الذريعة .
٣٣٣

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٥ ۔ حديث جابر
..
٥٥٥ - وَعَنْ جابر رضي الله عنه: أَنَّ النّبيَّ ◌َ﴿ِ قال: ((لا تَدْفِئُوا مَوْتَاكُمْ
باللّيْلِ إِلا أَنْ تُضْطَرُّوا)). أَخْرجهُ ابنُ مَاجَهْ ، وأَصْلُهُ فِي مُسْلم ؛ لكن قالَ:
زَجَرَ أَنْ يُقْبرِ الرَّجُلُ بالليْلِ ، حتّى يُصَلّى عليه .
قال: ((لا تدفنوا موتاکم بالليل
(وعن جابر رضي الله عنه أن النبي
إلا أن تضطروا)). أخرجه ابن ماجه، وأصله في مسلم، لكن قال: زَجَرَ):
بالزاي والجيم والراء عوض : نهى (أن يقبر الرجل بالليل ، حتّى يصلى عليه) :
دل على النهي عن الدفن للميت ليلاً، إلا لضرورة ، وقد ذهب إلى هذا الحسن ،
وورد تعليل النهي عن ذلك بأن ملائكة النهار أرأف من ملائكة الليل في
حديث قال الشارح : الله أعلم بصحته .
خطب يوماً
وقوله : وأصله في مسلم ، لفظ الحديث الذي فيه : أنه
فذكر رجلاً من أصحابه ، قبض وكفن في كفن غير طائل ، وقبر ليلاً ، وزجر أن
يقبر الرجل بالليل حتّى يصلي عليه ، إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك . وهو ظاهر
أن النهي إنما هو حيث كان مظنة حصول التقصير في حق الميت بترك الصلاة ،
أو عدم إحسان الكفن ، إذا كان يحصل بتأخر الميت إلى النهار كثرة المصلين ، أو
حضور من يرجى دعاؤه ، حسن تأخره؛ وعلى هذا فيؤخر عن المسارعة فيه
لذلك، ولو في النهار ؛ ودل لذلك دَفْن علي عليهِ السَّلام لفاطمة عليها السلام
ليلاً ، ودفن الصحابة لأبي بكر ليلاً ، وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس :
أن النبي ◌َ ﴾ دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج ، فأخذ من قبل القبلة فقال :
((رحمك الله! إن كنت لأوّاهاً تلاءً للقرآن)) ، الحديث ، قال: هو حديث
٣٣٤

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٦ - حديث عبدالله بن جعفر
حسن . قال: وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن ليلاً .
وقال ابن حزم: لا يدفن أحد ليلاً إلا أن يضطر إلى ذلك ، قال : ومن دفن
ليلاً من أصحابه مَ لِ وأزواجه ؛ فإنه لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام ، أو
خوف الحر على من حضر ، أو خوف تغير ، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلاً ، ولا
يحل لأحد أن يظن بهم رضي الله عنهم خلاف ذلك . اهـ.
تنبيه : تقدم في الأوقات حديث عقبة بن عامر : ثلاث ساعات كان رسول
الله عَ ل ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة ،
حتّى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة ، حتّى تزول الشمس ، وحين تضيف
الشمس للغروب ، حتّى تغرب ، اهـ. وكان يحسن ذكر المصنف له هنا .
٥٥٦ - وَعَنْ عبد الله بن جَعْفَر رضيَ الله عنهُمَا قال: لما جاءَ نَعْيُ جَعْفَر
حين قُتِل، قال النبيُّ﴿: ((اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرِ طَعَاماً؛ فقد أَتَاهُمْ ما
يَشْغِلُهُمْ)). أخْرجهُ الْخمسَةُ ، إلا النّسائيّ.
(وَعَنْ عبد الله بن جَعْفَر رضيَ الله عنهُ قال: لما جاءَ نَعْيُ جَعْفَر حين
قُتِل، قال النبيُّ ◌َهِ: ((اصْنَعُوا لَآلِ جَعْفَر طَعَاماً؛ فقد أَتَاهُمْ ما يَشْغِلُهُمْ)»
أخْرجهُ الْخمسَةُ ؛ إلا النّسائيّ) : فيه دليل على شرعية إيناس أهل الميت بصنع
الطعام لهم ، لما هم فيه من الشغل بالموت ، ولکنه أخرج أحمد من حديث جرير
ابن عبد الله البجلي : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت ، وصنعة الطعام بعد
دفنه من النياحة .
فيحمل حديث جرير على أن المراد صنعة أهل الميت الطعام لمن يدفن
٣٣٥

