Indexed OCR Text
Pages 261-280
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٢ - حديث عائشة
الماء؛ كما في ((البخاري)): ((قال: نعم، إذا رأت الماء))؛ أي: المني بعد
الاستيقاظ، وفي رواية (١): ((هنّ شقائق الرجال)).
وفيه ما يدلّ على أن ذلك غالب من حال النساء كالرجال ، ورد على من
زعم أن مني المرأة لا يبرز. وقوله: ((فمن أين يكون الشبه؟!)) استفهام إنكار،
وتقرير أنّ الولد تارة يشبه أباه ، وتارة يشبه أمه وأخواله ، فأيّ الماءين غلب كان
الشبه للغالب .
١٠٢ - وعن عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ الله عَّهِ يَغْتَسِلُ مِنْ
أَرْبَعِ: مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَيَوْمَ الجُمُعَةِ ، ومِنَ الحِجَامَةِ ، وَمِنْ غُسْلِ الَيِّتِ . رواهُ أَبُو
داودً، وصَحّحه ابن خُزيمةَ .
﴿ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَع :
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ الله
مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَيَوْمَ الجمعةِ، ومِنَ الحِجَامَةِ ، ومِنْ غُسْلِ الَيِّتِ. رواه أبو داودَّ،
وصَحّحه ابن خُزيمةَ).
ورواه أحمد والبيهقي ، وفي إسناده مصعب بن شيبة ، وفيه مقال(٢).
والحديث دليل على مشروعية الغسل في هذه الأربعة الأحوال :
فأما الجنابة فالوجوب ظاهر .
وأما الجمعة ؛ ففي حكمه ووقته خلاف :
(١) عند ابن الجارود (٥٠).
(٢) وقال ابن أبي حاتم (٤٩/١) عن أبي زرعة: ((لا يصح هذا، ومصعب ليس بقوي ، ولم
يرو عن عائشة من غير حديث مصعب)).
وقد تكلمت عليه في ((ضعيف أبي داود)) (٦٠).
٢٦١
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٣ - حديث أبي هريرة
أما حكمه فالجمهور على أنه مسنون؛ لحديث سمرة : ((مَنْ توضأ يوم
الجمعة ؛ فبها ونعمت ، ومن اغتسل ؛ فالغسل أفضل)). يأتي قريباً.
وقال داود، وجماعة(١): إنه واجب؛ لحديث: ((غسل الجمعة واجب على
كل محتلم)) ، يأتي قريباً ، أخرجه السبعة من حديث أبي سعيد .
وأجيب بأنه يحمل الوجوب على تأكد السنية .
وأما وقته ؛ ففيه خلاف أيضاً ، فعند الهادوية : أنه من فجر الجمعة إلى عصرها ،
وعند غيرهم : أنه للصلاة ؛ فلا يشرع بعدها ما لم يدخل وقت العصر ، وحديث :
((مَنْ أتى الجمعة؛ فليغتسل)) دليل الثاني ، وحديث عائشة هذا يناسب الأول .
أما الغسل من الحجامة ؛ فقيل : هو سنة ، وتقدم حديث أنس : أنه
احتجم ، وصلى ، ولم يتوضأ . فدل على أنه سنة ، يفعل تارة - كما أفاده حديث
عائشة هذا - ويترك أخرى - كما في حديث أنس - ويروى عن علي عليه السلام :
الغسل من الحجامة سنة ، وإن تطهرت أجزأك .
وأما الغسل من غسل الميت ؛ فتقدم الكلام فيه ، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال :
أنه سنة - وهو أقربها - ، وأنه واجب ، وأنه لا يستحب .
١٠٣ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه - في قِصَّةٍ ثمامةَ بْنِ أُثالٍ ، عندما
أسلم - وأمره النبي ◌َ﴿ أن يغتسل . رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، وأصْلُهُ متفق عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه): أنه قال (في قصة ثمامة) : بضم المثلثة
(١) منهم أبو هريرة ، قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ؛ كغسل الجنابة . رواه
مالك (٢/١٠١/١) بسند صحيح عنه .
٢٦٢
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٣ - حديث أبي هريرة
وتخفيف الميم (ابن أثال) : بضم الهمزة فمثلثة مفتوحة ، وهو الحنفي سيد أهل
اليمامة (عندما أسلم): أيْ: عند إسلامه (وأمره النبي ◌َ ﴿ أن يغتسل. رواه
عبد الرزاق(١)) : وهو الحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب
التصانیف ، روی عن عبيد الله بن عمر ، وعن خلائق ، وعنه أحمد ، وإسحاق ،
وابن معين ، والذهلي ، قال الذهبي : وثقه غير واحد ، وحديثه مخرج في
الصحاح ، كان من أوعية العلم ، مات في شوال سنة إحدى عشرة ومائتين ،
(وأصله متفق عليه(٢)) : بين الشيخين .
الحديث دليل على شرعية الغسل بعد الإسلام ، وقوله : أمره ؛ يدل على
الإيجاب ، وقد اختلف العلماء في ذلك :
فعند الهادوية : أنه إذا كان قد أجنب حال كفره ، وجب عليه الغسل
للجنابة ، وإن كان قد اغتسل حال كفره؛ فلا حكم له، وحديث: ((الإسلام
يَجِبُّ ما قبلَه)) لا يوافق هذا القول.
