Indexed OCR Text
Pages 581-600
٢ - كتاب الصلاة
٨- باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
وأجيب بأن حديث ابن مسعود كان بمكة متقدماً على حديث الباب
بأعوام ، والمتقدم لا ينسخ المتأخر ، وبأن حديث زيد بن أرقم ، وحديث ابن
مسعود أيضاً عمومان ، وهذا الحديث خاص بمن تكلم ظاناً لتمام صلاته ،
فيخص به الحديثان المذكوران ، فتجتمع الأدلة من غير إبطال لشيء منها .
ويدل الحديث أيضاً على أن الكلام عمداً لإصلاح الصلاة لا يبطلها ؛ كما
في كلام ذي اليدين ، وقوله : فقالوا - يريد الصحابة - : نعم؛ كما في رواية
تأتي؛ فإنه كلام عمد لإصلاح الصلاة .
وقد روي عن مالك: أن الإمام إذا تكلم بما تكلم به النبي ﴿ من الاستفسار،
والسؤال عند الشك ، وإجابة المأموم ، أن الصلاة لا تفسد ، وقد أجيب بأنه
تكلم معتقداً للتمام ، وتكلم الصحابة معتقدين للنسخ ، وظنوا حينئذ التمام .
قلت : ولا يخفى أن الجزم باعتقادهم التمام محل نظر؛ بل فيهم متردد بين
القصر والنسيان ، وهو ذو اليدين ؛ نعم ، سرعان الناس اعتقدوا القصر ، ولا يلزم
اعتقاد الجميع ، ولا يخفى أنه لا عذر عن العمل بالحديث لمن يتفق له مثل
ذلك ، وما أحسن كلام ((صاحب المنار))؛ فإنه ذكر كلام الهادي ودعواه نسخه ؛
كما ذكرناه ، ثم رده بما رددناه ، ثم قال : وأنا أقول : أرجو الله للعبد إذا لقى الله
عاملاً لذلك ، أن يثبته في الجواب بقوله : صح لي ذلك عن رسولك ، ولم أجد
ما يمنعه ، وأن ينجو بذلك ، ويثاب على العمل به ، وأخاف على المتكلفين ،
وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة للاستئناف؛ فإنه ليس بأحوط ؛ كما
ترى ؛ لأن الخروج بغير دليل ممنوع ، وإبطال للعمل .
٥٨١
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٣ - حديث أبي هريرة
وفي الحديث دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة
إذا وقعت سهواً ، أو مع ظن التمام ، لا تفسد بها الصلاة ؛ فإن في رواية أنه
خرج إلى منزله ، وفي أخرى : يجرّ رداءه مغضباً ، وكذلك خروج سرعان الناس ،
فإنها أفعال كثيرة قطعاً ، وقد ذهب إلى هذا الشافعي .
وفيه دليل على صحة البناء على الصلاة بعد السلام ، وإن طال زمن الفصل
بينهما ، وقد روي هذا عن ربيعة ، ونسب إلى مالك ، وليس بمشهور عنه .
ومن العلماء من قال : يختص جواز البناء إذا كان الفصل بزمن قريب ،
وقيل : بمقدار ركعة ، وقيل : بمقدار الصلاة .
ويدل أيضاً أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوباً ؛ لحديث : ((صلوا كما
رأيتموني أصلي)).
ويدل أيضاً على أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد أسباب السهو ، ويدل على
أن سجود السهو بعد السلام ، خلاف الحديث الأول ، ويأتي فيه الكلام .
وأما تعيين الصلاة التي اتفقت فيها القصة ، فيدل له قوله (وفي رواية لمسلم) :
أيْ : من حديث أبي هريرة (صلاة العصر) : عوضاً عن قوله في الرواية الأولى :
إحدى صلاتي العشي (ولأبي داود): أيْ: من حديثه أيضاً (فقال): أي : النبي
◌َ﴿ («أصَدَق ذُو اليدين؟))، فأومأوا؛ أي: نعم. وهي في ((الصحيحين))، لكن
بلفظ : فقالوا) : قلت : وهي في رواية لأبي داود بلفظ : فقال الناس : نعم ، وقال أبو
داود : إنه لم يذكر: فأومأوا ، إلا حماد بن زيد (وفي رواية له(١)) ؛ أيْ: لأبي داود
(١) ((ضعيف أبي داود)) (١٨٤).
٥٨٢
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣١٤ - حديث عمران بن حصين
من حديث أبي هريرة (ولم يسجد ، حتّى يقّنه الله ذلك) : ولفظ أبي داود : ولم
يسجد سجدتي السهو، حتّى يقنه الله ذلك ؛ أي : صير تسليمه على ثنتين
يقيناً عنده ، إما بوحي ، أو تذكر حصل له اليقين به . والله أعلم ما مستند أبي
هريرة في هذا .
﴿ صلى بهم،
٣١٤ - وعن عمران بن حُصَين رضي الله عنه: أنَّ النبي :
فسَهَا ، فسجد سجدتين ، ثم تشهّد ، ثم سلم . رواه أبو داود ، والترمذي
وحسّنه ، والحاكم وصحّحُهُ .
(وعن عمران بن حُصَين رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َ ﴿ِ صلى بهم، فسَهَا ،
فسجد سجْدتين ، ثم تشهّد ، ثم سلم . رواه أبو داود ، والترمذي وحسّنه ،
والحاكم وصَحّحهُ) .
