Indexed OCR Text
Pages 61-80
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٤ - حديث يزيد بن الأسود
والثّلاثَةُ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والتِّرْمِذِيُّ .
(وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه) : هو أبو جابر يزيد بن الأسود
السُّوائي ؛ بضم المهملة وتخفيف الواو والمد ، ويقال : الخزاعي ، ويقال : العامري ،
روى عنه ابنه جابر، وعداده في أهل الطائف ، وحديثه في الكوفيين (أنه صلى
مع رسول اللَّه ◌َ ﴿ل صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله عَ ليه): أيْ: فرغ من
صلاته (إذا هو برجلين لم يصليا) : أيْ: معه (فدعا بهما ، فجيء بهما ترعد) :
بضم المهملة (فَرَائِصُهُما) : جمع فريصة ، وهي اللحمة التي بين جنب الدابة
وكتفيها؛ أي: ترجف من الخوف؛ قاله في ((النهاية)) (فقال لهما: ((ما منعكما
أن تصليا معنا؟))، قالا: قد صلينا في رحالنا): جمع رحل ؛ بفتح الراء
وسكون المهملة ، هو المنزل ، ويطلق على غيره، ولكن المراد هنا به المنزل (قال :
((فلا تفعلا . إذا صليتما في رحالكما ، ثم أدركتما الإمام ، ولم يصل ، فصليا
معه فإنها): أي : الصلاة مع الإمام بعد صلاتهما الفريضة (لكما نافلة))):
والفريضة هي الأولى سواء صليت جماعة ، أو فرادى ؛ لإطلاق الخبر (رواه
أحمد - واللفظ له -، والثلاثة ، وصححه ابن حبان(١) والترمذي) : زاد
المصنف في ((التلخيص)): ((والحاكم والدارقطني، وصححه ابن السكن ؛ كلهم
من طريق يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه)).
قال الشافعي في القديم : إسناده مجهول ، قال البيهقي : لأن يزيد بن
الأسود ليس له راو غير ابنه ، ولا لابنه جابر راو غير يعلى (٢)، قلت: يعلى من
(١) (٤٣٤) .
(٢) له راو غير يعلي وهو عبدالملك بن عمير؛ لكن في الطريق إليه بقية، أخرجه الدارقطني (١٥٩).
٦١
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٤ - حديث يزيد بن الأسود
رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره(١) . انتهى .
وهذا الحديث وقع في مسجد الخيف ، في حَجَّة الوداع(٢).
فدل على مشروعية الصلاة مع الإمام إذا وجده يصلي أو سيصلي ، بعد أن
كان قد صلى جماعة ، أو فرادى ، والأولى هي الفريضة ، والأخرى نافلة ؛ كما
صرح به الحديث .
وظاهره أنه لا يحتاج إلى رفض الأولى ، وذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد
وجماعة من الآل ، وهو قول الشافعي .
وذهب الهادي ومالك ، وهو قول الشافعي إلى أن الثانية هي الفريضة ؛ لما
أخرجه أبو داود من حديث يزيد بن عامر: إنه ﴿﴿ قال: ((إذا جئت الصلاة
فوجدت الناس يصلون ، فصل معهم ؛ إن كنت قد صليت ؛ تكن لك نافلة ،
وهذه مكتوبة)) .
وأجيب بأنه حديث ضعيف ، ضعفه النووي وغيره ، وقال البيهقي : هو مخالف
لحديث يزيد بن الأسود، وهو أصح ، ورواه الدارقطني بلفظ: ((وليجعل التي صلى في
بيته نافلة)). قال الدارقطني: هذه رواية ضعيفة شاذة، وعلى هذا القول لا بدّ من
الرفض للأولى بعد دخوله في الثانية ، وقيل : بشرط فراغه من الثانية ، صحيحة .
(١) قلت : ولذلك أوردته في «صحيح أبي داود)) (٥٩٠)، ویشهد له حديث أبي ذر ((صل
الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فَصَلَّ فإنها لك نافلة)). مسلم وأبو عوانة والأربعة (رقم ٤٥٧
منه)، للقصّة شاهد في الموطأ (١٥٣/١) عن محجَن بسند حسن ليس فيه ذكر النافلة.
(٢) بدليل رواية لأبي داود (بمنى) وسندها صحيح .
٦٢
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٤ - حديث يزيد بن الأسود
وللشافعي قول ثالث : أن الله تعالى(١) يحتسب بأيهما شاء ؛ لقول ابن عمر
لمن سأله عن ذلك: أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله تعالى يحتسب (٢) بأيهما
شاء. أخرجه مالك في ((الموطأ))(٣).
وقد عورض حديث الباب بما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما ، عن ابن
عمر يرفعه : ((لا تصلوا صلاة في يوم مرتين)).
ويجاب عنه بأن المنهي عنه أن يصلي كذلك على أنهما فريضة ، لا على أن
إحداهما نافلة ، أو المراد : لا يصليهما مرتين منفرداً .
ثم ظاهر حديث الباب عموم ذلك في الصلوات كلها وإليه ذهب الشافعي .
وقال أبو حنيفة : لا يعاد إلا الظهر والعشاء ، أما الصبح والعصر؛ فلا ؛ للنهي
عن الصلاة بعدهما ، وأمّا المغرب فلأنها وتر النهار؛ فلو أعادها صارت شفعاً .
وقال مالك : إذا كان صلاها في جماعة لم يعدها ، وإن كان صلاها منفرداً
أعادها .
