Indexed OCR Text

Pages 541-560

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٥ - حديث ابن عمر
لاتصالها بنياط القلب ، فتحريكها سبب لحضوره (رواه مسلم ، وفي رواية له :
وقبضَ أصابعهُ كُلّها ، وأشار بالتي تلي الإبهام) .
ووضع اليدين على الركبتين مجمع على استحبابه ، وقوله : وعقد ثلاثاً
وخمسين، قال المصنف في ((التلخيص)): صورتها أنه يجعل الإبهام مفتوحة
= كتاب ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية)) - في كتابه ((التعليق الممجد على موطأ محمد)»:
((وقد ذكر ابن الهمام في ((الفتح))، والشمني في ((شرح النقاية)) وغيرهما: أنه ذكر أبو يوسف
في ((الأمالي)) مثل ما ذكر محمد. فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإشارة ؛ لثبوتها
عن النبي هه وأصحابه بروايات متعددة، وطرق متكثرة، لا سبيل إلى إنكارها ولا إلى ردها.
وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف في ذلك . وإلى الله
المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى - كصاحب ((الخلاصة))،
و((البزازية))، و((الكبرى))، و((العتابية))، و(العناية))، و((الولواجية))، و((عمدة المفتي))،
و(الظهيرية))، وغيرها - حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة ؛ بل ذكر بعضهم أنها مكروهة!
والذي حملهم على ذلك سكوت أئمتنا عن هذه المسألة في ظاهر الرواية ! ولم يعلموا أنه قد
ثبت عنهم بروايات متعددة ، ولا أنه ورد في أحاديث متكثرة !
فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة ، مع كونه مخالفاً لما ثبت عن النبي
وأصحابه ؛ بل وعن أئمتنا أيضاً . بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي ، وثبت عن رسول
الله
. وأصحابه الإثبات ؛ لكان فعل الرسول وأصحابه أحقَّ وألزم بالقبول ؛ فكيف وقد قال به
أئمتنا أيضاً؟!)). انتهى كلامه .
أقول : والعجب كل العجب أنهم يقولون بأن باب الاجتهاد مسدود؛ وهم اجتهدوا في هذه
المسألة ، مع وجود النصوص عن أئمتهم المقلَّدين ، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين ،
والأخبار المروية عن سيد المرسلين ؛ مع أنه لا اجتهاد في مقابل النص عند القائلين بصحته
فضلاً عنهم ! ولكنْ ﴿إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾! نسأله
تعالى التوفيق إلى أقوم الطريق !!
٥٤١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٥ - حديث ابن عمر
تحت المسبحة ؛ وقوله : وقبض أصابعه كلها ؛ أي : أصابع يده اليمنى قبضها على
الراحة ، وأشار بالسبابة ، وفي رواية وائل بن حجر: حلّق بين الإبهام والوسطى .
أخرجه ابن ماجه ، فهذه ثلاث هيئات : جعل الإبهام تحت المسبحة مفتوحة ،
وسكت في هذه عن بقية الأصابع ، هل تضم إلى الراحة ، أو تبقى منشورة على
الركبة؟ الثانية : ضم الأصابع كلها على الراحة ، والإشارة بالمسبحة . الثالثة :
التحليق بين الإبهام والوسطى ، ثم الإشارة بالسبابة .
وورد بلفظ الإشارة؛ كما هنا، وكما في حديث ابن الزبير: أنه مَلِ كان
يشير بالسبابة ، ولا يحركها . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان
في (صحيحه))، وعند ابن خزيمة، والبيهقي من حديث وائل: أنه ﴿ رفع
إصبعه ، فرأيته يحركها ، يدعو بها . قال البيهقي : يحتمل أن يكون مراده
بالتحريك الإشارة ، لا تكرير تحريكها ، حتّى لا يعارض حديث ابن الزبير،
وموضع الإشارة عند قوله : لا إله إلا الله ؛ لما رواه البيهقي(١) من فعل النبي
،
وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه ؛ فيكون جامعاً في التوحيد بين الفعل
والقول والاعتقاد؛ ولذلك نهى النبي ◌َ ◌ّه عن الإشارة بالأصبعين، وقال: ((أَحِّدْ
أَخِّدْ)) ، لمن رآه يشير بأصبعيه .
(١) كأنه يعني حديث خُفاف بن إيماء في رفع السبابة؛ قال: إن رسول الله عَ ﴿ كان إذا
صلى ، يصنع ذلك ، وكان المشركون يقولون : إنما يصنع هذا محمد ليسحر ! وكذبوا ؛ إنما كان
يصنع ذلك ، لما يوحّد ربه تبارك وتعالى !
وهذا - مع كونه ليس صريحاً فيما ذكره الشارح - ففيه عند البيهقي (١٣٣/٢) رجل من أهل
المدينة لم يسمَّ !
٥٤٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٥ - حديث ابن عمر
ثم الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات(١)، ووجه الحكمة شغل كل عضو بعبادة .
