Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢١٩ - حديث ابن عباس
٢١٩ - ولأبي داود والنسائيٍّ عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا نحْوُهُ ، دون
آخره ، وقَيّد المرْأة بالحائض .
(ولأبي داود والنسائيِّ عن ابن عباس رضيَ اللّه عنهُمَا نحْوُهُ، دون آخره ،
وقَيّد المرْأة بالحائض) : في أبي داود عن شعبة قال : حدثنا قتادة قال : سمعت
جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس ؛ رفعه شعبة ؛ قال : ((يقطع الصلاة المرأة
الحائض، والكلب))، وأخرجه النسائي وابن ماجه ، وقوله : دون آخره ، يريد : أنه
ليس في حديث ابن عباس آخر حديث أبي هريرة الذي في مسلم ، وهو قوله :
((ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل))، فالضمير في آخره في عبارة المصنف : لآخر
حديث أبي هريرة ، مع أنه لم يأت بلفظه ؛ كما عرفت ، ولا يصح أنه يريد : دون
آخر حديث أبي ذر؛ كما لا يخفى ، من أن حق الضمير عوده إلى الأقرب ، ثم
راجعت ((سنن أبي داود))، وإذا لفظه: ((يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب)).
اهـ. فاحتملت عبارة المصنف : أن مراده : دون آخر حديث أبي ذر ، وهو قوله :
((الكلب الأسود شيطان))، أو دون آخر حديث أبي هريرة ، وهو ما ذكرناه في
((الشرح))، والأول أقرب ؛ لأنه ذكر لفظ حديث أبي ذر ، دون لفظ حديث أبي
هريرة ، وإن صح أن يعيد إليه الضمير، وإن لم يذكره ؛ إحالة على الناظر .
وتقييد المرأة بالحائض يقتضي - مع صحة الحديث - حمل المطلق على
المقيد ؛ فلا تقطع إلا الحائض ، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في
بعض الأحاديث ، وقيد في بعضها به ، فحملوا المطلق على المقيد ، وقالوا : لا
يقطع إلا الأسود، فتعين في المرأة الحائض حمل المطلق على المقيد .
٤٢١

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢٠ - حديث أبي سعيد الخدري
:
٢٢٠ - وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
((إذا صلى أحدكم إلى شيء يسترُهُ من الناس، فأراد أحدٌ أنْ يجتازَ بين
يديهِ ، فَلْيدفعْهُ؛ فإن أبى، فَلْيُقاتلهُ؛ فإنَّما هو شَيْطَانٌ)) . متّفق عليه ، وفي
رواية : ((فإنَّ معهُ القرين)) .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَظانه: ((إذا
صلى أحدُكم إلى شيء يَسْتُرُهُ منَ الناس) : مما سلف تعيينه من السترة ، وقدرها ،
وقدر كم يكون بينها وبين المصلي (فأراد أحدٌ أن يجْتاز) : أيْ : يمضي (بين يديْهِ ،
فَلْيدِفَعْهُ) : ظاهره وجوباً (فإن أبى) : أيْ : عن الاندفاع (فلْيُقاتِلْهُ) : ظاهره كذلك
(فإنما هو شَيْطانٌ))) : تعليل للأمر بقتاله ، أو لعدم اندفاعه ، أو لهما (متفق عليه،
وفي رواية): أيْ: لمسلم من حديث أبي هريرة ((فإن معَه القرين))): في
((القاموس)): القرين : الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه ، وظاهر كلام المصنف أن
رواية: «فإن معه القرين))؛ متفق عليها بين الشيخين من حديث أبي سعيد ، ولم
أجدها في ((البخاري))، ووجدتها في ((صحيح مسلم))، لكن من حديث أبي هريرة .
والحديث دال بمفهومه على أنه إذا لم يكن للمصلي سترة ؛ فليس له دفع المار
بين يديه ، وإذا كان له سترة ؛ دفعه ، قال القرطبي : بالإشارة ، ولطيف المنع ؛ فإن لم
يمتنع عن الاندفاع؛ قاتله ؛ أي: دفعه دفعاً أشد من الأول . قال : وأجمعوا أنه لا
يلزمه أن يقاتله بالسلاح ؛ لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة ، من الإقبال عليها والاشتغال
بها ، والخشوع - هذا كلامه -، وأطلق جماعة أن له قتاله حقيقة ، وهو ظاهر اللفظ ،
والقول بأنه يدفعه بلعنه وسبه يرده لفظ هذا الحديث ، ويؤيده فعل أبي سعيد راوي
٤٢٢

