Indexed OCR Text
Pages 281-300
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١١٣ - حديث أبي هريرة
الوقف عن تصحيحه وتضعيفه ، حتّى يتبين الحال فيه(١) ، وقيل : الصواب وقفه
على عليّ عليه السلام .
والحديث دليل على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة ، ولا يعفى عن
شيء منه ، قيل: وهو إجماع ، إلا المضمضة والاستنشاق ففيهما خلاف ، قيل:
يجبان ؛ لهذا الحديث ، وقيل: لا يجبان ؛ لحديث عائشة الذي تقدم(٢)، وميمونة(٣)،
(١) قلت: وهذا هو الصواب. وتصحيح من صححه إنما هو بناءً على أن حماد بن سلمة إنما
روى عن عطاء قبل الاختلاط ! والواقع أنه روى عنه قبل الاختلاط وبعده ؛ ولذلك وجب
التوقف؛ وقد فصلت هذا في ((الأحاديث الضعيفة))، وفي ((ضعيف أبي داود)) (٣٩).
(٢) في (٢٧١) ، وحديث ميمونة في (٢٧٢).
، فقال: ((أما أنا ؛
(٣) وعن جبير بن مطعم قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﴿
فأخذ ملء كفي ، فأصب على رأسي، ثم أفيض بعدُ على سائر جسدي)). رواه أحمد. وفيه
مستدل لمن لم يوجب الدلك ولا المضمضة والاستنشاق. كذا في («المنتقى من أخبار المصطفى».
والحديث رجاله رجال ((الصحيح))؛ وقد ذكره الحافظ في ((التلخيص)) بلفظ: ((فآخذ ملء
كفي ثلاثاً))؛ ولم يتكلم عليه ، وله شواهد في ((الصحيحين)). انتهى من التعليق لمحمد حامد
الفقي (١٥١/١).
وأقول: الحديث رواه أبو داود أيضاً في ((سننه)) في (باب الغسل من الجنابة) عنه: أنهم
تذاكروا عند رسول الله ﴿ الغسل من الجنابة، فقال رسول الله مح الله: ((أما أنا؛ فأفيض على
رأسي ثلاثاً) وأشار بيديه كلتيهما .
ورواه البخاري بهذا اللفظ مقتصراً على المرفوع في (الغسل) (باب من أفاض على رأسه
ثلاثاً) ، وكذا مسلم فيه في (باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثاً)؛ بلفظ :
تماروا - أي: تنازعوا - في الغسل عند رسول الله مع﴿198، فقال بعض القوم: أما أنا ؛ فإني أغسل
رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله تَ هي: ((أما أنا؛ فإني أفيض على رأسي ثلاث أكفّ»، وفي
رواية: ((أما أنا ؛ فأفرغ على رأسي ثلاثاً».
٢٨١
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١١٤ - حديث عائشة
وحديث إيجابهما هذا غير صحيح، ولا يقاوم ذلك، وأمّا أنه مَّله توضأ وضوءه
للصلاة ؛ ففعل لا ينهض على الإيجاب ، إلا أن يقال: إنه بيان لمجمل ؛ فإن
الغسل مجمل في القرآن ، يبينه الفعل .
١١٤ - ولأحْمَدَ عنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا نَحْوُهُ، وفيهِ رَاو مَجْهُولٌ .
(ولأحْمَدَ عنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنهَا نَحْوُهُ، وفيهِ رَاوِ مَجْهُولٌ (٢).
لم يذكر المصنف الحديث في ((التلخيص))، ولا عيّن من فيه ، وإذا كان فيه
مجهول فلا تقوم به حجة .
وأحاديث الباب عدتها سبعة عشر .
:
۔
(١) الأولى أن يقال: ((وفيه رجل لم يسمَ))؛ كما قال في ((المجمع)) (٢٧٢/١): وذلك لكيلا
يرد عليه مثل قول الشارح :
«ولا عیّن من فیه» !!
٢٨٢
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٥ - حديث جابر
٩ - بابُ التََّمُمِ
التيمم : هو في اللغة : القصد .
وفي الشّرع: القصد إلى الصَّعيد ؛ لمسح الوجه واليدين ، بنيَّة استباحة
الصلاة ونحوها .
واختلف العلماء ؛ هل التَّيَمُّم رُخْصة ، أو عزيمة؟
وقيل : هو لعدم الماء عزيمة ، وللعُذْر رُخْصة .
١١٥ - عن جابر: أنَّ النبي ◌َ﴿ قَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْساً، لمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ
قَبْلي : نصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً ،
فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ، فَلْيُصَلِّ) ، وذكرَ الحديثَ .
