Indexed OCR Text

Pages 461-480

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٢ - حديث رفاعة بن رافع
الأقوال والأفعال ، إلا تكبيرة الإحرام ؛ فإنها مخصوصة بالركعة الأولى ؛ لما علم
شرعاً من عدم تكرارها (في صلاتك): في ركعات صلاتك (كلها)). أخرجه
السبعة) : بألفاظ متقاربة (و): هذا (اللفظ): الذي ساقه هنا (البخاري) :
وحده (ولابن ماجه) : أيْ: من حديث أبي هريرة (بإسناد مسلم) ؛ أيْ : بإسناد
رجاله رجال مسلم ((حتى تطمئن قائماً))): عوضاً من قوله في لفظ البخاري :
((حتّى تعتدل))، فدل على إيجاب الاطمئنان عند الاعتدال من الركوع
(ومثله) : أيْ : مثل ما أخرجه ابن ماجه ما في قوله :
٢٥٢ - فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ: ((حَتَّى تَطمَئنَّ
قَائِماً)) .
وفي لفظٍ لِأَحْمَدَ : ((فَأَقَمْ صُلْبَكَ، حتّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ)) .
وَلِلْنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: (إِنَّهَا لا تَتِمُّ صَلاةُ
أَحَدِكُمْ، حتّى يُسْبِغِ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللّه تَعَالَىّ، ثم يُكَبِّرَ الله تَعَالَى
وَيَحْمَدَهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ)) ، وَفِيهَا: ((فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ ؛ فَاقِرَأْ ، وَإِلا فَاحْمَدِ الله
وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ)) .
وَأَبِي دَاوُدَ : ((ثم اقْرِأُ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَبِمَا شَاءَ الله)).
وَلَابْنِ حِبَّانَ : ((ثُمَّ بِمَا شِئْتَ) .
(في حديث رفاعة) : بكسر الراء ، هو (ابن رافع) : صحابي أنصاري ، شهد
بدراً وأُحُداً، وسائر المشاهد مع رسول الله مَ ﴿ه، وشهد مع عليّ عليهِ السَّلام
٤٦١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٢ - حدیث رفاعة بن رافع
الجمل وصفين ، وتوفي أول إمارة معاوية (عند أحمد، وابن حبان): فإنه
عندهما بلفظ: (((حتى تطمئن قائماً)). وفي لفظ لأحمد : فأقم صلبك ، حتى
ترجع العظام))) : أي : التي انخفضت حال الركوع ترجع إلى ما كانت عليه حال
القيام للقراءة ، وذلك بكمال الاعتدال (وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة
ابن رافع): أيْ: مرفوعاً ((إنها لا تتم صلاة أحدكم، حتّى يسبغ الوضوء كما
أمره الله تعالى): في آية المائدة (ثم يكبر الله تعالى) : تكبيرة الإحرام
(ويحمده): بقراءة الفاتحة ، إلا أن قوله : ((فإن كان معك قرآن)) يشعر بأن المراد
بقوله : ((يحمده)) غير القراءة ، وهو دعاء الافتتاح ؛ فيؤخذ منه وجوب مطلق الحمد
والثناء بعد تكبيرة الإحرام ، ويأتي الكلام في ذلك (ويثني عليه))): بها (وفيها) :
أيْ: في رواية النسائي وأبي داود عن رفاعة ((فإن كان معك قرآن ؛ فاقرأً،
وإلا): أيْ: وإن لم يكن معك قرآن (فاحمد الله) : أيْ : ألفاظ الحمد والأظهر أن
يقول : الحمد لله (وكبره) : بلفظ: الله أكبر (وهّله))): بقول : لا إله إلا الله ، فدل
على أن هذه عوض القراءة لمن ليس له قرآن يحفظه (ولأبي داود): أيْ: من رواية
رفاعة ((ثم اقرأ بأم الكتاب؛ وبما شاء الله)). ولابن حبان: (( ثم بما شئت))):
هذا حديث جليل يعرف بحديث : المسيء صلاته ، وقد اشتمل على تعليم
ما يجب في الصلاة ، وما لا تتم إلا به ؛ فدل على وجوب الوضوء لكل قائم إلى
الصلاة ، وهو كما دلت عليه الآية: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، والمراد
لمن كان محدثاً ، كما عرف من غيره ، وقد فصل ما أجملته رواية البخاري رواية
النسائي بلفظ : ((حتى يسبغ الوضوء ، كما أمره الله ؛ فيغسل وجهه ، ويديه
إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين)).
٤٦٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٢ - حديث رفاعة بن رافع
وهذا التفصيل دل على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق ، ويكون هذا
قرينة على حمل الأمر بهما ؛ حيث ورد على الندب .
ودل على إيجاب استقبال القبلة قبل تكبيرة الإحرام ، وقد تقدم وجوبه ،
وبيان عفو الاستقبال للمتنفل الراكب .
ودل على وجوب تكبيرة الإحرام ، وعلى تعيين ألفاظها روايةُ الطبراني
لحديث رفاعة بلفظ: ((ثم يقول: الله أكبر))، ورواية ابن ماجه التي صححها ابن
خزيمة ، وابن حبان ، من حديث أبي حميد، من فعله مية: إذا قام إلى الصلاة
اعتدل قائماً ورفع يديه ، ثم قال: ((الله أكبر)). ومثله أخرجه البزار من حديث
علي عليه السلام، بإسناد صحيح على شرط مسلم: أنه ◌ُ كان إذا قام إلى
الصلاة قال: ((الله أكبر))؛ فهذا يبين أن المراد من تكبيرة الإحرام هذا اللفظ .