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢٠ - حديث أبي سعيد الخدري
الحديث مع الشاب الذي أراد أن يجتاز بين يديه ، وهو يصلي . أخرجه البخاري عن
أبي صالح السمان قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء
يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفعه أبو
سعيد في صدره ، فنظر الشاب ، فلم يجد مساغاً إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز،
فدفعه أبو سعيد أشد من الأول ، الحديث . وقيل : يرده بأسهل الوجوه ؛ فإذا أبى ،
فبأشدّ ، ولو أدى إلى قتله ؛ فإن قتله ؛ فلا شيء عليه ؛ لأن الشارع أباح قتله .
والأمر في الحديث ، وإن كان ظاهره الإيجاب ، لكن قال النووي : لا أعلم
أحداً من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع ؛ بل صرح أصحابنا بأنه مندوب ،
ولكن قال المصنف : قد صرح بوجوبه أهل الظاهر ، وفي قوله : ((فإنما هو شيطان))
تعليل بأن فعله فعل الشيطان ، في إرادة التشويش على المصلي .
وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد
صلاة المصلي ، وفتنته في دينه ؛ كما قال تعالى : ﴿شياطين الإنس والجن﴾
[الأنعام: ١١٢]، وقيل : المراد بأن الحامل له على ذلك شيطان ، ويدل له رواية
مسلم : ((فإن معه القرين)).
وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع ؛ فقيل : لدفع الإثم عن المار ،
وقيل : لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة ، وهذا الأرجح ؛ لأن عناية المصلي
بصيانة صلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره .
قلت: ولو قيل : إنه لهما معاً، لما بَعُد ؛ فيكون لدفع الإثم عن المار ، الذي
أفاده حديث: ((لو يعلم المار))، ولصيانة الصلاة عن النقصان من أجرها ؛ فقد
٤٢٣

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢١ - حديث أبي هريرة
أخرج أبو نعيم عن عمر : لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ،
ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود :
إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته . ولهما حكم الرفع ، وإن کانا
موقوفين ، إلا أن الأول فيمن لم يتخذ سترة ، والثاني مطلق ، فيحمل عليه ، وأمّا
من اتخذ السترة ؛ فلا نقص في صلاته بمرور المار؛ لأنه قد صرح الحديث أنه مع
اتخاذ السترة لا يضره مرور من مرّ، فأمره بدفعه للمار ، لعل وجهه إنكار المنكر
على المارّ؛ لتعديه ما نهاه عنه الشارع ، ولذا يقدم الأخف على الأغلظ .
٢٢١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله تَ ه قالَ: ((إذا صلى
أحدُكم ؛ فَلْيجعل تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيئاً، فإن لم يجد ؛ فلينْصِب عصاً، فإن لمْ
يكُن ؛ فلْيَخُطَّ خطّاً، ثم لا يضُرُّهُ منْ مرَّ بين يديْه)). أخرجهُ أحمد وابنُ
ماجهْ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان ، ولم يُصِبْ من زعمَ أَنَّهُ مُضطَربٌ ؛ بل هو حسنٌ .
عَ لي قال: ((إذا صلى
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله
أحد كم ؛ فليجعلْ تلقاءَ وجهه شيئاً ، فإن لم يجد ؛ فلينصب عصاً ، فإن لم
يكن؛ فلْيَخُطَّ خطّاً، ثم لا يضره من مرَّ بين يديه)). أخرجه أحمد وابن
ماجه ، وصححه ابن حبان ، ولم يصب من زعم): وهو ابن الصلاح (أنه
مضطرب) : فإنه أورده مثالاً للمضطرب فيه (بل هو حسن): ونازعه المصنف
في ((النكت))، وقد صححه أحمد، وابن المديني(١). وفي ((مختصر السنن)):
(١) هذا التصحيح ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٦/١)، وقال: ((فيما نقله ابن عبد البر
في ((الاستذكار)» !
وأقول: ونقل الحافظ في ((التهذيب)) خلافه عن أحمد؛ فانظر ((ضعيف أبي داود)) (١٠٨)!
٤٢٤

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢١ - حديث أبي هريرة
قال سفيان بن عيينة : لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث ، ولم يجئ إلا من هذا
الوجه ، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدّث بهذا الحديث يقول : هل عندكم
شيء تشدونه به؟ وقد أشار الشافعي إلى ضعفه ، وقال البيهقي: لا بأس به في
مثل هذا الحكم ، إن شاء الله تعالى .
والحديث دليل على أن السترة تجزئ بأي شيء كانت، وفي ((مختصر السنن)):
قال سفيان بن عيينة : رأيت شريكاً صلى بنا في جنازة العصر ، فوضع قلنسوته
بين يديه، وفي (الصحيحين)) من رواية ابن عمر: أنه تَّةٍ كان يعرض راحلته
فيصلي إليها . وقد تقدم أنه - أي : المصلي - إذا لم يجد ؛ جمع تراباً ، أو أحجاراً .
واختار أحمد بن حنبل أن يكون الخط كالهلال ، وفي قوله : ((ثم لا يضره
شيء))، ما يدل أنه يضره إذا لم يفعل ، إما بنقصان من صلاته، أو بإبطالها
على ما ذكر أنه يقطع الصلاة ؛ إذْ في المراد بالقطع خلاف ، كما تقدم .
وهذا فيما إذا كان المصلى إماماً، أو منفرداً، لا إذا كان مؤتماً؛ فإن الإمام
سترة له ، أو سترته سترة له ، وقد سبق قريباً ، وقد بوب له البخاري ، وأبو داود ،
وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أنس مرفوعاً: ((سترة الإمام لمن
خلفه)) ، وإن كان فيه ضعف .
واعلم أن الحديث عام في الأمر باتخاذ السترة في الفضاء وغيره ؛ فقد ثبت
أنه ◌ٍَّ كان إذا صلى إلى جدار، جعل بينه وبينه قدر مر الشاة .
ولم يكن يتباعد منه ؛ بل أمر بالقرب من السترة ، وكان إذا صلى إلى عود ،
أو عمود ، أو شجرة ، جعله على جانبه الأيمن ، أو الأيسر ، ولم يصمد له صمداً،
٤٢٥