وعند الحنفية : أنه إن كان قد اغتسل حال كفره ؛ فلا غسل عليه .
وعند الشافعية ، وغيرهم : لا يجب عليه الغسل بعد إسلامه للجنابة ؛
للحديث المذكور، وهو: ((إن الإسلام يَجبُّ ما قبله))، وأمّا إذا لم يكن أجنب
حال كفره ؛ فإنه يستحب له الاغتسال ، لا غيره .
(١) وعنه رواه البيهقي (١٧١/١). وسنده صحيح.
(٢) انظر ((الفتح)) (٤٤١/١ و٧١/٨).
٢٦٣
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٤ - حديث أبي سعيد الخدري
أما عند أحمد؛ فقال : يجب عليه مطلقاً؛ لظاهر حديث الكتاب(١) ، ولما
أخرجه أبو داود(٢) من حديث قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله تَ ﴿هُ أريد
الإسلام ، فأمرني أن أغتسل بماء وسِدْر. وأخرجه الترمذي ، والنسائي بنحوه(٣).
١٠٤ - وعن أبي سعيد الخدْرِيِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله عَ زُه قال:
((غُسْلُ الْجُمُعةِ واجب على كُلِّ مُحْتَلم)). أخرَجَهُ السّبعَةُ.
ءُ
قال : ((غُسْلُ
(وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله
الْجُمُعةِ واجب على كُلِّ مُخْتَلم)). أخرَجَهُ السّبعَةُ).
هذا دليل داود في إيجابه غسل الجمعة ، والجمهور يتأولونه بما عرفت قريباً ،
وقد قيل : إنه كان الإيجاب أول الأمر بالغسل ؛ لما كانوا فيه من ضيق الحال ،
وغالب لباسهم الصوف ، وهم في أرض حارة الهواء ، فكانوا يعرقون عند
الاجتماع لصلاة الجمعة ، فأمرهم صلى الله عليه وآله وسلم بالغسل ، فلما وسع
الله عليهم ، ولبسوا القطن ، رخص لهم في ذلك(٤).
(١) قلت: وهذا هو الراجح. ولا ينافيه: ((الإسلام يجب ما قبله))؛ لأن المراد به رفع المؤاخذة
بما وقع منه في الكفر من المعاصي ، لا رفع تكليفه بعد إسلامه بما شاء الله من الأحكام . ألا ترى
أنه يؤمر بالختان؛ كما في حديث: ((ألقٍ عنك شعر الكفر واختتن))؟! وهو حسن ؛ انظر ((صحيح
أبي داود)» (٣٨٣).
(٢) وكذا ابن حبان في ((صحيحه)). وإسناده صحيح ، وصححه ابن السكن . وقال الترمذي:
«حدیثه حسن)).
(٣) وكذا ابن حبان (٢٣٤) .
(٤) يشير إلى حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره ؛ لكن ليس فيه: فلما وسع الله ... =
٢٦٤
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب ١٠٥ - حديث سمرة بن جندب
١٠٥ - وعن سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله عَلُ:
((مَنْ تَوَضَّأْ يَوْمَ الجُمعَةِ؛ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، ومَنْ اغْتَسَلَ ؛ فالْغُسْلُ أَفْضَلُ)) . رواه
الخمْسَةُ، وحسّنهُ الترمذيُّ .
(وعن سمرة) : تقدم ضبطه (ابن جُندب رضي الله عنه) : بضم الجيم
وسكون النون وفتح الدال المهملة بعدها موحدة، هو أبو سعيد في أكثر الأقوال ،
سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار ، نزل الكوفة ، وولي البصرة ، وعِداده
في البصريين ، كان من الحفاظ المكثرين بالبصرة ، مات آخر سنة تسع وخمسين
(قال: قال رسول الله ◌َّهُ: ((مَنْ تَوَضَّأْ يَوْمَ الجُمُعة؛ فبها) : أيْ: بالسُّنة أخذ
= وفي سنده عمرو بن أبي عمرو؛ وفيه ضعف ينحط به حديثه عن رتبة الصحيح؛ لا سيما
عند المخالفة .
وقد خالفه حديث عائشة بمعنى حديث ابن عباس ؛ إلا أنه ليس فيه أنه أمرهم بالغسل ؛ بل
قالت: فقال النبي ﴿﴿: ((لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا!)). متفق عليه.
فهذا فيه سبب مشروعية الغسل والحض عليه ، لا الأمر! وإنما جاء الأمر به بعد ذلك ؛ كما
تقتضيه سنة التشريع ؛ مع ملاحظة حديث عائشة هذا .
وقد جزم الحافظ في ((الفتح)) (٢٩٠/٢) على سابق على الأمر بالغسل والإعلام بوجوبه . قال :
(«وأما نفي الوجوب ؛ فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس ، وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من
زوال السبب زوال المسبّب؛ كما في الرمل والجمار . وعلى تقدير تسليمه ؛ فلمن قصر الوجوب
على من به رائحة كريهة أن يتمسك به)).
ـي *: ((على كل محتلم الرواح إلى الجمعة، وعلى كل من راح
ومما يؤكد الوجوب قوله
الجمعة الغسل)) . رواه أبو داود، والطحاوي بسند صحيح على شرط مسلم؛ انظر ((صحيح أبي
داود» (٣٦٩) .