ودل على وجوب قراءة القرآن في الصلاة ، سواء كان الفاتحة ، أو غيرها
لقوله : ((ما تيسر معك من القرآن))، وقوله: ((فإن كان معك قرآن))، ولكن رواية
أبي داود بلفظ: ((فاقرأ بأم الكتاب))، وعند أحمد ، وابن حبان: «ثم اقرأ بأُم
القرآن ، ثم اقرأ بما شئت))، وترجم له ابن حبان : باب فرض المصلي فاتحة
الكتاب في كل ركعة . فمع تصريح الرواية بأم القران ، يحمل قوله : ((ما تيسر
معك)) على الفاتحة؛ لأنها كانت المتيسرة لحفظ المسلمين لها، أو يحمل أنه عمر اليمن
عرف من حال المخاطب أنه لا يحفظ الفاتحة ، ومن كان كذلك ، وهو يحفظ
غيرها ، فله أن يقرأه ، أو أنه منسوخ بحديث تعيين الفاتحة ، أو أن المراد ما تيسر
فيما زاد على الفاتحة ، ويؤيده رواية أحمد ، وابن حبان ؛ فإنها عينت الفاتحة ،
٤٦٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٢ - حدیث رفاعة بن رافع
وجعلت ما تيسر لما عداها ، فيحتمل أن الراوي حيث قال: ((ما تيسر))، ولم
يذكر الفاتحة ، ذهل عنها .
ودل على إيجاب غير الفاتحة معها ؛ لقوله : ((بأم الكتاب ، وبما شاء الله ، أو
شئت)) .
ودل على أن من لم يحفظ القرآن يجزئه الحمد والتكبير والتهليل ، وأنه لا
يتعين عليه منه قدر مخصوص ، ولا لفظ مخصوص ، وقد ورد تعيين الألفاظ
بأن يقول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم .
ودل على وجوب الركوع ، ووجوب الاطمئنان فيه ، وفي لفظ لأحمد بيان
کیفیته ؛ فقال : «فإذا ركعت ، فاجعل راحتیك على ركبتيك ، وامدد ظهرك ، ومكّن
ركوعك))، وفي رواية: ((ثم تكبر، وتركع، حتّى تطمئن مفاصلك وتسترخي)).
ودل على وجوب الرفع من الركوع ، وعلى وجوب الانتصاب قائماً ، وعلى
وجوب الاطمئنان ؛ لقوله: ((حتى تطمئن قائماً))، وقد قال المصنف : إنها بإسناد
مسلم ، وقد أخرجها السراج أيضاً بإسناد على شرط البخاري ، فهي على شرط
الشيخين .
ودل على وجوب السجود ، والطمأنينة فيه ، وقد فصلتها رواية النسائي عن
إسحاق بن أبي طلحة بلفظ : «ثم يكبر ويسجد ، حتّى يمكن وجهه وجبهته ،
حتّى تطمئن مفاصله وتسترخي)) .
ودل على وجوب القعود بين السجدتين ، وفي رواية النسائي : («ثمَّ يكبر،
٤٦٤

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٢ - حديث رفاعة بن رافع
فيرفع رأسه ، حتّى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه)) ، وفي رواية :
((فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى)) ، فدل على أن هيئة القعود
بین السجدتین بافتراش الیسری .
ودل على أنه يجب أن يفعل كل ما ذكر في بقية ركعات صلاته ، إلا
تكبيرة الإحرام ؛ فإنه معلوم أن وجوبها خاص بالدخول في الصلاة أول ركعة .
ودل على إيجاب القراءة في كل ركعة ، وعلى ما عرفت من تفسير ما تيسر
بالفاتحة ، فتجب الفاتحة في كل ركعة ، وتجب قراءة ما شاء معها في كل ركعة ،
ويأتي الكلام على إيجاب ما عدا الفاتحة في الآخرتين ، والثالثة من المغرب .
واعلم أن هذا حديث جليل ، تكرر من العلماء الاستدلال به على وجوب
كل ما ذكر فيه ، وعدم وجوب كل ما لم يذكر فيه .
أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه واجب؛ فلأنه ساقه ◌َّ لهُ بلفظ الأمر
بعد قوله : ((لن تتم الصلاة ، إلا بما ذكر فيه)) .
وأما الاستدلال بأن كل ما لم يذكر فيه لا يجب ؛ فلأن المقام مقام تعليم
الواجبات في الصلاة ، فلو ترك ذكر بعض ما يجب ؛ لكان فيه تأخير البيان عن
وقت الحاجة ، وهو لا يجوز بالإجماع .
فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث الصحيح ؛ أخذ منها بالزائد ، ثم إن عارض
الوجوب الدال عليه ألفاظ هذا الحديث ، أو عدم الوجوب ، دليل أقوى منه ؛
عمل به ، وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث ؛ احتمل أن
يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب ، واحتمل البقاء على
٤٦٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٢٥٣ - حديث أبي حميد الساعدي
الظاهر، فيحتاج إلى مرجح للعمل به ، ومن الواجبات المتفق عليها - ولم تذكر
في هذا الحديث - النية .
