Indexed OCR Text

Pages 161-180

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٧ - حدیث زید بن أرقم
قلت : حديث زيد بن أرقم قد صححه ابن خزيمة ، ولم يطعن غيره فيه ؛ فهو
يصلح للتخصيص ؛ فإنه يخصص العام بالآحاد .
وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع ؛ لظاهر قوله : ((من شاء أن يصلي
فليصل))، ولفعل ابن الزبير؛ فإنه صلى بهم في يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة ،
قال عطاء: ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً ، قال : وكان ابن
عباس في الطائف ، فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال : أصاب السنة (١) ، وعنده أيضاً أنه
يسقط فرض الظهر ، ولا يصلي إلا العصر . وأخرج أبو داود عن ابن الزبير: أنه قال :
عيدان اجتمعا في يوم واحد ، فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما ، حتّى
صلى العصر، وعلى القول بأن الجمعة الأصل في يومها والظهر بدل ؛ فهو يقتضي
صحة هذا القول لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه ؛ سقط البدل .
وظاهر الحديث أيضاً؛ حيث رخص لهم في الجمعة ، ولم يأمرهم بصلاة
الظهر مع تقدير إسقاط الجمعة للظهر ، يدل على ذلك ؛ كما قاله الشارح ، وأيد
الشارح مذهب ابن الزبير .
قلت : ولا يخفى أن عطاءاً أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة ،
وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله ، فالجزم بأن مذهب ابن
(١) رجاله رجال ((الصحيح))؛ كما قال الشوكاني (٢٣٩/٣).
لكن فيه عنعنة الأعمش عن عطاء . وتابعه ابن جريج قال : قال عطاء ... فذكره نحوه دون
صلاتهم وحداناً؛ ولفظه في ((الشرح)) .
وابن جريج مدلس أيضاً . وكأنه لهذا قال في ((الروضة الندية)) (١٤٢/١):
((وفي إسناده مقال)).
١٦١

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٨ - حديث أبي هريرة
الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة
العيد ؛ لهذه الرواية غير صحيح؛ لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله ؛ بل في
قول عطاء : إنهم صلوا وحداناً - أي : الظهر -، ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ، ولا
يقال : إن مراده: صلوا الجمعة وحداناً؛ فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً ، ثم
القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة والظهر بدل عنها قول مرجوح ؛
بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء ، والجمعة متأخر فرضها ، ثم
إذا فاتت وجب الظهر إجماعاً؛ فهي البدل عنه ، وقد حققناه في رسالة مستقلة .
٤٢٨ - وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَظمية: ((إذا صلى
أحد كم الجمعة فليصل بعدها أربعاً)) . رواه مسلم) : الحديث دليل على شرعية
أربع ركعات بعد الجمعة والأمر بها ، وإن كان ظاهره الوجوب ، إلا أنه أخرجه
عنه ما وقع في لفظه من رواية ابن الصباح(١): ((من كان مصلياً بعد الجمعة
فليصل أربعاً))، أخرجه مسلم ؛ فدل على أن ذلك ليس بواجب والأربع أفضل
(١) ليس لابن الصباح هذا ذكر في سند الحديث عند مسلم (١٦/٣ - ١٧)!
والصواب أن اللفظ المذكور هو عنده من رواية جرير - وهو ابن عبدالحميد - ، وتابعه سفيان ؛
كلاهما عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ؛ وزاد سفيان: ((منكم)) .
وإنما رواية ابن الصباح عند أبي داود (١٧٦/١) - واسمه: محمد - قال: ثنا إسماعيل بن
زکریا عن سهيل به .
١٦٢

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٢٩ - حديث السائب بن يزيد
من الاثنتين ؛ لوقوع الأمر بذلك وكثرة فعله لها خية، قال في ((الهدي النبوي)):
وكان ◌َارة إذا صلى الجمعة دخل منزله ، وصلى ركعتين سنتها ، وأمر من صلاها
أن يصلي بعدها أربعاً، قال شيخنا ابن تيمية : إن صلى في المسجد صلى أربعاً ،
وإن صلى في بيته صلى ركعتين .
قلت : وعلى هذا تدل الأحاديث ، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر : أنه كان
إذا صلى في المسجد صلى أربعاً ، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين(١)، وفي
((الصحيحين)) عن ابن عمر: أنه ﴿ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته .
٤٢٩ - وعن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ الله عَنْهُ: أنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتَ
الْجُمُعَة؛ فلا تصِلْهَا بِصَلاةٍ، حتّى تَتَكَلَّمَ ، أَو تَخْرُجَ؛ فَإِن رَسُولَ اللهِ صَلَّى
الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أمَرَنَا بِذَلِكَ؛ أَنْ لا نوصِلَ صَلَاةً بِصَلاةٍ ، حتّى نَتَكَلَّمَ ،
أو نَخْرُجَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه): هو أبو يزيد السائب بن يزيد
الكندي في الأشهر ، ولد في الثانية من الهجرة ، وحضر حجة الوداع مع أبيه ،
وهو ابن سبع سنين (أن معاوية قال : إذا صليت الجمعة ؛ فلا تصلها) : بفتح
(١) لم أره بهذا اللفظ عند أبي داود! وإنما عنده (١٧٦/١) من طريق عطاء عنه قال: كان إذا
كان بمكة فصلى الجمعة ، تقدم فصلى ركعتين ، ثم تقدم فصلى أربعاً . وإذا كان بالمدينة ؛ صلى
الجمعة ، ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ، ولم يصلٌّ في المسجد ، فقيل له؟ فقال : كان رسول
الله ردّ يفعل ذلك .
وسنده صحيح .
والبيهقي نحوه (٢٤١/٣) .
١٦٣