وورد في اليد اليسرى عند الدارقطني من حديث ابن عمر: أنه ت ألقم كفه
اليسرى ركبته ، وفسر الإلقام بعطف الأصابع على الركبة ، وذهب إلى هذا
بعضهم؛ عملاً بهذه الرواية ، قال : وكأنّ الحكمة فيه منع اليد عن العبث .
واعلم أن قوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثاً وخمسين ، إشارة إلى طريقة
معروفة ، تواطأت عليها العرب في عقود الحساب ، وهي أنواع من الآحاد ،
والعشرات ، والمئين ، والألوف ، أما الآحاد ، فللواحد : عقد الخنصر إلى أقرب ما
يليه من باطن الكف ، وللاثنين : عقد البنصر معها كذلك ، وللثلاثة : عقد
الوسطى معها كذلك ، وللأربعة : حل الخنصر ، وللخمسة : حل البنصر معها
(١) ((والصحيح المختار عند جمهور أصحابنا: أنه يضع كفيه على فخذيه، ثم عند وصوله إلى
كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى والإبهام ، ويشير بالمسبحة رافعاً لها عند
النفي، واضعاً لها عند الإثبات ، ثم يستمر على ذلك ؛ لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا
خلاف ، ولم يوجد أمر يغيره ؛ فالأصل إبقاء الشيء على ما هو عليه ، واستصحابه إلى آخر
أمره ، ومآله إليه . هذا؛ وقال شارح ((المنية)): وصفتها: أن يحلق من يده اليمنى عند الشهادة
الإبهام والوسطى ، ويقبض البنصر والخنصر ، ويضع رأسه (كذا) ، ويشير بالمسبحة . أو يعقد
ثلاثة وخمسين ؛ يعني كالمشير إلى هذا العدد ؛ بأن يقبض الوسطى والبنصر والخنصر ، ويضع
رأس إبهامه على حرف مفصل السبابة الأوسط ، ويرفع الإصبع عند النفي ، ويضعها عند
الإثبات. انتهى . وهو يفيد التخيير بين نوعي الإشارة الثابتتين عن رسول الله تَضله ؛ وهو قول
حسن ، وجمع مستحسن . فينبغي للسالك أن يأتي بأحدهما مرة ، وبالآخر مرة ؛ فإنه بالتحري
أحرى !)). كذا في رسالة العلامة القاري .
وأحاديث التحليق أكثر من أحاديث العقد ؛ كما يتبين من رسالته (*) .
(*) استقررأي الشيخ رحمه الله على تحريك السبابة؛ كما في كتابه ((صفة صلاة النبي ﴿)). (الناشر).
٥٤٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٦ - حديث ابن مسعود
دون الوسطى ، وللستة : عقد البنصر، وحل جميع الأنامل ، وللسبعة : بسط
الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف ، وللثمانية : بسط البنصر فوقها كذلك،
وللتسعة : بسط الوسطى فوقها كذلك .
وأما العشرات : فلها الإبهام والسبابة ، فالعشرة الأولى : عقد رأس الإبهام
على طرف السبابة ، وللعشرين : إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى ، والثلاثين :
عقد رأس السبابة على رأس الإبهام ؛ عكس العشرة ، وللأربعين : تركيب الإبهام
على العقد الأوسط من السبابة ، وعطف الإبهام على أصلها ، وللخمسين :
عطف الإبهام إلى أصلها ، وللستين : تركيب السبابة على ظهر الإبهام ؛ عكس
الأربعين ، وللسبعين : إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة ، ورد
طرف السبابة إلى الإبهام ، وللثمانين : رد طرف السبابة إلى أصلها ، وبسط
الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام ، وللتسعين : عطف السبابة إلى
أصل الإبهام ، وضمها بالإبهام ، وأمّا المئين فكالآ حاد إلى تسعمائة في اليد
اليسرى ، والألوف كالعشرات في اليسرى .
٢٩٦ - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: الْتفتَ إليْنا رسول
الله ◌ِهِ، فقَالَ: ((إذا صلى أحدُكم فَلْيَقُل: التّحِيّات لله، والصَّلواتُ،
والطّيِّباتُ ، السّلامُ عليك أيّها النبيّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السّلام علينا وعلى
عباد الله الصالحينَ ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عبْدُهُ ورسولُهُ،
ثم ليتخَيّر من الدّعاءِ أَعْجبَهُ إليه، فَيَدْعو)). متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.
وللنسائي : كُنّا نقولُ قبلَ أن يُفرض علينا التشهد .
٥٤٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٦ - حديث ابن مسعود
** علمه التشهد ، وأمره أن يعلمه الناس .
ولأحمد : أن النبي
(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: التفت إلينا رسول الله
فقال: ((إذا صلى أحدكم فليقل: التّحيات) : جمع تحية ؛ ومعناها : البقاء
والدوام، أو العظمة ، أو السلامة من الآفات، أو كل أنواع التعظيم (الله ،
والصَّلوات) : قيل : الخمس ، أو ما هو أعم من الفرض والنفل ، أو العبادات كلها ،
أو الدعوات ، أو الرحمة ، وقيل : التحيات : العبادات القولية ، والصلوات : العبادات
الفعلية (والطّيّبات) : أي : ما طاب من كلام، وحسن أن يثنى به على الله ، أو ذكر
الله ، أو الأقوال الصالحة ، أو الأعمال الصالحة ، أو ما هو أعم من ذلك ، وطيبها :
كونها كاملة خالصة عن الشوائب، و((التحيات)) مبتدأ خبرها ((الله))، و((الصلوات))
و((الطيبات)) عطف عليه ، وخبرهما محذوف ؛ وفيه تقادير أخر .