(١) كذا في المخطوطة (٢/١٠٢) وفي ((شرح المغربي)) (٢/١٥٣/١): أنه يحتسب الله بأيهما شاء.
(٢) وكذا في المخطوطة. وفي ((الشرح)): ((يجعل أيتهما)) وهو الأصح، لموافقتها في المعنى
لرواية ((الموطأ)» .
(٣) (ج١ ص١٥٣) بلفظ: ((يجعل أيتهما شاء)). وسنده صحيح ، ويظهر أن ابن عمر رضي
الله عنه لم يكن مستقراً على هذا الرأي ، فقد روى الطحاوي (١٨٧/١) عن عثمان بن سعيد بن
أبي رافع قال : أرسلني مُحرّر بن أبي هريرة إلى ابن عمر أسأله إذا صلى الرجل الظهر في بيته ثم
جاء إلى المسجد والناس يصلون فصلى معهم أيتهما صلاته؟ فقال ابن عمر: صلاته الأولى .
وسنده صحيح وهو أولى من الذي قبله لموافقته الحديث الصحيح .
٦٣
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٥ - حديث أبي هريرة
والحديث ظاهر في خلاف ما قاله أبو حنيفة ومالك ؛ بل في حديث يزيد
ابن الأسود أن ذلك كان في صلاة الصبح ؛ فيكون أظهر في ردّ ما قاله أبو
حنيفة ، ويخص به عموم النهي عن الصلاة في الوقتين .
٣٧٥ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّةٍ: ((إنّما
جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِه ؛ فإذا كَبّرَ فَكَبِّرُوا ، ولا تُكَبِّرُوا، حتّى يُكبِّرَ ، وإذا رَكَعَ
فَارْكَعوا ، ولا تَرْكَعُوا، حتّى يَرْكَعَ ، وإذا قالَ : سمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فقولوا :
اللَّهِمَّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا، ولا تَسْجُدُوا، حتّى يَسْجُدَ ،
وإذا صَلى قائماً فَصلُوا قِيَاماً، وإذا صلى قاعداً فَصَلُوا قُعُوداً أَجْمعينَ)) . رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ ، وهذا لَفْظُهُ، وَأَصلُهُ في ((الصّحيحيْنِ)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّ الله: ((إنما جُعِل
الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبّر) : أيْ: للإحرام ، أو مطلقاً فيشمل تكبير النقل
(فكبروا ، ولا تكبروا ، حتّى يكبِّر) : زاده تأكيداً لما أفاده مفهوم الشرط كما في
سائر الجمل الآتية (وإذا ركع فاركعوا ، ولا تركعوا، حتّى يركع) : أيْ : حتّى
يأخذ في الركوع لا حتّى يفرغ منه كما يتبادر من اللفظ (وإذا قال: سمع الله
لمنْ حمده؛ فقولوا: اللَّهمَّ ربنا لك الحمد، وإذا سجد) : أخذ في السجود
(فاسجدوا ، ولا تسجدوا ، حتّى يسجدَ ، وإذا صلى قائماً فصلُّوا قياماً ، وإذا
صلى قاعداً): لعذر (فصلوا قُعُوداً أَجمعين))): هكذا بالنصب على الحال ،
وهي رواية في البخاري، وأكثر الروايات على: ((أجمعون))، بالرفع تأكيداً
الضمير الجمع (رواه أبو داود(١)، وهذا لفظه، وأصله في ((الصحيحين))).
(١) قلت: وإسناده صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) (١٤٢/٢).
٦٤
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٥ - حديث أبي هريرة
إنما يفيد جعل الإمام مقصوراً على الاتصاف بكونه مؤتماً به ، لا يتجاوزه المؤتم
إلی مخالفته .
والائتمام : الاقتداء والاتباع .
والحديث دل على أن شرعية الإمامة ؛ ليقتدى بالإمام ، ومن شأن التابع
والمأموم أن لا يتقدم متبوعه ، ولا يساويه ، ولا يتقدم عليه في موقفه ؛ بل يراقب
أحواله ويأتي على أثرها بنحو فعله ، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من
الأحوال ، وقد فصل الحديث ذلك بقوله : ((فإذا كبر ... )) إلى آخره .
ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم على ما ذكر؛ فمن خالفه في شيء
ما ذكر؛ فقد أثم ، ولا تفسد صلاته بذلك ، إلا أنه إن خالف في تكبيرة الإحرام ؛
بتقديمها على تكبيرة الإمام ، فإنها لا تنعقد معه صلاته ؛ لأنه لم يجعله إماماً ؛
إذ الدخول بها بعده ، وهي عنوان الاقتداء به واتخاذه إماماً .
واستدل على عدم فساد الصلاة بمخالفته لإمامه ؛ لأنه ێ توعد من سابق
الإمام في ركوعه ، أو سجوده بأن الله يجعل رأسه رأس حمار، ولم يأمره بإعادة
صلاته ، ولا قال : فإنه لا صلاة له .
ثم الحديث لم يشترط المساواة في النية ، فدل أنها إذا اختلفت نية الإمام
والمأموم - كأن ينوي أحدهما فرضاً والآخر نفلاً، أو ينوي هذا عصراً والآخر
ظهراً - أنها تصح الصلاة جماعة ، وإليه ذهبت الشافعية؛ ويأتي الكلام على
ذلك في حديث جابر في صلاة معاذ .
