Indexed OCR Text

Pages 481-500

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
حديث ابن مسعود بأنه رأى النبي :{ 18 يرفع يديه عند الافتتاح ، ثم لا يعود ،
= وابن أبي حاتم ، وعليّ؛ كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ، ووائل بن حجر؛ عند
أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، ومالك بن الحويرث؛ عند البخاري ومسلم ، وأنس بن
مالك ؛ عند ابن ماجه ، وأبو هريرة ؛ عند ابن ماجه أيضاً وأبي داود ، وأبو أسيد وسهل بن سعد
ومحمد بن مسلمة ؛ عند ابن ماجه ، وأبو موسى الأشعري ؛ عند الدارقطني ، وجابر؛ عند ابن
ماجه ، وعمير الليثي؛ عند ابن ماجه أيضاً ، وابن عباس ؛ عند ابن ماجه أيضاً ، وله طريق
أخرى عند أبي داود ؛ فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ؛ ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من
الصحابة ؛ كما رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي ؛ فيكون الجميع خمسة وعشرين ،
أو اثنين وعشرين ؛ إن كان أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم
في رواية أبي حميد ؛ كما في بعض الروايات .
فهل رأيت أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق ؛
مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه ، ومع وجود مانع عن القول بالمعارضة ؛ وهو تضمن رواية
الجمهور للزيادة ، كما تقدم؟!)) انتهى كلام الشوكاني ببعض تصرف .
ولا يبعد أن يكون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قد نسي الرفع كما قد نسي أموراً كثيرة !
ففي ((التعليق الممجَّد على موطأ محمد)» لعبد الحي اللكنوي :
((نقل الزيلعي عن الفقيه أبي بكر بن إسحاق أنه قال: ما ذكره إبراهيم - انظر كتب الفقه -
علة لا يساوي سماعها؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﴿ ، ثم عن الخلفاء الراشدين ، ثم
عن الصحابة والتابعين ؛ وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يُستغرب ؛ فقد نسي من القرآن
ما لم يختلف فيه المسلمون بعدُ؛ وهو المعوذتان ، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه ؛ كالتطبيق
في الركوع، وقيام الاثنين خلف الإمام، ونسي كيفية جمع النبي ® بعرفة، ونسي ما لم
يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف قرأ رسول الله
*: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾؟ فإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة ؛
کیف لا يجوز مثله في رفع الیدین؟!» . قال اللكنوي :
((والقدر المتحقق في هذا الباب: هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول اللّه ◌َ ا*؛ إلا أن =
٤٨١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
وأجيب بأن الأول فيه أبو بكر بن عياش ، وقد ساء حفظه ؛ ولأنه معارض برواية
= رواة الرفع من الصحابة جمع غفير. ورواة الترك جماعة قليلة ؛ مع عدم صحة الطرق عنهم
إلا عن ابن مسعود . وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجة بها . فإذن
نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها ؛ إلا أن ثبوته عن النبي # أكثر وأرجح .
وأما دعوى نسخه ؛ كما صدر عن الطحاوي مغترّاً بحسن الظن بالصحابة التاركين ، وابن
الهمام والعيني وغيرهم من أصحابنا ؛ فليس بمبرهن عليها بما يشفي العليل ويروي الغليل)). انتهى .
وفيما ذهب إليه رحمه الله تعالى نوع تساهل ! فقد علمت أن حديث ابن مسعود - على
فرض صحته - لا يدل على أن الرسول عليه السلام تركه أحياناً كما فعله أحياناً ؛ فالصواب :
أن هذا الرفع سنة مؤكدة كالرفع في تكبيرة الإحرام ، يلام تاركه مع اعتقاد ثبوته . وذكر
البخاري في رسالته ((رفع اليدين)): أن ابن عمر رضي الله عنه كان يرمي من لا يرفع يديه
بالحصى .
فكيف يفعل هذا إذا كان الرفع مستحبّاً؟! بل إنما يفعل ذلك لمن ترك سنة مؤكدة !! ثم قال
عبدالحي اللكنوي :
(فائدة): قال صاحب ((الكنز المدفون والفلك المشحون)): ((وقفت على كتاب بعض مشايخ
الحنفية ، ذكر فيه مسائل خلاف؛ ومن عجائب ما فيه : الاستدلال على ترك رفع اليدين في
الانتقالات بقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة﴾! وما زلت
أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجب إلى أن ظفرت في ((تفسير الثعلبي)) بما يهون عنده
هذا العظيم ، وذلك أنه حكى في سورة الأعراف عن التنوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى :
﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾: إن المراد بالزينة رفع اليدين في الصلاة! فهذا في هذا
الطرف ، وذلك في الطرف الآخر)) . انتهى ما ذكره اللكنوي .
قلت : وربما نجد للقاضي نوع عذر فيما ذهب إليه ؛ فقد ذكر أبو الطيب في ((نيل المرام)» في
تفسير سورة الكوثر :
((أخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في ((سننه))، والحاكم ، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب
لجبريل : ((ما هذه النحيرة التي أمرني ربي =
قال : لما نزلت هذه السورة ؛ قال رسول الله
٤٨٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
نافع ، وسالم ابني ابن عمر لذلك ، وهما مثبتان ، ومجاهد ناف ، والمثبت مقدم ،
= بها؟))، فقال: إنها ليست بنحيرة ، ولكن يأمرك ربك إذا تحرمت للصلاة ، أن ترفع يديك إذا
كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع ... وفيه : وإن لكل شيء زينة ، وإن زينة
الصلاة رفع الیدین عند كل تكبيرة» . انتهى .
ولكن هذا الحديث لا يصح ، ولو صح لكان حجة له فيما قال ، والله أعلم بالحال !
