Indexed OCR Text

Pages 41-60

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٤ - حديث ابن عمر
التَّصانيف ، سمع أماً لا يُحصون من مصر إلى خراسان، حدّث عنه الحاكم،
وغيره ، وكان ابن حبان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار، عالماً بالطب والنّجوم
وفنون العلم ، صنّف ((المسند الصحيح))، و(التاريخ))، وكتاب ((الضعفاء))، وفقّه
الناس بسمرقند . قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم والفقه واللغة
والوعظ ، من عقلاء الرجال ، توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، وهو
في عشر الثمانين .
وقد سَبَقَت الإشارة إلى أن هذا الحديث هو دليل الشافعية في جعلهم الكثير
ما بلغ قُلْتين ، وسبق اعتذار الهادوية والحنفية عن العمل به بالاضطراب في
متنه؛ إذْ في رواية: ((إذا بلغ ثلاث قِلال))، وفي رواية: ((قُلة))، وبجهالة قدر
القُلة، وباحتمال معناه؛ فإن قوله : ((لم يحمل الخبث))؛ يحتمل أنه لا يَقْدرُ
على حمله ؛ بل يضره الخبث ، ويحتمل أنه يتلاشى فيه الخبث(١) ، وقد أجاب
الشافعية عن هذا كله، وقدٍ بسطه في ((الشرح))، إلا الأخير(٢) فلم يذكره، كأنه
تركه لضعفه ؛ لأن رواية: ((لم ينجس))، صريحة في عدم احتماله المعنى الأول .
(١) وهذا هو المراد ، كما يأتي من المؤلف . وقال الغزالي:
(ظاهره نفي الحمل ؛ أي: يقلبه إلى صفة نفسه ، كما يقال للمملحة : لا تحمل كلباً ولا
غيره ؛ أي : ينقلب . وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ، ويغمسون
الأواني النجسة فيها ، ثم يترددون في أنها تغيرت تغيراً مؤثراً أم لا؟ فتبين أنه إذا كان قلتين ؛ لا
يتغير بهذه النجاسات المعتادة)).
(٢) بل ما قبل الأخير .
٤١

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٥ - حديث أبي هريرة
٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهِ: ((لا
يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِم ، وهو جُنُبٌ». أخرجه مُسْلِمٌ .
وللبخاريِّ: ((لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي ، ثم يَغْتَسِلُ
فيه)) .
ولِمُسْلِم : ([ثم يغتسلُ] مِنْهُ)).
ولأبي داوُدَ : ((ولا يَغْتَسِلْ فيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ)).
﴿: ((لا يَغْتَسِلْ
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله
أَحَدُكُمْ في الماءِ الدائم): وهو الراكد الساكن ، ويأتي وصفه بأنه الذي لا يجري
(وَهُوَ جُنُبٌ)). أخرجه): بهذا اللفظ (مسلم(١)، وللبخاري): رواية بلفظ ((لا
يُبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماء الدَّائمِ الذي لا يَجري ، ثم يَغْتَسلُ) : رُوي برفع اللام
على أنه خبر لمبتدأ محذوف ؛ أي : ثم هو يغتسل ، وقد جوّز جزمه على عطفه على
موضع: ((يبولن))، ونصبه بتقدير : أن ، على إلحاق ثم بالواو في ذلك ، وإن أفاد أن
النهي إنما هو عن الجمع بين البول والاغتسال ، دون إفراد أحدهما ، مع أنه ينهى
عن البول فيه مطلقاً؛ فإنه لا يخل بجواز النصب ؛ لأنه يستفاد من هذا النهي عن
الجمع، ومن غيره النهي عن إفراد البول وإفراد الاغتسال ، هذا بناء على أن: ((ثم))
قد صارت بمعنى الواو؛ تفيد الجمع ، وهذا قاله النووي معترضاً به على ابن مالك ؛
حيث جوز النصب ، وأقره ابن دقيق العيد في غير ((شرح العمدة))، إلا أنه أجاب
على النووي بما أفاده قولنا : فإنه لا يخل بجواز النصب إلى آخره .
(١) وزاد : فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟! قال: يتناوله تناولاً.
٤٢

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٥ - حديث أبي هريرة
قلت : والذي تقتضيه قواعد العربية أن النهي في الحديث إنما هو عن الجمع
بين البول ، ثم الاغتسال منه ، سواء رفعت اللام، أو نصبت؛ وذلك لأن ((ثم))
تفيد ما تفيده الواو العاطفة في أنها للجمع ، وإنما اختصت ((ثم)) بالترتيب؛
فالجميع واهمون فيما قرروه .
ولا يستفاد النهي عن كل واحد على انفراده من رواية البخاري ؛ لأنها إنما
تفيد النهي عن الجمع ، ورواية مسلم تفيد النهي عن الاغتسال فقط ، إذا لم تقيد
برواية البخاري ، ثم رواية أبي داود(١) بلفظ: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم،
ولا يغتسل فيه (٢))، تفيد النهي عن كل واحد على انفراده (فيه))، ولمسلم): في
روايته (([ثم يغتسل](٣) منه))): بدلاً عن قوله: ((فيه))، والأولى تفيد أنه لا
يغتسل فيه بالانغماس مثلاً ، والثانية تفيد أن لا يتناول منه ويغتسل خارجه ،
(ولأبي داود)(٤): بلفظ ((ولا يغتسل فيه): عوضاً عن ثم يغتسل(٥) (من
(١) وإسناده حسن ؟ انظر ((صحيح أبي داود)) (٦٣).
(٢) وتمامه: (( ... من الجنابة))، وإسناده حسن.
(٣) زيادة من ((صحيح مسلم)).
(٤) هو حديثه الذي ذكره الشارح آنفاً .
(٥) بل الصواب أن يقال: ((عوضاً عن: ((منه)) التي في رواية مسلم))!
ورواية : ((منه)) أصح ؛ لأن مسلماً زاد في روايته :
كيف يفعل يا أبا هريرة؟! قال : يتناوله تناولاً .
ثم استدركت فقلت : لا منافاة بين الروايتين ؛ لأن الزيادة المذكورة إنما قالها أبو هريرة في حديث
الاغتسال في الماء الدائم - الذي لم يذكر فيه البول . فهذا الماء يغترف منه ولا يغتسل فيه ؛ بخلاف
الذي فيه البول ؛ فلا يغترف منه ؛ لا للغسل ولا للوضوء ؛ كما يأتي في آخر شرح الحديث .
٤٣