﴿ قال): مُتَحَدِّثاً
(عن جابر): هو إذا أُطلق جابر بن عبد الله (أن النبي ◌َ
بنعمة الله، ومُبَيِّناً لأحكام شريعته ((أُعطيتُ): حُذِفَ الفاعل للعلم به
(خَمْساً) : أي: خصالاً ، أو فضائل ، أو خصائص ، والآخر يناسبه قوله (لمْ
يُعطهنَّ أحدٌ قبلي): ومعلوم أنه لا يُعْطاهُنَّ أحدٌ بعده ، فتكون خصائص له ؛ إذ
الخاصَّة ما توجد في الشّيء ولا توجد في غيره، ومفهوم العدد غير مُراد ؛ لأنَّه
قد ثبت أنَّه أَعْطِيَ أكثر من الخمس ، وقد عدَّها السُّيوطي في ((الخصائص))،
فبلغت الخصائص زيادة على المائتين ، وهذا إجمال فصله (نُصِرتُ بالرُّعب) :
وهو الخوف (مَسيرةَ شَهْر) : أي : بيني وبين العدوِّ مسافة شهر، وأخرج
الطبراني : ((نصرت بالرُّعب على عدوي مسيرة شهرين)). وأخرج أيضاً تفسير
٢٨٣
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٥ - حديث جابر
ذلك عن السَّائب بن يزيد بأنه شهرٌ خَلْفي ، وشهرٌ أمامي .
قيل: وإنما جعل مسافة شهر؛ لأنه لم يكن بينه ﴿ وبين أحد من أعدائه
أكثر من هذه المسافة ، وهي حاصلة له ، وإن كان وحده ، وفي كونها حاصلة
لأُمَّته خلاف (وجعلت لي الأرضُ مسْجداً) : موضع سجود ، ولا يختص به
موضع دون غيره، وهذه لم تكن لغيره منَال ؛ كما صرح به في رواية : ((وكان من
قبلي إنما كانوا يُصَلّون في كنائسهم))، وفي أخرى: ((ولم يكن أحد من الأنبياء
يصلي حتّى يبلغ محرابه)) ، وهو نصٌّ على أنها لم تكن هذه الخاصيَّة لأحد من
الأنبياء قبله (وطهوراً) : بفتح الطاء ؛ أي : مطهرة تُسْتَباح بها الصَّلاة .
وفيه دليل أن التراب يرفع الحدث كالماء ؛ لاشتراكهما في الطهورية . وقد
يمنع ذلك ، ويقال : الذي له من الطهورية استباحة الصلاة به ، كالماء ، ويدل على
جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض ، وفي رواية: ((وجعلت لي الأرض كلها
ولأمتي مسجداً وطهوراً)) ، وهو من حديث أبي أمامة عند أحمد ، وغيره .
وأما قول من منع من ذلك مستدلاً بقوله في بعض روايات ((الصحيح)) :
((وجعلت تربتها طهوراً)) - أخرجه مسلم -؛ فلا دليل فيه على اشتراط التراب؛
لما عرفت في الأصول من أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص به ، ثم هو مفهوم
لقب(١) لا يعمل به عند المحققين .
نعم؛ في قوله تعالى في أَية المائدة في التيمم: ﴿فَتَيَمِّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً
(١) وهو دلالة تعليق الحكم باسم جامد على نفي ذلك الحكم عن غيره.
٢٨٤
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٥ - حديث جابر
فَامْسَحُواْ بِوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهِ﴾ [المائدة: ٦]، دليل على أن المراد التراب؛
وذلك أن كلمة: من للتبعيض؛ كما قال في ((الكشاف)) حيث قال : إنه لا
يفهم أحد من العرب قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ، ومن التراب إلا
معنى التبعيض ، انتهى . والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح من التراب ، لا من
الحجارة ونحوها (فأيما رجل): هو للعموم في قوة : فكل رجل (أدركته الصلاة ،
فليصل))(١)): أي: على كل حال ، وإن لم يجد مسجداً، ولا ماء؛ أي : بالتيمم؛
كما بينته رواية أبي أمامة: ((فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ، فلم يجد
ماء، وجد الأرض طهوراً ، ومسجداً)) .
وفي لفظ: ((فعنده طهوره ومسجده)) (٢)، وفيه : أنه لا يجب على فاقد الماء
تطلبه (وذكر الحديث): أي : ذكر جابر بقية الحديث، فالمذكور في الأصل
ثنتان .
ولنذكر بقية الخمس؛ فالثالثة: قوله: ((وأحلت لي الغنائم)»، وفي رواية:
(١) زاد أحمد (٣٠٤/٣): ((حيث أدركته)). وسنده ثلاثي صحيح.
(٢) هذا اللفظ عند أحمد؛ كما صرح في ((الفتح)) (٣٤٧/١)؛ وهو في ((المسند)) (٢٤٨/٥)
بلفظ :
((فعنده مسجده، وعنده طهوره)). وسنده صحيح . قال ابن القيم في ((الزاد)):
((وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل ؛ فالرمل له طهور . ولما سافر هو وأصحابه
في غزوة تبوك ؛ قطعوا تلك الرمال في طريقهم ، وماؤهم في غاية القلة ، ولم يرو عنه أنه حمل معه
التراب ، ولا أمر به ، ولا فعله أحد من أصحابه ؛ مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب؛
وكذلك أرض الحجاز وغيره . ومن قدر هذا ، قطع بأنه كان يتيمم بالرمل . والله أعلم» .
٢٨٥
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٥ - حديث جابر
((المغانم))، قال الخطابي: كان من تقدم - أي: من الأنبياء - على ضربين : منهم
من لم يؤذن له في الجهاد ، فلم تكن لهم مغانم ، ومنهم من أذن لهم فيه ، ولکن
إذا غنموا شيئاً ، لم يحل لهم أن يأكلوه ، وجاءت نار فأحرقته .