قلت: كذا في ((الشرح))، ولقائل أن يقول: قوله: ((إذا قمت إلى الصلاة))،
دالٌ على إيجابها؛ إذْ ليس النية إلا القصد إلى فعل الشيء، وقوله: ((فتوضأ))؛
أي : قاصداً له ، ثم قال: والقعود الأخير ؛ أي : من الواجب المتفق عليه ، ولم
يذكره في الحديث ، ثم قال: ومن المختلف فيه التشهد الأخير ، والصلاة على
النبي ﴿ فيه ، والسلام في آخر الصلاة .
٢٥٣ - وعن أبي حُميد السّاعدي قالَ: رأيتُ رسولَ الله عَ ◌ّهُ إذا كَبّرَ جعلَ
يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبيه ، وإذا رَكَعَ أَمْكنَ يديهِ من ركبتيْهِ ، ثم هَصَرَ ظهرَهُ ، فإِذا رفعَ
رأسه استَوى ، حتّى يعُودَ كُل فَقَارِ مَكَانَهُ؛ فإذا سجدَ وضَعَ يديْهِ غَيْرَ مُفْترشٍ ،
ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجْليْه القِبْلة ، وإذا جلس في الرَّكْعتين
جلس على رجْله اليُسرى ونَصَبَ الْيُمنى ، وإذا جلس في الرَّكْعةِ الأخيرة قدَّمَ
رجْلُهُ الْيُسْرَى ونَصَبَ الأخْرى ، وقعدَ على مقْعدَتِهِ . أخرجه البخاري .
(وعن أبي حميد) : بصيغة التصغير (الساعدي) : هو أبو حميد بن عبد
الرحمن بن سعد الأنصاري الخزرجي الساعدي ، منسوب إلى ساعدة - وهو أبو
الخزرج -، المدني ، غلبت عليه كنيته ، مات آخر ولاية معاوية .
(قال: رأيت رسول الله ﴿ إذا كبَّرَ): أيْ: للإحرام (جعل يديْه) : أيْ:
كفيه (حَذْوَ) : بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة (منْكبيْه): وهذا هو
رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام (وإذا ركعَ أمكن يديه من ركبتيه) : تقدم بيانه
٤٦٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٢٥٣ - حديث أبي حميد الساعدي
في رواية أحمد لحديث المسيء صلاته: ((فإذا ركعت ؛ فاجعل راحتيك على
ركبتيك ، وامدد ظهرك، ومكن ركوعك)) (ثمَّ حَصَر) : بفتح الهاء فصاد مهملة
مفتوحة فراء (ظهْره) : قال الخطابي : أي : ثناء في استواء من غير تقويس ، وفي
رواية للبخاري : ثم حنى ، بالحاء المهملة والنون ، وهو بمعناه ، وفي رواية : غير
مقنع رأسه ، ولا مصوبه ، وفي رواية : وفرّج بين أصابعه (فإذا رفع رأسه) : أيْ:
من الركوع (استوى) : زاد أبو داود : - فقال: ((سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا
لك الحمد)) ورفع يديه ، وفي رواية لعبد بن حميد زيادة : حتى يحاذي بهما
منكبيه معتدلاً (حتى يعود كل فقار) : بفتح الفاء والقاف آخره راء جمع فقارة ،
وهي عظام الظهر ، وفيها رواية بتقديم القاف على الفاء (مكانه) : وهي التي عبر
عنها في حديث رفاعة بقوله : ((حتّى ترجع العظام)) (فإذا سجد ؛ وضع يديه
غير مفترش): أيْ: لهما ، وعند ابن حبان: غير مفترش ذراعيه (ولا
قابضهما) : بأن يضمهما إليه (واستقبل بأطراف أصابع رجليْه القبلة) : ويأتي
بيانه في شرح حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) (وإذا جلس في
الركعتين) : جلوس التشهد الأوسط (جلس على رجله اليسرى ونصب
اليمنى ، وإذا جلس في الركعة الأخيرة) : للتشهد الأخير (قدم رجله اليسرى
ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته . أخرجه البخاري) .
حديث أبي حميد هذا روي عنه قولاً ، وروي عنه فعلاً؛ واصفاً فيهما صلاته
خلية، وفيه بيان صلاته عَ ظيم ، وأنه كان عند تكبيرة الإحرام يرفع يديه حذو منكبيه،
ففيه دليل على أن ذلك من أفعال الصلاة ، وأن رفع اليدين مقارن للتكبير ، وهو الذي
دل عليه حديث وائل بن حجر عند أبي داود ، وقد ورد تقديم الرفع على التكبير
٤٦٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٢٥٣ - حديث أبي حميد الساعدي
وعكسه، فورد بلفظ: رفع يديه ، ثم كبر. وبلفظ : كبّر، ثم رفع يديه .
وللعلماء قولان : الأول : مقارنة الرفع للتكبير ، والثاني : تقديم الرفع على
التكبير ، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع ، فهذه صفته .
وفي ((المنهاج)) وشرحه ((النجم الوهاج)) :
الأول : رفعه - وهو الأصح - مع ابتدائه ؛ لما رواه الشيخان عن ابن عمر : أن
النبي # ** كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر. فيكون ابتداؤه مع ابتدائه ،
ولا استصحاب في انتهائه ؛ فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع ، أو بالعكس ؛ أتم
الآخر ، فإن فرغ منهما ؛ حط يديه ، ولم يستدم الرفع .
والثاني : يرفع غير مكبر، ثم يكبر ، ويداه قارتان ؛ فإذا فرغ أرسلهما ، لأن أبا
داود رواه كذلك بإسناد حسن ، وصحح هذا البغوي ، واختاره الشيخ ، ودليله من
((مسلم)) من رواية ابن عمر .