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٥ - حديث أبي هريرة
الجنابة))): عوضاً عن قوله: ((وهو جنب» . وقوله هنا: ((ولا يغتسل))، دال على
أن النهي عن كل واحد من الأمرين على انفراده، كما هو أحد الاحتمالين
الأولين في رواية: ((ثم يغتسل منه)). قال في ((الشرح)): وهذا النهي في الماء
الكثير للكراهة ، وفي الماء القليل للتحريم ، قيل عليه : إنه يؤدِّي إلى استعمال
لفظ النهي في حقيقته ومجازه ، فالأحسن أن يكون من عموم المجاز، والنهي
مستعمل في عدم الفعل الشامل للتحريم ، وكراهة التنزيه .
فأما حكم الماء الراكد وتنجسه بالبول ، أو منعه من التطهير بالاغتسال فيه
للجنابة .
فعند القائلين بأنه لا ينجس إلا ما تغير أحد أوصافه النهي عنه للتعبد ، وهو
طاهر في نفسه ، وهذا عند المالكية ؛ فإنه يجوز التطهر به ؛ لأن النهي عندهم
للكراهة ، وعند الظاهرية أنه للتحريم ، وإن كان النهي تعبداً ، لا لأجل التنجيس ،
لكن الأصل في النهي التحريم .
وأمّا عند من فرق بين القليل والكثير؛ فقالوا : إن كان الماء كثيراً - وكل
على أصله في حده -، ولم يتغير أحد أوصافه ؛ فهو الطاهر ، والدليل على
طهوريته تخصيص هذا العموم ، إلا أنه قد يقال : إذا قلتم النهي للكراهة في
الكثير ؛ فلا تخصيص لعموم حديث الباب ، وإن كان الماء قليلاً - وكل في
حده على أصله - ؛ فالنهي عنه للتحريم ؛ إذْ هو غير طاهر ، ولا مطهر ، وهذا
على أصلهم في كون النهي للنجاسة(١) .
(١) وهذا غير مُسَلَّم !
٤٤

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٥ - حديث أبي هريرة
وذكر في ((الشرح)) الأقوال في البول في الماء وأنه لا يحرم في الكثير
الجاري ، كما يقتضيه مفهوم هذا الحديث ، والأولى اجتنابه ، أما القليل الجاري ؛
فقيل : يكره ، وقيل : يحرم ، وهو الأولى . قلت : بل الأولى خلافه ؛ إذ الحديث
في النهي عن البول فيما لا يجري ؛ فلا يشمل الجاري قليلاً كان أم كثيراً،
نعم ، لو قيل بالكراهة ؛ لكان قريباً ، وإن كان كثيراً راكداً ، فقيل : يكره مطلقاً ،
وقيل : إن كان قاصداً ، إلا إذا عرض وهو فيه ؛ فلا كراهة، قال في ((الشرح)):
ولو قيل بالتحريم ؛ لكان أظهر وأوفق ؛ لظاهر النهي ؛ لأن فيه إفساداً له على
غيره ، ومضارة للمسلمين ، وإن كان راكداً قليلاً، فالصحيح التحريم ؛ للحديث .
ثم؛ هل يلحق غير البول كالغائط به في تحريم ذلك في هذا الماء القليل؟
فالجمهور على أنه يلحق به بالأولی ، وعن أحمد بن حنبل : لا يلحق به غيره ؛ بل
يختص الحكم بالبول . وقوله : ((في الماء))، صريح في النهي عن البول فيه ، وأنه
يجتنب إذا كان كذلك؛ فإذا بال في إناء وصبه في الماء الدائم ؛ فالحكم واحد ،
وعن داود : لا ينجسه ، ولا يكون منهياً عنه ؛ إلا في الصورة الأولى لا غير.
وحكم الوضوء - في الماء الدائم الذي بال فيه من يريد الوضوء - حكم
الغُسل؛ إذ الحكم واحد، وقد ورد في رواية: ((لا يبولن أحدكم في الماء
الدائم، ثم يتوضأ منه))؛ ذكرها في ((الشرح))، ولم ينسبها إلى أحد ، وقد
أخرجها عبد الرزاق ، وأحمد ، وابن أبي شيبة ، والترمذي ، وقال : حديث
حسن صحيح ، وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، وأخرجه الطحاوي ،
وابن حبان، والبيهقي بزيادة: ((أو يشرب)).
٤٥