وقيل : أجيز لي التصرف فيها بالتنفيل ، والاصطفاء ، والصرف في الغانمين ؛
كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١].
والرابعة: قوله: ((وأعطيت الشفاعة))، قد عد في ((الشرح)) الشفاعات اثنتي
عشرة شفاعة ، واختار أن الكل من حيث هو مختص به ، وإن كان بعض أنواعها
يكون لغيره، ويحتمل أنه ◌َّ ةٍ أراد بها الشفاعة العظمى ، في إراحة الناس من
الموقف ؛ لأنها الفرد الكامل ؛ ولذلك يظهر شرفها لكل من في الموقف .
والخامسة : قوله : ((وكان النبي يبعث في قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس
كافة))، فعموم الرسالة خاص به ◌َالله، فأما نوح؛ فإنه بعث إلى قومه خاصة.
نعم؛ صار بعد إغراق من كذب به مبعوثاً إلى أهل الأرض ؛ لأنه لم يبق إلا من
كان مؤمناً به ، ولكن ليس العموم في أصل البعثة ، وقيل غير ذلك .
وبهذا عرفت أنه عَّ هُ مختص بكل واحدة من هذه الخمس ، لا أنه مختص
بالمجموع ، وأمّا الأفراد ؛ فقد شاركه غيره فيها - كما قيل - فإنه قول مردود ، وفي
الحديث فوائد جليلة مبينة في الكتب المطولة .
وكان ينبغي للمصنف أن يقول بعد قوله : وذكر الحديث : متفق علیه ، ثم
يعطف عليه قوله : وفي حديث حذيفة ... إلى آخره؛ لأنه بقي حديث جابر
غير منسوب إلى مخرج ، وإن كان قد فهم أنه متفق عليه بعطف قوله .
٢٨٦
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٦، ١١٧، ١١٨ - أحاديث حذيفة وعلي وعمار
١١٦ - وفي حديثٍ حُذَيْفةَ رضي الله عنهُ عنْدَ مسلم: ((وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا
لَنَا طَهُوراً، إذا لمْ نجدِ الَّاءَ)).
(وفي حديثٍ حُذَيْفةَ رضي الله عنهُ عنْدَ مسلم: ((وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا
طَهُوراً، إذا لمْ نجدِ المَاءَ)(١).
هذا القيد قرآني معتبر في الحديث الأول ؛ كما بيناه .
١١٧ - وعن علي رضي الله عنه عِنْدَ أحْمد: ((وَجُعلَ التّرابُ لي طَهُوراً)) .
(وعن علي رضي الله عنه عِنْدَ أحْمد (٢): ((وَجُعلَ التّرابُ لي طَهُوراً)):
هو، وما قبله دليل من قال : إنه لا يجزئ إلا التراب ، وقد أجيب بما سلف :
من أن التنصيص على بعض أفراد العام ، لا يكون مخصصاً ، مع أنه من العمل
بمفهوم اللقب ، ولا يقوله جمهور أئمة الأصول .
١١٨ - وعن عمّار بن ياسر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: بَعَثَني رسولُ الله
في حاجةٍ ، فأَجْنَبْتُ ، فلم أجد الماءَ ، فَتَمَرَّغتُ في الصَّعيدِ ؛ كما تَتَمرَّغُ
الدَّابّةُ، ثم أَتَيْتُ النبيَّ :﴿ِ، فَذَكَرْتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: ((إنّما يكْفيك أن تَقُولَ
بَيَدَيْكَ هكذا)) ؛ ثم ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرضَ ضَرْبَةً واحِدةً ، ثم مسَحَ الشِّمَال
على اليمينِ ، وظَاهِرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ . متفقٌ عليه ، واللفظ لمُسلم .
(١) رواه مسلم .
(٢) وعزاه المصنف في ((الفتح)) (٣٤٨/١) للبيهقي أيضاً ، وقال :
(بإسناد حسن)).
٢٨٧
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٨ - حدیث عمار بن ياسر
وفي رواية للبخاريِّ: وضَرَبَ بكفّيْهِ الأرضَ ، وَنَفَخَ فيهمَا، ثم مَسَحَ بهمَا
وَجْهَهُ وكَفّيْهِ .
(وعن عمار) : بفتح العين المهملة وتشديد الميم آخره راء ، هو أبو اليقظان
عمار (ابن ياسر رضي الله عنهما) : بمثناة تحتية وبعد الألف سين مهملة
مكسورة فراء ، أسلم عمار قديماً وعذب في مكة على الإسلام ، وهاجر إلى
الحبشة، ثم إلى المدينة، وسماه ﴿: الطيب والمطيب ، وهو من المهاجرين
الأولين ، شهد بدراً، والمشاهد كلها ، وقتل بصفين مع علي عليه السلام، وهو
﴿ُ: ((تقتلك الفئة الباغية)).