في سياق حديث ((السنن)) أن هذا السهو سهوه عليه ، الذي في خبر ذي
اليدين ؛ فإن فيه - بعد أن ساق حديث أبي هريرة - مثل ما سلف من سياق
(الصحيحين)) إلى قوله : ثم رفع وكبر ، ما لفظه : فقيل لمحمد - أي : ابن سيرين
الراوي - سلم في السهو؟ فقال : لم أحفظه من أبي هريرة ، ولكن نبئت أن
عمران بن حصين قال : ثم سلم ، وفي ((السنن)) أيضاً من حديث عمران بن
حصين، قال: سلَّم رسول الله :﴿﴿ في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل ،
فقام إليه رجل يقال له : الخِرْباق ، كان طويل اليدين ، إلى قوله : فقال :
((أصدق؟)) فقالوا : نعم ، فصلى تلك الركعة ، ثم سجد سجدتيها ، ثم سلم .
انتهى . ويحتمل أنها تعددت القصة .
٥٨٣
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣١٥ - حديث أبي سعيد الخدري
وفي الحديث دليل أنه يستحب عقيب الصلاة - كما تدل له الفاء - وفيه تصريح
بالتشهد ، قيل : ولم يقل أحد بوجوبه ، ولفظ : تشهد ، يدل أنه أتى بالشهادتين ،
وبه قال بعض العلماء ، وقيل : يكفي التشهد الأوسط ، واللفظ في الأول أظهر .
وفيه دليل على شرعية التسليم ، كما تدل له رواية عمران بن حصين التي
ذكرناها ، لا الرواية التي أتى بها المصنف ؛ فإنها ليست بصريحة أن التسليم كان
لسجدتي السهو، فإنها تحتمل أنه لم يكن سلم للصلاة ، وأنه سجد لها قبل
السلام ، ثم سلم تسليم الصلاة .
٣١٥ - وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله ◌َّنِ :
((إذا شكَّ أحدكُمْ في صلاته، فلم يدْرِ كَمْ صلى ؛ أثلاثاً أمْ أربعاً؟ فلْيطرح
الشكَّ، وليَبْن على ما استيقنَ، ثم يَسْجُدْ سَجْدتين قبل أن يُسَلَّمَ ؛ فإن كانَ
صلى خمساً؛ شَفَعْنَ لهُ صلاتَهُ ، وإِن كانَ صلى تماماً؛ كانتا ترْغيماً للشيطان)».
رواهُ مسلمٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا
شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى ؛ أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك ،
وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ؛ فإن كان صلى
خمساً): في رباعية (شفَعْنَ): أي: السجدتان (له صلاته): صيَّرْنها شفعاً؛ لأن
السجدتين قامتا مقام ركعة ، وكأنّ المطلوب من الرباعية ، الشفع ، وإن زادت على
الأربع (وإنْ كان صلى تماماً؛ كانتا ترغيماً للشيطان))): أيْ : إلصاقاً لأنفه بالرغام ،
والرغام ؛ بزنة غراب : التراب ، وإلصاق الأنف به في قولهم : رغم أنفه ، كناية عن
٥٨٤
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣١٥ - حديث أبي سعيد الخدري
إذلاله وإهانته ، والمراد : إهانة الشيطان حيث لبس عليه صلاته (رواه مسلم) .
الحديث فيه دلالة على أن الشاك في صلاته يجب عليه البناء على اليقين
عنده ، ويجب عليه أن يسجد سجدتين ؛ وإلى هذا ذهب جماهير العلماء ،
ومالك ، والشافعي ، وأحمد .
وذهب الهادوية ، وجماعة من التابعين إلى وجوب الإعادة عليه ، حتّى
يستيقن .
وقال بعضهم : يعيد ثلاث مرات ؛ فإذا شك في الرابعة ، فلا إعادة عليه ،
والحديث مع الأولين ، والحديث ظاهر في أن هذا حكم الشاك مطلقاً : مبتدأ
كان، أو مبتلىَّ، وفرق الهادوية بينهم ، فقالوا في الأول : يجب عليه الإعادة ،
وفي الثاني : يتحرى بالنظر في الأمارات ؛ فإن حصل له ظن التمام ، أو
النقص ؛ عمل به ، وإن كان النظر في الأمارات لا يحصل له بحسب العادة
شيئاً ؛ فإنه يبني على الأقل ؛ كما في هذا الحديث ، وإن كان عادته أن يفيده
النظر الظن ، ولكنه لم يفده في هذه الحالة ؛ وجب عليه أيضاً الإعادة ، وهذا
التفصيل يرد عليه هذا الحديث الصحيح ، ويرد عليه أيضاً حديث عبدالرحمن
ابن عوف عند أحمد قال: سمعت رسول الله عم ليه يقول: ((إذا شك أحدكم
في صلاته فلم يدر واحدة صلى ، أو اثنتين ؛ فليجعلها واحدة ، وإذا لم
يدر اثنتين صلى ، أو ثلاثاً؛ فليجعلها اثنتين ، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى ، أو
أربعاً؛ فليجعلها ثلاثاً ، ثم يسجد - إذا فرغ من صلاته ، وهو جالس قبل أن
يسلم - سجدتين)) .