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٦، ٧ - حديثا رجل صحب النبي
، وابن عباس
٦ - وعن رَجُلٍ صَحِبَ النبيََّ﴿، قال: نَهَى رسولُ الله ◌َ ◌ّهُ أَنْ تَغْتَسِلَ
المَرْأةُ بِفَضْلِ الرَّجلَِّ، أو الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَميعاً. أخرجهُ أَبو
داودَ والنّسائيُّ ، وإِسْنَادُهُ صحيحٌ .
(وعن رجل صحب النبي تَ﴿ قال: نهى رسول الله ◌َّلهم أن تغتسل المرأة
بفضل الرجل) : أيْ: بالماء الذي يفضل عن غُسْل الرجل (أو الرجل بفضل
المرأة) : مثله (وليغترفا): من الماء عند اغتسالهما منه (جميعاً. أخرجه أبو
داود والنسائي، وإسناده صحيح): إشارة إلى رَدِّ قول البيهقي حيث قال: إنه
في معنى المرسل ، أو إلى قول ابن حزم ، حيث قال : إن أحد رواته ضعيف ، أما
الأول - وهو كونه في معنى المرسل ، فلأن إبهام الصحابي لا يضر ؛ لأن الصحابة
كلهم عُدول عند المحدثين ، وأمّا الثاني ، فلأنه أراد ابن حزم بالضعيف داود بن
عبد الله الأودي، وهو ثقة ، وكأنه في ((البحر)) اغتر بقول ابن حزم، فقال بعد
ذكر الحديث : إن راويه ضعيف ، وأسنده إلى مجهول ، وقال المصنف في ((فتح
الباري)) : إن رجاله ثقات ، ولم نقف له على علة ، فلهذا قال هنا: وهو صحيح .
نعم ؛ هو معارض بما يأتي من قوله في الحديث الآتي :
كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ . أخرجه
٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أنَّ النبيِّ.
مسلمٌ .
ولأصحابِ السُّنن: اغْتَسَلِ بَعْضُ أَزْواج النبيِّ:﴿ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ
لِيغْتَسِلَ مِنْها، فَقَالَتْ له: إنِّي كُنْتُ جُنُباً؟ فقالَ: ((إنَّ الماءَ لا يَجْتُبُ))،
وصحَّحَهُ الترمذي ، وابنُ خُزَيْمَةَ .
(وعن ابن عباس): هو - حيث أُطلق - بَحْرُ الأُمّة وحَبْرُها عبد الله بن
٤٦

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٧ ۔ حديث ابن عباس
العباس ، وُلد قَبْلَ الهجرة بثلاث سنين ، وشهرة إمامته في العلم ببركات الدعوة
النبوية بالحكمة والفقه في الدين والتأويل ، تغني عن التعريف به ، كانت وفاته
بالطائف سنة ثمان وستين في آخر أيام ابن الزبير ، بعد أن كُفّ بصره (أن النبي
كان يغتسل بفضل ميمونة . أخرجه مسلم) : من رواية عمرو بن دينار،
بلفظ : قال : وعلمي ، والذي يخطر على بالي ، أن أبا الشعثاء أخبرني ؛ الحديث ،
وأعله قوم بهذا التردد، ولكنه قد ثبت عند الشيخين بلفظ: ((أن النبي صلالة
وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد))، ولا يخفى أنه لا تعارض؛ لأنه يحتمل
أنهما كانا يغترفان معاً؛ فلا تعارض .
نعم ؛ المعارض قوله (ولأصحاب السنن) : أيْ : من حديث ابن عباس؛
كما أخرجه البيهقي في ((السنن))، ونسبه إلى أبي داود (اغتسل بعض
أزواج النبي ﴿ في جفنة، فجاء): أي: النبي ◌َّةٍ (ليغتسل منها،
فقالت له : إني كنت جنباً؟): أيْ: وقد اغتسلت منها (فقال: ((إنَّ الماءَ لا
· يَجْنُبُ))(١)): في ((القاموس)»: جَنِبَ؛ أي: كَفَرِحَ، وَجَنُب ؛ أي : ككَرُم ،
فيجوز فتح النون وضمها هنا ، هذا إن جعلته من الثلاثي ، ويصح من أجنب
يُجنب ، وأمّا اجتنب ، فلم يأت بهذا المعنى ، وهو إصابة الجنابة (وصحّحه
الترمذي ، وابن خزيمة) .
ومعنى الحديث قد ورد من طرق سردها في ((الشرح))، وقد أفادت معارضة
الحديث الماضي ، وأنه يجوز غسل الرجل بفضل المرأة ، ويقاس عليه العكس
(١) ورواه ابن حبان (٢٢٦) بلفظ: ((إن الماء لا ينجِّسه شيء)).
٤٧