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢٢ - حديث أبي سعيد الخدري
وكان يركز الحربة في السفر ، أو العنزة ، فيصلي إليها ، فتكون سترته ، وكان
يعرِّض راحلته فيصلي إليها .
وقاس الشافعية على ذلك بسط المصلي لنحو سجادة ، بجامع إشعار المار أنه
في الصلاة ، وهو صحيح .
٢٢٢ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله
((لا يقطعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وادرَأَوا ما استطعتمْ)). أخرجهُ أبو داود ، وفي سنده
ضَعْفٌ .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله عَ زَانُ: ((لا
يقطعُ الصَّلاةَ شَيءٌ ، وادرَأُوا ما استطعتمْ)) : أخرجهُ أبو داود، وفي سنده
ضَعْفٌ) .
في ((مختصر المنذري)): في إسناده مجالد ، وهو أبو سعيد بن عمير الهمْداني
الكوفي ، وقد تكلم فيه غير واحد ، وأخرج له مسلم حديثاً مقروناً بغيره من
أصحاب الشعبي ، وأخرج نحوه أيضاً الدارقطني من حديث أنس ، وأبي أمامة ،
والطبراني من حديث جابر ، وفي إسنادهما ضعف .
وهذا الحديث معارض لحديث أبي ذر، وفيه أنه يقطع صلاة من ليس له
سترة : المرأة ، والحمار، والكلب الأسود ، ولما تعارض الحديثان ؛ اختلف نظر
العلماء فيهما ، فقيل : المراد بالقطع في حديث أبي ذر نقص الصلاة بشغل
القلب بمرور المذكورات ، وبعدم القطع في حديث أبي سعيد عدم البطلان ؛ أي :
٤٢٦

٢ - كتاب الصلاة
٤ - باب سترة المصلي
٢٢٢ - حديث أبي سعيد الخدري
أنه لا يبطلها شيء ، وإن نقص ثوابها بمرور ما ذكر في حديث أبي ذر ، وقيل :
حديث أبي سعيد هذا ناسخ لحديث أبي ذر، وهذا ضعيف ؛ لأنه لا نسخ مع
إمكان الجمع؛ لما عرفت؛ ولأنه لا يتم النسخ إلا بمعرفة التاريخ ، ولا يعلم هنا
المتقدم من المتأخر، على أنه لو تعذر الجمع بينهما ؛ لرجع إلى الترجيح ، وحديث
أبي ذر أرجح؛ لأنه أخرجه مسلم في ((صحيحه))، وحديث أبي سعيد في
سنده ضعف ؛ كما عرفت .
٠
٤٢٧

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة ٢٢٣ - حديث أبي هريرة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
في ((القاموس)): الخشوع: الخضوع ، أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن ،
والخشوع في الصوت والبصر والسكون والتذلل، وفي ((الشرح)): الخضوع: تارة
يكون في القلب ، وتارة يكون من قبل البدن ، كالسكوت ، وقيل : لا بد من
اعتبارهما ؛ حكاه الفخر الرازي في «تفسيره))، ويدل على أنه من عمل القلب
حديث عليّ عليه السلام : الخشوع في القلب . أخرجه الحاكم .
قلت : ويدل له حديث: ((لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه)) . وحديث
الدعاء في الاستعاذة: ((وأعوذ بك من قلب لا يخشع)) ، وقد اختلف في وجوب
الخشوع في الصلاة ، فالجمهور على عدم وجوبه ، وقد أطال الغزالي في ((الإحياء))
الكلام في ذلك ، وذكر أدلة وجوبه ، وادعى النووي الإجماع على عدم وجوبه .
٢٢٣ - عن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: نَهى رسُولُ الله ◌َّةٍ أنْ يُصَلي
الرَّجُلُ مختصراً. متفقٌ عليه، واللفظ لمسْلم، ومعناه: أن يجْعلَ يدهُ على
خاصرته .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله عَ لٍ): هذا إخبار من
٣، ولم يأت بلفظه الذي أفاد النهي ، لكن هذا له حكم
أبي هريرة عن نهيه ﴿
الرفع (أنْ يُصَلِيَ الرَّجُلُ): ومثله المرأة (مختصراً) : بضم الميم وسكون الخاء
المعجمة ، وفتح المثناة الفوقية فصاد مهملة مكسورة فراء ، وهو منتصب على
الحال ، وعامله يصلي، وصاحبه الرجل (متفق عليه، واللفظ لمسلم) : وفسره
المصنف أيضاً بقوله (ومعناه: أن يجعل يده): اليمنى ، أو اليسرى (على
٤٢٨