ولما تقدم؛ كان عصام بن يوسف البلخي - شيخ بلغ في زمانه ، ومن ملازمي أبي يوسف -
يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه ؛ مع كونه مقلداً لأبي حنيفة ! ولذلك قال العلامة
اللكنوي في «الفوائد البهية)) في ترجمته :
((ويعلم منه أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه لقوة دليل خلافه ؛ لا يخرج به عن
رِبْقة التقليد ؛ بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد . ألا ترى إلى أن عصام بن يوسف ترك
مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ؛ ومع ذلك هو معدود في الحنفية؟! ويؤيده ما حكاه أصحاب
الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف - يوماً - الشافعي في طهارة القلتين . وإلى
الله المشتكى من جهلة زماننا؛ حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة
دليلها ، ويخرجونه عن جماعة مقلديه ؛ ولا عجب منهم فإنهم من العوام ! إنما العجب ممن يتشبه
بالعلماء ويمشي مشيهم كالأنعام !)) .
وفي قوله : ((بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد)): إشارة إلى ما روي عن أبي حنيفة أنه
قال: ((لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا؟)).
فمن ترك قوله في مسألة - بسبب كون الدليل خلافه - فهو أيضاً مقلد له في قوله هذا .
٠
أما المقلدون له في جميع أقواله - ولو كان الدليل خلافها - فهم يؤمنون ببعض أقواله ويكفرون
ببعضها !!
هذا؛ وفي التعليق على كتاب ((المنتقى)):
((وقد ساق العلامة المباركفوري (وهو من أئمة الأحناف بالديار الهندية ومحققيهم في هذا
الزمن) حجج القائلين بالمنع من الرفع ، وردّها من جهة الرواية ، وبين ما في سند كل منها من =
٤٨٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
وبأن تركه لذلك إذا ثبت - كما رواه مجاهد -، يكون مبيناً لجوازه ، وأنه لا يراه واجباً ،
= الضعف والوهن في كلام طويل مفيد، أخذ أكثره عن العلامة الزيلعي في ((نصب الراية في
تخريج أحاديث الهداية في فقه الأحناف)).
وفي رسالة الإمام البخاري ، ما يشفي ويكفي . وليس يمنع الناس عن العمل بهذه السنة التي
لا شك في صحتها حديث ابن مسعود ، أو غيره مما تبين وهنه وسقوطه ؛ ولكن يمنعهم العصبية
والهوى ، والتقليد الأعمى على غير بصيرة ولا هدى! وقد غلب هذا على أكثر الناس اليوم ؛ إلا
من عصمه الله تعالی !!
ثم إنه قد صح عن ابن عمر أيضاً : أنه كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين ؛ ورفعه إلى النبي
. كما رواه البخاري والنسائي وأبو داود .
فينبغي أن يفعل هذا ؛ فتنبه ولا تكن من الغافلين ، والحمد لله رب العالمين !
ثم بعد تحرير ما تقدم ؛ رأيت للعلامة أبي الحسن محمد بن عبد الهادي الحنفي في حاشيته
على ((سنن ابن ماجه)) كلاماً حسناً فيما نحن فيه ، أحببت نقله ؛ ليزداد الإنسان بصيرة . قال
رحمه الله تعالى :
((وأما قول من قال : إن ذلك الحديث (يشير إلى حديث عبدالله بن مسعود والبراء بن عازب
المتقدمين) ناسخ رفع غير تكبيرة الإحرام ؛ فهو قول بلا دليل ! بل لو فرض في الباب نسخ ؛
فيكون الأمر بعكس ما قالوا أولى مما قالوا؛ فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر من رواة الرفع
من صلى مع النبي :{ * آخر عمره؛ فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على تأخر
الرفع ، وبطلان دعوى نسخه ! فإن كان هناك نسخ ؛ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع . كيف
وقد روى مالكٌ هذا جلسة الاستراحة ؛ فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الکبر ،
فهي ليس مما فعلها النبي {9: قصداً ، فلا تكون سنة ! وهذا يقتضي أن لا يكون الرفع الذي رواه
منسوخاً؛ لكونه آخر عمره عندهم. فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض! وقد قال ◌َ هم المالك
وأصحابه : «صلوا كما رأيتموني أصلي ... )). انتهى المقصود منه.
وهو كلام في غاية التحقيق - عندي طبعاً - والله ولي التوفيق !
٤٨٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٠ - حديث أبي حميد
وبأن الثاني - وهو حديث ابن مسعود -، لم يثبت ؛ كما قال الشافعي ، ولو ثبت
لكانت رواية ابن عمر مقدمة عليه؛ لأنها إثبات ، وذلك نفي ، والإثبات مقدم .
وقد نقل البخاري عن الحسن ، وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون
ذلك، قال البخاري : ولم يستثن الحسن أحداً، ونقل عن شيخه علي بن
المديني أنه قال : حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع ، والرفع منه ؛
لحديث ابن عمر هذا، وزاد البخاري في موضع آخر بعد كلام ابن المديني :
وكان عليّ أعلم أهل زمانه ، قال : ومن زعم أنه بدعة ؛ فقد طعن في الصحابة ،
ويدل له قوله :
٢٦٠ - وفي حديث أبي حُميدٍ - عند أبي داود -: يرفعُ يديهِ ، حتّى يحاذي
بِهِمَا مَنْکبیه ، ثم يُكْبِرُ.
(وفي حديث أبي حُميدٍ - عند أبي داود -: يرفعُ يديهِ ، حتّى يحاذي بِهِمَا
مَنْكبيه ، ثم يكبرُ) : تقدم حديث أبي حميد من رواية البخاري ، لكن ليس فيه
ذكر الرفع إلا عند تكبيرة الإحرام ، بخلاف حديثه عند أبي داود ؛ ففيه إثبات
الرفع في الثلاثة المواضع ؛ كما أفاده حديث ابن عمر ، ولفظه عند أبي داود : كان
رسول الله عَ ليه، إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، ورفع يديه ، حتّى يحاذي بهما
منكبيه ؛ فإذا أراد أن يركع رفع يديه ، حتّى يحاذي بهما منكبيه ، الحديث ، تمامه :
ثم قال: ((الله أكبر)) ، وركع ، ثم اعتدل ، فلم يصوب رأسه ، ولم يقنع ، ووضع يديه
على ركبتيه ، ثم قال: ((سمع الله لمن حمده)) ، ورفع يديه ، واعتدل ، حتّى رجع
كل عظم إلى موضعه معتدلاً ، الحديث. فأفاد رفعه { 18 يديه في الثلاثة المواضع .