٢٦٥
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل، وحكم الجنب ١٠٥ - حديث سمرة بن جندب
(ونعمت) : السنة ، أو بالرخصة أخذ ونعمت ؛ لأن السنة الغسل ، أو بالفريضة
أخذ ، ونعمت الفريضة ؛ فإن الوضوء هو الفريضة (ومن اغتسل ؛ فالغسل
أفْضَلُ)). رواه الخمسة، وحسَّنه الترمذي): ومن صحّح سماع الحسن من
سمرة قال : الحديث صحيح ، وفي سماعه منه خلاف .
والحديث دليل على عدم وجوب الغسل ، وهو كما عرفت دليل الجمهور
على ذلك ، وعلى تأويل حديث الإيجاب ، إلا أنّ فيه سؤالاً؛ وهو: أنه كيف
يفضّل الغسل - وهو سنة - على الوضوء - وهو فريضة - والفريضة أفضل إجماعاً؟
والجواب : أنه ليس التفضيل على الوضوء نفسه ؛ بل على الوضوء الذي
لا غسل معه ، كأنه قال : مَنْ توضأ ، واغتسل ؛ فهو أفضل ممن توضأ فقط،
ودلّ لعدم الفرضية أيضاً حديث مسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى
الجمعة ، فاستمع ، وأنصت ؛ غُفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة ، وزيادة ثلاثة
أيام)) .
ولداود أن يقول : هو مقيد بحديث الإيجاب ، فالدليل الناهض حديث
سمرة ، وإن كان حديث الإيجاب أصح ؛ فإنه أخرجه السبعة ، بخلاف حديث
سمرة، فلم يخرجه الشيخان ؛ فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غسل الجمعة . وفي
((الهدي النبوي)) : الأمر بالغسل يوم الجمعة مؤكد جداً ، ووجوبه أقوى من
وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة ، ووجوب الوضوء من مس النساء ،
ووجوبه من مس الذكر ، ووجوبه من القهقهة في الصلاة ، ومن الرعاف ، ومن
الحجامة ، والقيء .
٢٦٦
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٦ - حديث علي
يُقرتُنا القُرآن ما
١٠٦ - وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله
لم يكنْ جُنُباً . روَاهُ أحمد والخمْسة ، وهذا لَفظُ الترْمذيِّ وحسّنَهُ، وصحّحهُ
ابنُ حِبّان .
(وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َ ةٍ يقرئنا القرآن ما لم
يكن جُنُباً . رواه أحمد والخمسة).
هكذا في نسخ ((بلوغ المرام))، والأولى: والأربعة ، وقد وجد في بعضها
كذلك (وهذا لفظ الترمذي وحسنه ، وصححه ابن حبان)(١): وذكره المصنف
في ((التلخيص)): أنه حكم بصحته الترمذي ، وابن السكن ، وعبد الحق ،
والبغوي ، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة أنه قال : هذا الحدیث ثلث رأس
مالي ، وما أُحدِّث بحديث أحسن منه .
وأمّا قول النووي : خالف الترمذيَّ الأكثرون فضعفوا هذا الحديث ؛ فقد قال
المصنف : إنّ تخصيصه للترمذي بأنه صححه ؛ دليل على أنه لم يَرَ تصحيحه
لغيره ، وقد قدّمنا من صحّحه غير الترمذي ، وروى الدارقطني(٢) عن علي
(١) وقال في ((الفتح)) (٣٢٤/٣): ((وصححه الترمذي وابن حبان . وضعف بعضهم بعض
رواته . والحق أنه من قبيل الحسن ، يصلح للحجة)) ! كذا قال ! ثم قال :
«لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد، فلا يدل على تحريم ما عداه)).
(٢) في ((سننه)) (ص٤٤)؛ وفيه أبو الغريف ؛ قال أبو حاتم :
(«ليس بالمشهور)» .
وتوثیق ابن حبان إياه مما لا يعتد به ؛ كما يأتي .
ثم لو صح إسناده ؛ لم يعضد حديث الباب ؛ بل يكون من الأدلة على ضعفه ، وأن أصله =
٢٦٧
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٦ - حديث علي
موقوفاً : اقرأوا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة ؛ فإن أصابته ؛ فلا ، ولا حرفاً .
وهذا يعضد حديث الباب .
إلا أنه قال ابن خزيمة : لا حجة في الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛
لأنه ليس فيه نهي؛ وإنما هي حكاية فعل، ولم يبيّن ◌َ﴿﴿ أنه إنما امتنع عن ذلك
لأجل الجنابة ، وروى البخاري عن ابن عباس: أنه لم ير بالقراءة للجنب بأساً ،
والقول بأن رواية: لم يكن يحجب النبي ﴿ ، أو يحجزه عن القرآن شيء سوى
الجنابة - أخرجه أحمد، وأصحاب ((السنن))، وابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم، والبزار، والدارقطني، والبيهقي -، أصرح في الدليل على تحريم القراءة
على الجنب من حديث الباب ، غير ظاهر؛ فإن الألفاظ كلها إخبار عن تركه
ال* القرآن حال الجنابة، ولا دليل في الترك على حكم معين.