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٤ - حديث أبي هريرة
خاصرته): كذلك؛ أي : الخاصرة اليمنى، أو اليسرى، أو هما معاً عليهما ، إلا
أن تفسيره بما ذكر يعارضه ما في ((القاموس)) من قوله: وفي الحديث: ((المختصرون
يوم القيامة على وجوههم النور))؛ أي : المصلون بالليل فإذا تعبوا؛ وضعوا
أيديهم على خواصرهم . اهـ .
إلا أني لم أجد الحديث مخرجاً؛ فإن صح ، فالجمع بينه وبين حديث
الكتاب أن يتوجه النهي إلى من فعل ذلك بغير تعب ؛ كما يفيده قوله في
تفسيره: فإذا تعبوا ، إلا أنه يخالفه تفسير ((النهاية))؛ فإنه يقول : أراد أنهم
يأتون ، ومعهم أعمال صالحة يتكئون عليها ، وفي (القاموس)): الخاصرة:
الشاكلة ، وما بين الحرقفة ، والقصيرى ، وفسر الحرقفة بعظم الحجبة ؛ أي : رأس
الورك ، وهذا التفسير الذي ذكره المصنف عليه الأكثر، وقيل : الاختصار في
الصلاة هو : أن يأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها ، وقيل : أن يختصر السورة ، ويقرأ
من آخرها آية ، أو آيتين ، وقيل : أن يحذف من الصلاة؛ فلا يمد قيامها وركوعها
وسجودها وحدودها ، والحكمة في النهي عنه بينها قوله :
٢٢٤ - وفي البخاري عن عائشةَ: أنَّ ذلك فِعْل اليهود في صلاتهم .
(وفي البخاري عن عائشة ؛ أن ذلك): أي : الاختصار في الصلاة (فعل
اليهود في صلاتهم): وقد نهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم ؛ فهذا وجه
حكمة النهي ، لا ما قيل : إنه فعل الشيطان ، أو إن إبليس أهبط من الجنة
كذلك ، أو إنه فعل المتكبرين ؛ لأن هذه علل تخمينية ، وما ورد منصوصاً - أي :
عن الصحابي - هو العمدة؛ لأنه أعرف بسبب الحديث ، ويحتمل أنه مرفوع،
٤٢٩

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٥ - حديث أنس
وما ورد في ((الصحيح)) مقدم على غيره ؛ لورود هذه الأشياء أثراً .
وفي ذكر المصنف للحديث في باب الخشوع ، ما يشعر بأن العلة في النهي
عن الاختصار أنه ينافي الخشوع .
٢٢٥ - وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله ◌َ ه قال: ((إذا قُدِّم
العَشاءُ ، فابدَأُوا بِه قبلَ أن تُصَلُّوا المغْربَ)). متفقٌ عليه .
(وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ﴿ قال: ((إذا قدم العشاءُ):
ممدود، كسماء: طعام العشي؛ كما في ((القاموس)) (فابْد أوا به) : أيْ: بأكله
(قبلَ أن تُصلوا المغْرب)). متفق عليه): وقد ورد بإطلاق لفظ الصلاة ، قال ابن
دقيق العيد: فيحمل المطلق على المقيد، وورد بلفظ: ((إذا وضع العَشَاء ،
وأحد كم صائم))؛ فلا يقيد به ؛ لما عرف في الأصول من أن ذكر حكم الخاص
الموافق لا يقتضي تقييداً، ولا تخصيصاً.
والحديث دالٌ على إيجاب تقديم أكل العشاء ، إذا حضر على صلاة المغرب ،
والجمهور حملوه على الندب ، وقالت الظاهرية : بل يجب تقديم أكل العشاء ،
فلو قدم الصلاة ، لبطلت ؛ عملاً بظاهر الأمر ، ثم الحديث ظاهر في أنه يقدم
العشاء مطلقاً؛ سواء كان محتاجاً إلى الطعام ، أو لا ، وسواء خشي فساد
الطعام ، أو لا ، وسواء كان خفيفاً ، أو لا .
وفي معنى الحديث تفاصيل أخر بغير دليل ؛ بل تتبعوا علة الأمر بتقديم
الطعام ، فقالوا : هو تشويش الخاطر بحضور الطعام ، وهو يفضي إلى ترك الخشوع]
في الصلاة ، وهي علة ليس عليها دليل ، إلا ما يفهم من كلام بعض الصحابة ؛
٤٣٠