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٠ - حديث أبي هريرة
حرف المضارعة من الوصل (بصلاة ، حتّى تتكلم ، أو تخرج) : أيْ: من
المسجد (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بذلك ؛ أن لا نوصل
صلاة بصلاة ، حتّى نتكلم ، أو نخرج) : أن ، وما بعده بدل ، أو عطف بيان من
ذلك (رواه مسلم) : فيه مشروعية فصل النافلة عن الفريضة وأن لا توصل بها ،
وظاهر النهي التحريم ، وليس خاصاً بصلاة الجمعة ، لأنه استدل الراوي على
تخصيصه بذكر صلاة الجمعة بحديث يعمها وغيرها .
قيل : والحكمة في ذلك لئلا يشتبه الفرض بالنافلة ، وقد ورد أن ذلك
هلكة ، وقد ذكر العلماء أنه يستحب التحول للنافلة من موضع الفريضة ،
والأفضل أن يتحول إلى بيته ؛ فإن فعل النوافل في البيوت أفضل ، وإلا فإلى
موضع في المسجد ، أو غيره ، وفيه تكثير لمواضع السجود ، وقد أخرج أبو داود من
حديث أبي هريرة مرفوعاً : ((أيعجز أحدكم أن يتقدم ، أو يتأخر عن يمينه ، أو
عن شماله في الصلاة؟)) يعني السبحة . ولم يضعفه أبو داود ، وقال البخاري
في ((صحيحه)): ويذكر عن أبي هريرة يرفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه))(١)،
ولم يصح النھي .
٤٣٠ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله عَزَّةُ: ((مَنِ
اغْتَسَلَ ، ثم أَتَى الْجُمُعَةَ ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ حتّى يَفْرُغَ الإِمَامُ
مِنْ خُطْبَتِهِ، ثم يُصَلِّي مَعَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى ، وَفَضْلُ
(١) ووصله أبو داود بسند فيه انقطاع وجهالة.
لكنه يتقوى بحديث أبي هريرة ومعاوية ؛ ولذلك ذكرته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٢٢٩).
١٦٤

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٠ - حديث أبي هريرة
٠
ثَلاثَةِ أَيَّام)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ انٍ: ((من اغتسل):
أيْ: للجمعة ؛ لحديث: ((إذا أتى أحدكم الجمعة، فليغتسل))، أو مطلقاً (ثم
أتى الجمعة) : أي : الموضع الذي تقام فيه ؛ كما يدل له قوله (فصلى) : من
النوافل (ما قدر له ، ثم أنصت ، حتّى يفرغ الإمام من خطبته ، ثم يصلي
معه ؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل) : أيْ: زيادة (ثلاثة أيام)).
رواه مسلم)(١) .
فيه دلالة على أنه لا بد في إحرازه لما ذكر من الأجر من الاغتسال ، إلا أن
في رواية لمسلم(٢): ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة))، وفي هذه
الرواية بيان أن غسل الجمعة ليس بواجب ، وأنه لا بد من النافلة حسبما يمكنه ؛
فإنه لم يقدرها بحد فيتم له هذا الأجر ، ولو اقتصر على تحية المسجد .
وقوله : ((أنصت))؛ من الإنصات، وهو السكوت ، وهو غير الاستماع ؛ إذْ هو
الإصغاء لسماع الشيء ، ولذا قال تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
وتقدم الكلام على الإنصات هل يجب ، أو لا؟
وفيه دلالة على أن النهي عن الكلام إنما هو حال الخطبة لا بعد الفراغ منها ،
(١) ورواه ابن حبان (٥٦٦) بلفظ: ((من اغتسل يوم الجمعة ، فأحسن غسله ، ولبس من
صالح ثيابه ، ومسّ من طيب بيته أو دهنه ؛ غفر له ... )) .
وسنده صحيح .
(٢) وكذا ابن حبان (٥٦٧).
١٦٥