والثالث : يرفع مع ابتداء التكبير ويكون انتهاؤه مع انتهائه ، ويحطهما بعد
فراغ التكبير ، لا قبل فراغه ، لأن الرفع للتكبير ، فكان معه ، وصححه المصنف ،
ونسبه إلى الجمهور. انتهى بلفظه . وفيه تحقيق الأقوال ، وأدلتها ، ودلت الأدلة
أنه من العمل المخير فيه ؛ فلا يتعين شيء بحكمه .
وأما حكمه ؛ فقال داود ، والأوزاعي ، والحميدي شيخ البخاري ، وجماعة :
إنه واجب ؛ لثبوته من فعله ◌َّ هم ؛ فإنه قال المصنف : إنه روى رفع اليدين في
أول الصلاة خمسون صحابياً ، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة ، وروى البيهقي
عن الحاكم قال: لا تعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله فيظ له الخلفاء
٤٦٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة ٢٥٣ - حديث أبي حميد الساعدي
الأربعة ، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة ، فمن بعدهم من الصحابة ، مع تفرقهم
في البلاد الشاسعة ؛ غير هذه السنة ، قال البيهقي : هو كما قال أستاذنا أبو
عبدالله ، قال الموجبون : قد ثبت الرفع عند تكبيرة الإحرام هذا الثبوت ، وقد قال
ـزيارة: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، فلذا قلنا بالوجوب.
وقال غيرهم : إنه سنة من سنن الصلاة ، وعليه الجمهور، وزيد بن عليّ،
والقاسم ، والناصر ، والإمام يحيى ، وبه قالت الأئمة الأربعة من أهل المذاهب ،
ولم يخالف فيه ، ويقول : إنه ليس سنة ، إلا الهادي ، وبهذا تعرف أن من روى
عن الزيدية أنهم لا يقولون به ؛ فقد عمم النقل بلا علم .
هذا؛ وأما إلى أي محل يكون الرفع ، فرواية أبي حميد هذه تفيد أنه إلى
مقابل المنكبين ، والمنكب : مجمع رأس عظم الكتف والعضد ، وبه أخذت
الشافعية ، وقيل : إنه يرفع ، حتّى يحاذي بهما فروع أذنيه ؛ لحديث وائل بن
حجر بلفظ : حتى حاذى أذنيه . وجمع بين الحديثين بأن المراد أنه يحاذي بظهر
كفيه المنكبين ، وبأطراف أنامله الأذنين ، كما تدل له رواية لوائل عند أبي داود
بلفظ : حتى كانت حيال منكبيه ويحاذي بإبهاميه أذنيه .
وقوله : ((أمكن يديه من ركبتيه))، قد فسر هذا الإمكان رواية أبي داود: ((كأنه
قابض عليهما))، وقوله: ((هصر ظهره))، تقدم قول الخطابي فيه ، وتقدم في رواية: ((ثم
حنى))؛ بالحاء المهملة والنون، وهو بمعناه، وفي رواية: ((غير مقنع رأسه، ولا مصوبه))،
وفي رواية: ((وفرج بين أصابعه)) - وقد سبق -، وقوله: ((حتى يعود كل فقار))، المراد
منه كمال الاعتدال، وتفسره رواية: ((ثم يمكث قائماً، حتّى يقع كل عضو موضعه)).
٤٦٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٤ - حديث علي
وفي ذكره كيفية الجلوسين : الجلوس الأوسط ، والأخير ، دليل على تغايرهما ،
وأنه في الجلسة الأخيرة يتورّك ؛ أي: يفضي بوركه إلى الأرض ، وينصب رجله
اليمنى ، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي ، وبهذا الحديث عمل الشافعي ،
ومن تابعه .
٢٥٤ - وعن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله حَثانٍ: أَنّهُ كان
إذا قام إلى الصلاة قالَ: ((وجّهْتُ وجهي للذي فَطَرَ السّمواتِ والأرض ... ))
إلى قوله: (( ... منَ الْمُسْلمين، اللَّهُمَ أنت الملك لا إلهَ إلاَّ أنت ، أَنْت ربِّي وأنا
عَبْدُك ... إلى آخره)). رواهُ مُسْلمٌ ، وفي رواية له أنَّ ذلك في صلاة الليل .
(وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله عَانٍ : أنه كان إذا
قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ... ))):
أيْ: قصدت بعبادتي (إلى قوله: (( ... من المسلمين): وفيه روايتان : أن
يقول: وأنا أول المسلمين ، بلفظ الآية، ورواية: ((وأنا من المسلمين))، وإليها أشار
المصنف (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدكَ ... إلى
آخره)). رواه مسلم): تمامه: ((ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي
ذنوبي جميعاً ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق ، لا
يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها ، لا يصرف عني سيئها إلا
أنت ، لبيك وسعديك ، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك ، أنا بك
وإليك ، تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك)).
وقوله : ((فطر السموات والأرض))؛ أي : ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق،
٤٧٠

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٤ - حديث علي
وقوله : ((حنيفاً))؛ أي: مائلاً إلى الدين الحق، وهو الإسلام، وزيادة: ((وما أنا
من المشركين))، بيأن للحنيف ، وأيضاً لمعناه ، والنسك : العبادة ، وكل ما يتقرب
به إلى الله ، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص ، وقوله :
((ومحياي ومماتي))؛ أي: حياتي وموتي الله؛ أي: هو المالك لهما والمختص بهما ،
وقوله : ((رب العالمين))، الرب : الملك، والعالمين : جمع عالم مشتق من العلم ،
وهو اسم لجميع المخلوقات، كذا قيل ، وفي ((القاموس)): العالم : الخلق كله ، أو
ما حواه بطن الفلك ، ولا يجمع فاعل بالواو والنون غيره ، وغير ياسم .