٦٥
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٥ - حديث أبي هريرة
وقوله : ((وإذا قال سمع الله لمن حمده))؛ يدل أنه الذي يقوله الإمام ، ويقول
المأموم: اللَّهمَّ ربنا لك الحمد، وقد ورد بزيادة الواو، وورد بحذف: ((اللَّهمَّ))، والكل
جائز، والأرجح العمل بزيادة: ((اللّهمَ)) وزيادة الواو؛ لأنهما يفيدان معنى زائداً .
وقد احتج بالحديث من يقول : إنه لا يجمع الإمام والمؤتم بين التسميع
والتحميد ، وهم الهادوية والحنفية ، قالوا : ويشرع للإمام والمنفرد التسميع ، وقد
قدمنا هذا .
وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الإمام والمنفرد ، ويقول المؤتم : سمع
كان يفعل ذلك ، وظاهره منفرداً
الله لمن حمده ؛ لحديث أبي هريرة : أنه
وإماماً؛ فإن صلاته ◌َ هُ مؤتماً نادرة .
ويقال عليه : فأين الدليل على أنه يشمل المؤتم؟! فإن الذي في حديث أبي
هريرة هذا أنه يحمد .
وذهب الإمام يحيى والثوري والأوزاعي إلى أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ،
ويحمد المؤتم؛ لمفهوم حديث الباب؛ إذْ يفهم من قوله: ((فقولوا اللَّهمَّ .. )) إلخ
أنه لا يقول المؤتم إلا ذلك .
وذهب الشافعي إلى أنه يجمع بينهما المصلي مطلقاً؛ مستدلاً بما أخرجه
مسلم من حديث ابن أبي أوفى: أنه تَّةٍ كان إذا رفع رأسه من الركوع؛ قال :
((سمع الله لمن حمده، اللّهمَّ ربنا لك الحمد))، الحديث. قال: والظاهر عموم
أحوال صلاته جماعة ومنفرداً، وقد قال ◌َ له: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
ولا حجة في سائر الروايات على الاقتصار؛ إذْ عدم الذكر في اللفظ لا يدل
٦٦
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٥ - حديث أبي هريرة
على عدم الشرعية ؛ فقوله : ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده)) ، لا يدل
على نفي قوله: ((ربنا ولك الحمد))، وقوله: ((قولوا: ربنا لك الحمد))، لا يدل
على نفي قول المؤتم : سمع الله لمن حمده ، وحديث ابن أبي أوفى في حكايته
الفعله ◌َ * زيادة ، وهي مقبولة ؛ لأن القول غير معارض لها .
وقد روى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وابن سيرين وغيرهما ، فلم ينفرد به
الشافعي . ويكون قوله : سمع الله لمن حمده عند رفع رأسه ، وقوله : ربنا لك
الحمد عند انتصابه .
وقوله : ((فصلوا قعوداً أجمعين))، دليل أنه يجب متابعة الإمام في القعود
لعذر ، وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام ، وقد ورد تعليله بأنه فعْلُ فارس
والروم؛ أي: القيام مع قعود الإمام؛ فإنه ◌َ ﴿ قال: ((إن كِدْتُم آنفاً لتفعلون
فعل فارس والروم ؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود ؛ فلا تفعلوا)) . وقد ذهب
إلى ذلك أحمد بن حنبل وإسحق وغيرهما .
وذهبت الهادوية ومالك وغيرهم إلى أنها لا تصح صلاة القائم خلف
القاعد؛ لا قائماً ولا قاعداً؛ لقوله فعَّ الية: ((لا تختلفوا على إمامكم، ولا تتابعوه
في القعود)). كذا في شرح القاضي ، ولم يسنده إلى كتاب ، ولا وجدت قوله :
((ولا تتابعوه في القعود)). في حديث فينظر .
وذهب الشافعي إلى أنها تصح صلاة القائم خلف القاعد ، ولا يتابعه في
القعود؛ قالوا: لصلاة أصحاب رسول الله عَ ليه في مرض موته قياماً حين خرج،
وأبو بكر قد افتتح الصلاة فقعد عن يساره. فكان ذلك ناسخاً لأمره ◌َ ل لهم
٦٧
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٥ - حديث أبي هريرة
بالجلوس في حديث أبي هريرة؛ فإن ذلك كان في صلاته حين جحش(١)
وانفكت قدمه ، فكان هذا آخر الأمرين ، فتعين العمل به ؛ كذا قرره الشافعي .
وأجيب بأن الأحاديث التي أمرهم فيها بالجلوس لم يختلف في صحتها ،
ولا في سياقها، وأمّا صلاته ◌َ في مرض موته ؛ فقد اختلف فيها ؛ هل كان
إماماً ، أو مأموماً؟ والاستدلال بصلاته في مرض موته لا يتم إلا على أنه كان
إماماً .
ومنها : أنه يحتمل أن الأمر بالجلوس للندب ، وتقرير القيام قرينة على ذلك ؛
فيكون هذا جمعاً بين الروايتين خارجاً عن المذهبين جميعاً؛ لأنه يقتضي
التخيير للمؤتم بين القيام والقعود .
ومنها: أنه قد ثبت فعل ذلك عن جماعة من الصحابة بعد وفاته ◌َ ﴿ أنهم
أمّوا قعوداً ومن خلفهم قعود أيضاً؛ منهم ؛ أسيد بن حضير وجابر(٢) وأفتى به
أبو هريرة (٣) ، قال ابن المنذر: ولا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك .