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣١ - حديث أبي هريرة
ولو قبل الصلاة؛ فإنه لا نهي عنه كما دلت عليه ((حتى)).
وقوله: ((غفر له ما بينه وبين الجمعة))؛ أي: ما بين صلاتها وخطبتها إلى
مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية ، حتّى يكون سبعة أيام بلا زيادة ، ولا
نقصان ؛ أي : غفرت له الخطايا الكائنة فيما بينهما .
((وفضل ثلاثة أيام))، وغفرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبع ، حتّى تكون
عشرة .
وهل المغفور الكبائر ، أو الصغائر؟ الجمهور على الآخر ، وأن الكبائر لا يغفرها
إلا التوبة .
ذكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ، فَقال :
٤٣١ - وعنهُ رضي الله عنه أن رسولَ الله ◌ُ
((فيه سَاعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلم، وهو قائم يصلي يَسْأَلُ اللهَ عزَّ وَجَلَّ شَيْئاً ،
إِلا أَعْطاهُ إِياهُ»، وأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا)). مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ: ((وهيَ
سَاعَةٌ خَفيفَةٌ)) .
(وعنه): أيْ: أبي هريرة (رضي الله عنه أن رسول الله عَ ليه ذكر يوم الجمعة،
فقال: ((فيه ساعةٌ لا يوافقُها عبْدٌ مُسْلمٌ، وهو قائمٌ(١)): جملة حالية ، أو صفة
لعبد ، والواو لتأكيد لصوق الصفة (يُصَلي): حال ثانِ (يسأَلُ الله عزَّ وجلَّ) :
(بيده يقلِّلها):
حال ثالث (شيئاً؛ إلا أَعطاهُ إِياهُ))، وأشار) : أي : النبي
(١) المراد: مجاز القيام، وهو المواظبة ونحوها؛ كقوله تعالى: ﴿إلا ما دمت عليه قائماً﴾.
و«يصلي)» : يدعو .
١٦٦

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٢ - حديث أبي بردة عن أبيه
يحقر وقتها (متفق عليه ، وفي رواية لمسلم: ((وهي ساعةً خفيفة))) : هو الذي
أفاده لفظ يقلِّلها في الأولى وفيه إبهام الساعة ، ويأتي تعيينها .
ومعنى ((قائم))؛ أي : مقيم لها متلبس بأركانها لا بمعنى حال القيام فقط ،
وهذه الجملة(١) ثابتة في رواية جماعة من الحفاظ ، وأسقطت في رواية آخرين .
وحكي عن بعض العلماء أنه كان يأمر بحذفها من الحديث؛ وكأنه استشكل
الصلاة؛ إذْ وقت تلك الساعة إذا كان من بعد العصر، فهو وقت كراهة للصلاة ،
وكذا إذا كان من حال جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه . وقد تأولت هذه
الجملة بأن المراد منتظراً للصلاة ؛ والمنتظر للصلاة في صلاة كما ثبت في الحديث .
وإنما قلنا: إن المشير بيده هو النبي عليه؛ لما في رواية مالك: فأشار النبي
وقيل : المشير بعض الرواة .
وأما كيفية الإشارة فهو أنه وضع أنملته على بطن الوسطى ، أو الخنصر؛ يبين
قلتها ، وقد أطلق السؤال هنا وقيده في غيره ؛ كما عند ابن ماجه : ((ما لم يسأل
الله إثماً))، وعند أحمد: ((ما لم يسأل إثماً، أو قطيعة رحم)).
٤٣٢ - وعنْ أبي بُرْدَةَ عن أبيه قال: سَمِعْتُ رسول الله عَ ◌ّهُ يَقُولُ: ((هِيَ ما
بَيْنِ أَنْ يجلسَ الإمام إلى أَنْ تُقْضى الصَّلاةُ)). رواهُ مُسلم، وَرَجْحَ الدَّارَقُطْنيُّ
أَنّهُ من قوْلِ أَبِي بُرْدةَ .
(وعن أبي برْدة) : بضم الموحدة وسكون الراء ودال مهملة ، هو عامر بن عبد الله
(١) هي قوله: ((وهو قائم يصلي))؛ انظر (الفتح)) (٣٣٢/٢).
١٦٧

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٢ - حديث أبي بردة عن أبيه
ابن قيس ، وعبد الله هو أبو موسى الأشعري ، وأبو بردة من التابعين المشهورين ؛
سمع أباه وعلياً عليهِ السَّلام وابن عمر وغيرهم (عن أبيه) : أبي موسى الأشعري
(قال: سمعت رسول الله ◌َ ي يقول: ((هي): أيْ: ساعة الجمعة (ما بين أن
يجلس الإمام): أيْ: على المنبر (إلى أن تُقْضَى الصَّلاة)). رواه مسلم ، ورجح
الدارقطني أنه من قول أبي بردة) .
وقد اختلف العلماء في هذه الساعة ، وذكر المصنف في ((فتح الباري)) عن
العلماء ثلاثة وأربعين قولاً ، وسيشير(١) إليها ، وسردها الشارح رحمهُ الله في
الشرح ، وهذا المروي عن أبي موسى أحدها ، ورجحه مسلم على ما روى عنه
البيهقي ، وقال : هو أجود شيء في هذا الباب وأصحه ، وقال به البيهقي وابن
العربي وجماعة ، وقال القرطبي : هو نص في موضع الخلاف ؛ فلا يلتفت إلى
غيره ، وقال النووي : هو الصحيح ؛ بل الصواب .
قال المصنف : وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين ؛ بل تكون
في أثنائه ؛ لقوله: ((يقللها))، وقوله: ((خفيفة)) .
وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيها ؛ فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً ،
وانتهاؤها انتهاء الصلاة .
وأما قوله : إنه رجح الدارقطني أن الحديث من قول أبي بردة؛ فقد يجاب
عنه بأنه لا يكون إلا مرفوعاً؛ فإنه لا مسرح للاجتهاد في تعيين أوقات
العبادات ، ويأتي ما أعله به الدارقطني قريباً .
(١) أي : المصنف .
١٦٨