وقوله: ((لا شريك له))، تأكيد لقوله: ((رب العالمين))، المفهوم منه الاختصاص،
وقوله: ((اللهم أنت الملك))؛ أي: المالك لجميع المخلوقات، وقوله: ((ظلمت
نفسي))، اعتراف بظلم نفسه، قدمه على سؤال المغفرة، ومعنى (لبيك)): أقيم
على طاعتك ، وامتثال أمرك إقامة متكررة ((وسعديك))؛ أي : أسعد أمرك ،
وأتبعه إسعاداً متكرراً، ومعنى ((الخير كله في يديك)): الإقرار بأن كل خير
واصل إلى العباد ، ومرجو وصوله ، فهو في يديه تعالى ، ومعنى ((والشر ليس
إليك))؛ أي : ليس مما يتقرب إليك به - أي: يضاف إليك -؛ فلا يقال : يا رب
الشر، أو: لا يصعد إليك؛ فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب، ومعنى ((أنا بك
وإليك))؛ أي: التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك، ومعنى ((تباركت)):
استحققت الثناء ، أو ثبت الخير عندك؛ فهذا ما يقال في الاستفتاح مطلقاً .
(وفي رواية له): أيْ: لمسلم: (أنَّ ذلك): كان يقوله ◌َ﴿، (في صلاة الليل):
ونقل المصنف في ((التلخيص)) عن الشافعي ، وابن خزيمة : أنه يقال في المكتوبة ، وأن
حديث علي عليهِ السَّلام ورد فيها ، فعلى كلامه هنا يحتمل أنه مختص بها هذا
٤٧١

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٥ - حديث أبي هريرة
الذكر ، ويحتمل أنه عام ، وأنه يخير العبد بين قوله عقيب التكبير ، أو قول ما أفاده .
٢٥٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله عَ﴿ إذا كبّرَ
في الصَّلاةِ ، سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرأَ، فسَأَلْتُهُ، فقالَ: ((أقولُ: اللهُمَّ ! باعدْ
بيْنِي وَبَيْنَ خطاياي كما باعدْتَ بين المشرق والمغْرِبِ ، اللَّهُمَّ ! نقّني من
خَطايايَ كما ينقّى الثّوبُ الأبيض من الدَّنس ، اللهم ! اغسلني من خطايايَ
بالماءِ والثلج والبرَدِ)). متفق عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله عَ ◌ّةٍ إذا كبر في
الصلاة) : أيْ: تكبيرة الإحرام (سكت هُنيهة): بضم الهاء فنون فمثناة تحتية
فهاء مفتوحة فتاء؛ أي : ساعة لطيفة (قبل أن يقرأ، فسألته) : أيْ : عن سكوته
ما يقول فيه (فقال: ((أقول : اللَّهُمَ ! باعد بيني وبين خطاياي) : المباعدة المراد بها
محو ما حصل منها ، أو العصمة عما يأتي منها (كما باعدت بين المشرق
والمغرب): فكما لا يجتمع المشرق والمغرب؛ لا يجتمع هو وخطاياه (اللَّهُم ◌َ نقِّني
من خطايايَ ؛ كما ينقى الثوب الأبيضُ من الدنس) : بفتح الدال المهملة والنون
فسين مهملة ، في ((القاموس)) أنه الوسخ ، والمراد : أزل عني الخطايا بهذه الإزالة
(اللَّهُمَّ! اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد))): بالتحريك: جمع بردة،
قال الخطابي : ذكر الثلج والبرد تأكيد ، أو لأنهما ماءان لم تستعملهما(*) الأيدي.
وقال ابن دقيق العيد : عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي تكرر عليه
ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء ، وفيه أقوال أخر (متفق عليه) .
(*) في طبعة (صبيح): [ماء أن تستعملها]، وفي طبعة (التجارية): [ماء إن تستعمها]!
فأثبتناها على هذا الوجه . (الناشر) .
٤٧٢

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٦ - حديث عمر
وفي الحديث دليل على أنه يقول هذا الذكر بين التكبيرة والقراءة سراً ، وأنه
يخير العبد بين هذا الدعاء ، والدعاء الذي في حديث علي عليه السلام ، أو
یجمع بينهما .
٢٥٦ - وعن عمر رضي الله عنه: أنه كانَ يقولُ: سبحانك اللهم وبحمدِكَ ،
وتَبَارَكَ اسمُك ، وتعالى جَدُّكَ ، ولا إله غيرُكَ . رواهُ مُسْلَمٌ بسَنَدٍ منقطع ،
والدارقطني موصولاً وموقُوفاً .
ء
(وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يقول): أيْ: بعد تكبيرة الإحرام
(سُبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك): أيْ: أسبحك حال كوني متلبساً بحمدك (وتبارك
اسمك ، وتعالى جدُّكَ، ولا إله غيركَ . رواه مسلم بسند منقطع) .
قال الحاكم : قد صح عن عمر .