٥٨٥
٢ - كتاب الصلاة
٨- باب سجود السهو وغيره
٣١٦ - حديث ابن مسعود
٣١٦ - وعن ابن مَسْعُود رضي الله عنه قالَ: صلى رسول الله مح له ، فلما
سَلّمَ؛ قيلَ لهُ: يا رسول الله! أَحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ قال: ((وما ذاكَ؟))
قالوا: صلّيْتَ كذا وكذا! قالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ ، واستقْبَلَ القبلةَ، فسجد
سَجْدتين، ثم سلّم، ثم أَقبلَ على النّاس بوجهِهِ، فقالَ: «إنّه لو حدثَ في
الصَّلاةِ شيءٌ ، أَنبأَتْكُمْ به ، ولكن إنّما أنا بشرٌ مِثْلُكم أنسى كما تَنْسَون؛ فإذا
نسيتُ، فذكِّروني ، وإذا شكَّ أحدكُمْ في صلاته؛ فلْيَتَحَرَّ الصَّواب ؛ فَلْيُتِمَّ
عليه ، ثم ليَسْجُدْ سَجْدتين)) . متفقٌ عليه .
وفي رواية للبخاريِّ: ((فلْيُتمَّ، ثم يسلم ، ثم يسْجُد)).
سَجَدَ سَجْدتي السّهْوِ بَعْد السلام والكلام .
ولمسلم: أَنّ النبيَّ ◌َي1
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ◌َ ◌ّة): أي: إحدى
الرباعيات خمساً ، وفي رواية أنه قال إبراهيم النخعي : زاد ، أو نقص (فلما
سلم؛ قيل له : يا رسول الله ! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك؟))
قالوا : صليت كذا وكذا ! قال : فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد
سجدتين ، ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه، فقال: ((إنّه لو حدث في
الصلاة شيء ، أنبأتكم به ، ولكن إنّما أنا بشرٌ مثلكم): في البشرية ، وبين
وجه المثلية بقوله (أنسى كما تنسون ؛ فإذا نسيت فذكَّروني ، وإذا شكَّ
أحدُكم في صلاته): هل زاد ، أو نقص (فليتحرّ الصواب) : بأن يعمل بظنه
من غير تفرقة بين الشك في ركعة ، أو ركن ، وقد فسره حديث عبد الرحمن بن
عوف الذي قدمناه (فليُتمّ عليه ، ثم ليسجدْ سجدتين)). متفقٌ عليه) .
٥٨٦
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٦ - حديث ابن مسعود
ظاهر الحديث أنهم تابعوه ◌َارٍ على الزيادة ، ففيه دليل على أن متابعة المؤتم
للإمام فيما ظنه واجباً، لا يفسد صلاته؛ فإنه ◌َ ◌ٍّ لم يأمرهم بالإعادة ، وهذا
في حق أصحابه في مثل هذه الصورة ؛ لتجويزهم التغيير في عصر النبوة ، فأما لو
اتفق الآن قيام الإمام إلى الخامسة ؛ سبح له من خلفه ؛ فإن لم يقعد ؛ انتظروه
قعوداً ، حتّى يتشهدوا بتشهده ويسلموا بتسليمه ؛ فإنها لم تفسد عليه ، حتّى
يقال : يعزلون ؛ بل فعل ما هو واجب في حقه .
وفي هذا دليل على أن محل سجود السهو بعد السلام ، إلا أنه قد يقال :
إنه 9. ما عرف سهوه في الصلاة إلا بعد أن سلم منها؛ فلا يكون دليلاً.
واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في محل سجود السهو ، واختلفت بسبب ذلك
أقوال الأئمة ، قال بعض أئمة الحديث : أحاديث باب سجود السهو قد تعددت :
منها : حديث أبي هريرة فيمن شك ، فلم يدر كم صلى؟ ، وفيه الأمر أن
يسجد سجدتين ، ولم يذكر موضعهما؛ وهو حديث أخرجه الجماعة ، ولم
يذكروا فيه محل السجدتين ؛ هل هو قبل السلام ، أو بعده؟ نعم؛ عند أبي
داود ، وابن ماجه فيه زيادة : قبل أن يسلم .
ومنها: حديث أبي سعيد: ((من شك))، وفيه أنه يسجد سجدتين قبل
التسليم .
ومنها : حديث أبي هريرة ، وفيه القيام إلى الخشبة ، وأنه سجد بعد السلام .
ومنها : حديث ابن بحينة ، وفيه السجود قبل السلام .
٥٨٧
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٦ - حديث ابن مسعود
ولما وردت هكذا؛ اختلفت آراء العلماء في الأخذ بها ، فقال داود : تستعمل
في مواضعها على ما جاءت به ، ولا يقاس عليها ، ومثله قال أحمد في هذه
الصلاة خاصة ، وخالف فيما سواها ، فقال : يسجد قبل السلام لكل سهو .
وقال آخرون: هو مخير في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام ، وإن شاء
قبل السلام ؛ في الزيادة والنقص .
وقال مالك : إن كان السجود لزيادة ؛ سجد بعد السلام ، وإن كان لنقصان ؛
سجد قبله ، وقالت الهادوية ، والحنفية : الأصل في سجود السهو بعد السلام ،
وتأولوا الأحاديث الواردة في السجود قبله ، وستأتي أدلتهم .
وقال الشافعي : الأصل السجود قبل السلام ، وردّ ما خالفه من الأحاديث
بادعائه نسخ السجود بعد السلام ، وروى عن الزهري قال : سجد رسول الله
سجدتي السهو قبل السلام ، وبعده ، وآخر الأمرين قبل السلام ، وأيده برواية
معاوية: أنه ◌َّ له سجدهما قبل السلام ، وصحبته متأخرة ، وذهب إلى مثل قول
الشافعي أبو هريرة ، ومكحول ، والزهري ، وغيرهم .
قال في ((الشرح)): وطريق الإنصاف ؛ أن الأحاديث الواردة في ذلك قولاً
وفعلاً فيها نوع تعارض ، وتقدم بعضها ، وتأخر البعض ، غير ثابت برواية
صحيحة موصولة ، حتّى يستقيم القول بالنسخ ؛ فالأولى الحمل على التوسع في
جواز الأمرين .