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٣ و٤٣٤ - حديثا عبد الله بن سلام وجابر
٤٣٣ - وفي حديث عَبدِ الله بْن سَلام رضي الله عنه عنْد ابْنِ مَاجَهْ.
(وفي حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه) : هو أبو يوسف بن سلام
من بني قينقاع ، إسرائيليّ من ولد يوسف بن يعقوب عليه السلام ، وهو أحد
الأحبار، وأحد من شهد له النبي ◌َ ﴿ بالجنة ، روى عنه ابناه : يوسف ومحمد
وأنس بن مالك وغيرهم ، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين ، وسلام - بتخفيف
اللام -؛ قال المبرد: لم يكن في العرب : سلام - بالتخفيف - غيره (عند ابن
ماجه(١)): لفظه فيه عن عبد الله بن سلام قال: قلت، ورسول الله تَ ◌ّةٍ جالس:
إنا لنجد في كتاب الله - يعني التوراة - : في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد
مسلم يصلي يسأل الله عزَّ وَجَلَّ شيئاً إلا قضى الله له حاجته . قال عبد الله :
فأشار؛ أي : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أو بعض ساعة ، قلت :
صدقت يا رسول الله؛ أو بعض ساعة ، قلت(٢): أي ساعة هي؟ قال: ((هي آخر
ساعة من ساعات النهار))، قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: ((إن العبد
المؤمن إذا صلى ، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة)). انتهى .
٤٣٤ - وعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِي: أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ
وَغُرُوبِ الشَّمْسِ .
(١) قلت: وإسناده صحيح؛ انظر ((التعليقات الجياد)) (٧٩/٢).
(٢) يحتمل أن يكون القائل: (قلت)؛ عبدالله بن سلام؛ فيكون مرفوعاً . ويحتمل أن يكون
أبا سلمة ؛ فيكون موقوفاً .
وهو الأرجح ؛ لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بأن عبدالله بن سلام لم
يذكر النبي ◌َ﴿ في الجواب. كذا في ((الفتح)) (٣٣٦/٢).
١٦٩

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٤ ۔ حديث جابر
وقد اختُلِفَ فِيهَا عَلى أَكْثَرَ مِنْ أَرَبَعِينَ قَوِلاً؛ أَمْلِيْتُهَاَ فِي ((شَرْحِ الْبُخَارِي)) .
(وعن جَابرٍ(١) عِنْد أبي دَاوُدَ والنسائي: أَنّها مَا بينَ صَلاةِ العصر وغُروب
الشّمس)(٢) : قوله : أنها ؛ بفتح الهمزة ، مبتدأ خبره ما تقدم من قوله في حديث
عبد الله بن سلام إلى آخره . ورجح أحمد بن حنبل هذا القول ؛ رواه عنه
الترمذي ، وقال أحمد : أكثر الأحاديث على ذلك .
وقال ابن عبد البر: هو أثبت شيء في هذا الباب ، روى سعيد بن منصور
بإسناد صحيح(٣) إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن ناساً من الصحابة اجتمعوا
فتذاكروا ساعة الجمعة ، ثم افترقوا ، ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة ،
ورجحه إسحاق وغيره ، وحكي أنه نص الشافعي .
وقد استشكل هذا؛ فإنه ترجيح لغير ما في ((الصحيح)) على ما فيه ، والمعروف
من علوم الحديث وغيرها أن ما في ((الصحيحين))، أو في أحدهما مقدم على
غيره ، والجواب أن ذلك حيث لم يكن حديث ((الصحيحين))، أو أحدهما مما
ء
انتقده الحفاظ كحديث أبي موسى هذا الذي في مسلم ؛ فإنه قد أعلَّ بالانقطاع
(١) يعني: مرفوعاً؛ وإسناده صحيح وحسنه الحافظ في ((الفتح))، وصححه جماعة؛ انظر
((التعليقات)» (١٨/٢) .
(٢) قلت: لكنه بلفظ: ((فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)). وأوله:
(يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً؛ إلا آتاه إياه ؛
فالتمسوها ... )) .
وهكذا هو في ((المستدرك)) (٢٧٩/١)؛ وصححه والذهبي .
(٣) كما قال في ((الفتح)) (٣٣٧/٢).
١٧٠