٤٨٥

٢ - كتاب الصلاة ٧ - باب صفة الصلاة ٢٦١، ٢٦٢ - حديثا مالك بن الحويرث ووائل بن حُجر
وكان على المصنف أن يقول - بعد قوله : ثم يكبر -: الحديث ؛ ليفيد أن
الاستدلال به جميعه ؛ فإنه قد يتوهم أن حديث أبي حميد ليس فيه إلا الرفع
عند تكبيرة الإحرام ؛ کما أن قوله :
٢٦١ - ولمسلم عن مالك بن الْحُوَيْرثِ نحو حديث ابن عُمَرَ ، لكن قالَ :
حتّى يحاذي بهمَا فُروع أَذُنَيْه .
(ولمسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر) : أيْ: في الرفع في
الثلاثة المواضع (لكن قال: حتّى يحاذي بهما): أي : اليدين (فروع أذنيه) :
أطرافهما ، فخالف رواية ابن عمر ، وأبي حميد في هذا اللفظ ، فذهب البعض
إلى ترجيح رواية ابن عمر ؛ لكونها متفقاً عليها ، وجمع آخرون بينهما فقالوا :
يحاذي بظهر كفيه المنكبين ، وبأطراف أنامله الأذنين ، وأيدوا ذلك برواية أبي
داود عن وائل بلفظ : حتى كانت حيال منكبيه ، وحاذى بإبهاميه أذنيه . وهذا
جمع حسن .
، فوضَعَ يدَهُ
٢٦٢ - وعن وائل بن حُجْر قالَ: صَلَيْتُ مع رسول الله
الْيُمْنَى على يده اليُسْرى على صدره. أخْرَجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن وائل) : بفتح الواو وألف فهمزة ، هو أبو هنيد بضم الهاء وفتح النون
(ابن حُجْر) : ابن ربيعة الحضرمي ، كان أبوه من ملوك حضرموت ، وفد وائل
على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأسلم ، ويقال : إنه صلى الله عليه وآله
وسلم بشّر أصحابه قبل قدومه فقال : ((يقدم علیکم وائل بن حجر من أرض
بعيدة ، طائعاً ، راغباً في الله عز وجل ، وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك))،
٤٨٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٢ - حديث وائل بن حجر
فلما دخل عليه صلى الله عليه وآله وسلم رحب به وأدناه من نفسه ، وبسط له
رداءه فأجلسه عليه وقال : ((اللّهُمَ! بارك على وائل وولده))، واستعمله على
الأقيال من حضرموت ، روى له الجماعة ، إلا البخاري ، وعاش إلى زمن
معاوية ، وبايع له (قال : صلّيْت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
فوضع يدهُ اليمنى على يده اليسرى على صدره. أخرجه ابن خزيمة) :
وأخرج أبو داود والنسائي بلفظ : ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى
والرسخ والساعد ، الرسغ - بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة -: هو
المفصل بين الساعد والكف .
والحديث دليل على مشروعية الوضع المذكور في الصلاة ، ومحله على
الصدر؛ كما أفاد هذا الحديث ، وقال النووي في ((المنهاج)): ويجعل يديه تحت
صدره ، قال في ((شرح النجم الوهاج)): عبارة الأصحاب : تحت صدره ۔ یرید :
والحديث بلفظ: على صدره -، قال : وكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيراً،
وقد ذهب إلى مشروعيته زيد بن علي ، وأحمد بن عيسى ، وروى أحمد بن
عيسى حديث وائل هذا في كتابه ((الأمالي))، وإليه ذهبت الشافعية ،
والحنفية ، وذهبت الهادوية إلى عدم مشروعيته ، وأنه يبطل الصلاة ؛ لكونه
فعلاً كثيراً، قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي تَ ﴿ فيه خلاف ، وهو قول
جمهور الصحابة والتابعين ، قال: وهو الذي ذكره مالك في ((الموطأ))، ولم
يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره ، وروي عن مالك الإرسال ، وصار إليه
أكثر أصحابه .
٤٨٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
٢٦٣ - وعن عبادة بنِ الصّامتِ قالَ: قالَ رسول الله عَ ◌ّهِ: ((لا صَلاةَ لمنْ
لمْ يقرَأْ بأُمّ القرآن» . متفقٌ عليه .
وفي رواية لابن حبّان والدَّارِقُطنيِّ: ((لا تُجْزئ صلاةٌ لا يُقْرَأ فيها بفاتحة
الکتاب» .
وفي أُخرى لأحْمَد وأبي داود والترمذي وابن حِبّان: ((لَعلّكُمْ تَقْرَؤون
خَلْف إمامِكُمْ؟))، قُلنا: نعم، قال: ((لا تَفْعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب ؛ فإنه لا
صلاةَ لمنْ لمْ يقرأ بها» .
(وعن عبادة) : بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف دال
مهملة ، وهو أبو الوليد عبادة (ابن الصامت) : ابن قيس الخزرجي الأنصاري
السالمي ، كان من نقباء الأنصار، وشهد العقبة الأولى ، والثانية ، والثالثة ،
وشهد بدراً، والمشاهد كلها ، وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً ، فأقام
بحمص ، ثم انتقل إلى فلسطين ، ومات بها في الرملة ، وقيل : في بيت المقدس ،
سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة .
(قال: قال رسول الله ◌َ له: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأُمِّ القرآن))(١) . متفقٌ عليه):
(١) وروى الإمام محمد في ((الموطأ)) وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((من صلى
صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ فهي خداج، فهي خداج ، فهي خداج غير تمام)) . قال
العلامة عبدالحي اللكنوي الحنفي في شرحه :
((فيه من الفقه إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة ، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب؛ فهي خداج ، وإن قرأ فيها بغيرها من القرآن . والخداج : النقصان والفساد . من ذلك
قولهم : أخدجت الناقة وخدجت؛ إذا ولدت قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلق ، وذلك نتاج =
٤٨٨

1
٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
هو دليل على نفي الصلاة الشرعية ، إذا لم يقرأ فيها المصلي بالفاتحة ؛ لأن الصلاة
= فاسد. وقد زعم من لم يوجب (يعني : لم يفرض) قراءة الفاتحة في الصلاة بأن قوله :
((خداج)) يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان ، والصلاة الناقصة جائزة ! وهذا تحكم فاسد ،
والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة ؛ لأنها صلاة لم تتم . ومن خرج من صلاته قبل أن يعيدها
(كذا، ولعله: يتمها) فعليه إعادتها. كذا في ((الاستذكار)). وقوله: ((غير تمام)) هو تأكيد؛ فهو
حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة ؛ لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الإمام
والفذ؛ ولقوله تعَ هه: ((وإذا قرأ؛ فأنصتوا)). رواه مسلم)). اهـ كلام اللكنوي.
وقال أبو الحسن السندي الحنفي في ((حاشية ابن ماجه)):
((وأما الكمال - يعني : نفيه -؛ فقد حقق الكمال ضعفه ؛ لأنه مخالف لا يصار إليه إلا بدليل .
والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسيِّ. فمؤدى الحديث : نفي الوجود
الشرعي للصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ؛ فتعين نفي الصحة . وما قاله أصحابنا : إنه من
حديث الآحاد ، وهو ظني لا يفيد العلم ، وإنما يوجب الفعل ، فلا يلزم منه الافتراض ! ففيه أنه
يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله لا بشيء آخر؛ ومدلوله عدم صحة صلاة لم يقرأ فيها
بفاتحة الكتاب ، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة ؛ وهو المطلوب .
فالحق : أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. نعم يمكن أن يقال :
قراءة الإمام قراءة المقتدي إذا ترك الفاتحة وقرأها الإمام . بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في
تمام الصلاة لا في كل ركعة؛ لكن إذا ضمَّ إليه قوله :﴿: ((وافعل ذلك في صلاتك كلها»
للأعرابي المسيء صلاته ؛ يلزم افتراضها في كل ركعة ؛ ولذلك عقب هذا الحديث (حديث
عبادة) بحديث الأعرابي في ((صحيح البخاري))؛ فللّه درّه ما أدقه!)). انتهى كلام السندي
بحرفه . وقال العلامة الشوكاني - بعد أن قرر أن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات أو
إلى الصحة أو إلى الإجزاء؛ كما جاء مصرحاً في رواية الدارقطني -:
((إذا تقرر هذا؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة ، لا من
واجباتها فقط ؛ لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة ، وهذا شأن الشروط . وإليه ذهب مالك
والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم . وذهبت الحنفية وطائفة قليلة =
٤٨٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
مركبة من أقوال وأفعال ، والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ، وبانتفاء البعض ،
= إلى أنها لا تجب؛ بل الواجب آية من القرآن . هكذا قال النووي! والصواب ما قال الحافظ :
إن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة ، لكن بنوا على قاعدتهم : أنها - مع الوجوب - ليست
شرطاً في الصلاة ؛ لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة ، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض ، والفرض لا
يثبت عندهم بما يزيد على القرآن (قلت : بل وبما تواتر عن رسول الرحمن عليه الصلاة
والسلام) ، وقد قال تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾؛ فالفرض قراءة ما تيسر؛ وتعيين
الفاتحة إنما ثبت بالحديث ؛ فيكون واجباً يأثم من يتركه ، وتجزئ الصلاة بدونه ! وهذا تعويل على
رأي فاسد ؛ حاصله ردّ كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة ! فكم موطن من المواطن
يقول فيه الشارع: لا يجزئ كذا ، لا يقبل كذا، لا يصح كذا ! ويقول المتمسكون بهذا الرأي :
يجزئ ويقبل ويصح ! ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي ومن جملة ما أشادوا به : هذه
القاعدة : أن الآية مصرحة بما تيسر ، وهو تخيير، فلو تعينت الفاتحة ؛ لكان التعيين نسخاً
للتخيير ، والقطعي لا ينسخ بالظني ؛ فيجب توجيه النفي إلى الكمال ! وهذه الكلية منوعة ؛
والسند ما تقدم من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم النبي ت﴿ فعلهم؛
بل مدحهم؛ كما تقدم ذلك في (باب الاستقبال). ولو سُلِّمت؛ لكان محل النزاع خارجاً
عنها؛ لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير ، وهو ظني ! وأيضاً؛ الآية نزلت في قيام الليل ؛
فلیست مما نحن فيه)) .
قلت : قال الآلوسي في تفسيرها :
((أي : فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ؛ عبّر عن الصلاة بالقراءة؛ كما عبّر عنها بسائر
أركانها. وقيل : الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها ! وفيه بعد عن مقتضى
السياق)» . انتهى.