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٨ - حديث أبي هريرة
لمساواته له ، وفي الأمرين خلاف ، والأظهر جواز الأمرين ، وأن النهي محمول
على التنزيه .
٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َله: «طُهُورُ إناءٍ
أحد كُمْ، إذا وَلَغَ فيه الكَلْبُ، أن يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أَولاهُنَّ بالتُّرابِ)).
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وفي لفظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ)» .
وللترمذيِّ: ((أُخْرَاهُنَّ) أو: ((أُوْلاهُنَّ بالتراب)).
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّه: ((طُهُورُ) : قال
في ((الشرح)): الأظهر فيه ضم الطاء ، ويقال بفتحها؛ لغتان (إناء أحدكم ، إذا
وَلَغَ فيه الكلب): في ((القاموس)): ولَغ الكلب في الإناء ، وفي الشراب يَلَغُ
کیَهَبُ ویالغ وولغ كورث ووجل : شرب ما فيه بأطراف لسانه ، أو أدخل لسانه
فيه فحرّكه (أنْ يَغْسِلَهُ): أيْ: الإناء (سبعَ مَرَّت، أولاهُنَّ بالتراب)) . أخرجه
مسلم، وفي لفظ له: ((فليُرقه))): أيْ: الماء الذي ولغ فيه (وللترمذي: ((أخراهن))) :
أي : السبع (أو: ((أولاهن بالتراب))).
دل الحديث على أحكام :
أوّلها : نجاسة فَم الكلب، من حيث الأمر بالغسل لما ولغ فيه ، والإراقة
للماء، وقوله: ((طهور إناء أحدكم))؛ فإنه لا غَسْل إلا من حدث ، أو نجس،
وليس هنا حدث؛ فتعين النجس، والإراقة إضاعة مال ، فلو كان طاهراً لما أمر
بإضاعته ؛ إذْ قد نهى عن إضاعة المال ، وهو ظاهر في نجاسة فَمِهِ ، وألحق به
سائر بدنه ؛ قياساً عليه ؛ وذلك لأنه إذا ثبتت نجاسة لعابه ، ولعابه جزء من
٤٨

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٨ - حديث أبي هريرة
فمه ؛ إذْ هو عرق فمه ، فَفَمُه نحس ؛ إذ العرق جزء متحلّب من البدن فكذلك
بقية بدنه ، إلا أن من قال: إن الأمر بالغَسْلِ ليس لنجاسة الكلب ، قال :
يحتمل أنَّ النجاسة في فمه ولُعَابه؛ إذْ هو محل استعماله للنجاسة بحسب
الأغلب، وعلق الحُكم بالنظر إلى غالب أحواله من أكله النجاسات بفمه
ومباشرته لها ؛ فلا يدل على نجاسة عينه ، والقول بنجاسة عينه قول الجماهير،
والخلاف لمالك وداود والزهري ، وأدلة الأولين ما سمعت ، وأدلة غيرهم، وهم
القائلون : إن الأمر بالغَسْل للتَّعبد لا للنجاسة ؛ لأنَّه لو كان للنجاسة ، لاكتفى
بما دون السَّبْع؛ إذْ نجاسته لا تزيد على العذرة . وأجيب عنه : بأن أصل الحكم
الذي هو الأمر بالغَسْل، معقول المعنى ممكن التعليل؛ أي : بأنه للنجاسة ،
والأصل في الأحكام التعليل ؛ فيُحمل على الأغلب ، والتعبد إنما هو في العدد
فقط، كذا في ((الشرح))، وهو مأخوذ من ((شرح العمدة))، وقد حققنا في
((حواشيه)) خلاف ما قرره من أغلبية تعليل الأحكام ، وطوّلنا هنالك الكلام .
الحكم الثاني: أنه دَلَّ الحديث على وجوب سَبْع غسلات للإناء، وهو
واضح، ومن قال: لا تجب السّبع؛ بل ولوغ الكلب كغيره من النجاسات
والتسبيع نَذْب ، استدل على ذلك بأن راوي الحديث - وهو أبو هريرة - قال :
يغسل من ولوغه ثلاث مرات؛ كما أخرجه الطحاوي ، والدارقطني(١) . وأجيب
(١) في ((سننه)) (٢٤ - ٢٥)، والطحاوي (١٣/١)؛ كلاهما من طريق عبد الملك - وهو ابن
أبي سليمان - عن عطاء عن أبي هريرة . قال الدارقطني :
(لم يروه هكذا غير عبد الملك)).
=
٤٩

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٨ - حديث أبي هريرة
عن هذا بأن العمل بما رواه عن النبي تَ هه ، لا بما رآه ، وأفتى به ، وبأنه معارض بما
روي عنه أيضاً أنه أفتى بالغسل سبعاً وهي أرجح سنداً، وترجح أيضاً بأنها توافق
الرواية المرفوعة ، وبما روي عنه ﴿ أنه قال - في الكلب يَلغ في الإناء -: ((يُغسلُ
ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً))، قالوا: فالحديث دل على عدم تعيين السبع ، وأنه
مخيّر ، ولا تخيير في معيّن ، وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة .
الحكم الثالث : وجوب التّتْرِيبِ للإناء؛ لثبوته في الحديث ، ثم الحديث يدل
على تعيُّن التراب ، وأنه في الغسلة الأولى ، ومن أوجبه قال : لا فرق بين أن يخلط
الماء بالتراب ، حتّى يتكدر، أو يطرح الماء على التراب ، أو يطرح التراب على الماء ،
وبعض من قال : بإيجاب التسبيع قال : لا تجب غسلة التراب ؛ لعدم ثبوتها عنده،
= يشير إلى تضعيف هذه الرواية بما رواه قبلها من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد
عن أبي هريرة :
في الكلب يَلِغُ في الإناء؟ قال: يُهْراق ويغسل سبع مرات ... وقال:
((صحيح موقوف)). وعلقه البيهقي (٢٤٢/١) ، وقال :
((وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في
الثلاث. وعبدالملك لا يُقبل منه ما يخالف فيه الثقات)).
ومن الواضح أن رواية (عبدالملك) ، دون رواية (حماد بن زيد) في القوة ؛ كما قال الحافظ في
((الفتح)) (٢٢٢/١).
ثم إن من الغرائب أن يأخذ الحنفية بها؛ إعمالاً منهم لقاعدة: (العِبْرة برأي الراوي لا
بروايته) ! مع أن أبا حنيفة كان لا يأخذ برأي أبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وسمرة بن جندب ؛
كما ذكر ذلك محمد عبدالرشيد النعماني في ((ما تمس إليه الحاجة)» (ص٨)؛ وهو شدید
التعصُّب لأبي حنيفة !
٥٠