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٥ ۔ حدیث جابر
والاضطراب : أما الأول فلأنه من رواية مخرمة بن بكير ، وقد صرح أنه لم يسمع
من أبيه ؛ فليس على شرط مسلم ، وأمّا الثاني فلأن أهل الكوفة أخرجوه عن أبي
بردة غير مرفوع ، وأبو بردة كوفي وأهل بلدته أعلم بحديثه من بكير ، فلو كان
مرفوعاً عند أبي بردة لم يقفوه عليه ، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب .
وجمع ابن القيم بين حديث أبي موسى وابن سلام بأن الساعة تنحصر في
أحد الوقتين ، وسبقه إلى هذا أحمد بن حنبل .
(وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً؛ أمليتها في ((شرح البخاري))) :
تقدمت الإشارة إلى هذا . قال الخطابي : اختلف فيها على قولين : فقيل : قد
رفعت ؛ وهو محكي عن بعض الصحابة ، وقيل : هي باقية ؛ واختلف في
تعيينها ، ثم سرد الأقوال ، ولم يبلغ بها ما بلغ بها المصنف من العدد . وقد اقتصر
المصنف ههنا على قولين كأنهما الأرجح عنده دليلاً .
وفي الحديث بيان فضيلة الجمعة لاختصاصها بهذه الساعة .
٤٣٥ - وَعَن جابر رضي الله عنه قال: مَضَتِ السُّنّةُ أَنَّ في كلِّ أَرْبَعين
فَصَاعداً جُمُعة . رواهُ الدارَقُطْنيُّ بإسناد ضعيف .
(وعن جابر رضي الله عنه): هو ابن عبد الله (قال : مضت السنة أن في
كل أربعين فصاعداً(١) جمعة . رواه الدارقطني بإسناد ضعيف): وذلك أنه من
رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن ، وعبد العزيز قال فيه أحمد : اضرب على
(١) في ((الدارقطني)) (١٦٤): ((فما فوق ذلك)).
.
١٧١

٢ - كتاب الصلاة.
١٢ - باب الجمعة
٤٣٥ ۔ حديث جابر
أحاديثه فإنها كذب ، أو موضوعة ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال الدارقطني :
منكر الحديث ، وقال ابن حبان : لا يجوز أن يحتج به ، وفي الباب أحاديث لا
أصل لها ، وقال عبد الحق : لا يثبت في العدد حديث ، وقد اختلف العلماء في
النصاب الذين بهم تقوم الجمعة :
فذهب إلى وجوبها على الأربعين لا على من دونهم : عمر بن عبد العزيز
والشافعي ، وفي كون الإمام أحدهم وجهان عند الشافعية .
وذهب أبو حنيفة والمؤيد وأبو طالب إلى أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام ، وهو
أقل عدد تنعقد به ؛ فلا تجب إذا لم يتم هذا القدر؛ مستدلين بقوله تعالى :
﴿فاسعوا﴾ [الجمعة: ٩] قالوا: والخطاب للجماعة بعد النداء للجمعة ، وأقل
الجمع ثلاثة ؛ فدل على وجوب السعي على الجماعة للجمعة بعد النداء لها ،
والنداء لا بدّله من منادٍ ؛ فكانوا ثلاثة مع الإمام ، ولا دليل على اشتراط ما زاد
على ذلك ، واعترض بأنه لا يلزم من خطاب الجماعة فعلهم لها مجتمعين ، وقد
صرح في ((البحر)) بهذا، واعترض به أهل المذهب لما استدلوا به للمذهب
ونقضه بقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وجاهدوا﴾
[المائدة: ٣٥]؛ فإنه لا يلزم إيتاء الزكاة في جماعة .
قلت : والحق أن شرطية أي شيء في أي عبادة لا يكون إلا عن دليل ، ولا
دليل هنا على تعين عدد لا من الكتاب ، ولا من السنة ، وإذ قد علم أنها لا تكون
صلاتها إلا جماعة ؛ كما قد ورد بذلك حديث أبي موسی عند ابن ماجه واین
عدي ، وحديث أبي أمامة عند أحمد والطبراني ، والاثنان أقل ما تتم به الجماعة
١٧٢

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٦ - حديث سمرة بن جندب
لحديث: ((الاثنان جماعة))، فتتم بهم في الأظهر(١)، وقد سرد الشارح الخلاف
والأقوال في كمية العدد المعتبر في صلاة الجمعة ؛ فبلغت أربعة عشر قولاً ، وذكر ما
تشبث به كل قائل من الدليل على ما ادعاه ، بما لا ينهض حجة على الشرطية .
ثم قال: والذي نقل من حال النبي ◌َ ﴿ أنه كان يصليها في جمع كثير غير
موقوف على عدد ، يدل على أن المعتبر هو الجمع الذي يحصل به الشعار، ولا
يكون إلا في كثرة يغيظ بها المنافق ، ويكيد بها الجاحد ، ويسر بها المصدق ،
والآية الكريمة دالة على الأمر بالجماعة ، فلو وقف على أقل ما دلت عليه لم
تنعقد . قلت : قد كتبنا رسالة في شروط الجمعة التي ذكروها ، ووسعنا فيها
المقال والاستدلال، سميناها: ((اللمعة في تحقيق شرائط الجمعة)).
٤٣٦ - وَعَن سَمُرة بن جُنْدبٍ رضي الله عنه: أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴾
كانَ یَسْتَغْفِرُ
للمؤمنين والمؤمنَاتِ في كُلَّ جُمُعَةٍ . رَوَاهُ الْبَزَّارُ بإِسْنادٍ لَيِّنِ .
(وَعَنْ سَمُرة بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه: أَنَّ النّبِيَّ ◌َ ◌ّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ للمؤمنينَ
والمؤمنَاتِ كُلَّ جُمْعَةٍ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ بإِسْنادٍ لَيِّنِ) : قلت : قال البزار: لا نعلمه عن
النبي ◌َ إلا بهذا الإسناد، وفي إسناد البزار يوسف بن خالد البستي (٢)، وهو
ضعيف (٣)، ورواه الطبراني في ((الكبير)) إلا أنه بزيادة: والمسلمين والمسلمات.
(١) وهو الذي جزم به صديق حسن خان في ((الروضة)) وغيره؛ انظر رسالتنا: ((الأجوبة
النافعة)) (ص٣٦ - ٣٨).
(٢) السمتي .
(٣) كذا قال الهيثمي (١٩١/٢)! وفيه تساهل؛ فإن السمتي هذا متهم؛ قال الحافظ في ((التقريب)):
(تركوه؛ وكذبه ابن معين ، وكان من فقهاء الحنفية)).
١٧٣