وتقدم حديث عائشة: أنه * كان يذكر الله على كل أحيانه ، وقدّمنا أنه
مخصص بحديث علي عليه السلام هذا ، ولكن الحق أنه لا ينهض على
التحريم؛ بل يحتمل أنه ترك ذلك حال الجنابة للكراهة ، أو نحوها ؛ إلا أنه
أخرج أبو يعلى من حديث علي عليه السلام قال : رأيت رسول الله
توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن ، ثم قال: ((هكذا لمن ليس بجنب ، فأما الجنب؛
فلا، ولا آية))، قال الهيثمي: رجاله موثقون(١)، وهو يدل على التحريم؛ لأنه
= موقوف، رفعه بعض الضعفاء، وهو (عبدالله بن سَلِمَة) ؛ قال الحافظ :
((صدوق، تغير حفظه))؛ أي: بعدما كبر ، وهو إنما روى هذا الحديث بعدما كبر؛ قاله شعبة .
(١) فيه إشارة إلى أن التوثيق غير موثوق به؛ وهو كذلك؛ فإن راويه أبا الغريف لم يوثقه غير
ابن حبان . وقال أبو حاتم :
=
٢٦٨
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٧ - حديث أبي سعيد الخدري
نھي ، وأصله ذلك ، ويعاضد ما سلف .
وأما حديث ابن عباس مرفوعاً: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله فقال: بسم
الله ... ))، الحديث؛ فلا دلالة فيه على جواز القراءة للجنب؛ لأنه يأتي بهذا
اللفظ غير قاصد للتلاوة ، ولأنه قبل غشيانه أهله وصيرورته جنباً ، وحديث ابن
أبي شيبة: أنه ﴿ كان إذا غشى أهله فأنزل قال: ((اللّهمَّ! لا تجعل للشيطان
فيما رزقتني نصيباً))، ليس فيه تسمية ؛ فلا يرد به إشكال .
١٠٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َيُ:
((إذا أَتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ، ثم أرَادَ أَنْ يَعُود؛ فَلْيَتَوَضَّأُ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً)) . رواه مسلم.
زادَ الْحَاكِمُ: «فإِنّهُ أَنْشَطُ لِلعَوْدِ)) .
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَز اله: ((إذا
أتى أحدكم أهله ، ثم أراد أن يعود): إلى إتيانها (فليتوضأ بينهما وضوءاً))):
كأنه أكده ؛ لأنه قد يطلق على غسل بعض الأعضاء ، فأبان بالتأكيد أنه أراد به
الشرعي، وقد ورد في رواية ابن خزيمة ، والبيهقي: «وضوءه للصلاة)) (رواه
مسلم، زاد الحاكم): عن أبي سعيد ((فإنه أنشط للعود))) .
فيه دلالة على شرعية الوضوء لمن أراد معاودة أهله ، وقد ثبت أنه {﴿ غشى
نساءه ، ولم يحدث وضوءاً بین الفعلین ، وثبت أنه اغتسل بعد غشیانه عند كل
واحدة ؛ فالکل جائز .
= ((ليس بالمشهور)).
ثم إن الصواب في الحديث أنه موقوف على عليّ؛ كما حققته في ((ضعيف أبي داود)) (٣١).
ومن هذا الوجه أخرجه أحمد (١١٠/١)؛ فعزوه لأبي یعلی وحده قصور !
٢٦٩
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٨ - حديث عائشة
١٠٨ - وللأربعة عَنْ عائشة رضي الله عنها قالَتْ: كانَ رسول الله
يَنَامُ، وهو جُنُبٌ ، مِنْ غيرِ أنْ يمسَّ ماءً. وهو مَعْلُولٌ .
(وللأربعة عَنْ عائشة رضي الله عنها قالَتْ: كانَ رسول الله ◌َّهِ يَنَامُ،
وهو جُنُبٌ ، مِنْ غيرِ أنْ يمسَّ ماءً. وهو مَعْلُولٌ) .
بيّن المصنف العلة أنه من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قال
أحمد : إنه ليس بصحيح .
وقال أبو داود : وهم .
ووجهه أن أبا إسحاق لم يسمعه من الأسود ، وقد صححه البيهقي ، وقال :
إن أبا إسحاق سمعه من الأسود، فبطل القول(١) بأنه أجمع المحدثون أنه خطأ(٢)
من أبي إسحاق . قال الترمذي (٣): وعلى تقدير صحته ، فيحتمل أن المراد لا
يمس ماء للغسل.
قلت : فيوافق أحاديث ((الصحيحين))، فإنها مصرحة بأنه يتوضأ ، ويغسل
فرجه ؛ لأجل النوم ، والأكل ، والشرب ، والجماع .
وقد اختلف العلماء : هل هو واجب ، أو غير واجب؟
(١) وهو قول ابن مفوز.
(٢) في ((الترمذي)): ((غلط))؛ وكذا في ((التلخيص)).
(٣) لعله سبق قلم من الشارح؛ فإن الترمذي انتهى كلامه عند قوله: ((من أبي إسحاق))؛ كما
في («سننه)) (٢٠٣/١)! والصواب أن الكلام الذي بعده إنما هو من كلام الحافظ ابن حجر ، الذي
أشار إليه الشارح بقوله: «بيَّن المصنف ... ))؛ وهو مذكور في كتابه ((التلخيص)) (ص٥٢).