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٨ - حديث أبي هريرة
وردًّ : بأنها قد ثبتت في الرواية الصحيحة بلا ريب ، والزيادة من الثقة مقبولة .
وأورد على رواية التراب بأنها قد اضطربت فيها الرواية ، فروي: ((أولاهن))،
أو ((أُخراهن))، أو ((إحداهن))، أو ((السّابعة))، أو ((الثّامنة))، والاضطراب قادح،
فيجب الاطراح لها ، وأجيب عنه بأنه لا يكون الاضطراب قادحاً إلا مع استواء
الروايات. وليس ذلك هنا كذلك؛ فإن رواية: ((أولاهن)) أرجح؛ لكثرة رواتها ،
وبإخراج الشيخين لها ، وذلك من وجوه الترجيح عند التعارض ، وألفاظ الروايات
التي عُورضت بها ((أولاهن))، لا تقاومها. وبيان ذلك: أن رواية: ((أُخراهن))
منفردة لا توجد في شيء من كتب الحديث مسندة ، ورواية: ((السابعة بالتراب))
اختلف فيها؛ فلا تقاومُ رواية: ((أولاهن بالتراب))، ورواية: ((إحداهن))؛ بالحاء
والدال المهملتين ليست في الأمهات؛ بل رواها البزار، فعلى صحتها ، فهي
مطلقة يجب حملها على المقيدة، ورواية: ((أولاهن، أو أُخراهن)) بالتخيير، إن
كان ذلك من الراوي؛ فهو شك منه، فيرجع إلى الترجيح، ورواية: ((أولاهن))
أرجح، وإن كان كلامه ◌َ﴾﴾ فهو تخيير منه ، ويرجع إلى ترجيح: ((أولاهن))؛
لثبوتها فقط عند الشيخين ؛ كما عرفت .
وقوله: ((إناء أحدكم))، الإضافة ملغاة هنا؛ لأن حُكم الطهارة والنجاسة لا
يتوقف على مُلْكِه الإناء، وكذا قوله : ((فلْيغْسلْهُ)): لا يتوقف على أن يكون
مالك الإناء هو الغاسل .
وقوله: وفي لفظ: ((فليُرقّه))، هي من ألفاظ رواية مسلم، وهي أمر بإراقة
الماء الذي ولغ فيه الكلب، أو الطعام، وهي من أقوى الأدلة على النجاسة ؛ إذ
٥١

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٩ - حديث أبي قتادة
المراق أعم من أن يكون ماءً ، أو طعاماً ، فلو كان طاهراً ، لم يأمر بإراقته ؛ كما
عرفت ، إلا أنه نقل المصنف في ((فتح الباري)) عدم صحة هذه اللفظة عن الحفّاظ .
وقال ابن عبد البر: لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش .
وقال ابن منده: لا تُعرف عن النبي ◌َ ﴿ه بوجه من الوجوه.
نعم؛ أهمل المصنف ذكر الغسلة الثامنة ، وقد ثبت عند مسلم (١): ((وعفروه
الثامنة بالتراب)).
قال ابن دقيق العيد : إنه قال بها الحسن البصري ، ولم يقل بها غيره ، ولعل
المراد بذلك من المتقدمين(٢)، والحديث قوي فيها ، ومن لم يقل به ، احتاج إلى
تأويله بوجه فيه استكراه . اهـ .
قلت : والوجه - أي : المستكره في تأويله - ذكره النووي فقال : المراد : اغسلوه
سبعاً واحدة منهن بالتراب مع الماء ؛ فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة ،
ومثله قال الدَّمِيري في ((شرح المنهاج))، وزاد أنه أطلق الغسل على التعفير مجازاً .
قلت : لا يخفى أن إهمال المصنف لذكرها وتأويل من قال بإخراجها من
الحقيقة إلى المجاز؛ كل ذلك محاماة عن المذهب ، والحق مع الحسن البصري .
هذا؛ وإن الأمر بقتل الكلاب ، ثم النهي عنه ، وذكر ما يباح اتخاذه منها ،
يأتي الكلام عليه في باب الصيد إن شاء الله تعالى .
قَالَ في الهِرَّةِ : «إنّها
٩ - وعن أبي قَتَادَةَ رضي اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ الله
(١) أي: من حديث عبدالله بن مُغَفَّلٍ .
(٢) قلت : وقد قال به أحمد .
٥٢

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
٩ - حديث أبي قتادة
لَيْسَتْ بِنَجَسِ ، إِنّمَا هي مِنْ الطَّوَّافين علَيْكُمْ)). أخرجه الأربعة، وصحّحُهُ
الترمذي وابنُ خُزَيْمَةً .
(وعن أبي قتادة رضي الله عنه): بفتح القاف فمثناة فوقية بعد الألف
دال مهملة ، اسمه في أكثر الأقوال : الحارث بن رِبْعي - بكسر الراء فموحدة
ساكنة فمهملة مكسورة ومثناة تحتية مشددة - الأنصاري ، فارس رسول
الله :﴿﴿﴿ ، شهد أحداً، وما بعدها، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين بالمدينة ،
وقيل : مات بالكوفة في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وشَهدَ معه
حُروبه كلها (أن رسول الله ﴿ه قال في الهرة): والحديث له سبب ، وهو: أن
أبا قتادة سكب له وضوءاً ، فجاءت هرة تشرب منه ، فأصغى لها الإناء ، حتى
شربت، فقيل له في ذلك، فقال: قال رسول اللّه عَ ل («إنها ليست
بنَجَس): أيْ: فلا ينجس ما لامَسَتْهُ (إنما هي من الطَوَّافين) : جمع طوَّاف
(عليكُمْ))) : قال ابن الأثير: الطائف : الخادم الذي يخدمك برفق وعناية ،
والطواف فعّال منه ، شبهها بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله ؛ أخذاً
من قوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] ، وفي رواية مالك وأحمد وابن
حبان والحاكم وغيرهم، زيادة لفظ: ((والطوافات))، جمع الأول مذكراً سالماً؛
نظراً إلى ذكور الهر ، والثاني مؤنثاً سالماً ؛ نظراً إلى إناثها ؛ فإن قلت : قد فات
في جمع المذكر السَّالم شرط كونه يعقل ، وهو شرط لجمعه علماً وصفة ،
قلت : لما نزل منزلة من يعقل بوصفه بصفته ؛ وهو الخادم ، أجراه مجراه في
جمعه صفة .
٥٣