ومن أدلة الهادوية والحنفية رواية البخاري التي أفادها قوله : (وفي رواية
للبخاري) : أيْ: من حديث ابن مسعود: (((فليتم ، ثم يسلم ، ثم يسجد))): ما
٥٨٨
٢ - كتاب الصلاة ٨ - باب سجود السهو وغيره ٣١٧، ٣١٨ - حديثا عبد الله بن جعفر والمغيرة
يدل على أنه بعد السلام، وكذلك رواية مسلم التي أفادها قوله : (ولمسلم)
أيْ: من حديث ابن مسعود (أن النبي { سجد سجدتي السهو بعد
السلام) : من الصلاة (والكلام) : أي : الذي خوطب به وأجاب عنه بما أفاده
اللفظ الأول ، ويدل له أيضاً :
٣١٧ - ولأحْمَد وأبي داود والنّسائيِّ من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً:
((مَنْ شكَّ في صلاته، فليسجدْ سجْدتين بعدما يُسلِّمُ)). وصَحّحهُ ابنُ خُزيمةَ .
(ولأحْمَد وأبي داود والنّسائيِّ من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً: ((مَنْ
شكَّ في صلاته ، فليسجدْ سجْدتين بعد ما يُسلِّمُ)). وصَحّحهُ ابنُ خُزيمةَ).
فهذه أدلة من يقول : إنه يسجد بعد السلام مطلقاً ، ولكنه قد عارضها ما
عرفت ، فالقول بالتخيير أقرب الطرق إلى الجمع بين الأحاديث ، كما عرفت .
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا عن النبي : أنه سجد للسهو قبل
السلام ، وأنه أمر بذلك ، وروينا : أنه سجد بعد السلام ، وأنه أمر به ، وكلاهما
صحيح ، ولهما شواهد يطول بذكرها الكلام ، ثم قال : الأشبه بالصواب جواز
الأمرين جميعاً ، قال : وهذا مذهب كثير من أصحابنا .
٣١٨ - وعن المغيرة بن شُعبةَ: أنَّ رَسُولَ الله عَظُؤمِ قال: ((إذا شكَّ أحدُكمْ،
فقامَ في الرِّكعتينِ، فاستتمَّ قائماً؛ فلْيمضِ ، ولْيَسْجد سَجْدتين ؛ فإن لمْ
يَسْتَتَمَّ قائماً؛ فَلْيَجْلس ، ولا سهو عليه)). رواه أبو داود وابن ماجهْ والدارقطني
- واللفظُ لهُ - بسَنَدْ ضَعيفٍ .
(وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله تَ ه ** قال: ((إذا شك أحد كم ، فقام
٥٨٩
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٨ - حديث المغيرة بن شعبة
في الركعتين ، فاستتم قائماً؛ فليمض): ولا يعود للتشهد الأول (وليسْجد
سجْدتين): لم يذكر محلهما (فإنْ لم يستتم قائماً؛ فليجلس) : ليأتي بالتشهد
الأول (ولا سهو عليه(١)). رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني - واللفظ له -
(١) قال ولي الله الدهلوي في كتابه ((حجة الله البالغة)): ((أقول: والحديث دليل على أن من
كان قريب الاستواء ولما يستو؛ فإنه يجلس ؛ خلافاً لما عليه العامة)) . اهـ.
قلت: وهو ظاهر الرواية؛ واختاره الكمال ابن الهمام . وفي ((الدر المختار)):
((إذا سها عن القعود الأول من الفرض ثم تذكره؛ عاد إليه وتشهد ، ولا سهو عليه - في الأصح
- ما لم يستتم قائماً؛ في ظاهر المذهب، وهو الأصح)). اهـ. ((فتح)) قال ابن الهمام فيه :
((والتوفيق بين ما روي أنه ﴿﴿ قام، فسبحوا له فرجع ... وما روي أنه لم يرجع - بالحمل
على حالتي القرب من القيام وعدمه -: ليس بأولى منه الحمل على الاستواء وعدمه)). اهـ.
قال الحلبي :
(«بل التوفيق بالحمل على الاستواء وعدمه أولى؛ لأن الواقع في الروايتين لفظ القيام؛ فحمله
مرة على الحقيقة ومرة على ما يقرب منها: أولى من حمله مرة على ما يقرب منها ومرة على ما
هو بعيد عنها؛ فليتأمل !)) اهـ. ثم أيده بالحديث المذكور ... وفي ((رد المحتار على الدر المختار))
عن ((الحلية)) :
((أنه نصٌّ فيه ، يفيد تعيُّن العمل به ، لولا ما في ثبوته من النظر ؛ فإن في سنده جابراً
الجعفي ... ) ثم ذکر کلام العلماء فیه ، ثم قال ابن عابدين :
«فلا تقوم الحجة بحديثه)) . اهـ .
أقول: لكن له شواهد صُحِّح بعضها - كما سترى -؛ فتعين العمل بها! وفي ((المرقاة)):
((وقال ابن حجر: وظاهر الحديث أن قوله : ((ويسجد سجدتي السهو)) خاص بالقسم الثاني ؛
فلا يسجد هنا للسهو، وإن كان إلى القيام أقرب . وهو الأصح عند جمهور أصحابنا ، وصححه
النووي في عدة من كتبه ، واستدل له بالحديث الصحيح: ((لا سهو في وثبة من الصلاة ؛ إلا
قيام عن جلوس ، أو جلوس عن قيام» . اهـ .