وأما حديث : ((لا يَؤُمَّنَّ أحد كم بعدي قاعداً قوماً قياماً))؛ فإنه حديث
ضعيف ؛ أخرجه البيهقي والدارقطني من حديث جابر الجعفي عن الشعبي عن
النبي :{ 28 ، وجابر ضعيف جداً، وهو مع ذلك مرسل ، قال الشافعي : قد علم
(١) من الجحش، وهو الخدش ، وهذا قَشْرُ الجِلْد.
(٢) وكذا قيس بن قَهْد وأنس بن مالك؛ كما في ((الفتح)) (١٣٩/٢) وقال: ((والأسانيد
عنهم بذلك صحيحة ، أخرجها عبدالرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم)) .
(٣) وإسناده صحيح؛ كما في ((الفتح)) (١٤٠/٢).
٦٨
٢ - كتاب الصلاة
١٠٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٧٦ - حديث أبي سعيد الخدري
من احتج به أنه لا حجة فيه ؛ لأنه مرسل ، ومن رواته رجل يرغب أهل العلم
عن الرواية عنه - يعني جابراً الجعفي - .
وذهب أحمد بن حنبل في الجمع بين الحديثين إلى أنه إذا ابتدأ الإمام
الراتب الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه؛ فإنهم يصلون خلفه قعوداً، وإذا ابتدأ
الإمام الصلاة قائماً ؛ لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً ، سواء طرأ ما يقتضي
صلاة إمامهم قاعداً أم لا ، كما في الأحاديث التي في مرض موته ؛ فإنه
لم يأمرهم بالقعود؛ لأنه ابتدأ إمامهم صلاته قائماً، ثم أمّهم ◌َ في بقية
الصلاة قاعداً، بخلاف صلاته ﴿ بهم في مرضه الأول ؛ فإنه ابتدأ صلاته
قاعداً فأمرهم بالقعود . وهو جمع حسن(١) .
٠
٣٧٦ - وَعَنْ أَبي سَعيدِ الْخُدْرِي رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله عَّهُ رأى
في أَصْحَابِهِ تَأَخُراً، فقالَ: ((تَقَدَّمُوا فَأْتَمُوا بي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول اللّه ◌َةٍ رأى في أصحابه
تأخراً، فقال: ((تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم)). رواه مسلم):
كأنهم تأخروا عن القرب والدنو منهم . وقوله: ((ائتموا بي ... ))؛ أي: اقتدوا
بأفعالي ، وليقتد بكم من بعدكم ، مستدلين بأفعالكم على أفعالي .
والحديث دليل على أنه يجوز اتباع من خلف الإمام ممن لا يراه ، ولا يسمعه
(١) وقد قوّاه الحافظ في ((الفتح)) (١٣٩/٢ - ١٤٠) وذكر أنه قال بقول أحمد جماعة من
محدّثّي الشافعيَّة كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان .
٦٩
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٧ ۔ حدیث زید بن ثابت
كأهل الصف الثاني يقتدون بالأول ، وأهل الصف الثالث بالثاني ونحوه ، أو بمن
يبلغ عنه .
وفي الحديث حث على الصف الأول وكراهة البعد عنه ، وتمام الحديث : (لا
يزال قوم يتأخرون، حتّى يؤخرهم الله))(١) .
٣٧٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ الله ◌َُّهِ حُجْرَةً مخصفة،
فَصَلّى فيها ، فَتَتَبِّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ ، الحديث ، وَفِيه:
((أَفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ؛ إلاَّ المَكْتُوبَةَ)). مُتّفقٌ عَلَيْه .
(وعن زيد بن ثابت قال: احتجر) : هو بالراء المنع ؛ أي : اتخذ شيئاً كالحجرة
من الخصف ، وهو الحصير ، ويروى بالزاي ؛ أي : اتخذ حاجزاً بينه وبين غيره ؛
أي : مانعاً (رسول الله
حجرة مخصفة ، فصلى فيها ، فتتبع إليه رجال وجاءوا
يصلون بصلاته ، الحديث، وفيه: ((أفضلُ صلاة المرءِ في بيته ؛ إلا المكتوبة)).
متفق عليه) : وقد تقدم في شرح حديث جابر في باب صلاة التطوع (٢) .
وفيه دلالة على جواز فعل مثل ذلك في المسجد ، إذا لم يكن فيه تضييق
على المصلين ؛ لأنه كان يفعله بالليل ويبسط بالنهار، وفي رواية مسلم : ولم
يتخذه دائماً .
(١) قلت: وكذا أخرجه أبو عوانة والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد (١٩/٣، ٣٤، ٥٤)
وزاد في آخره في رواية ((يوم القيامة)) ولها شاهد من حديث عائشة بلفظ ((لا يزال قوم يتأخرون
عن الصف الأوّل حتى يؤخرهم الله في النار)) أخرجه ابن حبان في («صحيحه» (٣٩٢) وأبو داود
وفيه عِلّة نبهت عليها في ((صحيح أبي داود)) (٦٨٢) لكن الحديث لا بأس به في الشواهد .
(٢) (ص٢٣) .
٧٠
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٨ - حديث جابر
وقوله : فتتبع ، من التتبع : الطلب ، والمعنى : طلبوا موضعه واجتمعوا إليه ،
وفي رواية البخاري : فثار إليه ، وفي رواية له : فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته
ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم فقال : ((قد عرفت
الذي رأيت من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة
صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة)) . هذا لفظه ، وفي مسلم قريب منه .