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٠ - حديث أنس
وفي التعليل إشارة إلى أنه تعالى لما جعلها بمنزلة الخادم في كثرة اتصالها
بأهل المنزل وملابستها لهم، ولما في منزلهم ، خفف تعالى على عباده بجعلها
غير نجس ؛ رفعاً للحرج (أخرجه الأربعة ، وصححه الترمذي وابن خزيمة) :
وصححه - أيضاً - البخاري والعقيلي والدارقطني(١) .
والحديث دليل على طهارة الهرة وسُؤرها ؛ وإن باشرت نجساً ، وأنه لا تقييد
لطهارة فمها بزمان ، وقيل : لا يطهر فمها إلا بمضي زمان من ليلة ، أو يوم ، أو
ساعة ، أو شربها الماء ، أو غيبتها ، حتّى يحصل ظن بذلك، أو بزوال عين
النجاسة من فمها ، وهذا الأخير أوضح الأقوال ؛ لأنه مع بقاء عين النجاسة في
فمها ، فالحكم بالنجاسة لتلك العين لا لفمها ؛ فإن زالت العين ؛ فقد حكم
الشارع بأنها ليست بنجس .
١٠ - وعنْ أنَسِ بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ
الَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النّاسُ، فَتَهَاهُمْ رسولُ اللهِ، فلما قضى بَوْلَهُ أمرَ النبيُّ ◌َله
بذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ - وفي رواية : سجلاً -، فَأُهْرِيقَ عليْهِ . مُتَفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه) : هو أبو حمزة - بالحاء المهملة والزاي -
الأنصاري النّجاري الخزرجي ، خَدَم رسول الله ﴿ منذ قَدِمَ المدينة إلى وفاته
المدينة ، وهو ابن عشر سنين ، أو ثمان ، أو تسع ؛ أقوال . سكن
، وَقَدِمَ ◌َ﴾
(١) وقال ابن عبدالبر (١/١٣٠/١): ((لا بأس بإسناده)). وذكر له شاهداً من حديث
عائشة ، وقال :
«وهو حدیث لا بأس به)) .
٥٤
١

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٠ - حديث أنس
البصرة من خلافة عمر لیفقه الناس ، وطال عمره إلى مائة وثلاث سنین ، وقیل
أقلّ من ذلك ، قال ابن عبد البر: أصح ما قيل: تسع وتسعون سنة ، وهو آخر
من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى ، أو اثنتين ، أو ثلاث وتسعين .
(قال: جاء أعرابي) : بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب ، وهم سكان
البادية ، سواء أكانوا عرباً، أو عجماً، وقد ورد تسميته أنه ذو الخويصرة
اليماني ، وكان رجلاً جافياً (فبال في طائفة المسجد) : أيْ : في ناحيته ،
والطائفة : القطعة من الشيء (فزجره الناس) : بالزاي فجيم فراء ؛ أي :
نهروه ، وفي لفظ : فقام إليه الناس ليقعوا به ، وفي أخرى : فقال أصحاب
رسول الله ◌َ اءُ: مَه، مَه (فنهاهم رسول اللهعَ ليه): بقوله لهم: «دعوه)) ، وفي
لفظ: ((لا تزْرُمُوه(١)) (فلما قضى بوله أمر النبي ◌َ ﴿ بذَنوب): بفتح الذال
المعجمة فنون آخره موحدة ؛ وهي الدلو الملآن ماء ، وقيل : العظيمة (من ماء) :
تأكيد، وإلا ؛ فقد أفاده لفظ: ((الذَّنوب))، فهو من باب كتبت بيدي، (وفي
· رواية: سَجْلاً): بفتح السين المهملة وسكون الجيم ، وهو بمعنى الذَّنوب
(فأُهْرِيق عليه) : أصله : فأريق عليه ، ثم أبدلت الهاء من الهمزة فصار فَهُريق
عليه ، وهو رواية ، ثم زيدت همزة أخرى بعد إبدال الأولى ، فقيل : فأهريق
(متفق عليه) : عند الشيخين ؛ كما عرفت .
والحديث فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي؛ وهو إجماع؛ وعلى أن الأرض
إذا تنجست طهرت بالماء كسائر المتنجسات ، وهل يجزىء في طهارتها غير الماء؟
(١) أي: لا تقطعوا عليه بوله. ((نهاية)).
٥٥