ابن ثلاث وسبعين سنة ، وهو الذي قال له #
(قال: بعثني رسول الله ﴿ في حاجة، فأجنبت)؛ أي : صرت جنباً،
وقدَّمنا أنه يقال : أجنب الرجل صار جنباً ، ولا يقال : اجتنب ، وإن كثر في لسان
الفقهاء (فلم أجد الماء ، فتمرغت): بفتح المثناة الفوقية والميم وتشديد الراء فغين
معجمة، وفي لفظ: ((فتمعكت))، ومعناه: تقلبت (في الصعيد ؛ كما تتمرغ
الدابة، ثم أتيت النبي ﴿198 ، فذكرت ذلك له، فقال: ((إنما كانَ يكفيك أن
تقول) : أي : تفعل ، والقول يطلق على الفعل ، كقولهم : قال بيده هكذا (بيديك
هكذا))): بينه بقوله (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال
على اليمين ، وظاهر كفّيه ووجهه . متفق عليه): بين الشيخين (واللفظ لمسلم) .
استعمل عمار القياس ، فرأى أنه لما كان التراب نائباً عن الغسل ؛ فلا بد
من عمومه للبدن، فأبان له ﴿ الكيفية التي تجزئه ، وأراه الصفة المشروعة،
وأعلمه أنها التي فرضت عليه .
٢٨٨
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٨ - حديث عمار بن ياسر
ودلّ أنه يكفي ضربة واحدة ، ويكفي في اليدين مسح الكفين ، وأن الآية
مجملة، بيّنها ◌َ﴿ بالاقتصار على الكفين .
وأفاد أن الترتيب بين الوجه والكفين غير واجب ، وإن كانت الواو لا تفيد
الترتيب ، إلا أنه قد ورد العطف في رواية للبخاري للوجه على الكفين بثم ، وفي
لفظٍ لأبي داود : ثم ضرب بشماله على يمينه ، وبيمينه على شماله على
الكفين ، ثم مسح وجهه . وفي لفظ للإسماعيلي ما هو أوضح من هذا: ((إنما
يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح بيمينك على
شمالك ، وبشمالك على يمينك ، ثم تمسح على وجهك))؛ ودل على أن التيمم
فرض من أجنب ، ولم يجد الماء .
وقد اختلف في كمية الضربات ، وقدر التيمم في اليدين :
فذهب جماعة من السلف(١) ، ومن بعدهم إلى أنها تكفي الضربة الواحدة ،
وذهب إلى أنها لا تكفي الضربة الواحدة جماعة من الصحابة (٢)، ومن بعدهم،
(١) فمن الصحابة: علي وعمار وابن عباس. وغير واحد من التابعين؛ منهم: الشعبي
وعطاء ومكحول ، وأحمد وإسحاق .
(٢) منهم: ابن عمر وجابر. ومن التابعين : إبراهيم والحسن وسفيان ومالك وابن المبارك
والشافعي . انتھی ملخصاً من کتاب ((سنن الترمذي))؛ ثم ذكر بسنده عن عكرمة عن ابن عباس :
أنه سئل عن التيمم؟ فقال: إن الله تعالى قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ ، وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ ، وقال:
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾؛ فكانت السنة في القطع الكفين؛ إنما هو الوجه والكفان.
يعني : التيمم . قال شارحه ابن العربي :
=
٢٨٩
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٨ - حدیث عمار بن ياسر
وقالوا : لا بد من ضربتين ؛ للحديث الآتي قريباً ، والذاهبون إلى كفاية الضربة
جمهور العلماء ، وأهل الحديث ؛ عملاً بحديث عمار؛ فإنه أصح حديث في
الباب ، وحديث الضربتين يأتي أنه لا يقوى على معارضته . قالوا : وكل ما عدا
حديث عمار فهو ضعيف ، أو موقوف ؛ كما يأتي .
= ((فهذه إشارة حبر الأمة وترجمان القرآن ، وكان كلام المتقدمين من قبلُ إشارةً. وبسطه : أن الله
حدّد الوضوء إلى المرفقين؛ فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين ؛ فحملت على ظاهر مطلق
اسم اليد؛ وهو الكفان ؛ كما فعلنا في السرقة . فهذا أخذ بالظاهر ، وهذا هو العمدة)). انتهى .
ثم رأيت المحقق ابن القيم قال في ((زاد المعاد)):
((كان يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين ، ولم يصح أنه تيمم بضربتين ، ولا إلى المرفقين.
قال الإمام أحمد : من قال: إن التيمم إلى المرفقين ؛ فإنما هو شيء زاده من عنده. ثم قال :
((وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى ، ثم
إمرارها إلى المرافق ، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع ، وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن
يصل إلى إبهامه اليمنى فيطبقها عليها؛ فهذا مما يعلم قطعاً أن النبي ﴿ لم يفعله ، ولا علّمه
أحداً من أصحابه ، ولا أمر به ولا استحسنه ، وهذا هديه ؛ إليه التحاكم)) . انتهى .
وذهب إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ؛ محمد صديق خان من العلماء المستقلين
في القرن الثاني عشر؛ فقال في كتابه «نيل المرام من تفسير آيات الأحكام)) :
((والحاصل : أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال ؛ ولو صحت لكان الأخذ بها
متعيناً؛ لما فيها من الزيادة . فالحق الوقوف والعمل على ما في ((الصحيحين)) من حديث عمار
المقتصر على ضربة واحدة ؛ حتى تصح وتثبت الزيادة على ذلك المقدار الثابت)) . اهـ. (ص١٥٢) .