فعلى هذا؛ فالآية ليست قطعية الدلالة ؛ فلا تثبت دعواهم بها على مقتضى قواعدهم؛
فتنبه !! ثم قال الشوكاني :
((وأما قولهم: (إن الحمل على توجيه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح ، وإن الصحة
عرف متجدد لأهل الشرع ، فلا يحمل خطاب الشارع عليه ، وإن تصحيح الكلام ممكن بتقدير =
٤٩٠

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
ولا حاجة إلى تقدير نفي الكمال ؛ لأن التقدير إنما يكون عند تعذر صدق نفي
= الكمال؛ فيكفي ؛ لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة) !! فيردّه تصريح الشارع بلفظ:
الإجزاء . وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع ؛ بل هو من إلحاق الفرد المجهول بالأعم الأغلب
المعلوم . ومن جملة ما استظهروا به على توجيه النفي إلى الكمال : أن الفاتحة لو كانت فرضاً؛
لوجب تعلمها؛ واللازم باطل ؛ فالملزوم مثله؛ لما في حديث المسيء صلاته بلفظ: ((فإن كان
معك قرآن؛ وإلا فاحمد الله وكبّره وهّله)). عند النسائي وأبي داود والترمذي !! وهذا ملتزم؛ فإن
أحاديث فرضيتها تسلتزم وجوب تعلّمها ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب ؛ كما تقرر في
الأصول . وما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم ؛ لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه .
على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن ، كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي
داود والنسائي وأحمد وابن الجارود وابن حبان والحاكم والدارقطني: أن رجلاً جاء إلى النبي
** فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلِّمني ما يجزيني في صلاتي؟ فقال :
((قال: سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). ولا شك
أن غير المستطيع لا يكلف ؛ لأن الاستطاعة شرط التكليف ؛ فالعدول ههنا إلى البدل عند تعذر
المبدل غير قادح في فرضيته أو شرطيته . ومن أدلتهم ما في حديث المسيء صلاته أيضاً عند أحمد
وأبي داود وابن حبان بلفظ: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))! والجواب عنه : أنه قد ورد في
حديث المسيء أيضاً عند أحمد وأبي داود وابن حبان بلفظ: ((ثم اقرأ بأم القرآن)) ؛ فقوله : ((ما
تيسّر)) مجمل مبيّن ، أو مطلق مقيَّد، أو مبهم مفسَّر بذلك؛ لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ
المسلمين لها . وقد قيل : إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة ؛ جمعاً بين الأدلة ؛ لأن حديث
الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة . وهذا حسن . وقيل : إن ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة !
وقد تعقب هذا القول بالإجمال والإطلاق والنسخ ! والظاهر الإبهام والتفسير. وهذا الكلام إنما
يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية للفرضية .
وأما على القول بأن يؤخذ بالزائد فالزائد ؛ فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية ، بل
القول بالشرطية لما عرفت . ومن أدلتهم أيضاً حديث أبي سعيد بلفظ: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
وغيرها)) . قال ابن سيد الناس : لا يدرى بهذا اللفظ من أين جاء؟ وقد صح عن أبي سعيد =
٤٩١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
الذات ، إلا أن الحديث الذي أفاده قوله (وفي رواية لابن حبان، والدارقطني: ((لا
= عند أبي داود أنه قال: أُمرنا بفاتحة الكتاب وما تيسر. وإسناده صحيح ورواته ثقات . ومن
أدلتهم أيضاً حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: ((لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب)) !
ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون ، وليس بثقة ؛ كما قال النسائي . وقال أحمد : ليس بقوي
في الحديث . وقال ابن عدي : يكتب حديثه في الضعفاء . وأيضاً؛ قد روى أبو داود هذا الحديث
من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: أمرني رسول * أن أنادي : أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب
فما زاد؛ كما سيأتي. وليست الرواية الأولى بأولى من هذه . وأيضاً؛ أين تقع هذه الرواية - على
فرض صحتها - بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها؟!
** ... فذكر حديث
ومن أدلتهم أيضاً ما روى ابن ماجه عن ابن عباس : أنه لما مرض النبي
صلاة أبي بكر، ومجيء رسول الله تَ ﴿ إليهم؛ وفيه: فكان أبو بكر يأتم بالنبي حصل﴿ه، والناس
يأتمون بأبي بكر. قال ابن عباس: وأخذ رسول الله { 18 في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر.
ويجاب عنه : بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع ؛ قال البزار: لا نعلم روي هذا الكلام إلا من
هذا الوجه بهذا الإسناد . وقيس ؛ قال ابن سيد الناس : هو ممن اعتراه من ضعف الرواية وسوء
الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريكاً ؛ وقد وثقه قوم وضعفه آخرون . على أنه لا
﴿ للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها؛ لأن النزاع إنما هو
مانع من قراءته
في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة ، لا في وجوبها في كل ركعة فسيأتي . هذا خلاصة ما في
هذه المسألة من المعارضات . وقد استدل بهذا الحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ،
بناءً على أن الركعة تسمى صلاة! وفيه نظر؛ لأن قراءتها في ركعة واحدة تقتضي حصول
مسمى القراءة في تلك الصلاة ؛ والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة . وإطلاق اسم الكل
على البعض مجاز لا يصار إليه إلا لموجب ، فليس في الحديث إلا أن الواجب في الصلاة - التي هي
اسم لجميع الركعات - قراءة الفاتحة مرة واحدة ؛ فإن دل دليل خارجي على وجوبها في كل ركعة
وجب المصير إليه . وقد نسب القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة: النووي في ((شرح مسلم))،
والحافظ في ((الفتح)): إلى الجمهور؛ ورواه ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي)) عن علي وجابر،
وعن أبي عون والأوزاعي وأبي ثور. قال: وإليه ذهب أحمد وداود . وبه قال مالك إلا في =
٤٩٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
٠
تجزئ صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))) فيه دلالة على أن النفي متوجه إلى
= الناسي. واستدلوا أيضاً على ذلك بما وقع عند الجماعة - واللفظ للبخاري - في قوله
للمسيء: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)» بعد أن أمره بالقراءة . وفي رواية لأحمد وابن حبان
والبيهقي في قصة المسيء: أنه قال في آخره: ((ثم افعل ذلك في كل ركعة)). وهذا الدليل إذا
ضممته إلى ما أسلفنا لك من حمل قوله في حديث المسيء: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»
على الفاتحة ؛ لما تقدم انتهض ذلك للاستدلال على وجوب الفاتحة في كل ركعة ، وكان قرينة لحمل
قوله : في حديث المسيء صلاته: ((ثم كذلك في كل صلاتك فافعل)) على المجاز؛ وهو الركعة .