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٦ - حديث أبي ذر
فإنه أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ، وابن عباس : أنهما كانا يأكلان
طعاماً ، وفي التنور شواء ، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة ، فقال له ابن عباس : لا
تعجل ! لا نقوم ، وفي أنفسنا منه شيء ، وفي رواية : لئلا يعرض لنا في
صلاتنا . وله عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال : العشاء قبل الصلاة
يذهب النفس اللوّامة . ففي هذه الآثار إشارة إلى التعليل بما ذكر، ثم هذا إذا
كان الوقت موسعاً .
واختلف إذا تضيق بحيث لو قدم أكل العشاء ؛ خرج الوقت ، فقيل : يقدم
الأكل ، وإن خرج الوقت ؛ محافظة على تحصيل الخشوع في الصلاة ، قيل : وهذا
على قول من يقول بوجوب الخشوع في الصلاة ، وقيل : بل يبدأ بالصلاة ؛
محافظة على حرمة الوقت ، وهو قول الجمهور من العلماء ، وفيه أن حضور
الطعام عذر في ترك الجماعة ؛ عند من أوجبها ، وعند غيره ، قيل : وفي قوله :
((فابدأوا))، ما يشعر بأنه إذا كان حضور الصلاة وهو يأكل؛ فلا يتمادى فيه ،
وقد ثبت عن ابن عمر أنه كان إذا حضر عشاؤه ، وسمع قراءة الإمام في
الصلاة ، لم يقم ، حتّى يفرغ من طعامه ، وقد قيس على الطعام غيره مما يحصل
بتأخيره تشويش الخاطر ، فالأولى البداءة به .
٢٢٦ - وعن أبي ذَرِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((إذا قامَ
أحَدُكم في الصلاةِ ؛ فلا يمسَحِ الحَصى ؛ فإن الرحمَةَ تُواجهُهُ)) . رواهُ الخمسة
بإسناد صحيح، وزادَ أحْمدُ : ((واحدةً ، أو دَعْ)).
(وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا قام أحدكم
٤٣١

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٦ - حديث أبي ذر
في الصلاة) : أيْ : دخل فيها (فلا يمسح الحصى) : أيْ: من جبهته ، أو من
محل سجوده (فإنّ الرحمة تُواجهه)). رواه الخمسة بإسناد صحيح(١) ، وزاد
أحمد) : في روايته ((واحدة ، أو دَعْ))): في هذا النقل قلق ؛ لأنه يفهم أنه زاد
أحمد على هذا اللفظ الذي ساقه المصنف ، ومعناه: على هذا؛ فلا يمسح
واحدة ، أو دَعْ، وهو غير مراد ، ولفظه عند أحمد عن أبي ذر: سألت النبي
عن كل شيء، حتّى سألته عن مسح الحصاة ، فقال: ((واحدة، أو دع))؛ أي:
امسح واحدة ، أو اترك المسح ، فاختصار المصنف أخل بالمعنى ، كأنه اتكل في
بيان معناه على لفظه لمن عرفه ، ولو قال : وفي روايةٍ لأحمد الإذن بمسحة
واحدة ؛ لكان واضحاً .
والحديث دليل على النهي عن مسح الحصاة بعد الدخول في الصلاة ، لا
قبله ، فالأولى له أن يفعل ذلك ؛ لئلا يشغل باله ، وهو في الصلاة ، والتقييد
بالحصى ، أو التراب - كما في رواية - للغالب ، ولا يدل على نفيه عما عداه .
قيل : والعلة في النهي المحافظة على الخشوع؛ كما يفيده سياق المصنف
للحديث في هذا الباب ، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة ، وقد نص الشارع على
العلة بقوله : ((فإن الرحمة تواجهه))؛ أي : تكون تلقاء وجهه ؛ فلا يغير ما تعلق
(١) بل إسناده ضعيف ؛ فيه أبو الأحوص؛ وفيه جهالة ؛ كما قال النووي .
والزيادة التي عند أحمد من طريق أخرى ؛ فيها محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى ؛ وهو
سيئ الحفظ .
لكن لحديثه هذا؛ لا حديث أبي الأحوص ؛ شواهد ؛ انظر كتابنا ((زوائد ابن الجارود)»
(رقم ١٠٩) .
٤٣٢