والمصنف ساق الحديث في أبواب الإمامة ؛ لإفادة شرعية الجماعة في
النافلة ، وقد تقدم معناه في التطوّع .
٣٧٨ - وَعَنْ جَابر بْن عَبْدِ الله رضيَ الله عنهُ قال: صَلّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِه
العشاءَ، فطَوّلَ عَلَيْهِمْ، فقال النّبيُّ ◌ِهِ: ((أَتُريدُ يا مُعاذُ أَنْ تَكُونَ فَتّاناً؟! إذا
أَمَمْتَ النّاسَ فَاقْرَأ بـ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، وَ ﴿سَبِّحَ اسْمُ رَبِّكَ
الأعْلى﴾ [الأعلى: ١]، وَ ﴿اقْرَأْ باسْم رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ﴿والليل إذا يغشى﴾
[الليل: ١])». مُتّفقٌ عَلَيْه، واللّفظ لِمُسْلِم.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضيَ الله عنهُ قال: صَلّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِه العشاءَ ،
فَطَوّلَ عَلَيْهِمْ، فقال النّبِيُّ ◌َ﴿هُ: ((أَتُريدُ يا مُعاذُ أَنْ تَكُونَ فَتّاناً؟! إذا أمَمْتَ
النّاسَ ، فَاقْرَأْ بـ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبّح اسْم رَبِّكَ الأعْلَى﴾، و﴿اقْرَأ
باسْم رَبِّكَ﴾، ﴿والليل إذا يغشى))). مُتّفقٌ عَلَيْهِ، واللّفظ لِمُسْلِم) .
الحديث في البخاري لفظه : أقبل رجلٌ بناضحين ، وقد جنح الليل ، فوافق
معاذاً يصلي ، فترك ناضحيه ، وأقبل إلى معاذ فقرأ معاذ سورة البقرة ، أو النساء ،
فانطلق الرجل بعد أن قطع الاقتداء بمعاذ ، وأتم صلاته منفرداً . وعليه بوب البخاري
٧١
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٨ ۔ حديث جابر
بقوله : إذا طول الإمام ، وكان للرجل - أي : المأموم - حاجة فخرج ، وبلغه أن معاذاً
نال منه ، وقد جاء ما قاله معاذ مفسراً بلفظ: فبلغ ذلك معاذاً ، فقال : إنه منافق ،
فأتى النبي ◌َ ﴿ فشكا معاذاً، فقال النبي ◌َّ لهم: ((أفتان أنت يا معاذ؟! أو فاتن
أنت - ثلاث مرات - ؟! فلو صليت بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]،
﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]، ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١]؛ فإنه يصلي
وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)). وله في البخاري ألفاظ غير هذه .
والمراد بفتان ؛ أي : أتعذب أصحابك بالتطويل ، وحمل ذلك على كراهة
المأمومين للإطالة؛ وإلا فإنه ◌َرٍ قرأ الأعراف في المغرب وغيرها ، وكان مقدار
قيامه في الظهر بالستين آية ، وقرأ بأقصر من ذلك ، والحاصل أنه يختلف ذلك
باختلاف الأوقات في الإمام والمأمومين .
والحديث دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل ؛ فإن معاذاً كان
يصلي فريضة العشاء معه ، ثم يذهب إلى أصحابه فيصليها بهم نفلاً، وقد
أخرج عبد الرزاق والشافعي والطحاوي من حديث جابر بسند صحيح(١) ، وفيه :
((هي له تطوع))، وقد طول المصنف الكلام على الاستدلال بالحديث على ذلك
في ((فتح الباري))، وقد كتبنا فيه رسالة مستقلة ، جواب سؤال ، وأبَنّا فيها عدم
نهوض الحديث على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل(٢).
(١) انظر ((صحيح أبي داود)) (رقم ٦١٣).
(٢) قلت: والشارح محجوج بقوله في الجواب على من ردّ الاستدلال بحديث عمرو بن
سَلمة الآتي (رقم ٣٨١) بأنه لم يرد أن إمامته كانت عن تقريره * ، فأجاب الشارح بقوله :
((بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي ولا يقرر فيه على فعل ما لا يجوز ... )).
٧٢
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٩ - حديث عائشة
والحديث أفاد أنه يخفف الإمام في قراءته وصلاته، وقد عين ﴿﴿ مقدار
القراءة ويأتي حديث : ((إذا أمّ أحدكم الناس ؛ فليخفف)).
٣٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهَا في قِصّةٍ صَلاةِ رَسُول الله عَانِه.
بالنّاسِ ، وهو مَرِيضٌ ؛ قَالَتْ: فَجَاءَ ، حتّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ
يُصَلِي بِالنّاسِ جَالِساً وَأَبُو بَكْرٍ قائماً، يَقْتَدِي أَبُوبَكْرِ بِصَلاةِ النّبِيِّ ◌َِّ ،
وَيَقْتَدِي النّاس بصلاةٍ أَبِي بَكْرٍ، مُتْفَقٌ عَلَيْهِ.
(وعن عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة رسول الله عَ لُوهُ بالناس ، وهو
مريض ؛ قالت: فجاء، حتّى جلس عن يسار أبي بكر) : هكذا في رواية
البخاري(١) في باب: الرجل يأتم بالإمام. تعيين مكان جلوسه ◌َرٍ وأنه عن
يسار أبي بكر، وهذا هو مقام الإمام ، ووقع في البخاري في باب : حد المريض
أن يشهد الجماعة ؛ بلفظ : جلس إلى جنبه . ولم يعين فيه محل جلوسه ، لكن
قال المصنف : إنه عين المحل في رواية بإسناد حسن : أنه عن يساره .