٢٧٠
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٩ - حديث عائشة
فالجمهور قالوا بالثاني ؛ لحديث الباب هذا؛ فإنه صريح أنه لا يمس ماء،
وحديث طوافه على نسائه بغسل واحد ، كذا قيل ، ولا يخفى أنه ليس فيه
على المدعي هنا دليل .
وذهب داود ، وجماعة إلى وجوبه ؛ لورود الأمر بالغسل عند مسلم: ((ليتوضأ،
ثم لينم))، وفي البخاري: ((اغسل فرجك، ثم توضأ))، وأصله الإيجاب وتأوله
الجمهور أنه للاستحباب ؛ جمعاً بين الأدلة ، ولما رواه ابن خزيمة ، وابن حبان في
((صحيحيهما)) من حديث ابن عمر: أنه سأل النبي تَ * أينام أحدنا ، وهو جنب؟
قال: ((نعم، ويتوضأ إن شاء))، وأصله في ((الصحيحين))، دون قوله: ((إن
شاء))(١) ، إلا أن تصحيح من ذكرها ، وإخراجها في الصحيح من كتابه كاف في
العمل ، ويؤيد حديث: ((ولا يمس ماء))، ولا يحتاج إلى تأويل الترمذي ، ويعضد
الأصل ، وهو عدم وجوب الوضوء على من أراد النوم جنباً؛ كما قاله الجمهور .
١٠٩ - وعن عَائِشَةَ رضيَ اللّه عنهَا قَالَتْ: كانَ رسولُ اللهَّهِ إذا اغْتَسَلَ
مِنَ الْجَنَابَةِ ، يَبْدَأُ فِيَغْسلِ يَدَيْهِ، ثم يُفْرِغُ بيمِينِهِ على شِمَالِه، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ،
ثم يَتَوَضَُّ، ثم يأخُذُ الماءَ، فَيُدْخِلُ أَصابِعَهُ في أُصُولِ الشّعَرِ ، ثم حَفَنَ على
رأسِهِ ثلاثَ حَفَنَاتٍ ، ثم أُفَاضَ على سائرٍ جَسَدِهِ، ثم غَسَلَ رِجْلَيْهِ . متفقٌ
عليه ، واللّفظُ لُسلم .
(١) بل هو في ((مسلم)) أيضاً بلفظ :
«لیتوضأ ثم لینم ، حتى يغتسل إذا شاء)) ، وهو عند ابن حبان (٢٣٢) من طريق ابن خزيمة
بسند صحيح .
٢٧١
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٩ - حديث عائشة
ولَهما مِنْ حديثٍ مَيْمُونَةَ: ثم أُفْرِغَ على فَرْجِهِ وَسَلَهُ بِشِمالِه ، ثم ضَرَبَ
بها الأرْضَ .
وفي رواية: فَمَسَحَها بالتّرابِ ، وفي آخرِهِ: ثمَّ أَتَيْتُهُ بالمنْديل ، فرَدَّهُ.
وفيه : وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدِه .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا اغْتَسَلَ من
الجنابة): أي: أراد ذلك (يَبْدَأ فيغسل يديْهِ): في حديث ميمونة : مرتين ، أو
ثلاثاً (ثم يُفْرِغُ) : أي : الماء (بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ) : في
حديث ميمونة : وضوءه للصلاة(١) (ثم يأخُذُ الماءَ فيُدْخِلُ أصابعَهُ في أصُول
الشّعَر) : أي : شعر رأسه ، وفي رواية البيهقي : يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع
بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك (ثم حَفَنَ على رأسه ثلاث
حفَنَات): الحفنة؛ بالمهملة فنون: ملء الكف؛ كما في ((النهاية))، وبكسر
الحاء، وفتحها؛ كما في ((القاموس))، وفي حديث ميمونة : ثم أفرغ على رأسه
ثلاث حفنات ملء كفيه ، إلا أن أكثر روايات مسلم: ملء كفه ؛ بالإفراد (ثم
أفاض) : أي : الماء (على سائر جسده) : أيْ: بقيته ، ولفظ حديث ميمونة : ثم
غسل ، بدل أفاض (ثم غسل رجليه . متفق عليه ، واللفظ لمسلم) .
(ولهما) : أي : الشيخين (من حديث ميمونة): في صفة الغسل من
ابتدائه إلى انتهائه ، إلا أن المصنف اقتصر على ما لم يذكر في حديث عائشة
فقط (ثم أُفْرَغَ على فرجِه وغسَلَهُ بشماله ، ثم ضَرَبَ بها الأرض ، وفي رواية :
(١) قلت: وهي في حديث عائشة أيضاً عند البخاري (٢٨٧/١ - فتح).
٢٧٢
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٩ - حديث عائشة
فمسحها بالتراب ، وفي آخره: ثم أتَيْتُه بالمنديل) : بكسر الميم ، وهو معروف
(فَرَدَّهُ؛ وفيه : وجعل يَنْفُضُ الماء بيده): وقيل هذا اللفظ في حديثهما ، ثم
تنحى عن مقامه ذلك ، فغسل رجليه ، ثم أتيته ... إلى آخره .