٢ - كتاب الصلاة ٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة ٢٢٧، ٢٢٨ - حديثا معيقيب وعائشة
بوجهه من التراب والحصى ، ولا ما يسجد علیه ، إلا أن يؤلمه ، فله ذلك ، ثم
النهي ظاهر في التحريم .
٢٢٧ - وفي ((الصحيح)) عن مُعَيْقيبٍ نحوهُ بغير تعْليل .
(وفي ((الصحيح))): أي : المتفق عليه (عن معيقيب): بضم الميم وفتح العين
المهملة والمثناة التحتية ، وكسر القاف بعدها تحتية ساكنة بعدها موحدة ، هو
معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي ، شهد بدراً ، وكان قد أسلم قديماً بمكة ، وهاجر
إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها، حتّى قدم النبي {﴿ المدينة ، وكان على
خاتم النبي :﴿، واستعمله أبو بكر ، وعمر رضيَ الله عنهُمَا على بيت المال ،
مات سنة ست وأربعين ، وقيل : في آخر خلافة عثمان (نحوه) : أي : نحو
حديث أبي ذر، ولفظه: ((لا تمسح الحصى وأنت تصلي ، فإن كنت لا بد فاعلاً؛
فواحدة؛ لتسوية الحصى)) (بغير تعليل) : أيْ: ليس فيه أن الرحمة تواجهه .
٢٢٨ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألْتُ رسولَ الله عَُّه عن
الالْتِفَاتِ في الصَّلاة؟ فقالَ: «هوَ اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيطانُ من صلاة
العَبْد)) . رواهُ البُخاريُّ.
وللترمذي - وصحّحهُ - : ((إِيَّاكِ والالتفات في الصلاة! فإنه هَلَكَةٌ ، فإن
كان لا بُدَّ ؛ ففي التطوُّع)).
عن الالتفات
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﴿
في الصلاة؟ فقال: ((هو اختلاس): بالخاء المعجمة فمثناة فوقية آخره سين
مهملة ، هو الأخذ للشيء على غفلة (يَخْتَلسُهُ الشَّيْطانُ من صلاة العَبْد)). رواه
٤٣٣

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٩ - حديث أنس
البخاري) : قال الطيبي : سماه اختلاساً؛ لأن المصلي يقبل على ربه تعالى،
ويترصد الشيطان فوات ذلك عليه ؛ فإذا التفت ، استلبه ذلك ، وهو دليل على
كراهة الالتفات في الصلاة ، وحمله الجمهور على ذلك ، إذا كان التفاتاً لا يبلغ
إلى استدبار القبلة بصدره، أو عنقه كله ، وإلا كان مبطلاً للصلاة .
وسبب الكراهة نقصان الخشوع ؛ كما أفاده إيراد المصنف للحديث في هذا
الباب ، أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن ، أو لما فيه من الإعراض عن التوجه
إلى الله تعالى؛ كما أفاده ما أخرجه أحمد وابن ماجه من حديث أبي ذر: ((لا
يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا صرف وجهه ؛
انصرف)) . أخرجه أبو داود ، والنسائي .
(وللترمذي): أيْ: عن عائشة (- وصححه -: ((إيّاك) : بكسر الكاف؛ لأنه
خطاب المؤنث (والالتفات) : بالنصب؛ لأنه محذَّر منه (في الصلاة ! فإنه
هلكة) : لإخلاله بأفضل العبادات ، وأي هلكة أعظم من هلكة الدين ؟! (فإن
كان لا بدّ) : من الالتفات (ففي التّطَوُّع))) : قيل: والنهي عن الالتفات إذا كان
لغير حاجة ، وإلا ؛ فقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه التفت لمجيء النبي
في صلاة الظهر، والتفت الناس، لخروجه *** في مرض موته ، حيث أشار
إليهم ، ولو لم يلتفتوا ؛ ما علموا بخروجه ، ولا إشارته ، وأقرهم على ذلك .
٢٢٩ - وعن أنس رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ فَهِ: ((إذا كانَ
أحَدُكُمْ في الصَّلاة ؛ فإنه يُناجي ربَّهُ ؛ فلا يَبْصُقَنَّ بين يديه ، ولا عن يمينه ،
ولكن عن شماله تَحْتَ قدَمه)). متّفقٌ عليه، وفي رواية: ((أو تَحْتَ قدَمه)) .
٤٣٤

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٩ - حديث أنس
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((إذا كان أحدكم في
الصّلاة؛ فإنه يناجي ربّه): وفي رواية في البخاري: ((فإن ربه بينه وبين القبلة))،
والمراد من المناجاة : إقباله تعالى عليه بالرحمة والرضوان (فلا يَبْصُقنّ بين يديه ،
ولا عنْ يمينه): قد علل في حديث أبي هريرة؛ بأن عن يمينه ملكاً (ولكنْ عن
شماله تحت قدمه)). متفق عليه، وفي رواية: ((أو تحت قدَمِهِ))) : الحدیث نھی
عن البصاق إلى جهة القبلة ، أو جهة اليمين إذا كان العبد في الصلاة .
وقد ورد النهي مطلقاً عن أبي هريرة، وأبي سعيد: أن رسول الله مح له رأى
نخامة في جدار المسجد ، فتناول حصاة ، فحتها وقال : ((إذا تنخم أحدكم ؛ فلا
يتنخمن قبل وجهه ، ولا عن يمينه ، وليبصقن عن يساره ، أو تحت قدمه
اليسرى)) . متفق عليه .
وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة ؛ داخل الصلاة وخارجها ، سواء كان
في المسجد أو غيره ، وقد أفاده حديث أنس في حق المصلي .
إلا أن غيره من الأحاديث قد أفادت تحريم البصاق إلى القبلة مطلقاً ، فى
المسجد وفي غيره ، وعلى المصلي وغيره .
ففي صحيح ابن خزيمة وابن حبان: من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تفل
تجاه القبلة ؛ جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه)) (١) ، ولابن خزيمة من حديث ابن
عمر مرفوعاً: ((يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)).
(١) ورواه أبو داود في (الأطعمة)، وابن حبان (٣٣٢) بسند صحيح .
وعنده (٣٣٣) حديث ابن عمر أيضاً .
٤٣٥