قلت: حيث قد ثبت في ((الصحيح)) في بعض رواياته ؛ فهي تبين(٢) ما
أجمل في أخرى، وبه يتضح أنه عَ ﴿ٍ كان إماماً (فكان): النبي ◌ِ﴿ ﴿ (يصلي
(١) (١٦٣/٢ - فتح).
(٢) قلت: وهذا مُسَلّم لو أن هذا البيان لم يقع فيه اضطراب واختلاف، أما والأمر ليس
كذلك؛ كما بينه الحافظ في «الفتح» (١٢٢/٢) فهو غير مسلم ، فقد قال بعد أن ذكر رواية
البخاري هذه ورواية البزار بنحوها : ((لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه بسنده ... عن عائشة
قالت: من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدّم بين يدي رسول الله تحمل في الصف ، ومنهم من
يقول: كان رسول الله :﴿ هو المقدم، ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: أن النبيّ ◌َ ليه
صلى خلف أبي بكر . أخرجه ابن المنذر. قال الحافظ: ((وهذا اختلاف شديد)).
٧٣
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٩ - حديث عائشة
بالناس جالساً وأبو بكر): يصلي (قائماً، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ◌َ ي . .
ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر . متفق عليه) .
فيه دلالة على أنه يجوز وقوف الواحد عن يمين الإمام ، وإن حضر معه غيره ،
ويحتمل أنه صنع ذلك ؛ ليبلغ عنه أبو بكر ، أو لكونه كان إماماً أول الصلاة ، أو
لكون الصف قد ضاق ، أو لغير ذلك من المحتملات، ومع عدم الدليل على أنه
فعل لواحد منها فالظاهر الجواز على الإطلاق .
وقولها : يقتدي أبو بكر ، يحتمل أن يكون ذلك الاقتداء على جهة الائتمام ؛
فيكون أبو بكر إماماً ومأموماً ، ويحتمل أن يكون أبو بكر إنما كان مبلغاً ، وليس بإمام .
واعلم أنه قد وقع الاختلاف في حديث عائشة ، وفي غيره ؛ هل كان النبي
إماماً أو مأموماً؟ ووردت الروايات بما يفيد هذا، وما يفيد هذا ، لكنا قدمنا ظهور أنه
كان الإمام، فَمِن العلماء من ذهب إلى الترجيح بين الروايات ؛ فرجح أنه
كان الإمام؛ لوجوه من الترجيح مستوفاة في ((فتح الباري))، وفي ((الشرح))
بعض من ذلك ، وتقدم في شرح الحديث التاسع(*) بعض وجوه ترجيح خلافه .
ومن العلماء من قال بتعدد القصة ، وأنه مخالفه صلى تارة إماماً وتارة مأموماً
في مرض موته(١) .
(١) وهذا هو الراجح من الجمع بين الروايات عن عائشة من جهة، ومن النظر في رواية
غيرها من الصحابة كحديث أنس: آخر صلاة صلاها رسول الله تَه مع القوم صلى في ثوب
واحد متوشحاً خلف أبي بكر . أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح ، وقد فصلت القول في
الجمع المذكور في ((زوائد ابن الجارود)) (رقم ١٣٧).
(*) هو الحديث رقم (٣٧٦) في طبعتنا . (الناشر) .
٧٤
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٧٩ - حديث عائشة
هذا؛ وقد استدل بحديث عائشة هذا ، وقولها : يقتدي أبو بكر بصلاة النبي
ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر ، أن أبا بكر كان مأموماً إماماً ، وقد بوب
البخاري على هذا فقال : باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم .
قال ابن بطال : هذا يوافق قول مسروق والشعبي أن الصفوف يؤم بعضها
بعضاً ؛ خلافاً للجمهور .
قال المصنف : قال الشعبي : من أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم
من الركعة أنه أدركها ، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك ؛ لأن بعضهم لبعض أئمة .
فهذا يدل أنه يرى أنهم متحملون عن بعضهم بعضاً ما يتحمله الإمام ،
ويؤيد ما ذهب إليه قوله تَظية: ((تقدموا فأتموا بي ، وليأتم بكم من بعد كم)).
وقد تقدم(١) .
وفي رواية مسلم - أن أبا بكر كان يسمعهم التكبير -، دليل على أنه يجوز
رفع الصوت بالتكبير ؛ لإسماع المأمومين فيتبعونه ، وأنه يجوز للمقتدي اتباع
صوت المكبر ، وهذا مذهب الجمهور وفيه خلاف للمالكية .
قال القاضي عياض عن مذهبهم : إن منهم من يبطل صلاة المقتدي ومنهم
من لا يبطلها . ومنهم من قال : إِنْ أُذِنَ له الإمام بالإسماع ؛ صح الاقتداء به ،
وإلا فلا ، ولهم تفاصيل غير هذه ليس عليها دليل ، وكأنهم يقولون في هذا
الحديث : إن أبا بكر كان هو الإمام ، ولا كلام أنه يرفع صوته ؛ لإعلام من خلفه .
(١) (ص٦٩).