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٧ - حديث جابر بن سمرة
وفيه دليل على مشروعية ذلك للخطيب لأنها موضع الدعاء ، وقد ذهب إلى
وجوب دعاء الخطيب لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات أبو طالب والإمام يحيى ،
دلیل الوجوب کما یفیده : کان یستغفر.
وكأنهم يقولون : إن مواظبته
وقال غيرهم : يندب ، ولا يجب ؛ لعدم الدليل على الوجوب . قال الشارح :
والأول أظهر .
٤٣٧ - وَعَنْ جابر بنِ سَمُرة رضيَ الله عنهُ: أنَّ النّبيَّ ◌َ﴿ كانَ في الخُطْبة
يقرأُ آيَاتٍ مِن القرآن يُذكِّرُ النّاس . رَواهُ أبو داود ، وأَصْلُهُ في مُسْلم .
كانَ في الخُطْبة يقرأ
(وَعَنْ جابر بنِ سَمُرة رضيَ الله عنهُ : أنَّ النّبي
آيات من القرآن ويُذكِّرُ النّاس . رواهُ أبو داود، وأَصْلُهُ في مُسْلم) : كأنه يريد ما
تقدم(١) من حديث أمّ هشام بنت حارثة : أنها قالت: ما أخذتَ ﴿ق والقرآن
المجيد﴾، إلا من لسان رسول الله الله؛ يقرؤها كل جمعة على المنبر. وروى
الطبراني في ((الأوسط)) من حديث علي عليه السلام: أن رسول الله عَ ◌ّ الةٍ كان يقرأ
على المنبر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾؛ وفيه رجل مجهول ،
وبقية رجاله موثقون . وأخرج الطبراني فيه أيضاً من حديث جابر : أنه خطب رسول
الله ◌َّلهُ فقرأ في خطبته آخر ﴿الزمر﴾ فتحرّك المنبر مرتين . وفي رواته ضعيفان.
(١) قلت: لقد أبعد الشارح النجعة! فإنه لا يقال في حديث: (أصله في ((مسلم)) أو غيره)
إلا إذا كان عنده من طريق الصحابي نفسه ؛ أي : عن جابر بن سمرة هنا ! فالحافظ يريد حديثه
عند مسلم (٩/٣) بلفظ :
خطبتان ، يجلس بينهما ؛ يقرأ القرآن ويذكر الناس .
كانت للنبي
١٧٤

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٨ - حديث طارق بن شهاب
٤٣٨ - وَعَنْ طَارق بن شِهَابٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ الله ◌َُّهُمِ قالَ:
((الجُمُعةُ حقٌّ وَاجبٌ على كل مُسْلم في جماعة إلا أربعة: مملُوكٌ وامرأةٌ
وَصَبِيٌّ وَمريض)). رواهُ أَبو داود، وقَّالَ: لَمْ يَسْمَعْ طارقٌ مِنَ النّبِيِ﴿ه،
وأخرجهُ الحاكمُ منْ روايةٍ طارقٍ المذكور عَنْ أَبي موسى .
(وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه) : ابن عبد شمس الأحمسي البجلي
الكوفي ، أدرك الجاهلية ورأى النبي ح الية ، وليس له منه سماع ، وغزا في خلافة
أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين ، أو أربعاً وثلاثين غزوة وسرية ، ومات سنة اثنتين
وثمانين (أن رسول الله عَ ﴾ قال: ((الجمعة حق واجبٌ على كلِّ مُسْلم في
جماعةٍ إلا أربعة: مُلُوكٌ وامرأةٌ وصبيِّ ومريضٌ)). رواه أبو داود، وقال: لم يسمع
طارق من النبي ﴿٤): إلا أنه في ((سنن أبي داود)) بلفظ: ((عبد مملوك، أو امرأة،
أو صبي، أو مريض))، بلفظ ((أو))، وكذا ساقه المصنف في ((التلخيص))، ثم
قال أبو داود: طارق قد رأى النبي ◌َ ، وهو من أصحاب النبي ◌َّله، ولم يسمع
منه شيئاً . انتهى (وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى) :
يريد المصنف أنه بهذا صار موصولاً (١) ، وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر
ومولى لابن الزبير ، رواه البيهقي . وحديث تميم فيه أربعة أنفس ضعفاء على
الولاء؛ قاله ابن القطان؛ وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في ((الأوسط))
(١) قلت : لكنه شاذ. وقال البيهقي :
((ليس بالمحفوظ))؛ يعني : أن الصواب مرسل .
ولكنه لا يقدح في صحته ؛ لأنه مرسل صحابي، وهو حجة ! انظر ((الإرواء)) رقم (٥٩٢).
١٧٥