وهذان الحديثان مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتدائه إلى انتهائه ،
فابتداؤه غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إذا كان مستيقظاً من النوم ؛ كما ورد
صريحاً ، وكان الغسل من الإناء ، وقد قيّده في حديث ميمونة مرتين ، أو ثلاثاً ، ثم
غسل الفرج ، وفي ((الشرح)): أنّ ظاهره مطلق الغسل ، فيكفي مرة واحدة ، ودلك
الأرض ؛ لأجل إزالة الرائحة من اليد ، ولم يذكر أنه أعاد غسل الفرج بعد ذلك ، مع
أنها إذا كانت الرائحة في اليد ، فهي باقية في الفرج ، هذا ما يفهم من الحديث .
ويدل على أن الماء الذي يطهر به محل النجاسة طاهر مطهّر ، وعلى تشريك
النية للغسل الذي يزيل النجاسة برفعها الحدث .
واستدلّ به على أن بقاء الرائحة بعد غسل المحل لا يضر، ويدل على أن
غسل الجنابة مرة واحدة ؛ هذا كلامه ، ويحتمل أنها لم تبقَ رائحة ؛ بل ضرب
الأرض ؛ لإزالة لزوجة اليد ، إن سلم أنها تفارق الرائحة .
وأما وضوءه قبل الغسل ؛ فإنه يحتمل أنه وضوءه للصلاة ، وأنه يصح قبل
رفع الحدث الأكبر ، وأن يكون غسل هذه الأعضاء كافياً عن غسل الجنابة ، وأنه
تتداخل الطهارتان ، وهو رأي زيد بن علي ، والشافعي ، وجماعة ، ونقل ابن
بطال الإجماع على ذلك ، ويحتمل أنه غسل أعضاء الوضوء للجنابة ، وقدمها
تشريفاً لها ، ثم وضّأها للصلاة ، لكن هذا لم ينقل أصلاً ، ويحتمل أنه وضّأها
٢٧٣
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١٠٩ - حديث عائشة
للصلاة ، ثم أفاض عليها الماء مع بقية الجسد للجنابة ، ولكن عبارة: أفاض الماء .
على سائر جسده لا تناسب هذا؛ إذْ هي ظاهرة أنه أفاضه على ما بقي من
جسده مما لم يمسه الماء؛ فإن السائر الباقي، لا الجميع، قال في ((القاموس)):
والسائر: الباقي ، لا الجميع؛ كما توهّم جماعات .
فالحديثان ظاهران في كفاية غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة عن الجنابة و
الوضوء ، وأنه لا يشترط في صحة الوضوء رفع الحدث الأكبر .
ومن قال: لا يتداخلان ، وأنه يتوضأ بعد كمال الغسل ، لم ينهض له على
ذلك دليل، وقد ثبت في ((سنن أبي داود)) أنه * كان يغتسل ويصلي
الرکعتین ، وصلاة الغداة ، ولا يمس ماء .
فبطل القول بأنه ليس في حديث ميمونة وعائشة أنه صلى بعد ذلك
الغسل ، ولا يتمّ الاستدلال بالتداخل ، إلا إذا ثبت أنه صلى بعده . قلنا : قد
ثبت في حديث ((السنن)) صلاته به ، نعم؛ لم يذكر المصنف في وضوء الغسل
أنه مسح رأسه ، إلا أن يقال : قد شمله قول ميمونة : وضوءه للصلاة ، وقولها :
ثم أفاض الماء . الإفاضة الإسالة .
وقد استدل به على عدم وجوب الدلك ، وعلى أن مسمّى غسل لا يدخل
فيه الدلك ؛ لأنها عبرت ميمونة بالغسل ، وعبرت عائشة بالإفاضة ، والمعنى
واحد ، والإفاضة لا دلك فيها ، فكذلك الغسل .
وقال الماوردي : لا يتم الاستدلال بذلك ؛ لأن أفاض بمعنى غسل ، والخلاف
في الغسل قائم .
٢٧٤
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١٠٩ - حديث عائشة
هذا؛ وأما هل يكرر غسل الأعضاء ثلاثاً عند وضوء الغسل؟ فلم يذكر ذلك
في حديث عائشة ، وميمونة .
قال القاضي عياض : إنه لم يأتٍ في شيء من الروايات ذلك .
قال المصنف : بل قد ورد ذلك في رواية صحيحة عن عائشة ، وفي قول
ميمونة: إنه ﴿ أخّر غسل الرجلين . ولم يرد في رواية عائشة .
قيل : يحتمل أنه أعاد غسل رجليه بعد أن غسلهما أولاً للوضوء ؛ لظاهر
قولها : توضأ وضوءه للصلاة ؛ فإنه ظاهر في دخول الرجلين في ذلك .
وقد اختلف العلماء في ذلك :
فمنهم من اختار غسلهما أولاً ، ومنهم من اختار تأخير ذلك ، وقد أخذ منه
جواز تفريق أعضاء الوضوء ، وقول ميمونة : ثم أتیته بالمندیل فرده، فیه دلیل
على عدم شرعية التنشيف للأعضاء ، وفيه أقوال :
الأشهر أنه يستحب تركه .
وقيل : مباح .
وقيل : غير ذلك .
وفيه دلالة على أن نفض اليد من ماء الوضوء لا بأس به ، وقد عارضه
حديث : ((لا تنفضوا أيديكم ؛ فإنها مراوح الشيطان)) ؛ إلا أنه حديث ضعيف
لا يقاوم حديث الباب .