وإلى هذا أيضاً ذهب العلامة السيد محمد رشيد رضا ، صاحب المنار رحمه الله تعالى ، انظر
الجزء (٩) من المجلد (١٣) ص (٦٥٣)، وقد ذكر في تفسير الآية مسائل مهمة، من جملتها:
أنه يؤخذ من الآية الرخصة للمسافر بالتيمم ، ولو وجد الماء ؛ كما يدل عليه سياق القرآن .
فانظره ؛ فإنه بحث له أهميته .
٢٩٠
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٨ - حديث عمار بن ياسر
وأما قدر ذلك في اليدين :
فقال جماعة من العلماء ، وأهل الحديث : إنه يكفي في اليدين الراحتان ،
وظاهر الكفين ؛ لحديث عمار هذا، وقد رُويَتْ عن عمار روايات بخلاف هذا،
لكن الأصح ما في «الصحيحين))، وقد كان يفتي به عمار بعد موت النبي
صلى الله عليه وآله وسلم؛ وقال آخرون : إنها تجب ضربتان ، ومسح اليدين مع
المرفقين؛ لحديث ابن عمر الآتي ؛ ويأتي أن الأصح فيه أنه موقوف ؛ فلا يقاوم
حديث عمار المرفوع الوارد للتعليم .
ومن ذلك اختلافهم في الترتيب بین الوجه والیدین ، وحديث عمار - كما
عرفت - قاض بأنه لا يجب ، وإليه ذهب من قال : تكفي ضربة واحدة ؛ قالوا :
والعطف في الآية بالواو لا ينافي ذلك .
وذهب من قال بالضربتين - إلى أنه لا بد من الترتيب بتقديم الوجه على
اليدين ، واليمنى على اليسرى .
وفي حديث عمار دلالة على أن المشروع هو ضرب التراب .
وقال بعدم إجزاء غيره الهادوية وغيرهم ؛ لحديث عمار هذا ، وحديث ابن
عمر الآتي .
وقال الشافعي : يجزئ وضع يده في التراب ؛ لأن في إحدى روايتي تيممه
مزيد من الجدار، أنه وضع يده (وفي رواية): أيْ: من حديث عمار (للبخاري:
وضَرَبَ بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) : أي :
ظاهرهما كما سلف ، وهو كاللفظ الأول ، إلا أنه خالفه بالترتيب ، وزيادة النفخ .
٢٩١
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١١٩ - حديث ابن عمر
فأما نفخ التراب ؛ فهو مندوب .
وقيل : لا يندب ، وسلف الكلام في الترتيب .
وهذا التيمم وارد في كفاية التراب للجنب الفاقد للماء ، وقد قاسوا عليه
الحائض ، والنفساء ، وخالف فيه ابن عمر ، وابن مسعود .
وأمّا كون التراب يرفع الجنابة ، أو لا ؛ فسيأتي في شرح حديث أبي هريرة ،
وهو الحديث السادس (*) .
١١٩ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((التّيَمُمُ
ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المرْفَقَيْنِ)). رواه الدارقطنيُّ،
وصَحّحَ الأئمةُ وقْفَهُ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله ◌َّةٍ: ((التيمم
ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)). رواه الدارقطني):
وقال في «سننه)) عقب روايته : وقفه يحيى القطان ، وهشيم، وغيرهما ، وهو
الصواب . اهـ. ولذا قال المصنف (وصحح الأئمة وقفه): على ابن عمر ، قالوا :
وإنه من كلامه ، وللاجتهاد مسرح في ذلك ، وفي معناه عدة روايات كلها غير
صحيحة ؛ بل إما موقوفة ، أو ضعيفة ، فالعمدة حديث عمار ، وبه جزم البخاري
في ((صحيحه)) فقال : باب التيمم للوجه والكفين .
قال المصنف في ((الفتح)): أي: هو الواجب المجزئ ، وأتى بصيغة الجزم في
ذلك ، مع شهرة الخلاف فيه ؛ لقوة دليله ؛ فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم
(*) هو الحديث العشرون بعد المائة بترتيبنا . (الناشر).
٢٩٢
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٠ - حديث أبي هريرة
لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم ، وعمار، وما عداهما فضعيف ، أو
مختلف في رفعه ، ووقفه ، والراجح عدم رفعه ، فأما حديث أبي جهيم ؛ فورد
بذكر اليدين مجملاً ، وأمّا حديث عمار؛ فورد بلفظ: الكفين في «الصحيحين»،
وبلفظ: المرفقين في ((السنن))، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى
الآباط . فأما رواية المرفقين ، وكذا نصف الذراع ؛ ففيهما مقال .
وأما رواية الآباط ؛ فقال الشافعي، وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ◌َله ،
فكل تيمم صح عن النبي ◌َ﴿ بعده فهو ناسخ له ، وإن كان وقع بغير أمره ،
فالحجة فيما أمر به ، ويؤيد رواية ((الصحيحين)) في الاقتصار على الوجه والكفين
أن عماراً كان يفتي بعد النبي { ل﴿ بذلك ، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من
غيره ، ولا سيما الصحابي المجتهد .