٣- کتاب الجنائز
٥٥٧ - حدیث بريدة
منهم ، ويحضر لديهم كما هو عرف بعض أهل الجهات ، وأمّا الإحسان إليهم
بحمل الطعام لهم ، فلا بأس به ، وهو الذي أفاده حديث جعفر .
وبما يحرم بعد الموت العقر عند القبر؛ لورود النهي عنه ؛ فإنه أخرج أحمد
وأبو داود من حديث أنس: أن النبي ﴿ قال: ((لا عقر في الإسلام))، قال
عبد الرزاق : كانوا يعقرون عند القبر بقرة ، أو شاة ، قال الخطابي : كان أهل
الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد ، يقولون : نجازيه على فعله ؛ لأنه
كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف ، ونحن نعقرها عند قبره ، حتّى تأكلها
السباع والطير ؛ فيكون مطعماً بعد وفاته ، كما كان يطعم في حياته .
ومنهم من كان يذهب إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره ، حشر في القيامة
راكباً ، ومن لم يعقر عنده حشر راجلاً ، وكان هذا على مذهب من يقول منهم
بالبعث ؛ فهذا فعل جاهلي محرم .
٥٥٧ - وعَنْ سُلْمانَ بن بُرِيْدَةَ رضي الله عنه عن أبيه قال: كانَ رسولُ الله
يُعَلِّمُهُمْ إذا خرَجُوا إلى المقابر أن يقولوا: ((السلامُ على أهْلِ الدِّيار مِنَ
المسلمينَ والمؤمنينَ ، وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ للاحِقُون، أَسْأَلُ اللَّهَ لنَا ولَكُمُ
العافية)) . رواه مُسْلمٌ .
(وعن سليمان بن بريدة رضي الله عنه) : هو الأسلمي ، روى عن أبيه
وعمران بن حصين وجماعة ، مات سنة خمس عشرة ومائة (عن أبيه) : أي :
بريدة (قال: كان رسول الله ◌َ هل يعلمهم): أي: الصحابة (إذا خرجوا إلى
المقابر): أي (أن يقولوا: ((السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا
٣٣٦

٣ - کتاب الجنائز
٥٥٨ _ حديث ابن عباس
إن شاء الله بكم للاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية)). رواه مسلم) : وأخرجه
أيضاً من حديث عائشة ، وفيه زيادة: ((ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)).
والحديث دليل على شرعية زيارة القبور، والسلام على من فيها من
الأموات ، وأنه بلفظ السلام على الأحياء .
قال الخطابي: فيه أن اسم الدار يقع على المقابر، وهو صحيح؛ فإن الدار في
اللغة تقع على الربع المسكون ، وعلى الخراب غير المأهول .
والتقييد بالمشيئة للتبرك وامتثالاً لقوله تعالى : ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعلٌ
ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤]، وقيل: المشيئة عائدة إلى تلك
التربة بعينها .
وسؤاله العافية دليل على أنها من أهم ما يطلب وأشرف ما يُسأل ، والعافية
للميت بسلامته من العذاب ومناقشة الحساب .
ومقصود زيارة القبور، الدعاء لهم والإحسان إليهم ، وتذكر الآخرة والزهد في
الدنيا ، وأمّا ما أحدثه العامة من خلاف هذا، كدعائهم الميت ، والاستصراخ
به ، والاستغاثة به ، وسؤال الله بحقه ، وطلب الحاجات إليه تعالى به ، فهذا من
البدع والجهالات؛ وتقدم شيء من هذا .
٥٥٨ - وعن ابن عَبّاس رضيَ الله عنهُ قالَ: مرَّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّم بقبُور المدينة، فَأَقْبلَّ عليهمْ بوجْهِهِ فقال: ((السّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبور،
يَغْفِرُ الله لنا ولكم! أَنْتُمْ سَلَفُنا ونحنُ بالأثَر)). رواهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حسنٌ .
(وعن ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُ قالَ: مرَّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله
٣٣٧

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٨ _ حديث ابن عباس
وسلَّم بقبُور المدينة، فأُقْبلَ عليهمْ بوجْهِهِ فقال: ((السّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ
الْقُبور، يَغْفِرُ اللهُ لنا ولكم! أَنْتُم سَلَفُنا ونحنُ بالأثَر)). رواهُ التِّرمذيُّ وقالَ:
حسنٌ) : فيه أنه يسلم عليهم إذا مرّ بالمقبرة ، وإن لم يقصد الزيارة لهم .
وفيه أنهم يعلمون بالمارّ بهم وسلامه عليهم ، وإلا كان إضاعة . وظاهره في
جمعة وغيرها .
وفي الحديثين - الأول ، وهذا - دليل أن الإنسان إذا دعا لأحد ، أو استغفر
له ، يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفارلها، وعليه وردت الأدعية القرآنية : ﴿ربنا
اغفر لنا ولإخواننا﴾ [الحشر: ١٠]، ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ [محمد: ١٩]،
وغير ذلك .
وفيه أن هذه الأدعية ونحوها نافعة للميت بلا خلاف ، وأمّا غيرها من قراءة
القرآن له ، فالشافعي يقول : لا يصل ذلك إليه .
وذهب أحمد وجماعة من العلماء إلى وصول ذلك إليه .
وذهب جماعة من أهل السنة والحنفية إلى أن للإنسان أن يجعل ثواب
عمله لغيره ؛ صلاة كان ، أو صوماً ، أو حجاً ، أو صدقة، أو قراءة قرآن ، أو ذكراً،
أو أي أنواع القرب؛ وهذا هو القول الأرجح دليلاً، وقد أخرج الدارقطني : أن
رجلاً سأل النبي ◌َّلهم أنه كيف يبر أبويه بعد موتهما؟ فأجابه : بأنه يصلي لهما
مع صلاته ويصوم لهما مع صيامه . وأخرج أبو داود من حديث معقل ابن يسار
عنه ◌َهُ: ((اقرؤوا على موتاكم سورة يس))، وهو شامل للميت ؛ بل هو الحقيقة
فيه ، وأخرج الشيخان أنه ﴿ كان يضحي عن نفسه بكبش وعن أمته بكبش.
٣٣٨