وقال في ((الهدي النبوي)) : إنه قد صح عن عمر أنه كان يستفتح به في
مقام النبي ◌َّيه ، ويجهر به ، ويعلمه الناس ، وهو بهذا الوجه في حكم المرفوع،
ولذا قال الإمام أحمد : أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر ، ولو أن رجلاً
استفتح ببعض ما روي ؛ لكان حسناً ، وقد ورد في التوجه ألفاظ كثيرة ، والقول
بأنه يخير العبد بينها قول حسن ، وأمّا الجمع بين هذا وبين ((وجهت
وجهي ... )) - الذي تقدم -؛ فقد ورد في حديث ابن عمر ؛ رواه الطبراني في
(الكبير))، وفي رواته ضعف (والدارقطني): عطف على مسلم ؛ أي : ورواه
الدارقطني (موصولاً وموقوفاً): على عمر ، وأخرجه أبو داود ، والحاكم من
حديث عائشة مرفوعاً: كان رسول الله ﴿ ﴿ إذا استفتح الصلاة ؛ قال :
٤٧٣

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٧، ٢٥٨ - حديثا أبي سعيد وعائشة
((سبحانك ... ))، الحديث ، ورجال إسناده ثقات، وفيه انقطاع ، وأعله أبو داود.
وقال الدارقطني : ليس بالقوي .
٢٥٧ - ونحْوُهُ عنْ أبي سعيد الخُدْري مرفوعاً عنْدَ الخمسة ، وفيه : وكان
يقولُ بعد التّكبير: ((أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرَّجيم، من
همزهِ ، ونفْخهِ ، ونَفْئِهِ».
(ونحوه) : أيْ: نحو حديث عمر (عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً عند
الخمسة ، وفيه: وكان يقول بعد التكبير: ((أعوذ بالله السميع): لأقوالهم
(العليم) : بأقوالهم ، وأفعالهم، وضمائرهم (من الشيطان الرجيم) : المرجوم
(من همزه) : المراد به الجنون (ونَفْخه) : بالنون فالفاء فالخاء المعجمة ، والمراد به :
الكبر (ونفثه) : بالنون والفاء والمثلثة المراد به : الشعر، وكأنه أراد به : الهجاء .
والحديث دليل على الاستعاذة ، وأنها بعد التكبيرة ، والظاهر أنها أيضاً
بعد التوجه بالأدعية ؛ لأنها تعوذ القراءة ، وهو قبلها .
٢٥٨ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: كان رسول الله ◌َّهُ يَسْتفتح الصَّلاة
بالتّكبير، والقرَاءَةَ بـ ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]، وكان إذا رَكَعَ؛ لم
يشْخِصْ رأسَهُ ، ولم يُصَوَّهُ ، ولكنْ بَيْن ذلك، وكان إذا رَفَعَ من الركوع ؛ لم
يسْجُد، حتّى يسْتوي قائماً، وكان إذا رفَعَ رأسَهُ منَ السّجود ، لم يسْجُدْ ، حتّى
يَسْتويَ جَالِساً، وكان يقُولُ في كُلِّ ركعتين التّحِيَّةَ، وكان يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرى
ويَنْصبُ الْيمنى ، وكان ينْهى عنْ عُقْبَةِ الشّيطان ، وينهى أنْ يفترشَ الرَّجل
ذراعيهِ افْتراشَ السَّبُع، وكان يخْتُمُ الصَّلاة بالتسليم . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، ولَهُ عِلّةٌ .
٤٧٤٠

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٨ - حديث عائشة
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ◌َ هٍ يستفتح): أيْ:
يفتتح (الصلاة بالتكبير) : أيْ: يقول : الله أكبر؛ كما ورد بهذا اللفظ في
(الحلية)) لأبي نعيم، والمراد تكبيرة الإحرام، ويقال لها تكبيرة الافتتاح
(والقراءة) : منصوب عطف على الصلاة ؛ أي : ويستفتح القراءة (ب ﴿الحمد):
بضم الدال على الحكاية (الله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]، وكان إذا ركع؛ لم
يشخص) : بضم المثناة التحتية فشين فخاء معجمتان فصاد مهملة (رأسه) :
أيْ : لم يرفعه (ولم يصَوِّيهُ) : بضمها أيضاً وفتح الصاد المهملة وكسر الواو
المشدد ؛ أي : لم يخفضه خفضاً بليغاً؛ بل بين الخفض والرفع ، وهو التسوية ،
كما دل له قوله (ولكن بين ذلك) : أيْ : بين المذكور من الخفض والرفع (وكان
إذا رفع) : أيْ : رأسه (من الركوع؛ لم يسجد ، حتّى يستوي قائماً) : تقدم في
حديث أبي هريرة في أول الباب: «ثم ارفع ، حتّى تعتدل قائماً)) (وكان إذا رفع
رأسه من السجود) : أي: الأول (لم يسجد): الثانية (حتى يَسْتولي): بينهما
(جالساً): وتقدم: «ثم ارفع، حتّى تطمئن جالساً)) (وكان يقول في كل
ركعتين) : أيْ: بعدهما (التحية) : أيْ: يتشهد بالتحيات لله؛ كما يأتي ، ففي
الثلاثية والرباعية ، المراد به : الأوسط ، وفي الثنائية : الأخير (وكان يفْرش
رجلهُ اليسرى وينصب اليُمنى) : ظاهره : أن هذا جلوسه في جميع الجلسات
بين السجودين ، وحال التشهدين ، وتقدم في حديث أبي حميد : وإذا جلس
في الركعتين ، جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى (وكان ينهى عن عُقْبة
الشيطان) : بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة ، ويأتي تفسيرها (وينهى
٤٧٥

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٨ - حديث عائشة
أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السّبع) : بأن يبسطهما في سجوده، وفسر
السبع بالكلب ، وورد في رواية بلفظه (وكان يختم الصلاة بالتسليم . أخرجه
مسلم ، وله علة): وهي : أنه أخرجه مسلم من رواية أبي الجوزاء - بالجيم والزاي -
عن عائشة ، قال ابن عبد البر: هو مرسل، أبو الجوزاء لم يسمع من عائشة ،
وأعل أيضاً : بأنه أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي مكاتبة .