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٩ - حديث ابن عمر
بلفظ: ((ليس على مسافر جمعة))، وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً :
((خمسة لا جمعة عليهم : المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية))(١).
٤٣٩ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُما قال: قالَ رسولُ الله ◌ِ: «لَيْسَ
على مُسافر جُمْعَةٌ)) . رواه الطبراني بإسناد ضعيف .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهُمَا قال: قال رسول الله مَ افيه: ((ليس على
مُسافر جمْعَةٌ)). رواه الطبراني بإسناد ضعيف): ولم يذكر المصنف تضعيفه في
((التلخيص)) ، ولا بیّن وجه ضعفه .
وإذا عرفت هذا ؛ فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة
أنفس : الصبي ، وهو متفق على أنه لا جمعة عليه .
والمملوك ، وهو متفق عليه ؛ إلا عند داود ، فقال بوجوبها علیه ؛ لدخوله تحت
عموم ﴿يا أيّها الذينَ آمنوا إذا نوديَ للصلاة﴾ [الجمعة: ٩]؛ فإنه تقرر في
الأصول دخول العبيد في الخطاب ، وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث ، وإن
كان فيها مقال ؛ فإنه يقوي بعضها بعضاً .
(١) سكت عليهما الحافظ في ((التلخيص)) (١٣٧)!
وفي إسناد الثاني: إبراهيم بن حماد؛ ضعفه الدراقطني، كما في ((المجمع)) (١٧٠/٢).
أما حديث ابن عمر؛ فما أظن إلا أن الحافظ وهم في عزوه إلى ((أوسط الطبراني))، وتبعه
الشارح عليه! فإنه لم يورده الهيثمي في ((المجمع))، ولا في ((زوائد الصغير والأوسط))؛ وإنما
وجدته فيه (٢/٤٨/١) من حديث أبي هريرة بلفظ ابن عمر؛ وفيه ابن حماد المذكور !
وإنما رواه عن ابن عمر: الدارقطني بسند ضعيف أيضاً ، فيه عبدالله بن نافع ، كما بينته في
((الإرواء)) (٥٩٤) .
١٧٦

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٣٩ - حديث ابن عمر
والمرأة ؛ وهو مجمع على عدم وجوبها عليها ، وقال الشافعي : يستحب
للعجائز حضورها بإذن الزوج، ورواية ((البحر)) عنه أنه يقول بالوجوب عليهنّ؛
خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية .
والمريض ؛ فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به .
والمسافر؛ لا يجب عليه حضورها ، وهو يحتمل أن يراد به مباشر السفر ، وأمّا
النازل فيجب عليه ، ولو نزل بمقدار الصلاة ، وإلى هذا ذهب جماعة من الآل
وغيرهم ، وقيل : لا تجب عليه لأنه داخل في لفظ المسافر ، وإليه ذهب جماعة
من الآل أيضاً ، وهو الأقرب ؛ لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه ؛ ولذا
لم ينقل أنه ه صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع؛ لأنه كان مسافراً.
وكذلك العيد تسقط صلاته عن المسافر؛ ولذا لم يرو أنه ◌َه صلى صلاة
العيد في حجته تلك . وقد وهم ابن حزم فقال : إنه صلاها في حجته ! وغلّطه
العلماء .
السادس: أهل البادية ، وفي ((النهاية)) أن البادية تختص بأهل العمد والخيام
دون أهل القرى والمدن، وفي ((شرح العمدة)) أن حكم أهل القرى حكم أهل
البادية ؛ ذكره في شرح حديث: ((لا يبيع حاضر لباد))(١).
(١) لم أره عند هذا الحديث! وقد ذكره في ((الشرح)) من حديث أبي هريرة (رقم ٢٥١) ومن
حديث ابن عباس (٢٥٥) !
ثم تبين لي أنه يعني قول ابن دقيق في شرح الحديث الأول (٣٧/٤):
«وصورته : أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع ، فيأتيه
البلدي ... )) .
=
١٧٧