٣ - كتاب الجنائز
٥٥٩ - حديث عائشة
وفيه إشارة إلى أن الإنسان ينفعه عمل غيره ، وقد بسطنا الكلام في
((حواشي ضوء النهار)) بما يتضح منه قوة هذا المذهب .
عَاءِ: ((لا تَسْبُوا
٥٥٩ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت : قالَ رسولُ الله
الأموات ؛ فإنّهُمْ قدْ أَفْضَوا إلى ما قدَّمُوا)). رواهُ الْبُخاري .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تسبوا الأموات؛
فإنهم قد أفضوا) : أي: وصلوا (إلى ما قدَّموا): من الأعمال (رواه البخاري).
الحديث دليل على تحريم سب الأموات ، وظاهره العموم للمسلم والكافر ،
وفي ((الشرح)) : الظاهر أنه مخصص بجواز سب الكافر؛ لما حكاه الله من ذم
الكفار في كتابه العزيز ؛ كعاد وثمود وأشباههم .
قلت : لكن قوله : ((قد أفضوا إلى ما قدَّموا)) علة عامة للفريقين ؛ معناها :
أنه لا فائدة تحت سبهم والتفكه بأعراضهم ، وأمّا ذكره تعالى للأم الخالية بما
كانوا فيه من الضلال ، فليس المقصود ذمهم ؛ بل تحذيراً للأمة من تلك الأفعال ،
التي أفضت بفاعلها إلى الوبال ، وبيان محرمات ارتكبوها .
وذكر الفاجر بخصال فجوره لغرض جائز؛ وليس من السب المنهي عنه ؛ فلا
تخصيص بالكفار ، نعم الحديث مخصص ببعض المؤمنين كما في الحديث : أنه
بجنازة فأثنوا عليها شراً ... الحديث، وأقرهم ◌َ﴿ على ذلك ؛ بل
مُرَّ عليه ◌َ
قال: ((وجبت))؛ أي: النار، ثم قال: ((أنتم شهداء اللّه))، ولا يقال: إن الذي أثنوا
عليه شراً ليس بمؤمن ، لأنه قد أخرج الحاكم في ذمه : بئس المرء كان ؛ لقد كان
فظاً غليظاً . والظاهر أنه مسلم؛ إذْ لو كان كافراً لما تعرضوا لذمه بغير كفره .
٣٣٩

٣ - كتاب الجنائز
٥٦٠ - حديث المغيرة
وقد أجاب القرطبي عن سبهم له ، وإقراره ◌َ﴿ لهم؛ بأنه يحتمل أنه كان
مستظهراً بالشر؛ ليكون من باب : لا غيبة الفاسق ، أو بأنه يحمل النهي عن
سب الأموات على ما بعد الدفن ، قلت : وهو الذي يناسب التعليل بإفضائهم.
إلى ما قدموا؛ فإن الإفضاء الحقيقي بعد الدفن .
٥٦٠ - وروى التّرمذيُّ عن المغيرةِ نحْوَهُ؛ لكن قال: ((فَتُؤْذُوا الأحْياءَ)).
(وروى الترمذي عن المغيرة نحوه) : أي : نحو حديث عائشة في النهي عن
سب الأموات (لكن قال): عوض قوله: ((فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))
((فتؤذوا الأحياء))) : قال ابن رشد : إن سب الكافر يحرم إذا تأذى به الحي
المسلم، ويحل إذا لم يحصل به الأذية ، وأمّا المسلم فيحرم إلا إذا دعت
الضرورة ؛ كأن يكون فيه مصلحة للميت إذا أريد تخليصه من مظلمة وقعت
منه ؛ فإنه يحسن ؛ بل يجب إذا اقتضى ذلك سبه ، وهو نظير ما استثني من
جواز الغيبة لجماعة من الأحياء لأمور .
تنبيه : من الأذية للميت القعود على قبره ؛ لما أخرجه أحمد - قال الحافظ
ابن حجر: بإسناد صحيح - من حديث عمرو بن حزم الأنصاري قال : رآني
رسول الله : ﴿ وأنا متكئ على قبر، فقال: ((لا تؤذ صاحب القبر)). وأخرج
مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله مح لة: ((لأن يجلس أحدكم
على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من الجلوس عليه)).
وأخرج مسلم عن أبي مرثد مرفوعاً: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلّوا
إليها» .
٣٤٠