ولذلك حمل: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)» عليه . ويؤيد وجوب الفاتحة في كل ركعة : حديث أبي
سعيد عند ابن حبان بلفظ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها)) .
قال الحافظ : إسناده ضعيف. وحديث أبي سعيد أيضاً بلفظ: أمرنا رسول الله * أن نقرأ بفاتحة
الكتاب في كل ركعة . رواه إسماعيل بن سعيد الشالنجي. قال ابن عبدالهادي في ((التنقيح)) : رواه
إسماعيل هذا، وهو صاحب الإمام أحمد ، من حديث عبادة وأبي سعيد بهذا اللفظ)) .
ثم قال الشوكاني - بعد أن ذكر اختلاف القائلين بتعيين الفاتحة في كل ركعة ؛ هل تصح
صلاة من نسيها؟ -:
((ومقتضى الشرطية التي نبهناك على صلاحية الأحاديث للدلالة عليها : أن الناسي يعيد
الصلاة ، کمن صلی بغیر وضوء ناسياً)). انتهى .
وقد تقدم مفاده عن الإمام السندي الحنفي ، وما العهد عنك ببعيد . والله ولي التوفيق !
بقي الكلام على القراءة وراء الإمام ؛ فأعدل الأقوال فيها - كما قال ابن تيمية - :
(«ما ذهب إليه جمهور العلماء ؛ وهو الفرق بين حال الجهر وحال المخافتة ؛ فيقرأ في حال
السر، ولا يقرأ في حال الجهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا
لعلكم ترحمون﴾؛ فإذا قرأ الإمام فليستمع ، وإذا سكت فليقرأ؛ فإن القراءة خير من السكوت
الذي لا استماع معه ، ومن قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، كما قال ◌َ اءٍ ؛ فلا يفوّت
هذا الأجر بلا فائدة ؛ بل يكون إما مستمعاً وإما قارئاً). اهـ.
وذكر بعض أصحابنا أن القراءة خلف الإمام عند أبي حنيفة وأصحابه تكره تحريماً ؛ بل =
٤٩٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
الإجزاء ، وهو كالنفي للذات في المآل ؛ لأن ما لا يجزئ فليس بصلاة شرعية .
= بالغ بعضهم ، فقالوا بفساد الصلاة به !! وهو مبالغة شنيعة ، ينكرها من له خبرة بالحديث !
وعللوا الكراهة بورود التشديد عن الصحابة !
وفيه أنه إذا حقق آثار الصحابة بأسانيدها ؛ فبعد ثبوتها إنما تدل على إجزاء قراءة الإمام عن
قراءة المأموم، لا بالكراهة . والآثار التي فيها التشديد لا تثبت سنداً على الطريق المحقق . فإذن
القول بالإجزاء فقط من دون كراهة أو منع : أسلم . وأرجو أن يكون هو مذهب أبي حنيفة
وصاحبيه ؛ كما قال ابن حبان في كتاب ((الضعفاء)):
((أهل الكوفة إنما اختاروا ترك القراءة؛ لا أنهم لم يجيزوه). انتهى. كذا في ((التعليق الممجد
على موطأ محمد)).
أما حديث: ((من صلى خلف الإمام ... )) إلخ؛ فقد ذكر له فيه طرقاً كثيرة ، ثم قال:
((وتلخص منه أن بعض طرقه صحيحة أو حسنة ، ليس فيه شيء يوجب القدح عند
التحقيق ، وبعضها صحيحة مرسلة وإن لم تصح مسندة ، والمراسيل مقبولة ، وبعضها ضعيف
ينجبر ضعفها بضم بعضها إلى بعض . وبه ظهر أن قول الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث
الرافعي)»: إن طرقه كلها معلولة! ليس على ما ينبغي. وكذا قول البخاري في رسالة ((القراءة
خلف الإمام)»: إنه حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق ؛ لإرساله وانقطاعه ؛
فرواه عبدالله بن شداد عن النبي ◌َ ﴾. وأما انقطاعه فرواه الحسن بن صالح عن جابر عن أبي
الزبير عن جابر. ولا يُدْرَى أسمع من أبي الزبير أم لا؟! انتهى. ولا يخلو عن خدشات واضحة)».
وقال في شرح قول ابن عمر: (من صلى خلف الإمام كفته قراءته) :
((ظاهر هذا : أن ابن عمر كان لا يرى القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية كلها ! لكن
أخرج عبدالرزاق عن سالم : أن ابن عمر كان ينصت للإمام فيما جهر فيه ولا يقرأ معه ، وأخرج
الطحاوي عن مجاهد قال: سمعت عبدالله بن عمر يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة
مريم . وأخرج أيضاً عنه : صليت مع ابن عمر الظهر والعصر ، فكان يقرأ خلف الإمام . وهذا دالٌ
صريحاً على أنه ممن يرى القراءة في السرية دون الجهرية . ويمكن الجمع بأن كفاية قراءة الإمام لا
يستلزم أن تمتنع ؛ فيجوز أن يكون رأيه كفاية القراءة من الإمام في الجهرية والسرية كلتيهما ، =
٤٩٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، ولا يدل على إيجابها
في كل ركعة ؛ بل في الصلاة جملة ، وفيه احتمال أنه في كل ركعة ؛ لأن
الركعة تسمى : صلاة ، وحديث المسيء صلاته قد دل على أن كل ركعة
تسمى: صلاة؛ لقوله ◌َّله بعد أن علمه ما يفعله في ركعة: ((وافعل ذلك في
صلاتك كلها)) ، فدل على إيجابها في كل ركعة ؛ لأنه أمر أن يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب ، وإلى وجوبها في كل ركعة ذهبت الشافعية ، وغيرهم .