١٢٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((الصَّعيدُ
وَضُوءُ المُسلم ، وإن لم يجد الماءَ عشْرَ سنين؛ فإذا وَجَدَ الماءَ ؛ فَلْيَتَّقِ الله
ولْيُمسَّهُ بَشَرَتَهُ)). رواه البزَّارُ، وصحّحهُ ابن القطّان، لكنْ صَوَّبَ الدارقطني
إرسالَهُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((الصعيد): هو
عند الأكثرين التراب ، وعن بعض أئمة اللغة أنه وجه الأرض ، تراباً كان ، أو
غيره ، وإن كان صخراً لا تراب عليه ، وتقدم الكلام في ذلك (وضوء المسلم ،
وإن لم يجد الماء عشر سنين): فيه دليل على تسمية التيمم وضوءاً (فإذا
وَجَدَ) : أي: المسلم (الماء، فليتق الله ولْيُمسه بشرته)). رواه البزار، وصححه
٢٩٣
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٠ - حديث أبي هريرة
ابن القطان(١)): تقدم الكلام على ضبط ألفاظهما ، والتعريف بحالهما (لكن
صوَّب الدارقطني إرساله): قال الدارقطني في كتاب ((العلل)): إرساله أصح .
وفي قوله: (إذا وجد الماء))، دليل على أنه إن وجد الماء ، وجب إمساسه
بشرته ، وتمسك به من قال : إن التراب لا يرفع الحدث ، وأن المراد أنه يمسه بشرته
لما سلف من جنابة ؛ فإنها باقية عليه ، وإنما أباح له التراب الصلاة ، لا غير ، وإذا
فرغ منها عاد عليه حكم الجنابة ؛ ولذا قالوا : لا بد لكل صلاة من تيمم،
واستدلوا بحديث عمرو بن العاص، وقوله ◌َ هم له : ((صليت بأصحابك وأنت
جنب؟!))، وقول الصحابة له ﴿﴿: إن عمراً صلى بهم وهو جنب ، فأقرهم على
تسميته جنباً ، ومنهم من قال : إن التراب حكمه حكم الماء ؛ يرفع الجنابة ،
ويصلي به ما شاء ، وإذا وجد الماء؛ لم يجب عليه أن يمسه إلا للمستقبل من
الصلاة . واستدلوا بأنه تعالى جعله بدلاً من الماء ، فحكمه حكمه ، وبأنه
سمَّه طهوراً ، وسمَّاه وضوءاً؛ كما سلف قريباً .
والحق أن التيمم يقوم مقام الماء ، ويرفع الجنابة رفعاً مؤقتاً إلى حال وجدان
الماء ؛ أما أنه قائم مقام الماء ؛ فلأنه تعالى جعله عوضاً عنه عند عدمه ،
والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه ؛ فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل ،
وأمّا أنه إذا وجد الماء اغتسل؛ فلتسميته ◌َ اةِ عمراً جنباً، ولقوله ح له: ((فإذا
وجد الماء ؛ فليتق الله))؛ فإن الأظهر أنه أمر بإمساسه الماء لسبب قد تقدم
على وجدان الماء ؛ إذْ إمساسه لما يأتي من أسباب وجوب الغسل ، أو الوضوء ،
(١) وقد أصاب إن شاء الله ؛ فإن رجاله على شرط البخاري.
٢٩٤
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢١، ١٢٢ - حديثا أبي ذر وأبي سعيد الخدري
معلوم من الكتاب والسنة ، والتأسيس خير من التأكيد .
١٢١ - وللترْمذيِّ عنْ أبي ذَرَّ نَحْوُهُ، وصححهُ .
(وللترمذي عن أبي ذر) : بذال معجمة مفتوحة فراء ، اسمه جندب - بضم
الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضاً ، ابن جنادة - بضم الجيم
وتخفيف النون بعد الألف دال مهملة -، وأبو ذر من أعيان الصحابة ، وزهّادهم ،
والمهاجرين، وهو أول من حيّا النبي ◌َله بتحية الإسلام، وأسلم قديماً بمكة ،
يقال : كان خامساً في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه ، إلى أن قدم المدينة على
النبي ﴿ بعد الخندق، ثم سكن بعد وفاته : ﴿ الربذة، إلى أن مات بها سنة
اثنتين وثلاثين ، في خلافة عثمان ، وصلى عليه ابن مسعود ، ويقال : إنه مات
بعده بعشرة أيام (نحوُه) : أي : نحو حديث أبي هريرة ، ولفظه : قال أبو ذر:
اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله عَ ليه بإبل، فكنت فيها ، فأتيت رسول الله
﴿، فقلت: هلك أبو ذر، قال: ((ما حالك؟)) قلت: كنت أتعرض للجنابة ،
وليس قربي ماء، قال: ((الصعيد طهور لمن لم يجد الماء، ولو عشر سنين))
(وصححه): أي: حديث أبي ذر، الترمذي، قال المصنف في ((الفتح)): إنه
صححه أيضاً ابن حبان ، والدارقطني(١) .
١٢٢ - وعن أبي سعيد الْخُدْري رضي الله عنه قالَ: خرَجَ رَجُلانِ فِي سَفَرِ،
فَحَضَرِتِ الصَّلاةُ - وليس مَعهُمَا ماءٌ -، فتَيَمّمَا صَعِيداً طَيِّباً، فصَلّيا، ثم وَجَدَا
الماء في الوقْت ، فأعادَ أحَدُهُمَا الصلاة والوُضُوءَ ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أَتَيَا
(١) وهو كما قالوا، انظر ((صحيح أبي داود)) (٣٥٧).