والحديث فيه دلالة على تعيين التكبير عند الدخول في الصلاة، وتقدم
الكلام فيه ؛ في حديث أبي هريرة أول الباب؛ واستدل بقولها والقراءة
ب﴿الحمد ... )؛ على أن البسملة ليست من الفاتحة، وهو قول أنس، وأبيّ
من الصحابة ، وقال به مالك ، وأبو حنيفة ، وآخرون ، وحجتهم هذا الحديث .
وقد أجيب عنه بأن مرادها بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾: السورة نفسها ، لا
هذا اللفظ ؛ فإن الفاتحة تسمى: بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، كما ثبت ذلك في
((صحيح البخاري)) ؛ فلا حجة فيه على أن البسملة ليست من الفاتحة ، ويأتي
الكلام عليه مستوفىّ في حديث أنس قريباً ، وتقدم الكلام على أنه في ركوعه لا
يرفع رأسه ، ولا يخفضه، كما تقدم على قوله: وكان إذا رفع رأسه ... إلى قوله :
وكان يقول: التحية ، والمراد بها الثناء المعروف بالتحيات الله الآتي لفظه في
حديث ابن مسعود إن شاء الله تعالى ، ففيه شرعية التشهد الأوسط ، والأخير،
ولا يدل على الوجوب؛ لأنه فعل ، إلا أن يقال : إنه بيان لإجمال الصلاة في
القرآن المأمور بها وجوباً ، والأفعال لبيان الواجب واجبة ، أو يقال بإيجاب أفعال
الصلاة ؛ لقوله ◌َ ارٍ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وقد اختلف في التشهدين،
٤٧٦

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٨ - حديث عائشة
فقيل : واجبان ، وقيل : سنتان ، وقيل : الأول سنة ، والأخير واجب ، ويأتي
الكلام في حديث ابن مسعود إن شاء الله تعالى على التشهد الأخير .
وأما الأوسط ؛ فإنه استدل من قال بالوجوب بهذا الحديث ؛ كما قررناه ،
وبقوله ﴿ه: ((إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله))، الحديث. ومن قال
بأنها سنة، استدل بأنه ◌َّهٍ لما سها عنه، لم يعد لأدائه ، وجبره بسجود السهو ،
ولو وجب ؛ لم يجبره سجود السهو ، كالركوع وغيره من الأركان ، وقد رد هذا
الاستدلال بأنه يجوز أن يكون الوجوب مع الذكر ؛ فإن نسي ، حتّى دخل في
فرض آخر ، جبره سجود السهو .
وفي قولها : وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ، ما يدل على أنه
كان جلوسه ◌َ﴿ه بين السجدتين، وحال التشهد، وقد ذهب إليه الهادوية ،
والحنفية ، ولكن حديث أبي حميد الذي تقدم فرَّق بين الجلوسين ، فجعل هذا
صفة الجلوس بعد الركعتين ، وجعل صفة الجلوس الأخير: تقديم رجله اليسرى ،
ونصب الأخرى ، والقعود على مقعدته ، وللعلماء خلاف في ذلك ، والظاهر أنه
من الأفعال المخير فيها .
وفي قولها : ينهى عن عقبة الشيطان ؛ أي : في القعود ، وفسرت بتفسيرين :
أحدهما : أنه يفترش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه ، ولكن هذه القعدة
اختارها العبادلة في القعود غير الأخير ، وهذه تسمى : إقعاء ، أو جعلوا المنهي عنه
هو الهيئة الثانية ، وتسمى أيضاً : إقعاء ؛ وهي أن يلصق الرجل أليتيه في الأرض ،
وينصب ساقيه وفخذيه ، ويضع يديه على الأرض ؛ كما يقعي الكلب .
٤٧٧

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
وافتراش الذراعين تقدم أنه بسطهما على الأرض حال السجود ، وقد نھی
عن التشبه بالحيوانات ؛ نهى عن بروك كبروك البعير ، والتفات كالتفات
الثعلب ، وافتراش كافتراش السبع ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، ونقر كنقر الغراب،
ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب خيل شمس .
وفي قولها : وكان يختم الصلاة بالتسليم ، دلالة على شرعية التسليم ، وأمّا
إيجابه ، فيستدل له بما قدمناه سابقاً .
٢٥٩ - وعن ابن عُمَرَ: أنَّ النبيِّ:﴿﴿ كان يرفعُ يديْهِ حَذْوَ مَنْكبيهِ ، إذا
اقْتَتَحَ الصَّلاةَ ، وإِذَا كَبّرَ للرُّكوعِ ، وإذا رفع رأسهُ منَ الرُّكوع. متفق عليه .
كانَ يرفع يديه حذوَ) : بفتح الحاء المهملة
(وعن ابن عمر : أن النبي
وسكون الذال المعجمة ؛ أي: مقابل (منكبيه ، إذا افتتح الصلاة): تقدم في
حديث أبي حميد الساعدي (وإذا كبّر للركوع): رفعهما (وإذا رفع رأسه) :
أيْ : أراد أن يرفعه (من الركوع. متفق عليه) .