٧٥
٢ - كتاب الصلاة ١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٨٠، ٣٨١ - حديثا أبي هريرة وعمرو بن سلمة
قَال: ((إذا أمَّ أَحَدُكُم
٣٨٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه أَنَّ النّبيَّ
النّاسَ ؛ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإن فيهمُ الصَّغيرَ وَالْكبيرَ والضَّعيفَ وَذا الْحاجَة ؛ فإذا
صَلّى وَحْدَهُ؛ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي :﴿ قال: ((إذا أمَّ أَحدكم النّاس؛
فليخفف ؛ فإن فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف وذا الحاجة) : وهؤلاء يريدون
التخفيف فيلاحظهم الإمام (فإذا صلى وحده؛ فليصل كيف شاء)). متفق
عليه) : مخففاً ومطولاً .
وفيه دليل على جواز تطويل المنفرد للصلاة في جميع أركانها ، ولو خشي
خروج الوقت ، وصححه بعض الشافعية ، ولكنه معارض بحديث أبي قتادة :
((إنما التفريط أن تؤخر الصلاة، حتّى يدخل وقت الأخرى)) . أخرجه مسلم؛
فإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ، ومفسدة إيقاع الصلاة في
غير وقتها ؛ كانت مراعاة ترك المفسدة أولى .
ويحتمل أنه إنما يريد بالمؤخر حتّى يخرج الوقت ، من لم يدخل في الصلاة
أصلاً حتّى خرج ، وأمّا من خرج وهو في الصلاة ؛ فلا يصدق عليه ذلك(١).
٣٨١ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ سَلِمَةَ قالَ: قالَ أبي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النّبِيِّ ◌ِ﴿.
حَقّاً قال: ((إذا حَضَرَتِ الصّلاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ ، وليؤمكم أكثرُكُمْ قُرآنًا)).
قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَر مِنِّي قُرْآنَاً، فَقَدَّمُونِي وَأَنَا ابْنُ سِتِّ، أو سَبْع
سِينَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبو دَاوُدَ وَالنّسَائِيُّ .
(١) قلت : ويرجح هذا قول أبي بكر: إن طلعت لم تجدنا غافلين . البيهقي.
٧٦
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٨١ - حديث عمرو بن سلمة
(وعن عمرو بن سلمة) : بكسر اللام ، هو أبو يزيد ؛ من الزيادة ؛ كما قاله
البخاري وغيره ، وقال مسلم وآخرون : بُريد ؛ بضم الباء الموحدة وفتح الراء
وسكون المثناة التحتية فدال مهملة ، هو: عمرو بن سلمة الجرمي(١)؛ بالجيم
والراء، مخفف، قال ابن عبد البر: عمرو بن سلمة أدرك زمن النبي ◌َ ﴿﴿ ، وكان
يؤم قومه على عهد رسول الله ◌َ﴿ٍ ؛ لأنه كان أقرأهم للقرآن ، وقيل : إنه قدم
على النبي ◌َ مع أبيه ، ولم يختلف في قدوم أبيه . نزل عمرو البصرة ، وروى
عنه أبو قلابة وعامر الأحول وأبو الزبير المكي (قال : قال أبي) : أيْ: سلمة بن
نُفَيْع - بضم النون - أو ابن لأي - بفتح اللام وسكون الهمزة - على الخلاف في
اسمه (جئتكم من عند النبي ◌َ ﴾ حقاً) : نصب على صفة المصدر المحذوف؛
أي : نبوة حقاً ، أو أنه مصدر مؤكد للجملة المتضمنة ؛ إذْ هو في قوة : هو رسول
الله حقاً ، فهو مصدر مؤكد لغيره (قال : ((إذا حضرت الصلاة ؛ فليؤذن أحد كم ،
وليؤمكمْ أَكثركم قرآناً». قال): أي : عمرو بن سلمة (فنظروا فلم يكن أحد
أكثر مني قرآناً) : وقد ورد بيان سبب أكثرية قرآنيته : أنه كان يتلقى الركبان
الذين كانوا يفدون إليه تَّهم ويمرون بعمرو وأهله ، فكان يتلقى منهم ما يقرأونه ،
وذلك قبل إسلام أبيه وقومه (فقدموني وأنا ابن ست ، أو سبع سنين . رواه
البخاري وأبو داود والنسائي): فيه دلالة على أن الأحق بالإمامة الأكثر قرآناً؛
ويأتي الحديث بذلك قريباً .
(١) بفتح الجيم وسكون الراء نسبة إلى جَرْم، قال الجوهري في ((الصحاح)): ((بطنان من
العرب أحدهما قضاعة وهو جرم بن زبّان، والآخر في طيِّئ)) ونحوه في ((القاموس)).
٧٧
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٨١ - حديث عمرو بن سلمة
وفيه : أن الإمامة أفضل من الأذان؛ لأنه لم يشترط في المؤذن شرطاً .
وتقديمه وهو ابن سبع سنين دليل لما قاله الحسن البصري والشافعي وإسحاق
من أنه لا كراهة في إمامة المميز .
وكرهها مالك والثوري .
وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان ، والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون
الفرائض .
وقال بعدم صحتها الهادي والناصر وغيرهما ؛ قياساً على المجنون قالوا : ولا
حجة في قصة عمرو هذه؛ لأنه لم يرو أن ذلك كان من أمره عَظ ميٍ ، ولا تقريره .
وأجيب بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي ، ولا يقرر فيه على فعل
ما لا يجوز، سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نبه
بالوحي على القذى الذي كان في نعله ، فلو كان إمامة الصبي لا تصح ؛ لنزل
الوحي بذلك ، وقد استدل أبو سعيد وجابر بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل .