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٢٩ - حديث أنس
وأخرج أبو داود وابن حبان ، من حديث السائب بن خلاد : أن رجلاً أمَّ قوماً
فبصق في القبلة، فلما فرغ، قال رسول الله تعزية: ((لا يصلي لكم)).
ومثل البصاق إلى القبلة البصاق عن اليمين ؛ فإنه منهي عنه مطلقاً أيضاً .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود : أنه كره أن يبصق عن يمينه ، وليس في
الصلاة . وعن معاذ بن جبل: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت . وعن عمر بن
عبد العزيز: أنه نهى عنه أيضاً، وقد أرشده إلى أي جهة يبصق فقال: ((عن
شماله تحت قدمه))، فبيّن الجهة أنها جهة الشمال ، والمحل أنه تحت القدم ، وورد
في حديث أنس عند أحمد ومسلم بعد قوله : ((ولكن عن يساره ، أو تحت
قدمه))، زيادة: ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال: ((أو
يفعل هكذا))، وقوله: ((أو تحت قدمه))، خاص بمن ليس في المسجد ، وأمّا إذا
كان فيه ، ففي ثوبه؛ لحديث: ((البصاق في المسجد خطيئة))، إلا أنه قد يقال:
المراد البصاق إلى جهة القبلة ، أو جهة اليمين خطيئة ، لا تحت القدم ، أو عن
شماله ؛ لأنه قد أذن فيه الشارع ، ولا يأذن في خطيئة ، هذا ، وقد سمعت أنه
علل ﴿18: النهي عن البصاق على اليمين بأن عن يمينه ملكاً ، فأورد سؤال ، وهو
أن على الشمال أيضاً ملكاً ، وهو كاتب السيئات .
وأجيب : بأنه اختص بذلك ملك اليمين ؛ تخصيصاً له وتشريفاً وإكراماً ،
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية ؛ فلا دخل لكاتب
السیئات فيها .
واستشهد لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة ، من حديث حذيفة موقوفاً فى هذا
٤٣٦

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة ٢٣٠، ٢٣١ - حديثا أنس وعائشة
الحديث : ولا عن يمينه ؛ فإن عن يمينه كاتب الحسنات، وفي ((الطبراني)) من حديث
أمامة في هذا الحديث: ((فإنه يقوم بين يدي الله ، وملك عن يمينه ، وقرينه عن
يساره))، وإذا ثبت هذا ؛ فالتفل يقع على القرين ، وهو الشيطان ، ولعل ملك اليسار
حينئذٍ بحيث لا يصيبه شيء من ذلك ، أو أنه يتحول في الصلاة إلى جهة اليمين .
ء
٢٣٠ - وعنه قالَ: كان قِرَامٌ لِعَائشة سَتَرت به جانب بَيْتِها ، فقال لها
النبي ﴿: ((أميطي عنّا قِرَامَكِ هذا؛ فإنه لا تَزالُ تصَاويرُهُ تَعْرض لي في
صلاتي)) . رواه البخاريُّ .
(وعنه) : أيْ: أنس رضي الله عنه (قال: كان قرام): بكسر القاف
وتخفيف الراء : الستر الرقيق ، وقيل : الصفيق من صوف ذي ألوان (لعائشة
سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ◌َ: ((أميطي عنا) : أيْ : أزيلي
(قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويرُهُ تَعرضُ) : بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء
(لي في صلاتي)) . رواه البخاري) .
في الحديث دلالة على إزالة ما يشوش على المصلي صلاته مما في منزله ، أو
في محل صلاته ، ولا دليل فيه على بطلان الصلاة ؛ لأنه لم يرو أنه
أعادها ، ومثله :
٢٣١ - واتّفقا على حديثها - في قصة أَنْبِجانيَّة أبي جَهْم -، وفيهِ: ((فإنّها
أَلهَتْني عنْ صلاتي)».
(واتفقا) : أي : الشيخان (على حديثها): أيْ : عائشة (في قصة أنبجانية) :
بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء
٤٣٧