٢٩٥
١ - كتاب الطهارة
:
٩ - باب التيمم
١٢٢ - حديث أبي سعيد الخدري
رسول الله ◌َ﴿، فذكر ذلك لهُ، فقال للذي لمْ يُعدُّ: ((أَصَبْتَ السُّنّةَ وأجْزُأَتْكَ
صلاتُكَ))، وقالَ للآخَر: ((لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ)). رواه أبو داود، والنّسائيُّ.
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خرج رجلان في سفر،
فحضرت الصلاة - وليس معهما ماء -، فتيمما صعيداً طيباً) : هو الطاهر
الحلال ، وقد قيّد الله الصعيد به في الآيتين في القرآن ، فإطلاقه في حديث أبي
هريرة مقيد بالآيات ، والأحاديث (فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت): أي :
وقت الصلاة التي صلياها (فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء) : سماه إعادة
تغليباً ، وإلا فلم يكن قد توضأ، أو سمى التيمم: وضوءاً مجازاً (ولم يعد الآخر،
ثم أتيا رسول اللّه ◌َ﴿، فذكر ذلك له، فقال للذي لم يعد: ((أصَبْتَ السُّنة):
أي : الطريقة الشرعية (وأجْزَأتْكَ صلاتُك))): لأنها وقعت في وقتها، والماء
مفقود؛ فالواجب التراب (وقال للآخر): الذي أعاد (لَكَ الأجْرُ مرَّتين))):
أجر الصلاة بالتراب ، وأجر الصلاة بالماء (رواه أبو داود ، والنسائي) .
وفي ((مختصر السنن)) للمنذري : أنه أخرجه النسائي مسنداً ، ومرسلاً.
وقال أبو داود: إنه مرسل عن عطاء بن يسار(١)، لكن قال المصنف: هذه
الرواية رواها ابن السكن في ((صحيحه))(٢)، وله شاهد من حديث ابن عباس،
رواه إسحاق في ((مسنده)) أنه تَ﴿ بال، ثم تيمم ، فقيل له : إن الماء قريب
منك، قال: ((فلعلي لا أبلغه)).
(١) قال أبو داود: ((ذِكْر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ؛ وهو مرسل)).
(٢) قلت : وإسناده غير إسناد الطريق المعلولة .
٢٩٦
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٣ - حديث ابن عباس
◌ٍ ، وعلى أنه لا يجب
والحديث دليل على جواز الاجتهاد في عصره
الطلب والتلوم له - أي: الانتظار -، ودل على أنه لا تجب الإعادة على من صلى
بالتراب ، ثم وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة .
وقيل: بل يعيد الواجد في الوقت؛ لقوله ﴿: ((فإذا وجد الماء ؛ فليتق الله
ولیمسه بشرته)) ، وهذا قد وجد الماء .
وأجيب بأنه مطلق فيمن وجد الماء بعد الوقت ، وقبل خروجه ، وحال
الصلاة ، وبعدها ، وحديث أبي سعيد هذا فيمن لم يجد الماء في الوقت حال
الصلاة ؛ فهو مقيد فيحمل عليه المطلق ؛ فيكون معناه : فإذا وجدت الماء قبل
الصلاة في الوقت ؛ فأمسه بشرتك - أي : إذا وجدته ، وعليك جنابة متقدمة -،
فیقید به ؛ كما قدمناه .
واستدل القائل بالإعادة في الوقت ، بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦]، والخطاب متوجه مع بقاء الوقت .
وأجيب بأنه بعد فعل الصلاة لم يبق للخطاب توجه إلى فاعلها ، كيف؟!
وقد قال ﴿: ((وأجزأتك صلاتك)) للذي لم يعد؛ إذ الإجزاء عبارة عن كون
الفعل مسقطاً لوجوب إعادة العبادة ، والحق أنه قد أجزأه .
١٢٣ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وإنْ كنتمْ
مرضَى أو على سَفَرِ﴾ [النساء: ٤٣]؛ قال: إذا كانتْ بالرَّجُل الجراحَةُ في سبيلٍ
الله والقرُوحُ، فيجنبُ، فيخافُ أن يموت إن اغتسل ؛ تيمم . روَاهُ الدارقطني
٢٩٧
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٣ - حديث ابن عباس
مَوْقُوفاً ، وَرَفَعَهُ البَزَّارُ ، وصححهُ ابنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ .
(وعن ابن عباس رضيَ اللّه عنهُمَا في قوله عز وجل : ﴿وإن كنتم مرضى
أو على سفر﴾ قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله) : أي : الجهاد
(والقروح) : جمع قرح ، وهي البثور التي تخرج من الأبدان ؛ كالجدري ، ونحوه
(فيجنب) : تصيبه الجنابة (فيخاف): يظن (أن يموت إن اغتسل؛ تيمم . رواه
الدارقطني موقوفاً): على ابن عباس (ورفعه): إلى النبي ◌َ ﴾ (البزار،
وصححه ابن خزيمة والحاكم) .
وقال أبو زرعة ، وأبو حاتم : أخطأ فيه علي بن عاصم .
وقال البزار: لا نعلم من رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريراً ، وقد قال ابن
معين : إنه سمع من عطاء بعد الاختلاف ، وحينئذ فلا يتم رفعه .