٥٩٠
٢ - كتاب الصلاة
٨- باب سجود السهو وغيره
٣١٨ - حديث المغيرة بن شعبة
بسند ضعيف(١)): وذلك أن مداره في جميع طرقه على جابر الجعفي ، وهو
ضعيف ، وقد قال أبو داود : ليس في كتابي عن جابر الجعفي غير هذا الحديث .
وفي الحديث دلالة على أنه لا يسجد للسهو إلا لفوات التشهد الأول ، لا
لفعل القيام ؛ لقوله: ((ولا سهو عليه))، وقد ذهب إلى هذا جماعة .
وذهبت الهادوية ، وابن حنبل إلى أنه يسجد للسهو؛ لما أخرجه البيهقي من
حديث أنس أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة
السهو، فسبحوا فقعد ، ثم سجد للسهو. وأخرجه الدارقطني ، والكل من فعل
أنس موقوف عليه ؛ إلا أن في بعض طرقه أنه قال : هذه السنة ، وقد رجح
حديث المغيرة عليه ؛ لكونه مرفوعاً؛ ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا
سهو إلا في قيام عن جلوس ، أو جلوس عن قيام)) . أخرجه الدارقطني ،
والحاكم ، والبيهقي ، وفيه ضعف ، ولكن يؤيد ذلك أنها وردت أحاديث كثيرة
في الفعل القليل، وأفعال صدرت منه ◌َ اهُ، ومن غيره مع علمه بذلك ، ولم
يأمر فيها بسجود السهو ، ولا سجد لما صدر عنه منها .
ية صلى فقام في
قلت : وأخرج النسائي من حديث ابن بحينة : أنه
الركعتين ، فسبحوا له ، فمضى ، فلما فرغ من صلاته ، سجد سجدتين ، ثم
(١) ((قال ميرك: ((وروى الترمذي نحوه)). وقال ابن حجر:
(وله شواهد صحح الترمذي بعضها، وابن حبان والحاكم - وقال: ((على شرط الشيخين)) -
باقيها)) .
وبه يرد قول البيهقي: ((لا يحتج به)). لكن قال: ((غير أنه رؤي من وجهين)) ؛ فعُلم أن قوله :
((لا يحتج به))؛ أي: على انفراده. اهـ. من ((المرقاة)). والله أعلم بالصواب !
٥٩١
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣١٩ - حديث عمر
سلم . وأخرج أحمد ، والترمذي ، وصححه من حديث زياد بن علاقة قال :
صلى بنا المغيرة بن شعبة ؛ فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس ؛ فسبح له من
خلفه ؛ فأشار إليهم أن قوموا ، فلما فرغ من صلاته سلم ، ثم سجد سجدتين
وسلم، ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله ﴿ه ، إلا أن هذه فيمن مضى بعد أن
يسبحوا له ، فيحتمل أنه سجد لترك التشهد ، وهو الظاهر .
* قال: ((ليس على من خَلْف
٣١٩ - وعن عُمَر رضي الله عنه عن النبي
الإمام سَهْوٌ، فإن سَهَا الإِمامُ فَعَلَيْهِ وعلى من خَلْفهُ». رواهُ الترمذي والبيْهَقِي
بسند ضعیفٍ .
ـ﴿ قال: ((ليس على من خَلْف
(وعن عُمَر رضي الله عنه عن النبي
الإمام سَهْوٌ، فإن سَهَا الإِمامُ فَعَلَيْهِ وعلى من خَلْفهُ» . رواهُ الترمذي والبيْهَقِي
بسند ضعیفٍ) .
وأخرجه الدارقطني في ((السنن)) بلفظ آخر، وفيه زيادة: ((وإن سها من
خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه)). والكل من الروايات فيها
خارجة بن مصعب ؛ ضعيف ، وفي الباب عن ابن عباس ، إلا أن فيه متروكاً .
والحديث دليل على أنه لا يجب على المؤتم سجود السهو إذا سها في صلاته ،
وإنما يجب عليه إذا سها الإمام فقط ، وإلى هذا ذهب زيد بن علي ، والناصر ،
والحنفية ، والشافعية .
وذهب الهادي : إلى أنه يسجد للسهو ؛ لعموم أدلة سجود السهو للإمام ،
والمنفرد ، والمؤتم .
٥٩٢
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢٠ ۔ حديث ثوبان
والجواب أنه لو ثبت هذا الحديث ؛ لكان مخصصاً أدلة سجود السهو ، ومع
عدم ثبوته ، فالقول قول الهادي .
٣٢٠ - وعن ثوْبانَ رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ي قال: ((لكُلِّ سَهْو سجْدتان
بعد ما يُسلِّم)) . رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف .
(وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ◌َ﴿ قال: ((لكل سهو سجدتان
بعدما يسلم)) . رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف): قالوا : لأن في إسناده
إسماعيل بن عياش ، وفيه مقال وخلاف ؛ قال البخاري : إذا حدّث عن أهل
بلده - يعني الشاميين -، فصحيح ، وهذا الحديث من روايته عن الشاميين ،
فتضعيف الحديث به ، فيه نظر .