(السّلامُ): أي : السلام الذي يعرفه كل أحد (علَيك(١) أيها النبي ورحمةُ
(١) أقول: الظاهر أن السلام بلفظ الخطاب كان في حياته عليه السلام؛ لما في (باب
الأخذ باليدين) من كتاب ((الاستئذان)) في ((صحيح البخاري)) عن ابن مسعود - بعد أن ذكر
التشهد ۔ :
وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا : السلام؛ يعني : على النبي . اهـ. وفي حديث عبدالله
ابن عمر في «الموطأ» :
السلام على النبي . ولذلك قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)»:
ءُ؛ فيقال بلفظ
((وقد ورد في بعض طرق ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ،
الخطاب. وأما بعده فبلفظ الغيبة))، ثم ذكر ما تقدم عن ابن مسعود ، ثم قال :
((وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه))، والسرّاج ، والجوزقي، وأبو نعيم الأصبهاني ، والبيهقي =
٥٤٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٦ - حديث ابن مسعود
الله وبركاته): خصوه ◌َ ال﴿ أولاً بالسلام عليه؛ لعظم حقه عليهم، وقدموه على
التسليم على أنفسهم؛ لذلك، ثم أتبعوه بالسلام عليهم في قولهم (السّلام
علينا، وعلى عباد الله الصَّالحين): وقد ورد أنه يشمل كل عبد صالح في
السماء والأرض ، وفسر الصالح بأنه القائم بحقوق الله ، وحقوق عباده،
ودرجاتهم متفاوتة .
(أشهد أن لا إله إلا الله) : لا مستحق للعبادة بحق غيره ، فهو قصر إفراد ؛
لأن المشركين كانوا يعبدونه ، ويشركون معه غيره (وأشهد أنَّ محمداً عبده
ورسوله): هكذا هو بلفظ: ((عبده ورسوله)) في جميع روايات ((الأمهات الست»،
ووهم ابن الأثير في ((جامع الأصول))، فساق حديث ابن مسعود بلفظ: ((وأن
محمداً رسول الله)) ونسبه إلى الشيخين ، وغيرهما ، وتبعه على وهمه صاحب
= من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ :
فلما قبض قلنا : السلام على النبي ... بحذف لفظ : يعني .
قال السبكي في ((شرح المنهاج)) - بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده - : إن
صح هذا عن الصحابة ؛ دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي غير واجب ، فيقال : السلام
على النبي . اهـ .
قلت : قد صح بلا ريب ! وقد وجدت له متابعاً قويّاً؛ قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج :
أخبرني عطاء : أن الصحابة كانوا يقولون - والنبي حي -: السلام عليك أيها النبي ! فلما مات
قالوا: السلام على النبي. وهذا إسناد صحيح)). اهـ. المقصود منه في الجزء الثاني.
وقد نقل كلامه هذا غير قليل من الأئمة المحققين، كالقسطلاني في ((شرح البخاري))،
والزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية))، وفي ((شرح الموطأ))، وعبدالحي اللكنوي في ((التعليق
الممجّد على موطأ محمد))، وسكتوا عليه، والسكوت نصف الإقرار! والله أعلم بحقيقة الحال .

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٦ - حديث ابن مسعود
((تيسير الوصول))، وتبعهما على الوهم الجلال في ((ضوء النهار))، وزاد أنه لفظ
البخاري ، ولفظ البخاري كما قاله المصنف ، فتنبه .
(ثم ليتخير من الدعاء أعجبَهُ إليه ، فيدعو)). متفق عليه، واللفظ للبخاري) :
قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود ، يروى عنه من
نيف وعشرين طريقاً، ولا نعلم روي عن النبي ◌َ ﴿ في التشهد أثبت منه، ولا
أصح إسناداً، ولا أثبت رجالاً ، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق .
وقال مسلم : إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود ؛ لأن أصحابه لا
يخالف بعضهم بعضاً ، وغيره قد اختلف عنه أصحابه .
وقال محمد بن يحيى الذهلي : هو أصح ما روي في التشهد ، وقد روى
حديث التشهد أربعة وعشرون صحابياً ، بألفاظ مختلفة ، اختار الجماهير منها
حديث ابن مسعود .