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٠ - حديث أنس
قيل : تطهرها الشمس والريح ؛ فإن تأثيرهما في إزالة النجاسة ، أعظم إزالة من
الماء ، ولحديث : زكاةُ الأرض يُبْسُهَا . ذكره ابن أبي شيبة ، وأجيب بأنه ذكره
موقوفاً، وليس من كلامه {18 ، كما ذكر عبد الرزاق حديث أبي قلابة - موقوفاً
عليه - بلفظ : جُفوفُ الأرض طَهُورُها ؛ فلا تقوم بهما حجة .
والحديث ظاهر في أن صب الماء يُطهر الأرض رَخْوة كانت ، أو صلبة ،
وقيل : لا بد من غسل الصلبة كغيرها من المتنجسات؛ وأرض مسجده
كانت رخوة ، فكفى فيها الصب .
وكذلك الحديث ظاهر في أنه لا تتوقف الطهارة على نضوب الماء ؛ لأنه ،
لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئاً ، وهو الذي اختاره المهدي في
(البحر))، وفي أنه لا يشترط حفرها وإلقاء التراب، وقيل: إذا كانت صلبة ؛ فلا
بد من حفرها وإلقاء التراب ؛ لأن الماء لم يَعُمَّ أعلاها وأسفلها ، ولأنه ورد في
بعض طرق الحديث أنه قال :﴿: ((خذوا ما بال عليه من التُّراب وألقُوهُ
وأهْريقوا على مكانه ماء))، قال المصنف في ((التلخيص)): له إسنادان موصولان:
أحدهما عن ابن مسعود ، والآخر عن واثلة بن الأسقع، وفيهما مقال(١)، ولو
ثبتت هذه الزيادة، لبطل قول من قال: إن أرض مسجده ◌َّ يه رخوة ؛ فإنه يقول :
لا يُحفر ويلقى التراب إلا من الأرض الصلبة .
(١) وقال ابن أبي حاتم (٢٤/١) عن أبي زرعة - في حديث ابن مسعود -: ((ليس بقوي)).
وقد بينت عِلَّته في ((صحيح أبي داود)) (٣/رقم ٤٠٥)، وتكلمت فيه على الموصول الآخر،
ودعمتهما مرسلین صحیحین ؛ أحدهما عند أبي داود (٤٠٥).
ولذلك قواه الحافظ في ((التلخيص)).
٥٦

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١١ - حديث ابن عمر
وفي الحديث فوائد :
منها: احترام المساجد؛ فإنه ﴿ لما فرغ الأعرابي من بوله ، دعاه ، ثم قال
له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البَوْل، ولا القَذر؛ إنما هي
لذكْر الله - عزَّ وَجَلَّ - وقراءة القرآن))، ولأن الصحابة لما تبادروا إلى الإنكار؛
أقرَّهم ◌َّهِ، وإنما أمرهم بالرفق ؛ كما في رواية الجماعة للحديث - إلا مسلماً -
أنه قال : ((إنما بُعثْتُم میسرین ، ولم تُبْعَثوا مُعَسرین)» ، ولو کان الإنكار غير جائز؛
لقال لهم : إنه لم يأت الأعرابي ما يوجب نهيكم له .
ومنها : الرّفق بالجاهل وعدم التعنيف .
ومنها: حسن خلقه # ولطفه بالمتعلم .
ومنها : أن الإبعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن يريد الغائط لا البول ؛ فإنه
كان عُرْفُ العرب عدم ذلك، وأقره الشارع، وقد بال عَ ﴿ه، وجعل رجلاً عند
عقبه يستره .
ومنها : دفع أعظم المضرتين بأخفهما ؛ لأنه لو قطع عليه بوله ، لأضر به ،
وكان يحصل من تقويمه من محله - مع ما قد حصل من تنجيس المسجد -
تنجيس بدنه وثيابه ، ومواضع من المسجد غير الذي قد وقع فيه البول أولاً .
١١ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنه، قال: قال رسول الله وَرُ: ((أُحلّتْ لَنَا
مَيْتَتَان وَدَمَان؛ فأمّا الَمْتَتَان: فالجَرَادُ والْحُوتُ، وأمّا الدَّمَان: فالكَبدُ
والطحَالُ)) . أخرجه أحمد وابنُ ماجَهْ ، وفيه ضعف .
٥٧

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١١ - حديث ابن عمر
: ((أحلّتْ لَنا
(وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ﴿يـ
مَيْتَتَان) : أيْ : بعد تحريمهما الذي دلت عليه الآيات (ودمان): كذلك (فأمّا
المَيْتَتَان: فالجرادُ) : أيْ: ميتته (والحوتُ): أيْ: ميتته (وأما الدّمان: فالكبدُ
والطِّحالُ))) : بزنة كتاب (أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف) : لأنه رواه
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر . قال أحمد : حديثه
منكر، وصح أنه موقوف ؛ كما قال أبو زرعة وأبو حاتم ، وإذا ثبت أنه موقوف ؛ فله
حكم المرفوع ؛ لأن قول الصحابي : أُحلَّ لنا كذا، وحُرِّم علينا كذا ، مثل قوله :
أمرنا ونهينا، فيتم به الاحتجاج(١) ، ويدل على حِلِّ ميتة الجراد على أي حال
وجدت ؛ فلا يعتبر في الجراد شيء ؛ سواء مات حتف أنفه ، أو بسبب .
والحديث حجة على من اشترط موتها بسبب عادي ، أو بقطع رأسها ، وإلا
حرمت ، وكذلك يدل على حل ميتة الحوت على أي صفة وجد ؛ طافياً كان ، أو
غيره ؛ لهذا الحديث ، وحديث: ((الحلُّ مَيْتَتُهُ)) ، وقيل: لا يحل منه إلا ما كان
موته بسبب آدمي ، أو جزر الماء ، أو قذفه ، أو نضوبه ، ولا يحل الطافي؛ لحديث :
((ما ألقاه البحرُ، أو جزَرَ عَنْهُ؛ فكُلُوا، وما مات فيه فطَفًا؛ فلا تأكُلُوهُ)).
أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر ، وهو خاص ، فیخص به عموم
الحديثين ، وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث(٢) .
(١) هذا أخذه الشارح من ((التلخيص)) للحافظ (ص٩)؛ وهو عن البيهقي (٢٥٤/١).
ورواه من طريق أخرى عن ابن عمر أنه قال: أُحِلَّتْ ... وقال :
«هذا إسناد صحيح)) .
(٢) تكلم عليه في ((نصب الراية)) (٢٠٣/٤) وتبين منه أن مداره على أبي الزبير عن
=
٥٨