والحديث دليل لمسألتين :
الأولى : أنه إذا تعدد المقتضي لسجود السهو ، تعدد لكل سهو سجدتان ،
وقد حكي عن ابن أبي ليلى ، وذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدد السجود ، وإن
تعدد موجبه ؛ لأن النبي {﴾ في حديث ذي اليدين سلم ، وتكلم ، ومشى
ناسياً ، ولم يسجد إلا سجدتين ، ولئن قيل : إن القول أولى بالعمل به من
الفعل ، فالجواب أنه لا دلالة فيه على تعدد السجود ؛ لتعدد مقتضيه ؛ بل هو
للعموم لكل ساه ، فيفيد الحديث أن كل من سها في صلاته بأي سهو كان ،
يشرع له سجدتان، ولا يختصان بالمواضع التي سها فيها النبي :﴿ ، ولا
بالأنواع التي سها بها ، والحمل على هذا المعنى أولى من حمله على المعنى
الأول ، وإن كان هو الظاهر فيه ؛ جمعاً بينه وبين حديث ذي اليدين ، على أن
٥٩٣
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢١ - حديث أبي هريرة
لك أن تقول : إن حديث ذي اليدين لم يقع فيه السهو المذكور حال الصلاة ؛
فإنه محل النزاع ؛ فلا يعارض حديث الكتاب .
والمسألة الثانية : يحتج به من يرى سجود السهو بعد السلام ، وتقدم فيه
تحقيق الكلام .
٣٢١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَجدنا مع رسول الله عَ ليه في
﴿إذا السماءُ انشقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿اقرأْ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
رواه مسلم .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله عَزاري في ﴿إذا
السماء انشقت﴾، و(اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. رواه مسلم): هذا من
أحاديث سجود التلاوة ، وهو داخل في ترجمة المصنف الماضية ؛ كما عرفت ،
حیث قال : باب سجود السهو وغيره .
والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة ، وقد أجمع على ذلك العلماء ،
وإنما اختلفوا في الوجوب ، وفي مواضع السجود ، فالجمهور أنه سنة ، وقال أبو
حنيفة : واجب غير فرض ، ثم هو سنة في حق التالي والمستمع إن سجد
التالي ، وقيل : وإن لم يسجد .
فأما مواضع السجود ، فقال الشافعي : يسجد فيما عدا المفصل ؛ فيكون أحد
عشر موضعاً .
وقالت الهادوية والحنفية : فى أربعة عشر محلاً. إلا أن الحنفية لا يعدون في
الحج إلا سجدة ، واعتبروا بسجدة سورة ﴿ص﴾ ، والهادوية عكسوا ذلك؛ كما ذكر
٥٩٤
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢١ - حديث أبي هريرة
ذلك المهدي في ((البحر))، وقال أحمد وجماعة: يسجد في خمسة عشر موضعاً؛
عَدُّوا سجدتي الحج وسجدة ﴿ص﴾، واختلفوا أيضاً هل يشترط فيها ما يشترط
في الصلاة من الطهارة وغيرها (١)، فاشترط ذلك جماعة ، وقال قوم: لا يشترط .
وقال البخاري : كان ابن عمر يسجد على غير وضوء، وفي ((مسند ابن أبي
شيبة)): كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ، ثم يركب فيقرأ السجدة
فيسجد ، وما يتوضأ ، ووافقه الشعبي على ذلك ، وروي عن ابن عمر أنه لا يسجد
(١) قلت: وأما التكبير للهوي لسجدة التلاوة فسُنَّة(٥)؛ لما رواه أبو داود في ((سننه)) عن ابن
عمر - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله :﴿ يقرأ علينا القرآن؛ فإذا مرَّ بالسجدة ؛ كبّر
وسجد وسجدنا [ ]( ** ) .
قال عبدالرزاق (يعني : الراوي) : وكان الثوري يعجبه هذا الحديث . قال أبو داود : يعجبه
لأنه كبَّر. انتهى .
وأما التكبير حين الرفع ؛ فقال ابن القيم في ((زاد المعاد)):
((ولم يذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ، ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام
ألبتة . وأنكر أحمد والشافعي رضي الله عنهما السلام فيه ؛ فالمنصوص عن الشافعي أنه لا
تشهد فيه ولا سلام . وقال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو؟! وهذا هو الصواب الذي لا
ينبغي غيره)). انتهى. وفي ((فتح القدير)) :
((عن أبي حنيفة: لا يكبر عند الانحطاط. وعنه: يكبر عنده لا في الانتهاء)). اهـ.
أقول: والرواية الأخيرة هي الموافقة لهديه ية، كما لا يخفى على أولي النهى ، والسلام
على عباده الذين اصطفى .
(*) كذا قال الشيخ - رحمه الله - إلا أنه رجع عن هذا - كما يبدولنا - بعدُ؛ فقد أنكر سنية التكبير للهوي
السجدة التلاوة ؛ نظراً لتضعيفه لحديث أبي داود المذكور هنا. فانظره في ((تمام المنة)) (ص٢٦٧). (الناشر).
( ** ) كذا في الأصل من غير رقم ، وكل ما وقع في الكتاب من الأقواس الفارغة فحاله كحال هذا .
٥٩٥
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢١ - حديث أبي هريرة
الرجل إلا وهو طاهر. وجمع بين قوله وفعله على الطهارة من الحدث الأكبر .
قلت : والأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل ؛ وأدلة وجوب الطهارة وردت
للصلاة ، والسجدة لا تسمى صلاة ، فالدليل على من شرط ذلك ، وكذلك
أوقات الكراهة ورد النهي عن الصلاة فيها ؛ فلا تشمل السجدة الفردة .