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٣١ - حديث عائشة
النسبة : كساء غليظ لا علم فيه (أبي جَهْم) : بفتح الجيم وسكون الهاء ؛ هو
عامر بن حذيفة (وفيه : ((فإنها): أي : الخميصة - وكانت ذات أعلام - أهداها
له أبوجهم، فالضمير لها ، وإن لم يتقدم في كلام المصنف ذكرها ، ولفظ
الحديث عن عائشة: أن النبي ﴿ صلى في خميصة لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها
نظرة ، فلما انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، وأتوني
بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي))، هذا لفظ البخاري ، وعبارة
المصنف تفهم أن ضمير ((فإنها)) للأنبجانية ، وكذا ضمير (ألهتني عن صلاتي))).
وذلك أن أبا جهم أهدی للنبي
ـ خميصة لها أعلام؛ كما روى مالك في
((الموطأ)) عن عائشة قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله
خميصة لها علم ، فشهد فيها الصلاة ، فلما انصرف قال : ((ردي هذه الخميصة
إلى أبي جهم))، وفي رواية عنها: كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة ،
فأخاف أن يفتنني . قال ابن بطال : إنما طلب منه ثوباً غيرها ؛ ليعلمه أنه لم يرد
علیه هدیته استخفافاً به .
وفي الحديث دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ، ونحوها مما
يشغل القلب ، وفيه مبادرته ﴿ إلى صيانة الصلاة عما يلهي ، وإزالة ما يشغل
عن الإقبال عليها .
قال الطيبي : فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب
الطاهرة ، والنفوس الزكية ، فضلاً عما دونها ، وفيه كراهة الصلاة على المفارش ،
والسجاجيد المنقوشة ، وكراهة نقش المساجد ، ونحوه .
٤٣٨

١
٢ - كتاب الصلاة ٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة ٢٣٢، ٢٣٣ - حديثا جابر بن سمرة وعائشة
٢٣٢ - وعن جابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله
(لَيَنْتَهِينَّ أقوامٌ يَرْفعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلى السماءِ في الصلاة، أو لا تَرْجِعُ إليْهِمْ)).
رواه مسلم .
(وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّالله: ((لينتهينَّ):
بفتح اللام وفتح المثناة التحتية وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الهاء (أقوام
يرفعون أبصارهُم إلى السماء في الصَّلاة): أيْ: إلى ما فوقهم مطلقاً (أو لا
ترجع إليهم)). رواه مسلم): قال النووي في ((شرح مسلم)): فيه النهي الأكيد ،
والوعيد الشديد في ذلك ، وقد نقل الإجماع على ذلك ، والنهي يفيد تحريمه .
وقال ابن حزم : تبطل به الصلاة ، قال القاضي عياض : واختلفوا في غير
الصلاة في الدعاء ، فكرهه قوم ، وجوزه الأكثرون .
٢٣٣ - ولهُ عن عائشة قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله عَةٍ يقول: ((لا صلاةً
بحضرَةٍ طَعَام ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخْبَثانِ)) .
(وله): أيْ: لمسلم (عن عائشة قالت: سمعت رسول الله عَ لُ يقول: ((لا
صلاة بحضرة طعام) : تقدم الكلام في ذلك ، إلا أن هذا يفيد أنها لا تقام
الصلاة في موضع حضر فيه الطعام ، وهو عام للنفل ، والفرض ، وللجائع ، وغيره ،
والذي تقدم أخص من هذا (ولا): أي : لا صلاة (وهو): أي: المصلي (يُدافعُهُ
الأخبثان))) : البول والغائط ، ويلحق بهما مدافعة الريح ؛ فهذا مع المدافعة ، وأمّا
إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك ، وليس هناك مدافعة ؛ فلا نهي عن الصلاة
معه ، ومع المدافعة فهي مكروهة ، قيل : تنزيهاً لنقصان الخشوع ، فلو خشي خروج
٤٣٩

٢ - كتاب الصلاة
٥ - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٢٣٤ - حديث أبي هريرة
الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين ، قدم الصلاة ، وهي صحيحة مكروهة ؛
كذا قال النووي : ويستحب إعادتها ، وعن الظاهرية : أنها باطلة .
قَالَ: «التثاؤبُ من
٢٣٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ النبي
الشيطانِ ؛ فإذا تشَاءَب أحدُكم ، فَلْيكظِمْ ما استطاع)) . رواهُ مسلمٌ والترمذيُّ،
وزادَ : ((في الصَّلاة)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ◌َ ﴿ قال: «التثاؤُب من
الشيطان) : لأنه يصدر عن الامتلاء والكسل ، وهما مما يحبه الشيطان ؛ فكأنّ
التثاؤب منه (فإذا تثاءَب أحدُكم، فَلْيكظمْ): أي: يمنعه ويمسكه (ما استطاع)).
رواه مسلم. والترمذي، وزاد): أي: الترمذي («في الصلاة))): فقيد الأمر
بالكظم بكونه في الصلاة ، ولا ينافي النهي عن تلك الحالة مطلقاً؛ لموافقة المقيد ،
والمطلق في الحكم ، وهذه الزيادة هي في البخاري أيضاً ، وفيه بعدها : ((ولا يقل :
ها ؛ فإنَّما ذلك من الشيطان يضحك منه))، وكل هذا ما ينافي الخشوع ، وينبغي
أن يضع يده على فيه؛ لحديث: ((إذا تثاءب أحدكم ؛ فليضع يده على فيه ؛ فإن
الشيطان يدخل مع التثاؤب)) . وأخرجه أحمد والشيخان ، وغيرهم .
٤٤٠