وعند الهادوية ، وآخرين أنها لا تجب قراءتها في كل ركعة ؛ بل في جملة
الصلاة .
والدليل ظاهر مع أهل القول الأول ، وبيانه من وجهين :
الأول : أن في بعض ألفاظه - بعد تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم له ما
ذكره من القراءة ، والركوع ، والسجود ، والاطمئنان إلى آخره - أنه قال الراوي :
فوصف - أي: رسول اللّه ◌َا﴾ - الصلاة هكذا أربع ركعات، حتّى فرغ، ثم قال :
= وجوازها في السرية دون الجهرية ؛ لئلا يخل بالاستماع . وهذا هو الذي أميل إليه ، وإلى أنه
يشتغل بالقراءة في الجهرية لو وجدت سكتات الإمام . وبهذا تجتمع الأخبار المرفوعة ؛ فإن
حديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) صريح في منع القرآن خلف الإمام حين قراءته ؛ لإخلاله
بالاستماع. وحديث عبادة صريح في قراءة أم القرآن في الجهرية . وحديث: ((قراءة الإمام قراءة
له)) صريح في كفاية قراءة الإمام . فالأولى أن يختار طريق الجمع ويقال : تجوز القراءة خلف
الإمام في السرية وفي الجهرية إن وجد الفرصة بين السكتات ؛ وإلا لا ؛ لئلا يخل بالاستماع
المفروض . ومع ذلك ؛ لو لم يقرأ فيها أجزاء ؛ لكفاية قراءة الإمام . والحق : أن المسألة مختلف
فيها بين الصحابة والتابعين ؛ واختلاف الأئمة مأخوذ من اختلافهم ؛ فكلٌّ اختار ما ترجح
عنده ؛ ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات﴾ .
٤٩٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
((لا تتم صلاة أحدكم، حتّى يفعل ذلك)). ومعلوم أن المراد من قوله: ((يفعل
ذلك))؛ أي : كل ما ذكره من القراءة بأم الكتاب ، وغيرها في كل ركعة ؛ لقوله :
فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات .
والثاني : أن ما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم مع القراءة من صفات الركوع،
والسجود ، والاعتدال ، ونحوه ، مأمور به في كل ركعة ؛ كما يفيده هذا الحديث ،
والمخالف في قراءة الفاتحة في كل ركعة ، لا يقول : إنه يكفي الركوع والسجود
والاطمئنان في ركعة واحدة من صلاته ، أو يفرقها في ركعاتها ، فكيف يقول :
إن القراءة بالفاتحة تنفرد من بين هذه المأمورات بأنها لا تجب ، إلا في ركعة
واحدة ، أو يفرق بين الركعات؟! وهذا تفريق بين أجزاء الدليل بلا دليل ؛ فتعين
حينئذ أن المراد من قوله : ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))؛ في ركعاتها ، ثم
رأيت بعد كتبه أنه أخرج أحمد ، والبيهقي ، وابن حبان بسند صحيح : أنه
قال لخلاد بن رافع - وهو المسيء صلاته -: ((ثم اصنع ذلك في كل ركعة))؛
ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بها في كل ركعة - كما رواه مسلم -،
وقال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
ثم ظاهر الحديث وجوب قراءتها في سرية وجهرية ؛ للمنفرد والمؤتم ، أما
المنفرد فظاهر ، وأمّا المؤتم فدخوله في ذلك واضح ، وزاده إيضاحاً في قوله (وفي
أخرى) : من رواية عبادة (لأحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان: ((لعلكم
تقْرؤُون خلفَ إمامكم؟)) قلنا: نعم ، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ؛ فإنه لا
صلاة لمن لم يقرأ بها))): فإنه دليل على إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام
٤٩٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٣ - حديث عبادة بن الصامت
تخصيصاً؛ كما دل اللفظ الذي عند الشيخين بعمومه ، وهو أيضاً ظاهر في عموم
H
الصلاة : الجهرية ، والسرية ، وفي كل ركعة أيضاً، وإلى هذا ذهب الشافعية .
وذهبت الهادوية : إلى أنه لا يقرؤها المؤتم خلف إمامه في الجهرية ، إذا كان
يسمع قراءته ، ويقرؤها في السرية ، وحيث لا يسمع في الجهرية ، وقالت الحنفية :
لا يقرؤها المأموم في سرية ، ولا جهرية، وحديث عبادة حجة على الجميع .
واستدلالهم بحديث: ((من صلى خلف الإمام؛ فقراءة الإمام قراءة له))،
مع كونه ضعيفاً ، قال المصنف في ((التلخيص)) بأنه مشهور من حديث جابر،
وله طرق عن جماعة من الصحابة ، كلها معلولة. انتهى ، وفي ((المنتهى)) : رواه
الدارقطني من طرق كلها ضعاف ، والصحيح أنه مرسل ، لا يتم به الاستدلال ؛
لأنه عام؛ لأن لفظ قراءة الإمام اسم جنس مضاف يعم كل ما يقرؤه الإمام ،
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]،
وحديث: ((إذا قرأ؛ فأنصتوا))؛ فإن هذه عمومات في الفاتحة وغيرها ، وحديث
عبادة خاص بالفاتحة فيختص به العام .