والحديث فيه دلالة على وجوب التشهد ؛ لقوله: ((فليقل))، وقد ذهب إلى
وجوبه أئمة من الآل ، وغيرهم من العلماء ، وقالت طائفة : إنه غير واجب ؛ لعدم
تعليمه المسيء صلاته ، ثم اختلفوا في الألفاظ التي تجب عند من أوجبه ، أو
عند من قال : إنه سنة ، وقد سمعت أرجحية حديث ابن مسعود ، وقد اختاره
الأكثر ، فهو الأرجح ، وقد رجح جماعة غيره من ألفاظ التشهد الواردة عن
الصحابة ، وزاد ابن أبي شيبة قول : ((وحده لا شريك له))، في حديث ابن
مسعود من رواية أبي عبيدة عن أبيه ، وسنده ضعيف ، لكن ثبتت هذه الزيادة
من حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في ((الموطأ))،
٥٤٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٦ - حديث ابن مسعود
وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني ، إلا أنه بسند ضعيف، وفي ((سنن أبي
داود)): قال ابن عمر: زدت فيه: ((وحده لا شريك له))، وظاهره أنه موقوف
على ابن عمر .
وقوله: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه))، زاد أبو داود: ((فيدعو به))، ونحوه
للنسائي من وجه آخر بلفظ: ((فليدع))، وظاهره الوجوب أيضاً للأمر به ، وأنه
يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ، وقد ذهب إلى وجوب الاستعاذة الآتية
طاوس ؛ فإنه أمر ابنه بالإعادة للصلاة ؛ لما لم يتعوذ من الأربع الآتي ذكرها ، وبه
قال بعض الظاهرية .
وقال ابن حزم : ويجب أيضاً في التشهد الأول ، والظاهر مع القائل بالوجوب ،
وذهب الحنفية ، والنخعي ، وطاوس: إلى أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد
في القرآن .
وقال بعضهم: لا يدعو إلا بما كان مأثوراً، ويرد القولين: قوله { ل: (ثم
ليتخير من الدعاء أعجبه))، وفي لفظ: ((ما أحب))، وفي لفظ للبخاري: ((من
الثناء ما شاء)» ، فهو إطلاق للداعي أن يدعو بما أراد .
وقال ابن سيرين : لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة ، وقد أخرج سعيد بن
منصور من حديث ابن مسعود: فعلمنا التشهد في الصلاة - أي: النبي :﴿ ﴿ -
ثم يقول : ((إذا فرغ أحدكم من التشهد ، فليقل : اللهمَّ إني أسألك من الخير
ما علمت منه ، وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه ، وما لم
أعلم ، اللهمَّ إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون ، وأعوذ بك
٥٤٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٧ - حديث ابن عباس
من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة﴾)) [البقرة: ٢٠١] الآية .
ومن أدلة وجوب التشهد ما أفاده قوله : (وللنسائي) : أيْ : من حديث ابن
مسعود (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) : حذف المصنف تمامه وهو :
السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله عَزاله: ((لا
تقولوا هذا، ولكن قولوا: التحيات ... إلى آخره))، ففي قوله : يفرض عليه
دليل الإيجاب ، إلا أنه أخرج النسائي هذا الحديث من طريق ابن عيينة ، قال
ابن عبد البر في ((الاستذكار)): تفرد ابن عيينة بذلك، وأخرج مثله الدارقطني ،
والبيهقي ، وصححاه .
(ولأحمد) : أيْ: من حديث ابن مسعود ، وهو من أدلة الوجوب أيضاً (أن
النبي ◌َ﴿ُ علّمه التشهد، وأمره أن يعلمهُ الناس) : أخرجه أحمد عن ابن
التشهد ، وأمره أن يعلمه الناس :
عبيدة عن عبد الله قال : علمه رسول الله
((التحيات ... ))؛ وذكره إلخ .
٢٩٧ - ولمسْلم عن ابن عباس رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َظِ
يُعلِّمُنا التّشهدَ : ((التحيات المباركاتُ الصلوات الطَّيِّبات لله ... إلى آخره)).
(ولمسْلم عن ابن عباس رضي الله عنه قالَ: كانَ رسول الله ◌َيُ﴿ يُعلِّمُنا
التّشهد: ((الَّتحيات المباركات الصلوات الطَّيِّبات لله ... إلى آخره).
تمامه : ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)).
٥٤٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٨ - حديث فضالة بن عبيد
هذا لفظ مسلم ، وأبي داود ، ورواه الترمذي ، وصححه كذلك ، لكنه ذكر السلام
منكراً، ورواه ابن ماجه كمسلم ، لكنه قال: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))،
ورواه الشافعي، وأحمد؛ بتنكير السلام أيضاً، وقالا فيه: ((وأن محمداً))، ولم
يذكرا: ((أشهد))، وفيه زيادة: ((المباركات))، وحذف الواو من: ((الصلوات))
ومن ((الطيبات))، وقد اختار الشافعي تشهد ابن عباس هذا .
قال المصنف : إنه قال الشافعي لما قيل له : کیف صرت إلی حدیث ابن عباس
في التشهد؟ قال : لما رأيته واسعاً ، وسمعته عن ابن عباس صحيحاً ، كان عندي
أجمع ، وأكثر لفظاً من غيره ، فأخذت به ، غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح .
٢٩٨ - وعن فَضالةَ بن عُبَيْدِ قالَ: سمع رسول الله عَزّةٍ رجلاً يدعو في
صلاته ، ولم يحْمد الله، ولم يصل على النبيِّ ◌َ﴿، فقال: ((عَجِلَ هذا)) ، ثم
دعاهُ ، فقالَ: ((إذا صلى أحدكم؛ فليبدأ بتحميد ربِّه والثناء عليه ، ثم يصلي
على النبي ونَ﴿، ثم يدعو بما شاء)). رواهُ أحمد والثلاثة، وصحّحُهُ الترمذي
وابن حِبّان والحاكم .
(وعن فضالة) : بفتح الفاء بزنة سحابة ، هو أبو محمد فضالة (ابن عبيد):
بصيغة التصغير لعبد ، أنصاري أوسي ، أول مشاهده أحد ، ثم شهد ما بعدها ،
وبايع تحت الشجرة ، ثم انتقل إلى الشام ، وسكن دمشق ، وتولى القضاء بها ،
ومات بها ، وقيل غير ذلك .
(قال: سمع رسول الله ﴿ رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم
يصل على النبي ◌َ له، فقال: ((عجل هذا))): أي: بدعائه قبل تقديم الأمرين
٥٥٠

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٩ - حديث أبي مسعود
(ثم دعاه، فقال: ((إذا صلى أحد كمْ؛ فَلْيَبدأ بتحميد ربّه والثناءِ عليه) : هو
عطف تفسيري ، ويحتمل أن يراد بالتحميد نفسه ، وبالثناء ما هو أعم - أي :
عبارة -؛ فيكون من عطف العام على الخاص (ثمّ يصلي) : هو خبر محذوف -
أي: ثم هو يصلي -؛ عطف جملة على جملة؛ فلذا لم تجزم (على النبي ◌َله ،
ثم يدعو بما شاء))) : من خير الدنيا والآخرة (رواه أحمد والثلاثة ، وصححه
الترمذي وابن حبان والحاكم) .
الحديث دليل على وجوب ما ذكر من التحميد والثناء ، والصلاة عليه
عَلي ، والدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره ؛ فإن
أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء ، وهي مبينة لما أجمله هذا ،
ويأتي الكلام في الصلاة عليه ◌َليم ، وهذا إذا ثبت أن هذا الدعاء الذي سمعه
النبي ◌ٍَّ من ذلك الرجل ، كان في قعدة التشهد ، وإلا فليس في هذا الحديث
دليل على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد ، إلا أن ذكر المصنف له هنا يدل على
أنه كان في قعود التشهد ، وكأنه عرف ذلك من سياقه ، وفيه دليل على تقديم
الوسائل بين يدي المسائل ، وهي نظير: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]
حيث قدم الوسيلة ، وهي العبادة على طلب الاستعانة .
٢٩٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بن سَعْدِ: يَا رَسُولَ
الله ، أَمَرَنَا اللّه أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ :
(قُولُوا: اللهُمَّ! صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ؛
وَبَارْ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِين،
٥٥١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٩ - حديث أبي مسعود
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيد . والسَّلام كَمَا عُلَّمْتُم)) . رواه مسلم ، وزاد ابنُ خزيمة فيه:
فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلاتِنَا؟
(وعن أبي مسعود رضي الله عنه) : الأنصاري ، أبو مسعود ، اسمه عقبة بن
عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري ، شهد العقبة الثانية وهو صغير ، ولم
يشهد بدراً، وإنما نزل به فنسب إليه ، سكن الكوفة ، ومات بها في خلافة أمير
المؤمنين علي عليه السلام (قال : قال بشير بن سعد) : هو أبو النعمان بشير بن سعد
ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، والد النعمان بن بشير ، شهد العقبة وما بعدها (يا
رسول الله ، أمرنا الله أن نصلي عليك): يريد في قوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا
تسليماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] (فكيف نصلي عليك؟ فسكت): أيْ: رسول الله عَ ليه وعند
أحمد ومسلم زيادة: حتى تمنينا أنه لم يسأله (ثم قال: «قولوا : اللهمَّ! صلِّ على
محمد ، وعلى آل محمد ، كما صلَّت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل
محمد ، كما باركت على إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيدٌ).
الحميد : صيغة مبالغة ؛ فعيل بمعنى : مفعول ، يستوي فيه المذكر والمؤنث ؛
أي : إنك محمود بمحامدك اللائقة بعظمة شأنك ، وهو تعليل لطلب الصلاة ؛
أي : لأنك محمود ، ومن محامدك إفاضتك أنواع العنايات ، وزيادة البركات
على نبيك ، الذي تقرب إليك بامتثال ما أهلته له من أداء الرسالة . ويحتمل أن
حميداً بمعنى : حامد ؛ أي : إنك حامد من يستحق أن يحمد ، ومحمد من
أحق عبادك بحمدك ، وقبول دعاء من يدعو له ، ولآله ، وهذا أنسب بالمقام .
مجيد : مبالغة ماجد ، والمجد : الشرف .