وهذا الحديث دل على السجود للتلاوة في المفصل ، ويأتي الخلاف في ذلك ، ثم
رأيت لابن حزم كلاماً في ((شرح المحلى)) لفظه: السجود في قراءة القرآن ليس
ركعة ، أو ركعتين؛ فليس صلاة ، وإذا كان ليس صلاة ؛ فهو جائز بلا وضوء ،
وللجنب والحائض ، وإلى غير القبلة كسائر الذكر ، ولا فرق؛ إذْ لا يلزم الوضوء إلا
للصلاة ، ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ؛ فإن
قيل : السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة ، قلنا : والتكبير بعض الصلاة
والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة ، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئاً من هذه
الأفعال والأقوال ، إلا وهو على وضوء؟! هذا لا يقولونه، ولا يقوله أحد(١). انتهى.
(١) وقال العلامة الشوكاني في ((نيل الأوطار)): فائدة : ليس في أحاديث سجود التلاوة ما
من حضر تلاوته ، ولم
يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً. وقد كان يسجد معه فـ
ينقل أنه أمر أحداً منهم بالوضوء ، ويبعد أن يكونوا جميعاً متوضئين . وأيضاً ؛ قد كان يسجد
معه المشركون كما تقدم، وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم (أقول : في هذا الأيض نظر ظاهر لا
يخفى على اللبيب ! ثم ذكر نحو ما تقدم في الكتاب عن ابن عمر. ثم قال) وهكذا ليس في
الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان . وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان ؛
فقيل : إنه معتبر اتفاقاً . قال في ((الفتح)): لم يوافق ابن عمر أحدٌ على جواز السجود بلا وضوء ؛
إلا الشعبي ؛ أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح . وأخرج أيضاً عن أبي عبدالرحمن
السلمي : أنه كان يقرأ السجدة، ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة ، وهو يمشي =
٥٩٦
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢٢ - حديث ابن عباس
٣٢٢ - وعَن ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ
= يومئ إيماء . ومن الموافقين لابن عمر من أهل البيت : أبو طالب والمنصور بالله تعالى.
فائدة أخرى : روي عن بعض الصحابة : أنه كان يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة !
والظاهر عدم الكراهة ؛ لأن السجود المذكور ليس بصلاة . والأحاديث الواردة بالنهي مختصة
بالصلاة». انتهى كلامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموعة الفتاوى)» ما ملخصه :
((ومن المعلوم أنه لو كان النبي تَ ﴿ بَيَّن لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء ؛ لكان هذا
مما يعلمه عامتهم ؛ لأنهم كلهم كانوا يسجدون معه ، وكان هذا شائعاً في الصحابة . فإذا لم يعرف
عن أحد منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة ، وكان ابن عمر من أفقههم وأتبعهم للسنة . وقد
بقي إلى آخر الأمر يسجد للتلاوة على غير طهارة؛ كان هو ما يبين أنه لم يكن معروفاً بينهم أن
الطهارة واجبة لها. ولو كان هذا ما أوجبه النبي { 8 ؛ لكان ذلك شائعاً بينهم كشياع وجوب
الطهارة للصلاة ، وصلاة الجنازة ؛ وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها .
لكن سجودها على طهارة أفضل باتفاق المسلمين . وقد يقال : إنه يكره سجودها على غير طهارة مع
* لما سلّم عليه مسلّم؛ لم يرد عليه حتى تيمم، وقال: ((كرهت
القدرة على الطهارة ؛ فإن النبي
أن أذكر الله إلا على طهر))؛ فالسجود أولى من السلام . لكن كون الإنسان إذا قرأ وهو محدث يحرم
عليه السجود ، ولا يحل له أن يسجد لله إلا بطهارة ؛ قول لا دليل عليه ! على أن السجدة ليست
من الصلاة، ويدل على ذلك أن النبي ◌َ ﴾ قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب))،
وكذلك قال: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، ولم ينقل أحد عنه ،﴾ ولا عن أصحابه أن فيه
تسليماً ، ولا أنهم كانوا يسلمون فيه ، ولكن يسجد للتلاوة بالتكبير لحديث ابن عمر. ومجرد
الافتتاح بالتكبير لا يوجب أن يكون المفتتح صلاة؛ فقد ثبت في ((الصحيح)) أن النبي ◌َري: طاف
على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء بيده وكبّر. وكذلك ثبت عنه أنه كبر على الصفا
والمروة ، وعند رمي الجمار. فلهذا لا تسمى صلاة لا مطلقاً ولا مقيداً، فلا يقال : صلاة التلاوة !
فلهذا؛ لم تدخل في قوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))، وقوله: ((لا يقبل الله تعالى
صلاة أحدكم إذا أحدث، حتى يتوضأ))؛ فإن السجود مقصوده الخضوع والذل له)). انتهى
ببعض تصرف في العبارة من (صفحة ٥٠ - ٥٤) من الجزء الثاني . وعلى الله اتكالي !
٥٩٧
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره
٣٢٢ - حديث ابن عباس
السُّجُودِ ، وقد رَأَيْتُ رَسُولَ الله عَّهِ يسجد فيها. روَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود ،
وقد رأيت رسول الله ﴿ يسجد فيها. رواه البخاري) : أيْ: ليست مما ورد في
السجود فيها أمر ، ولا تحريض ، ولا تخصيص ، ولا حث ، وإنما ورد بصيغة
الإخبار عن داود عليهِ السَّلام بأنه فعلها وسجد نبينا ◌َّهِ فيها ؛ اقتداء به لقوله
تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] .
وفيه دلالة على أن المسنونات قد يكون بعضها أكد من بعض ، وقد روي أنه
قال : «سجدها داود توبة وسجدناها شكرا)) . وروى ابن المنذر، وغيره بإسناد
حسن عن علي بن أبي طالب عليه السلام: إن العزائم: ﴿حم﴾، والنجم،
و﴿اقرأ﴾، و﴿الم تنزيل﴾. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر ، وقيل:
في الأعراف، و﴿سبحان﴾، و﴿حم﴾، و﴿الم﴾ . أخرجه ابن أبي شيبة .