وفيه دليل على شرعية التيمم في حق الجنب إن خاف الموت ، فأما لو لم
يخف إلا الضرر، فالآية - وهي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ - دالة على
إباحة المرض للتيمم ، سواء خاف تلفاً، أو دونه ، والتنصيص في كلام ابن
عباس على الجراحة ، والقروح ، إنما هو مجرد مثال ، وإلا ؛ فكل مرض كذلك ،
ويحتمل أن ابن عباس يخص هذين من بين الأمراض ، وكذلك كونها في
سبيل الله مثال ، فلو كانت الجراحة من سقطة ، فالحكم واحد ، وإذا كان مثالاً؛
فلا ينفي جواز التيمم؛ لخشية الضرر ، إلا أن قوله : أن يموت ، يدل على أنه لا
يجزئ التيمم إلا مخافة الموت ؛ وهو قول أحمد ، وأحد قولي الشافعي.
٢٩٨
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٤، ١٢٥ - حديثا علي وجابر
وأما الهادوية ، ومالك ، وأحد قولي الشافعي ، والحنفية ، فأجازوا التيمم ؛
لخشية الضرر، قالوا : لإطلاق الآية، وذهب داود ، والمنصور إلى إباحته
للمرض ، وإن لم يخف ضرراً، وهو ظاهر الآية .
١٢٤ - وعن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: انْكَسَرَتْ إحدى زَنْديَّ؛ فسألْتُ
رسول اللّه ◌َخَّةِ، فأمَرَنِي أَنْ أَمْسحَ على الجبائر. رواهُ ابنُ ماجَه بسَنَد واه جداً .
(وعن علي رضي الله عنه قال: انكسرت إحدى زنديَّ): بتشديد المثناة
التحتية تثنية زند، وهو مفصل طرف الذراع في الكف (فسألت رسول الله
◌َ﴿) : أي: عن الواجب من الوضوء في ذلك (فأمَرَني أنْ أَمْسَحَ على الجبائر):
هي ما يجبر به العظم المكسور ويلف عليه (رواه ابن ماجه بسند واه جداً) :
بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة ، وهو منصوب على المصدر؛ أي : أجد ضعفه
جداً؛ الجد: التحقيق؛ كما في ((القاموس))، فالمراد أحقق ضعفه تحقيقاً.
والحديث أنكره يحيى بن معين ، وأحمد ، وغيرهما ، قالوا : وذلك أنه من رواية
عمرو بن خالد الواسطي ، وهو كذاب ، ورواه الدارقطني ، والبيهقي من طريقين
أوهى منه ، قال النووي : اتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث .
وقال الشافعي : لو عرفت إسناده بالصحة ؛ لقلت به ، وهذا مما أستخير الله
فيه ، وفي معناه أحاديث أخر، قال البيهقي : إنه لا يصح منها شيء ، إلا أنه
يقويه قوله :
١٢٥ - وعن جابر رضي الله عنه في الرَّجُلِ الذي شُجَّ، فاغْتَسل فمات -:
((إِنَّمَا كان يَكفيه أن يتيمّمَ، ويَعْصِبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثم يَمْسَحَ عَلَيْهَا
٢٩٩
١ - كتاب الطهارة
٩ - باب التيمم
١٢٥ - حديث جابر
ويغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِه)). رواه أبو داود بسَنَد فيه ضعف، وفيه اختلافٌ على
راويه .
(وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شُجَّ): بضم الشين المعجمة
وجيم، من شجه يشجه بكسر الشين وضمها: كسره؛ كما في ((القاموس))
(فاغتسل فمات -: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم ، ويعصب على جرحه خرقة ،
ثم يمسح عليها ، ويغسل سائر جسده)) . رواه أبو داود بسند فيه ضعف) :
لأنه تفرد به الزبير بن خريق ؛ بضم الخاء المعجمة فراء مفتوحة ومثناة تحتية
ساكنة وقاف ، قال الدارقطني : ليس بالقوي .
قلت : وقال الذهبي : إنه صدوق (وفيه اختلاف على راويه): وهو عطاء ؛
فإنه رواه عنه الزبير بن خريق ، عن جابر .
ورواه عنه الأوزاعي بلاغاً عن عطاء ، عن ابن عباس، فالاختلاف وقع في
رواية عطاء ، هل عن جابر، أو عن ابن عباس؟ وفي إحدى الروايتين ما ليس في
الأخرى(١) .
وهذا الحديث ، وحديث علي الأول ، قد تعاضَدا على وجوب المسح على
الجبائر بالماء ، وفيه خلاف بين العلماء ، منهم من قال: يمسح ؛ لهذين الحديثين،
وإن كان فيهما ضعف ؛ فقد تعاضدا(٢) ، ولأنه عضو تعذر غسله بالماء ، فمسح ما
(١) سيذكر الشارح في آخر هذا الكلام الرواية الكاملة بتمامها، وسنعلق عليها ما يبين هذا
الإجمال .
(٢) قلت: في هذا نظر! لما علمت من أن حديث عليَّ ضعيف جدّاً؛ فمثله لا يصلح
شاهداً ؛ فلا يقوي غيره ، ولا غيره یتقوی به .
٣٠٠