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المیاه
١٢ - حديث أبي هريرة
قال النووي : حديث جابر لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء ، كيف
وهو معارض؟! اهـ. فلا يخص به العام، ولأنه ** أكل من العنبرة التي قذفها
البحر لأصحاب السَّرية ، ولم يسأل بأيّ سبب كان موتها ، كما هو معروف في
كتب الحديث والسيرة .
والكبد حلال بالإجماع ، وكذلك مثلها الطحال؛ فإنه حلال ، إلا أنه في
((البحر))، قال: يكره ؛ لحديث علي رضي الله عنه: إنه لُقمة الشيطان ؛ أي : إنه
يُسرّ بأكله ، إلا أنه حديث لا يعرف من أخرجه .
١٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهُعَ ◌ّهِ: ((إذا وقَعَ
الذُّبَابُ في شرَابٍ أَحَدِكُمْ ، فَلْيَغْمِسْهُ، ثم لَيَنْزِعْهُ؛ فإن في أحَدٍ جَنَاحَيْهِ
دَاءَ، وفي الآخَرِ شِفَاءً)). أخرَجَهُ البخاريُّ وأبو داود، وزادَ: ((وإنّهُ يَتْقِي
بجّنَاحِهِ الذي فیهِ الدّاءُ» .
: ((إذا وقَعَ
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ح اليه
الذَّبَابُ في شراب أحدكم): وهو كما أسلفناه من أن الإضافة ملغاة؛ كما في
قوله : ((إذا ولغَ الكلبُ في إناء أحدكم))، وفي لفظٍ: ((في طعام أحدكُم»
= جابر؛ وقد عنعنه، ومع ذلك؛ فقد صحح الحفاظ وقفه على جابر! وقد جاء في ((صحيح
مسلم)) عنه في حديثه الطويل: أنهم أكلوا من الدابة التي ألقاها البحر ، وكانوا معه
فیبْعُد أن يقول جابر بخلافه !
واعلم أن هذه واقعة أخرى غير ما في ((الصحيحين)) عنه أيضاً، قال: بحثنا رسول الله
،
وأمَّر علينا أبا عبيدة ... وفيه: فلما قدمنا المدينة؛ أتينا رسول الله عَ لٍ فذكرنا ذلك له؟ فقال:
(هو رزق أخرجه الله لكم ... ))، فأرسلنا إلى رسول الله عَ ل ؛ فأكل منه.
٥٩

١ - كتاب الطهارة
١ - باب المياه
١٢ - حديث أبي هريرة
(فَلْيَغْمِسْهُ): زاد في رواية البخاري: ((كلَّهُ))؛ تأكيداً، وفي لفظ أبي داود :
«فامْقُلوه))، وفي لفظ ابن السّكن: ((فليمقله)) (ثمَّ لينْزِعْهُ): فيه : أنه يمهل في نزعه
بعد غمسه (فإنَّ في أحد جناحَيْهِ داءٌ ، وفي الآخر شفاءً))): هذا تعليل للأمر
بغمسه ، ولفظ البخاري: «ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر
داء))، وفي لفظ: ((سُمّاً)) (أخرجه البخاري وأبو داود، وزاد: ((وإنّهُ يَتّقِي بجناحِهِ
الذي فيه الداء)))، وعند أحمد وابن ماجه : أنه يقدم السّم ويؤخر الشفاء .
والحديث دليل ظاهر على جواز قتله؛ دفعاً لضرره ، وأنه يطرح ، ولا يؤكل ،
وأن الذباب إذا مات في مائع فإنه لا ينجسه؛ لأنه ◌َ ◌ّ أمر بغمسه ، ومعلوم أنه
يموت من ذلك ، ولاسيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه ؛ لكان أمراً.
بإفساد الطعام، وهو ◌َّ﴿ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدَّى هذا الحكم إلى كل ما لا
نفس له سائلة ، كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك ؛ إذ الحكم يعم بعموم
علّته ، وينتفي بانتفاء سببه ؛ فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في
الحيوان بموته ، وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل ، انتفى الحكم بالتنجيس ؛
لانتفاء علته ، والأمر بغمسه ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء منه .
وقد علم أن في الذباب قوة سمية ، كما يدل عليها الوَرَم والحكّة الحاصلة
من لسعه ، وهي بمنزلة السلاح ؛ فإذا وقع فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه ، كما قال
* : ((فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء))، أمر وهي أن تقابل تلك السمية
بما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من الشفاء في جناحه الآخر ؛ بغمسه كله ،
فتقابل المادة السمية المادة النافعة ، فيزول ضررها .
٦٠