ثم اختلف القائلون بوجوب قراءتها خلف الإمام ، فقيل : في محل سكتاته
بين الآيات ، وقيل : في سكوته بعد تمام قراءة الفاتحة ، ولا دليل على هذين
القولين في الحديث ؛ بل حديث عبادة دال أنها تقرأ عند قراءة الإمام الفاتحة ،
ويزيده إيضاحاً ما أخرجه أبو داود من حديث عبادة : أنه صلى خلف أبي نعيم ،
وأبو نعيم يجهر بالقراءة ، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن ، فلما انصرفوا من الصلاة ،
قال لعبادة بعض من سمعه يقرأ : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر؟
٤٩٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٤ ۔ حديث أنس
قال: أجل، صلى بنا رسول الله ﴿ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ،
قال: فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه فقال: ((هل تقرؤون ،
إذا جهرت بالقراءة؟)) فقال بعضنا: نعم، إنا نصنع ذلك، قال: ((فلا ، وأنا
أقول: ما لي ينازعني القرآن؛ فلا تقرؤوا بشيء إذا جهرت ؛ إلا بأُمَّ القرآن))؛
فهذا عبادة راوي الحديث قرأ بها جهزاً خلف الإمام ؛ لأنه فهم من كلامه
أنه يقرأ بها خلف الإمام جهراً، وإن نازعه .
وأما أبو هريرة؛ فإنه أخرج عنه أبو داود أنه لما حدث بقوله عرية: ((من صلى
صلاة لا يقرأ فيها بأُم القرآن ؛ فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج ، غير
تمام))، قال له الراوي عنه - وهو أبو السائب مولى هشام بن زهرة -: يا أبا هريرة إني
أكون أحياناً وراء الإمام ، فغمز ذراعه ، وقال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك،
الحديث . وأخرج عن مكحول أنه كان يقول : اقرأ في المغرب والعشاء والصبح
بفاتحة الكتاب ، في كل ركعة سراً، ثم قال مكحول : اقرأ بها فيما جهر به الإمام؛
إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراً ، فإن لم يسكت ؛ قرأتها قبله ، ومعه ، وبعده ،
لا تتركها على حال. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه أمره عَز اله أن
ينادي في المدينة أنه ((لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب))، فما زاد ، وفي لفظ :
((إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب))، فما زاد. إلا أنه يحمل على المنفرد ؛ جمعاً بينه
وبين حديث عبادة الدال على أنه لا يقرأ خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب .
٢٦٤ - وعن أنس رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َ﴿ وأبا بكر وعُمَر كانوا
يَفْتَتَحُونَ الصَّلاة بـ ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]. متفق عليه.
٤٩٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٤ ۔ حديث أنس
زاد مسلمٌ: لا يَذكرونَ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١] في أُوَّل
قِراءةٍ ، ولا في آخرها .
وفي رواية لأحمَدَ والنسائي وابن خُزيمة : لا يَجْهَرون بـ ﴿بسم الله الرّحمنِ
الرحيم﴾ .
وفي أُخرى لابن خُزيمة : كانوا يُسرونَ .
وعلى هذا يحمل النّفيُ في رواية مسلم ، خلافاً لمنْ أَعَلّها .
(وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي ◌َّةٍ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون
الصلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]): أي: القراءة في الصلاة
بهذا اللفظ (متفق عليه) : ولا يتم هنا أن يقال : ما قلناه في حديث عائشة : أن
المراد بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ السورة؛ فلا يدل على حذف البسملة؛ بل
يكون دليلاً عليها ؛ إذْ هي من مسمى السورة ؛ لقوله (زاد مسلم: لا يذكرون
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها) : زيادة في المبالغة
في النفي ، وإلا ؛ فإنه ليس في آخرها بسملة ، ويحتمل أن يريد بآخرها السورة
الثانية التي تقرأ بعد الفاتحة .
والحديث دليل على أن الثلاثة كانوا لا يسمعون من خلفهم لفظ البسملة
عند قراءة الفاتحة جهراً ، مع احتمال أنهم يقرؤون البسملة سراً ، ولا يقرؤونها
أصلاً، إلا أن قوله (وفي رواية): أيْ: عن أنس (لأحمد والنسائي وابن خزيمة :
لا يجْهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾): يدل بمفهومه أنهم يقرؤونها سراً،
ودل قوله (وفي أخرى) : أيْ : رواية أخرى عن أنس (لابن خزيمة : كانوا
٤٩٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٦٤ - حديث أنس
يسرون): فمنطوقه أنهم كانوا يقرؤون بها سراً؛ ولذا قال المصنف (وعلى هذا):
أيْ: على قراءة النبي :﴿ وأبي بكر وعمر البسملة سراً (يحمل النفي في
رواية مسلم) : حيث قال: لا يذكرون؛ أي: لا يذكرونها جهراً (خلافاً لمن
أعلها) : أيْ: أبدى علة لما زاده مسلم ، والعلة هي أن الأوزاعي روى هذه الزيادة
عن قتادة مكاتبة ، وقد ردت هذه العلة بأن الأوزاعي لم ينفرد بها ؛ بل قد رواها
غيره رواية صحيحة .
والحديث قد استدل به من يقول : إن البسملة لا يجهر بها في الفاتحة ، ولا
في غيرها ؛ بناء على أن قوله : ولا في آخرها ؛ مراد به أول السورة الثانية ، ومن
أثبتها قال : المراد أنه لم يجهر بها الثلاثة حال جهرهم بالفاتحة ؛ بل يقرؤونها
سراً؛ كما قرره المصنف ، وقد أطال العلماء في هذه المسألة الكلام ، وألف فيها
بعض الأعلام ، وبين أن حديث أنس مضطرب .
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار» ۔ بعد سرده روایات حدیث أنس هذہ - ما
لفظه : هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء الذين يقرؤون ﴿بسم
الله الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١]، والذين لا يقرؤونها، وقد سئل عن ذلك
أنس فقال : كبرت سني ونسيت . انتهى ؛ فلا حجة فيه ، والأصل أن البسملة
من القرآن ، وأطال الجدال بين العلماء من الطوائف؛ لاختلاف المذاهب،
والأقرب أنه : ﴿ كان يقرأ بها تارة جهراً وتارة يخفيها ، وقد استوفينا البحث في
((حواشي شرح العمدة)) بما لا زيادة عليه ، واختار جماعة من المحققين أنها مثل
سائر آيات القرآن ، يجهر بها فيما يجهر فيه ، ويسر بها فيما يسر فيه .
٥٠٠