والوفد الذين قدّموا عمراً كانوا جماعة من الصحابة ، قال ابن حزم : ولا
نعلم لهم مخالفاً في ذلك ، واحتمال أنه أمهم في نافلة يبعده سياق القصة ؛
فإنه عَّ﴿ علمهم الأوقات للفرائض، ثم قال لهم: ((إنه يؤمكم أكثركم قرآناً)).
وقد أخرج أبو داود في ((سننه)): قال عمرو : فما شهدت مشهداً في جرم - اسم
قبيلة -؛ إلا كنت إمامهم . وهذا يعم الفرائض والنوافل .
قلت : يحتاج من ادّعى التفرقة بين الفرض والنفل ، وأنه تصح إمامة الصبي
في هذا دون ذلك إلى دليل .
٧٨
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٨٢ - حديث أبي مسعود
ثم الحديث فيه دليل على القول بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل ؛ كذا
في ((الشرح)) ، وفيه تأمل .
٣٨٢ - وَعَنْ أبي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: «يَؤُمُ
القَوْمَ أَقْرَؤْهُمْ لِكِتابِ الله تعالى، فإن كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءَ؛ فَأَعْلَمُهُمْ
بالسّنّةِ ، فإن كَانُوا في السُّنّةِ سَواءً ؛ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً؛ فإن كَانُوا في الهجرة
سَوَاءً؛ فأَقْدَمُهُمْ سِلْماً - وفي رواية: ((سِنّ)» -، ولا يَؤُمّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في
سُلْطَانِهِ، ولا يَقْعُد في بَيْتِهِ عَلى تَكْرِمَتِهِ إلا بإذْنِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه مَ ﴾: ((يؤمُّ القوم
أقرؤهم لكتاب الله تعالى) : الظاهر أن المراد أكثرهم له حفظاً ، وقيل : أعلمهم
بأحكامه ، والحديث الأول يناسب القول الأول (فإن كانوا في القراءة سواء ؛
فأعلمهم بالسُّنة ، فإن كانوا في السُّنة سواءً ؛ فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في
الهجرة سواءً؛ فأقدمهم سِلْماً): أيْ: إسلاماً (وفي رواية: ((سناً))) : عوضاً عن
سلماً (ولا يؤمّنّ الرجلُ الرجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تَكرمته) :
بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء : الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص
به (إلا بإذنه))(١) . رواه مسلم) .
الحديث دليل على تقديم الأقرأ على الأفقه ، وهو مذهب أبي حنيفة(٢) وأحمد .
(١) وفي رواية لمسلم (١٣٤/٢): ((ولا تؤمّنّ الرجلَ في أهله ولا في سلطانه ولا تجلس على
تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك أو بإذنه)). ورواه أبو داود إلا أنه قال: ((بيته)) بدل ((أهله)).
(٢) وكذا قال الشوكاني تبعاً للنووي (١٧٢/٥) والمعروف في كتب الحنفية خلافه . وإنما هو
مذهب أبي يوسف منهم؛ كما في ((البحر الرائق)) (٣٦٧/١ - ٣٦٨).
٧٩
٢ - كتاب الصلاة
١٠ - باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٨٢ - حديث أبي مسعود
وذهب الهادوية إلى أنه يقدم الأفقه على الأقرأ؛ لأن الذي يحتاج إليه من
القراءة مضبوط ، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط ، وقد يعرض في
الصلاة أمور لا يقدر على مراعاتها إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدم مح ﴿ أبا بكر
على غيره مع قوله: ((أقرؤكم أبيّ))، قالوا: والحديث خرج على ما كان عليه
حال الصحابة من أن الأقرأ هو الأفقه ، وقد قال ابن مسعود : ما كنا نتجاوز عشر
آيات ، حتّى نعرف حكمها وأمرها ونهيها .
ولا يخفى أنه يبعد هذا قوله : ((فإن كانوا في القراءة سواء ؛ فأعلمهم
بالسنة))؛ فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً ، والأقرأ على ما فسروه به هو الأعلم
بالسنة ، فلو أريد به ذلك ؛ لكان القسمان قسماً واحداً .
وقوله : ((فأقدمهم هجرة)» ، هو شامل لمن تقدم هجرة سواء ما كان في
زمنه ، أو بعده ؛ كمن يهاجر من دار الكفار إلى دار الإسلام ، وأمّا حديث :
((لا هجرة بعد الفتح))؛ فالمراد من مكة إلى المدينة ؛ لأنهما جميعاً صارا دار
إسلام ، ولعله يقال : وأولاد المهاجرين لهم حكم آبائهم في التقديم .
وقوله : ((سلماً))؛ أي : من تقدم إسلامه يقدم على من تأخر.
وكذا رواية ((سناً))؛ أي : الأكبر في السن ، وقد ثبت في حديث مالك بن
الحويرث: ((ليؤمكم أكبركم)).
ومن الذين يستحقون التقديم قريش؛ لحديث: ((قدموا قريشاً)). قال الحافظ
المصنف : إنه قد جمع طرقه في جزء كبير(١).
(١) وقد وقفت له على خمسة طرق إحداها مرسل صحيح، وسائرها فيه كلام لكن الحديث
بمجموعها صحيح؛ كما بينته في ((الإرواء)) (رقم ٥١٢) .
٨٠