٥٥٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٩ - حديث أبي مسعود
(والسلام كما علمتم))) : بالبناء للمجهول وتشديد اللام ، وفيه رواية بالبناء
للمعلوم وتخفيف اللام (رواه مسلم ، وزاد ابن خزيمة فيه : فكيف نصلي عليك
إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟) : وهذه الزيادة رواها أيضاً ابن حبان ،
والدارقطني، والحاكم ، وأخرجها أبو حاتم ، وابن خزيمة في ((صحيحيهما))،
وحديث الصلاة أخرجه الشيخان ، عن كعب بن عجرة عن أبي حميد
الساعدي ، وأخرجه البخاريّ ، عن أبي سعيد ، والنسائي ، عن طلحة،
والطبراني ، عن سهل بن سعد ، وأحمد والنسائي ، عن زيد بن خارجة .
والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه :﴿﴿ في الصلاة ؛ لظاهر الأمر -
أعني: ((قولوا)) -، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف ، والأئمة ، والشافعي،
وإسحق ، ودليلهم الحديث مع زيادته الثابتة ، ويقتضي أيضاً وجوب الصلاة على
الآل ، وهو قول الهادي ، والقاسم ، وأحمد بن حنبل ، ولا عذر لمن قال بوجوب
الصلاة عليه ◌َلٍ مستدلاً بهذا الحديث ، من القول بوجوبها على الآل؛ إذ المأمور
به واحد ، ودعوى النووي وغيره الإجماع على أن الصلاة على الآل مندوبة غير
مسلمة؛ بل نقول: الصلاة عليه ﴿. لا تتم - ويكون العبد ممتثلاً بها - حتّى
يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الآل ؛ لأنه قال السائل : كيف نصلي
عليك؟ فأجابه بالكيفية أنها الصلاة عليه وعلى آله ، فمن لم يأت بالآل ، فما
صلى عليه بالكيفية التي أمر بها؛ فلا يكون ممتثلاً للأمر ؛ فلا يكون مصلياً
عليه ﴿، وكذلك بقية الحديث من قوله: ((كما صليت ... إلى آخره))،
يجب؛ إذْ هو من الكيفية المأمور بها ، ومن فرق بين ألفاظ هذه الكيفية بإيجاب
٥٥٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٩٩ - حديث أبي مسعود
بعضها ، وندب بعضها ؛ فلا دلیل له على ذلك .
وأما استدلال المهدي في ((البحر)) على أن الصلاة على الآل سنة بالقياس
على الأذان، فإنهم لم يذكروا معه ◌َ﴿ فيه ؛ فكلام باطل ؛ فإنه كما قيل : لا
قياس مع النص ، لأنه لا يذكر الآل في تشهد الأذان لا ندباً ، ولا وجوباً ، ولأنه
ليس في الأذان دعاء له ◌َ ﴿ ؛ بل شهادة بأنه رسول الله ، والآل لم يأت تعبد
بالشهادة بأنهم آله .
ومن هنا تعلم أن حذف لفظ الآل من الصلاة ، كما يقع في كتب الحديث،
ليس على ما ينبغي ، وكنت سئلت عنه قديماً، فأجبت أنه قد صح عند أهل
الحديث - بلا ريب - كيفية الصلاة على النبي ◌َ﴿ ، وهم رواتها، وكأنهم حذفوها
خطأ ؛ تقية ؛ لما كان في الدولة الأموية من يكره ذکرهم ، ثم استمر عليه عمل
الناس متابعة من الآخر للأول ؛ فلا وجه له ! وبسطت هذا الجواب في ((حواشي
شرح العمدة)) بسطاً شافياً .
وأما من هم الآل ، ففي ذلك أقوال : الأصح : أنهم من حرمت عليهم
الزكاة؛ فإنه بذلك فسرهم زيد بن أرقم، والصحابي أعرف بمراده عليه ، فتفسيره
قرينة على تعيين المراد من اللفظ المشترك ، وقد فسرهم: بآل علي ، وآل جعفر،
وآل عقيل ، وآل العباس .
فإن قيل : يحتمل أن يراد بقوله : إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ، أي :
إذا نحن دعونا لك في دعائنا ؛ فلا يدل على إيجاب الصلاة عليه في الصلاة،
قلت : الجواب من وجهين :
٥٥٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٠ - حديث أبي هريرة
الأول : المتبادر في لسان الصحابة من الصلاة في قوله صلاتنا الشرعية ، لا
اللغوية ، والحقيقة العرفية مقدمة إذا ترددت بين المعنيين .
الثاني : أنه قد ثبت وجوب الدعاء في آخر التشهد ؛ كما عرفت من
الأمر به . والصلاة عليه ◌َةٍ قبل الدعاء واجبة ؛ لما عرفت من حديث
فضالة ، وبهذا يتم إيجاب الصلاة عليه ◌َّيه بعد التشهد قبل الدعاء الدالّ
على وجوبه .
٣٠٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عَاللهُ: ((إذا
تشهّدَ أحدُكم فلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أربع، يقولُ: اللهُمَّ! إني أعوذُ بكَ مِنْ
عذابٍ جهنّم ، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح
الدّجّال)) . متفقٌ عليه .
وفي رواية لمسلم: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير)).
: ((إذا تشهد
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
أحدكم) : مطلق في التشهد الأوسط ، والأخير (فليستعذ بالله من أربع) : بينها
بقوله (يقول : اللهمَّ! إني أعوذُ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر،
ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال)). متفق عليه . وفي رواية
لمسلم: ((إذا فرَغَ أحدكُمْ من التشهد الأخير))): هذه الرواية قيدت إطلاق
الأولى ، وأبانت أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير ، ويدل التعقيب
بالفاء أنها تكون قبل الدعاء المخير فيه بما شاء .
٥٥٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٠ - حديث أبي هريرة
والحديث دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية .
وقال ابن حزم منهم : ويجب أيضاً في التشهد الأول عملاً منه بإطلاق
اللفظ المتفق عليه ، وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها ؛ فإنه يقول
بالوجوب ، وبطلان صلاة من تركها ، والجمهور حملوه على الندب .
وفيه دلالة على ثبوت عذاب القبر، والمراد من «فتنة المحيا)): ما يعرض
للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا ، والشهوات ، والجهالات ؛ وأعظمها
- والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت، وقيل: هي الابتلاء مع عدم الصبر. وفتنة
الممات؛ قيل : المراد بها الفتنة عند الموت ؛ أضيفت إليه لقربها منه ، ويجوز أن
يراد بها فتنة القبر، وقيل : أراد بها السؤال مع الحيرة ، وقد أخرج البخاري :
((إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال))، ولا يكون هذا
تكريراً لعذاب القبر؛ لأن عذاب القبر متفرع على ذلك .
وقوله : ((فتنة المسيح الدجال))؛ قال العلماء أهل اللغة : الفتنة : الامتحان ،
والاختبار؛ وقد يطلق على: القتل ، والإحراق، والتهمة ، وغير ذلك؛ والمسيح ؛
بفتح الميم وتخفيف السين المهملة ، وآخره حاء مهملة ؛ وفيه ضبط آخر ، وهذا
الأصح، ويطلق على الدجال ، وعلى عيسى ، ولكن إذا أريد به الدجال ؛ قيد
باسمه ، سمي المسيح ؛ لمسحه الأرض ، وقيل: لأنه ممسوح العين ، وأمّا عيسى،
فقيل له : المسيح؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وقيل : لأن زكريا
مسحه، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، وذكر صاحب ((القاموس)) أنه
جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولاً .
٥٥٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠١ - حديث أبي بكر الصديق
٣٠١ - وعن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه: أنهُ قال لرسول الله
علّمْني دُعاءً أدْعو به في صلاتي ، قال: ((قل: اللهمَّ! إني ظلَمْت نفسي
ظلماً كثيراً ، ولا يغْفِرُ الذنوبَ إلا أنت ، فاغْفر لي مغفرةً من عندك وارحمني ؛
إنك أنت الغفور الرحيم)) . متّفقٌ عليه .
(وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول اللّه ◌َ اليةٍ: علمني
دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قل : اللهمَّ ! إني ظلمت نفسي ظلماً
كثيراً) : يروى بالمثلثة وبالموحدة ، فيخير الداعي بين اللفظين ، ولا يجمع
بينهما ؛ لأنه لم يرد إلا أحدهما (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) : إقرار بالوحدانية
(فاغفر لي) : استجلاب للمغفرة (مغفرة) : نكرها للتعظيم ؛ أي : مغفرة عظيمة ،
وزادها تعظيماً بوصفها بقوله (من عندك): لأن ما يكون من عنده تعالى لا
تحيط بوصفه عبارة (وارحمني ؛ إنك أنت الغفور الرحيم))): توسل إلى نيل
مغفرة الله ورحمته بصفتي غفرانه ، ورحمته (متفق عليه) .
الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق من غير تعيين
محل له ، ومن محلاته: بعد التشهد والصلاة عليه عَظله، والاستعاذة ؛ لقوله :
((فليتخير من الدعاء ما شاء))، والإقرار بظلم نفسه ، اعتراف بأنه لا يخلو أحد
من البشر عن ظلم نفسه بارتكابه ما نهى عنه ، أو تقصيره عن أداء ما أمر به .
وفيه : التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات ، واستدفاع
المكروهات ؛ وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه ، كلفظ الغفور الرحيم
عند طلب المغفرة، ونحو: ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾ [المائدة: ١١٤]، عند
طلب الرزق . والقرآن ، والأدعية النبوية ؛ ملوءة بذلك .
٥٥٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٢ - حدیث وائل بن حجر
وفي الحديث دليل على طلب التعليم من العالم، سيما في الدعوات
المطلوب فيها جوامع الكلم .
واعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ غير ما ذكر؛ أخرج النسائي
عن جابر: أنه ◌َ* كان يقول في صلاته بعد التشهد: ((أحسن الكلام كلام
الله ، وأحسن الهدي هدي محمد)). وأخرج أبو داود عن ابن مسعود : أنه
كان يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: ((اللهمَّ! ألَّف على الخير بين قلوبنا،
وأصلح ذات بيننا ، واهدنا سبل السلام ، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا
الفواحش والفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، وبارك لنا في أسماعنا ، وأبصارنا ،
وقلوبنا ، وأزواجنا ، وذرياتنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ، واجعلنا
شاكرين لنعمتك ، مثنين بها ، قابليها ، وأتمها علينا)). أخرجه أبو داود . وأخرج
أبو داود أيضاً عن بعض الصحابة: أنه عَ ﴿ قال الرجل: ((كيف تقول في
الصلاة؟))، قال : أتشهد ، ثم أقول: اللهمَّ إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار،
أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال ◌َ : ((حول ذلك ندندن
أنا ، ومعاذ))، ففيه أنه يدعو الإنسان بأيّ لفظ شاء من مأثور، وغيره .
٣٠٢ - وعن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال : صَلّيت مع النبي
فكان يسلِّم عن يمينه : ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه))، وعن شماله :
((السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه)) . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(وعن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: صَلّيت مع النبي ◌َ ﴿ٍ ؛ فكان
يسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهُ))، وعن شماله: ((السلام
٥٥٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٢ - حديث وائل بن حجر
عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ)). رواه أبو داود بإسناد صحيح(١)).
هذا الحديث أخرجه أبو داود من حديث علقمة بن وائل عن أبيه ، ونسبه
المصنف في ((التلخيص)) إلى عبد الجبار بن وائل ، وقال: لم يسمع من أبيه ،
فأعله بالانقطاع، وهنا قال: صحيح، وراجعنا ((سنن أبي داود))، فرأيناه رواه عن
علقمة بن وائل عن أبيه ، وقد صح سماع علقمة عن أبيه ، فالحديث سالم عن
الانقطاع، فتصحيحه هنا هو الأولى، وإن خالف ما في ((التلخيص)).
وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة ،
ففيها صحيح، وحسن ، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة: ((وبركاته))، إلا
في رواية وائل هذه ، ورواية عن ابن مسعود ، وعند ابن ماجه ، وعند ابن حبان ،
ومع صحة إسناد حديث وائل - كما قال المصنف هنا - يتعين قبول زيادته ؛ إذْ
(١) هو كما قال؛ لكن ليس عند أبي داود: ((وبركاته)) في التسليمة الثانية!
وبهذا صرح الحافظ نفسه رحمه الله تعالى في ((نتائج الأفكار)) (٢/١٤١/١)، وذكر للحديث
شاهداً من حديث ابن مسعود .
رواه ابن حبان في («صحيحه»، والسراج من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي .
وتابعه عنه إسرائيل عند السراج .
وأخرجه أيضاً عن أبي هناد السكوني عن أبي الأحوص - وهو سلام بن سُليم - عن أبي
إسحاق ، فذكره ؛ ولفظه :
كان النبي ◌َ ﴿ يسلّم عن يمينه، وعن يساره - حتى يرى بياض خده -: ((السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته)» .
وقد أخرجه أبو داود عن مسدد عن أبي الأحوص ... وليس فيه: ((وبركاته))!
٥٥٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٣٠٢ - حدیث وائل بن حجر
هي زيادة عدل ، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها ، قال الشارح:
إنه لم ير من قال وجوب زيادة: ((وبركاته))، إلا أنه قال: قال الإمام يحيى: إذا
زاد : وبركاته ورضوانه وكرامته ، أجزأ؛ إذْ هو زيادة فضيلة ، وقد عرفت أن الوارد
زيادة: ((وبر كاته)»، وقد صحت ، ولا عذر عن القول بها ، وقال به السرخسي،
والإمام، والروياني في ((الحلية)).
وقول ابن الصلاح: إنها لم تثبت ، قد تعجب منه المصنف ، وقال : هي ثابتة
عند ابن حبان في (صحيحه))، وعند أبي داود ، وعند ابن ماجه . قال المصنف : إلا
أنه قال ابن رسلان في ((شرح السنن)»: لم نجدها في ابن ماجه ، قلت : راجعنا
((سنن ابن ماجه)) من نسخة صحيحة مقروءة ، فوجدنا فيه ما لفظه : باب التسليم :
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير : حدثنا عمر بن عبيد عن ابن إسحاق عن
الأحوص عن عبد الله: أن رسول الله {﴿ كان يسلم عن يمينه ، وعن شماله ، حتّی
يرى بياض خده : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . انتهى بلفظه .
وفي ((تلقيح الأفكار تخريج الأذكار)) للحافظ ابن حجر: لما ذكر النووي ، أن
زيادة ((وبر كاته))، زيادة فردة، ساق الحافظ طرقاً عدة لزيادة: ((وبركاته)، ثم
قال : فهذه عدة طرق ثبتت بها ((وبركاته))، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها
رواية فردة ، انتھی کلامه .
وحيث ثبت أن التسليمتين من فعله 18 في الصلاة، وقد ثبت قوله :
((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وثبت حديث: ((تحريمها التكبير، وتحليلها
السلام)) - أخرجه أصحاب ((السنن)) بإسناد صحيح -؛ فيجب التسليم لذلك؛
٥٦٠