٢٧٥
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١١٠ - حديث أم سلمة
١١٠ - وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يا رسول الله ، إني
امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعَرَ رأسي ، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وفي رواية: والحيْضَةِ؟ قالَ:
(لا، إنّما يكفيكِ أنْ تحثِي على رأسِك ثلاثَ حَفَيَاتٍ)) . رواه مسلمٌ.
(وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يا رسول الله، إني امْرَأَةٌ أشُدُّ
شَعَرَ رأسي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وفي رواية: والحيْضَةِ(١)؟ قالَ: ((لا، إنّما
يكفيكِ أنْ تحثِي على رأسِك ثلاثَ حَفَيَاتٍ)) . رواه مسلمٌ).
لكن لفظه : أشدُّ ضفر رأسي ، بدل : شعره ، وكأنه رواه المصنف بالمعنى ،
وضفر - بفتح الضاد وإسكان الفاء - هو المشهور .
والحديث دليل على أنه لا يجب نقض الشعر على المرأة في غسلها من
جنابة ، أو حيض ، وأنه لا يشترط وصول الماء إلى أصوله ، وهي مسألة خلاف :
فعند الهادوية : لا يجب النقض في غسل الجنابة ، ويجب في الحيض
والنفاس ؛ لقوله ﴿ لعائشة: ((انقضي شعرك واغتسلي)).
وأجيب : بأنه معارض بهذا الحديث .
ويجمع بينهما بأن الأمر بالنقض للندب ، ويجاب : بأن شعر أم سلمة كان
خفيفاً، فعلم ﴿﴿ أنه يصل الماء إلى أصوله .
وقيل: يجب النقض إن لم يصل الماء إلى أصول الشعر ، وإن وصل - لخفة
الشعر -؛ لم يجب نقضه ، أو بأنه إن كان مشدوداً؛ نقض ، وإلا ؛ لم يجب
نقضه ؛ لأنه يبلغ الماء أصوله .
(١) هذه الرواية ليست محفوظة؛ كما بينه ابن القيم في ((التهذيب)) (١٦٧/١).
٢٧٦
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١١٠ - حديث أم سلمة
وأمّا حديث: ((بلّوا الشعر وأنقوا البشر))؛ فلا يقوى على معارضة حديث
أم سلمة، وأمّا فعله ◌َّهِ، وإدخال أصابعه ؛ كما سلف في غسل الجنابة ، ففعل
لا يدل على الوجوب ، ثم هو في حق الرجال ، وحديث أم سلمة في غسل
النساء، هكذا حاصل ما في ((الشرح)).
إلا أنه لا يخفى أن حديث عائشة كان في الحج؛ فإنها أحرمت بعمرة ، ثم
حاضت قبل دخول مكة، فأمرها ﴿﴿ أن تنقض رأسها ، وتمشط ، وتغتسل ، وتهلٌ
بالحج، وهي حينئذ لم تطهر من حيضها ؛ فليس إلا غسل تنظيف ، لا حيض(١)؛
فلا يعارض حديث أم سلمة أصلاً؛ فلا حاجة إلى هذه التأويل التي في غاية
الركة ؛ فإن خفة شعر هذه دون هذه يفتقر إلى دليل ، والقول بأن هذا مشدود ،
وهذا خلافه - والعبارة عنهما من الراوي بلفظ النقض - دعوى بغير دليل .
نعم؛ في المسألة حديث واضح؛ فإنه أخرج الدارقطني في ((الأفراد))،
والطبراني ، والخطيب في ((التلخيص))، والضياء المقدسي من حديث أنس مرفوعاً:
((إذا اغتسلت المرأة من حيضها ؛ نقضت شعرها نقضاً، وغسلته بخطمي وأشنان ،
وإن اغتسلت من جنابة ؛ صبت الماء على رأسها صباً وعصرته))؛ فهذا الحديث مع
إخراج الضياء له - وهو يشترط الصحة فيما يخرجه -؛ يثمر الظن في العمل به (٢)،
(١) قلت : إذا كان الأمر كذلك؛ فغسل الحيض أكد الأغسال؛ كما هو معروف؛ فالأمر فيه
بالنقض أولى؛ كما قرره ابن القيم في «التهذيب» (١٦٨/١).
(٢) قلت: هذا يمكن بالنسبة إلى من لم يقف على إسناده؛ وأما من وقف عليه ؛ فقد
يختلف الأمر بالنسبة إليه ؛ كما هو الشأن في هذا الحديث ؛ فإنه من رواية سلمة بن صُبيح عن
حماد بن سلمة .
وسلمة هذا مجهول ؛ فلا يثمر حديثه الظن في العمل به !
٢٧٧
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١١١ - حديث عائشة
ويحمل هذا على الندب لذكر الخطمي والأشنان ؛ إذْ لا قائل بوجوبهما ، فهو
قرينة على الندب ، وحديث أم سلمة محمول على الإيجاب ؛ كما قال : ((إنما
يكفيك)»؛ فإذا زادت نقض الشعر كان ندباً .
ويدل لعدم وجوب النقض ما أخرجه مسلم ، وأحمد أنه بلغ عائشة أن ابن
عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ، فقالت: يا عجباً لابن
عمر هو يأمر النساء أن ينقضن شعرهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد
كنت أغتسل أنا ورسول الله ◌َ ﴿ من إناء واحد، فما أزيد أن أفرغ على رأسي
ثلاث إفراغات . وإن كان حديثها في غسلها من الجنابة ، وظاهر ما نقل عن ابن
عمر : أنه كان يأمر النساء بالنقض في حيض ، وجنابة .