٣٢٣ - وعنهُ: أنَّ النبي
سَجَدَ بالنّجْم . رواهُ البخاريُّ .
(وعنه): أي: ابن عباس (أن النبي {﴿ سجد بالنجم. رواه البخاري).
هو دليل على السجود في المفصل ، كما أن الحديث الأول دليل على ذلك ،
وقد خالف فيه مالك ، وقال : لا سجود لتلاوة في المفصل ، وقد قدمنا لك
الخلاف في أول المفصل محتجاً بما روي عن ابن عباس: أنه عم ليه لم يسجد في
شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة . أخرجه أبو داود ، وهو ضعيف الإسناد ،
وفيه أبو قدامة ، واسمه : الحارث بن عبد الله ، إيادي ، بصري ، ولا يحتج
بحديثه ؛ كما قال الحافظ المنذري في ((مختصر السنن))، ومحتجاً أيضاً بقوله :
٥٩٨
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣٢٤، ٣٢٥ - حديثا زيد بن ثابت وخالد بن معدان
٣٢٤ - وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : قرَأْتُ على رسول الله
النّجْم ، فلمْ يَسْجُدْ فيها . متفق عليه .
جّ
(وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قرَأْتُ على رسول الله
النّجْم ، فلمْ يَسْجُدْ فيها . متفق عليه).
صَلى الله
وزيد بن ثابت من أهل المدينة ، وقراءته بها كانت في المدينة ، قال مالك :
فأيد حديث ابن عباس ، وأجيب عنه بأن ترك السجود تارة ، وفعله تارة ؛ دليل
السنية ، أو لمانع عارض ذلك ، ومع ثبوت حديث زيد ، فهو ناف ، وحديث غيره
- وهو ابن عباس - مثبت ، والمثبت مقدم .
٣٢٥ - وعن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ
بسَجْدتين . رواه أبو داود في ((المراسيل(١)).
(وعن خالد بن معدان رضي الله عنه): بفتح الميم وسكون العين المهملة
وتخفيف الدال المهملة ، وخالد هو أبو عبد الله خالد بن معدان ، الشامي ،
الكلاعي - بفتح الكاف -، تابعي ، من أهل حمص ؛ قال : لقيت سبعين رجلاً
من أصحاب النبي ◌َ لي ، وكان من ثقات الشاميين ، مات سنة أربع ومائة ، وقيل :
سنة ثلاث (قال: فضلت سورة الحج بسجدتين . رواه أبو داود في ((المراسيل))) :
كذا نسبه المصنف إلى ((مراسيل أبي داود))، وهو موجود في ((سننه)) مرفوعاً، من
حديث عقبة بن عامر بلفظ : قلت : يا رسول الله ، في سورة الحج سجدتان؟ قال :
(١) ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (٣١٧/٢) ، وقال :
((قال أبو داود: وقد أسند هذا، ولا يصح)) .
٥٩٩
٢ - كتاب الصلاة
٨ - باب سجود السهو وغيره ٣٢٧،٣٢٦ - حديثا عقبة بن عامر وعمر
(نعم، ومن لم يسجدهما؛ فلا يقرأهما))، فالعجب كيف نسبه المصنف إلى
(المراسيل)) مع وجوده في ((سننه)) مرفوعاً؟! ولكنه قد وصل في :
٣٢٦ - ورواه أحمد والترمذي موصولاً من حديث عُقبةَ بن عامر ، وزادَ :
((فمن لم يَسجدْهما؛ فلا يقرأها)). وسندُهُ ضعيفٌ.
(ورواه أحمد والترمذي موصولاً من حديث عقبة بن عامر ، وزاد) : أي :
الترمذي في روايته («فمن لم يسجدهما ؛ فلا يقرأها))): بضمير مفرد ؛ أي :
السورة ، أو آية السجدة ، ويراد الجنس (وسنده ضعيف): لأن فيه ابن لهيعة ،
قيل : إنه تفرد به ، وأيده الحاكم بأن الرواية صحت فيه من قول عمر ، وابنه ،
وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي الدرداء ، وأبي موسى ، وعمار، وساقها موقوفة
عليهم ، وأكده البيهقي بما رواه في ((المعرفة)) من طريق خالد بن معدان .
وفي الحديث ردّ على أبي حنيفة وغيره ممن قال : إنه ليس بواجب ، كما
قال : إنه ليس في سورة الحج إلا سجدة واحدة في الأخيرة منها ، وفي قوله :
((فمن لم يسجدهما؛ فلا يقرأها))؛ تأكيد لشرعية السجود فيها ، ومن قال
بإيجابه ، فهو من أدلته ، ومن قال: ليس بواجب ، قال: لما ترك السنة - وهو
سجود التلاوة -، بفعل المندوب - وهو القرآن -، كان الأليق الاعتناء بالمسنون وأن
لا يتركه ؛ فإذا تركه ، فالأحسن له أن لا يقرأ السورة .
٣٢٧ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قال: يا أيها النّاسُ! إنا نمرّ بالسجود ؛ فَمَنْ
سجدَ فقد أصابَ ، ومَنْ لَمْ يَسْجُدْ فلا إثم عليه . رواهُ البخاري ، وفيه : إن
الله تعالى لمْ يفرض السُّجودَ إلا أن نشاءَ. وهو في ((الموطأ)).
٦٠٠