فيه شرعية رفع اليدين في هذه الثلاثة المواضع ، أما عند تكبيرة الإحرام ،
فتقدم فيه الكلام ، وأمّا عند الركوع والرفع منه ؛ فهذا الحديث دل على مشروعية
ذلك ، قال محمد بن نصر المروزي : أجمع علماء الأمصار على ذلك ، إلا أهل
الكوفة .
قلت : والخلاف فيه للهادوية مطلقاً في المواضع الثلاثة ، واستدل للهادي في
(البحر)) بقوله :﴿ه: ((ما لي أراكم ... ))، الحديث.
٤٧٨

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
قلت : وهو إشارة إلى حديث جابر بن سمرة . أخرجه مسلم ، وأبو داود ،
والنسائي، ولفظه عنه قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله عَ ليه، قلنا بأيدينا:
ـين :
السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بیدیه إلى الجانبین ، فقال رسول الله
((علام تومئون بأيديكم؟ ما لي أرى أيديكم كأذناب خيل شمس ، اسكنوا
في الصلاة ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على
أخيه عن يمينه وشماله)). انتهى بلفظه . وهو حديث صريح في أنه كان ذلك
في إيمائهم بأيديهم عند السلام، والخروج من الصلاة ، وسببه صريح في ذلك .
وأما قوله : ((اسكنوا في الصلاة))، فهو عائد إلى ما أنكره عليهم ، من الإيماء
إلى كل حركة في الصلاة ؛ فإنه معلوم أن الصلاة مركبة من حركات وسكون
وذكر الله، قال المقبلي في ((المنار)) على كلام الإمام المهدي : إن كان هذا غفلة
من الإمام إلى هذا الحد ؛ فقد أبعد ، وإن كان مع معرفته حقيقة الأمر؛ فهو أورع
وأرفع من ذلك ، والإكثار في هذا لجاج مجرد ، وأمر الرفع أوضح من أن تورد له
الأحاديث المفردات ، وقد كثرت كثرة لا توازى ، وصحت صحة لا تمنع ؛ ولذا لم
يقع الخلاف المحقق فيه إلا للهادي فقط ، فهي من النوادر التي تقع لأفراد
العلماء ، مثل مالك ، والشافعي ، وغيرهما ، ما أحد منهم إلا له نادرة ، ينبغي أن
تغمر في جنب فضله ، وتجتنب . انتهى .
وخالفت الحنفية فيما عدا الرفع عند تكبيرة الإحرام، واحتجوا(١) برواية
(١) وقال العلامة المجتهد الشوكاني في ((النيل)): ((واحتجوا على ذلك بحديث البراء بن
عازب عند أبي داود والدارقطني بلفظ: رأيت رسول الله ﴿ إذا افتتح الصلاة؛ رفع يديه إلى =
٤٧٩

٢ - كتاب الصلاة
٧ - باب صفة الصلاة
٢٥٩ - حديث ابن عمر
مجاهد : أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك . وبما أخرجه أبو داود من
= قريب من أذنيه ولم يَعُدْ ! وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى
عنه . وقد اتفق الحفاظ أن قوله : (ثم لم يعد) مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد . وقد
رواه بدون ذلك شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم من الحفاظ . وقال الحميدي : إنما
روى هذه الزيادة يزيد ؛ ويزيد يزيد ! وقال أحمد بن حنبل: لا يصح . وكذا ضعفه البخاري
وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد. قال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت
أحمد بن حنبل يقول : هذا حديث واه ، كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه : (ثم لا
يعود) ، فلما لقنوه - يعني: أهل الكوفة - تلقن وكان يذكرها . وهكذا قال علي بن عاصم . وقال
البزار: قوله في الحديث : (ثم لا يعود)؛ لا يصح)) .
واحتجوا أيضاً بحديث عبدالله بن مسعود المذكور ! قال الشوكاني :
((هذا الحديث حسنه الترمذي ، وصححه ابن حزم! ولكنه عارض هذا التحسين والتصحيح
قول ابن المبارك : لم يثبت عندي . وقول ابن أبي حاتم : هذا حديث خطأ . وتضعيف أحمد
وشیخه يحيى بن آدم له . وتصريح أبي داود بأنه ليس بصحيح . وقول الدارقطني : إنه لم يثبت .
وقول ابن حبان : هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع
وعند الرفع منه ! وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه ؛ لأن له عملاً تبطله . ولا يخفى على
المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها : منها ما هو متفق على ضعفه ؛ وهو ما عدا حديث ابن
مسعود فيها كما بينا . ومنها ما هو مختلف فيه ؛ وهو حديث ابن مسعود ؛ لما قدمنا من تحسين
الترمذي وتصحيح ابن حزم له . ولكن أين يقع هذا التحسين والتصحيح من قدح أولئك الأئمة
الأكابر فيه؟! غاية الأمر ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجباً لسقوط الاستدلال به .
ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود ، ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه ؛ فليس بينه وبين
الأحاديث المثبتة - للرفع في الركوع والاعتدال منه - تعارض؛ لأنها متضمنة للزيادة التي لا
منافاة بينها وبين المزيد ، وهي مقبولة بالإجماع ؛ لا سيّما وقد نقلها جماعة من الصحابة ، واتفق
على إخراجها الجماعة .
فمن جملة من رواها : ابن عمر ؛ كما في حديث الباب ، وعمر ؛ كما أخرجه البيهقي =
٤٨٠