١١١ - وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسول اللهعَ لَهُ: «إني لا
أُحِلُّ الَسْجِدَ لحائض، ولا جُنُبٍ)). رواه أبو داود ، وصحّحه ابنُ خزيمةً .
(وعن عائشة رضيَ الله عنها قالت: قال رسول الله وَّةٍ: ((إني لا أحلُّ
المسجد): أيْ: دخوله والبقاء فيه (لحائض، ولا جنب)) . رواه أبو داود ،
وصححه ابن خزيمة) .
ولا سماع لقول ابن الرفعة: إنَّ في رواته متروكاً؛ لأنه قد ردّ قوله بعض الأئمة(١).
(١) قلت: إذا كان الرد منصباً على لفظة: (متروك)؛ فهو مسلَّم! وإن كان على ما يقتضيه
قوله : تضعيف الحديث ؛ فغير مسلّم؛ لأن مداره على (جَسْرَة بنت دجاجة) ؛ قال البخاري :
((عندها عجائب)) . ولذلك قال البيهقي في حديثها هذا :
((ليس بقوي)).
وفيه علة أخرى؛ وهي أنهم اضطربوا عليها في متنه؛ كما بينته في ((ضعيف أبي داود)) (رقم٣٢).
٢٧٨
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحكم الجنب
١١٢، ١١٣ - حديثا عائشة وأبي هريرة
والحديث دليل على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المسجد ، وهو قول ..
الجمهور ، وقال داود ، وغيره : يجوز؛ وكأنه بنى على البراءة الأصلية ، وأن هذا
الحديث لا يرفعها .
وأما عبورهما المسجد ، فقيل : يجوز لقوله تعالى: ﴿إلا عابري سبيل﴾
[النساء: ٤٣] في الجنب ، وتقاس الحائض عليه ، والمراد به مواضع الصلاة .
وأجيب : بأن الآية فيمن أجنب في المسجد ؛ فإنه يخرج منه للغسل ، وهو
خلاف الظاهر ، وفيها تأويل آخر .
١١٢ - وعنها قالت: كنتُ أُغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللّه عَّهُ مِنْ إناءٍ واحدٍ،
تَخْتَلِفُ أيدينا فيه من الجنابة . متفق عليه ، زاد ابنُ حِبّانَ: وتَلْتَقي .
(وعنها): أي: عائشة (قالت: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه ◌َ الٍ من إناء
واحد ؛ تختلف أيدينا فيه) : أي : في الاغتراف منه (من الجنابة) : بيان لنغتسل
(متفق عليه ، زاد ابن حبان: وتلتقي) : أي : تلتقي أيدينا فيه .
وهو دليل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من ماء واحد ، في إناء واحد ،
والجواز هو الأصل ، وقد سلف الكلام في هذا في باب المياه .
١١٣ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((إنَّ تَحْتَ
كلّ شعرَةٍ جنابَةً ، فاغسلوا الشّعرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَ)). رواه أبو داود والترمذيُّ ،
وضعفاهُ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إن تحت كل
٢٧٩
١ - كتاب الطهارة
٨ - باب الغسل ، وحکم الجنب
١١٣ - حديث أبي هريرة
شعرة جنابة ، فاغسلوا الشعر) : لأنه إذا كان تحته جنابة ، فبالأولى أنها فيه ،
ففرع غسل الشعر على الحكم بأن تحت كل شعرة جنابة (وأنقوا البشر)) . رواه
أبو داود والترمذي ، وضعفاه) : لأنه عندهما من رواية الحارث بن وجيه ؛ بفتح
الواو فجيم فمثناة تحتية ، قال أبو داود : وحديثه منكر ، وهو ضعيف ، وقال
الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث الحارث ، وهو شيخ ليس بذاك .
وقال الشافعي : هذا الحديث ليس بثابت .
وقال البيهقي : أنكره أهل العلم بالحديث : البخاري وأبو داود وغيرهما(١).
ولكن في الباب من حديث علي عليهِ السَّلام مرفوعاً: «مَنْ ترك موضع
شعرة من جنابة؛ لم يغسلها ، فعل به كذا وكذا)) . فمن ثمَّ عاديت رأسي ،
فمن ثمَّ عاديت رأسي ثلاثاً ، وكان يجزه ، وإسناده صحيح؛ كما قال المصنف ،
ولكن قال ابن كثير في ((الإرشاد)): إن حديث علي هذا من رواية عطاء بن
السائب ، وهو سيئ الحفظ ، وقال النووي : إنه حديث ضعيف .
قلت : وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه أن عطاء بن السائب
اختلط في آخر عمره ، فمن روى عنه قبل اختلاطه ، فروايته عنه صحيحة ،
ومن روى عنه بعد اختلاطه ، فروايته عنه ضعيفة ، وحديث علي هذا اختلفوا ؛
هل رواه قبل الاختلاط ، أو بعده؟ فلذا اختلفوا في تصحيحه ، وتضعيفه ، والحق
(١) انظر ((ضعيف أبي داود)) (٣٨) . وقال ابن أبي حاتم (٢٩/١) عن أبيه :
«حدیث منکر» .
٢٨٠