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٤٠ - حديث ابن مسعود
٤٤٠ - وعَنْ عبد الله بن مَسْعود رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله صلى
الله عليه وآله وسلَّم إذَا اسْتَوى على المِنْبرِ اسْتَقْبلْناهُ بِوُجُوهِنا. رواه الترمذيُّ
بإسناد ضعيف ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حديث البَراءِ عنْدَ ابن خزَيْمَةَ .
(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا . رواه الترمذي
بإسناد ضعيف) : لأن فيه محمد بن الفضل بن عطية ، وهو ضعيف تفرد به ،
وضعفه به الدارقطني وابن عدي وغيرهما(١) (وله شاهد من حديث البراء عند
ابن خزيمة): لم يذكره الشارح، ولا رأيته في ((التلخيص)»(٢).
والحديث يدل على أن استقبال الناس الخطيب مواجهين له أمر مستمر ، وهو
= فقوله خاص في (البيع) في الصورة المذكورة ؛ خلافاً لما أوهمه الشارح الصنعاني !
وأما تفسير ((النهاية))؛ فلغوي محض ! وهذا الحكم السادس؛ مما لا ينهض عليه دليل ؛ فإن
الحديث ضعيف ؛ وقد صح عن أبي هريرة : أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة؟ فكتب :
جمِّعوا حيثما كنتم. انظر ((الأجوبة النافعة)) (٣٧) .
(١) وقال الترمذي - عقبه - : ((ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا)).
وقد رماه الأئمة بالكذب ؛ منهم أحمد وابن معين وغيرهما .
لكن في معناه حديث أبي سعيد المتقدم في (الشرح)) (ص١٤٦).
(٢) قلت: قد أخرجه البيهقي (١٩٨/٣) من طريق ابن خزيمة، وذكر عنه أنه قال:
((هذا معلول))؛ وبيّن العلة بما يعود إلى أنه ليس فيه ذكره ◌َ﴿؛ فهو موقوف !
لكن ردّ ذلك ابن التركماني ورجح أنه مسند؛ وهو الظاهر، وإسناده حسن . ثم رواه البيهقي
بسند جید عن ابن عمر من فعله .
١٧٨

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٤١ - حديث الحكم بن حزن
في حكم المجمع عليه ، وجزم بوجوبه أبو الطيب من الشافعية ، وللهادوية
احتمالان فيما إذا تقدم بعض المستمعين على الإمام ، ولم يواجهوه ، يصح ، أو
لا يصح؟ ونص صاحب ((الأثمار)) أنه يجب على العدد الذين تنعقد لهم الجمعة
المواجهة دون غيرهم .
٤٤١ - وَعَن الحكم بن حَزْنِ رضي الله عنه قالَ : شَهدنا الجُمُعةَ مع رسول
فَقَامَ مُتوكئاً عَلَى عصاً، أو قَوْس . رواهُ أبو داود .
الله عَليه
(وعن الحكم بن حَزْن رضي الله عنه) : بفتح المهملة وسكون الزاي فنون ،
والحكم قال(١) ابن عبد البر: إنه أسلم عام الفتح وقتل يوم اليمامة ، وأبوه حزن
ابن أبي وهب المخزومي (قال: شهدنا الجمعة مع رسول الله تمسه، فقام متوكئاً
على عصاً، أو قَوْس . رواه أبو داود): تمامه في ((السنن)): فحمد الله وأثنى
عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال : ((أيها الناس ! إنكم لن
تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتم به ؛ ولكن سَدِّدوا ويَسّروا)) ، وفي رواية
((وأبشروا))، وإسناده حسن(٢)، وصححه ابن السكن ، وله شاهد عند أبي داود
(١) ليس لهذا ذكر في ((الاستيعاب))، ولا نقله عنه أحد ممن ألف في تراجم الأصحاب،
كابن الأثير والذهبي والعسقلاني !! وفي حديثه الذي هو أصل هذا ما يشعر بأنه أسلم قبل
الفتح :
وفدت إلى رسول الله ؛ فأمر لنا بشيء من التمر؛ والشأن - إذ ذاك - دون !
(٢) وهو كما قال؛ تبعاً لـ((التلخيص)) (١٣٧).
وأما حديث البراء - بعده - ؛ ففيه أبو جناب يحيى بن أبي حية ؛ وهو ضعيف ؛ وهو بلفظ :
نوول يوم العيد قوساً ؛ فخطب عليه .
=
١٧٩

٢ - كتاب الصلاة
١٢ - باب الجمعة
٤٤١ - حديث الحكم بن حزن
من حديث البراء : أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خطب يعتمد على
عنزة له . والعنزة مثل نصف الرمح ، أو أكبر، فيها سنان مثل سنان(١) الرمح .
وفي الحديث دليل أنه يندب للخطيب الاعتماد على سيف أو نحوه ، وقت
خطبته ؛ والحكمة أن في ذلك ربطاً للقلب ، ولبعد يديه عن العبث ؛ فإن لم يجد
ما يعتمد عليه ، أرسل يديه ، أو وضع اليمنى على اليسرى ، أو على جانب
المنبر، ويكره دق المنبر بالسيف ؛ إذْ لم يؤثر؛ فهو بدعة .
۔
= وأما اللفظ في (الشرح))؛ فهو عند الشافعي (١٦٢/١) عن عطاء مرسلاً بلفظ: (عصاً) بدل :
(العنزة) .
وليس في الحديث الاعتماد على العصا على المنبر! انظر ((زاد المعاد)) وتعليقنا عليه (٢٦/٢).
(١) وهو الزُّجُّ .
١٨٠