Indexed OCR Text
Pages 1-20
بَيَانِ الوَهْمُ والإِيهَامِ الواقِعَيْنْ في كتافْلِ لَّحْ كَافٍ لِلِحَافِظِ ابْنُ القَطَّانِ الفَاسِيْ أبو الحسن علي بنْْ محمّد بن عَبْد الملك (ت ٦٢٨هـ) دراسة وتحقيق د. الحسين أيت سَعيد المَجَلّد الرابع ١٤٣٣ - ٢٢٤٣ صر دارطيبة للنشروالتوزيع بَيَانِ الرَّحْمُ وَالإِنَامِ الوَاقِعَيْنَ فيُ 7 حے حُقُوقُ الطَع مَحفوظَة الطَّعَّة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧م ٠٠ دارطيبة للنشروالتوزيع الملكة العَربيّة السّعوديّة - الهيَاض - السَّوَيدِيْ - ش السويدي العامْ - غرب النفَق ص.ب: ٧٦١٢ - رمز بريدي: ١١٤٧٢ - ت: ٤٢٥٣٧٣٧ - فاكس: ٤٢٥٨٢٧٧ بسم الله الرحمن الرحيم . ( (٧) باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة اعلم أن مؤاخذته في هذا الباب إنما هي على مصطلحه الذي أقَرَّ به (١) في أول كتابه حيث يقول: إن الحديث إذا لم تكن فيه علةٌ، كان سكوته عنه دليلاً على صحته، وإنه إنما يعلِّل الحديث إذا كان فيه أمر، أو نهي، أو يتعلق به حكم، وأما ما سوى ذلك فربما كان في بعضها سمح (٢). قال: ولیس منها شيء عن متفق علی ترکه. قال: وليس فيها من هذا النوع إلا قليل. فأقول ـ وبالله التوفيق -: إن الأحاديث التي سكت عنها: منها ما ذكرها بأسانيدها، أو بقطَع(٣) من أسانيدها، وهذا سنفرده بالذكر في باب بعد هذا إن شاء الله تعالى. ومنها ما ذكرها مقتصراً من أسانيدها على الصحابي الذي يروي الحديث، فهذا القسم هو الذي يُعتَمد في هذا الباب بيانُ ما سكت عنه مما ليس صحيحاً إن شاء الله تعالى. وذلك أن ما سكت عنه من الأحاديث المذكورة هكذا بغير أسانيد ولا قطَع منها. منها ما هو صحيح لاشك في صحته، وهو الأكثر. ومنها ما ليس بصحيح؛ بل إما حسن، وإما ضعيف، سكتَ عن جميعها سكوتاً واحداً، وهكذا الأمر فيما هو منها؛ مما لا يحكم فيه لفعل مكلف، مما هو من قبيل الترغيب، والإخبار عن ثواب الأعمال، ويزداد في هذا النوع أمر آخر، وهو أنه قد يعتقد في أحاديث أنها لا تعلُّقَ لها (١) في، ت، ((أكربه)) والأقرب ما ذكرنا، أو تكون الكلمة «ذکر به)). (٢) أي مسامحة وتساهل. (٣) جمع قطعة: أي بأطراف من أسانيدها. ١١ [١٢] بالأمر والنهي، وهي في نظر غيره ليست كذلك، وقد كان كافياً في الرغبة عن عمله، أن يكون هذا القسم لا يحصل منه في خاطر من يقرؤه في كتابه شيء(١) يعتقد صحته، بل كل ما يراه منه يظن به أنه مما سمح فيه، وربما یکون صحیحاً لاشك فيه، أو یظن به أنه صحیح، وهو مما سمح فيه، أو مما اعتقد صحته، مخطئاً في ذلك، كما اتفق له في أحاديث الأحكام. فإنك سترى له في هذا الباب من أحاديث الأحكام / أحاديث ليست بصحيحة، قد سكت عنها، وهي إما حسنة، وإما ضعيفة. وهذا الذي عمل به في هذا النوع، هو مما يجب التوقف عنه(٢)، فإن القذف بالأحاديث الضعيفة دون أسانيدها لا يجوز عملُه، وإنما تسامح الناس فيما هو حثٌ وتحريضٌ أن يكتبوه بأسانيده ويبينوا علَله. ودون هذا أن يُكتَب بأسانيده، ثم لا تُبَيَّن عللُه، اتكالاً على ما أظهر من مواضع علله بذکر أسانیده، أو مواضع النظر منها. ودون هذا أن یکتب دون أسانیده، فهذا یتقدر على وجهین : أحدهما: أن يكتب أحاديث في الترغيب، يبين في أولها أنه تسامح فيها، لأنه حث وترغيب. والثاني: أن يكتبها كذلك مختلطة بما هو - من هذا النوع - صحيح لاشك فيه أو حسن، ثم لا يميز بين الأصناف الثلاثة، فهذا أصعبها وأقبحها، وهو عمَل أبي محمد، فإنك لا تدري مما في كتابه من هذا النوع، ما هو صحيح، مما هو ضعيف، مما هو حسن. (١) في، ت، بشيء، وهو خطأ. (٢) أي الامتناع عنه. ١٢ ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلةٌ بين منزلتَي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسناً هكذا، إما بأن يكون أحد رواته مختلفاً فيه؛ وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحاً مفسَّراً، فإنه إن كان مفسَّراً، قُدِّم على توثيق من وثقه، فصار به الحديثُ ضعيفاً. وإما بأن يكون أحد رواته؛ إما مستوراً وإما مجهول الحال. ولنبين هذين القسمين، فأما المستورُ فهو من لم تثبت عدالته لدينا ممن روی عنه اثنان فأكثر، فإن هذا یختلف في قبول روایته من لا یری رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلاً له. فطائفة منهم يقبلون روايته، وهؤلاء هم الذين لا يبتغون على الإسلام مزيداً في حق الشاهد والراوي، بل يقنَعون بمجرد الإسلام، مع السلامة عن فسق ظاهر، ويتحققون إسلامه برواية عدلين عنه، إذ لم يُعَهد أحد ممن يتدين یروي الدین إلا عن مسلم. وطائفة يردون روايته، وهؤلاء هم الذين يبتغون وراء الإسلام مزيداً، وهو عدالة الشاهد أو الراوي، وهذا كله بناء على أن رواية / / الراوي عن الراوي لیست تعدیلاً له، فأما من رآها تعديلاً له فإنه يكون بقبول روايته أحری وأولی، ما لم يثبت جرحه. [٢ب) [٥٨ب] والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يُذكَر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه، مهمَلاً من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم. ١٣ (١٤٣٣) وسيأتي منه في هذا الباب حديث: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) . (١٤٣٣) منكر: أخرجه ابن عدي في ترجمة موسى بن هلال (٦/ ٢٣٥٠)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٧٠)، والدار قطني (٢٧٨/٢)، وابن خزيمة - كما في التلخيص (٢٦٧/٢)، والدولابي في الكنى (٢/ ٦٤). وابن في تاريخ المدينة، والخلعي في فوائده، والبزار. كلهم من طرق، عن موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً. قال العقیلي: ولا یصح حديثه ولا يتابع عليه. وقال ابن خزيمة: إن ثبت الخبر فإن في القلب منه ... وأنا أبرأ من عهدة هذا الخبر، لأن عبيد الله بن عمر أجل وأحفظ من أن يروي مثل هذا المنكر ... )) وقال ابن عدي: ولموسى غیر هذا، وأرجو أنه لابأس به. وقال الذهبي في الميزان (٢٢٦/٤) عن موسى هذا: هو صالح الحديث ... وأنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر، فذكر له هذا الحديث، ونسب حديثه لابن خزيمة في مختصر المختصر. هذا وقد اختلف في راويه عن نافع؛ هل هو عبد الله العمري المكبر، أو أخوه المصغر، فعند الدارقطني، والعقيلي، عبيد الله المصغر، وعند غيرهما عبد الله المكبر. قال ابن عدي: وعبد الله أصح. ورجح ابن خزيمة أنه عبد الله المكبر، وبه جزم البيهقي والضياء في الأحكام. والصواب أنه المكبر الضعيف، فقد جاء عند الدولابي في الكنى: عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن، أخو عبيد الله . وهذا رافع لكل احتمال في أنه المصغر أو المكبر، إذ المكبر هو الذي يكنى أبا عبد الرحمن، وأما المصغر الثقة فيكنى أبا عثمان. وعليه ففيه علتان؛ موسى بن هلال المذكور، والعمري هذا، وكلاهما شديد الضعف، على أنه يمكن أن يكون هذا من تخليط موسى بن هلال؛ فتارة يصغره وتارة يكبره، وهذا مما يزيد في توهين هذا الحديث، إذ لم يضبط اسم شيخه من هو . وكيفيما كان، فإنه لم ينفرد به؛ فقد أخرجه البزار من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر . وعبد الرحمن هذا أشد ضعفاً من عبد الله المذكور. وقد اتفقوا على ضعفه كما في التهذيب (٦/ ١٦١)، وقبله في الإسناد عبد الله بن إبراهيم = ١٤ الغفاري راويه عنه، قال الحافظ في التلخيص: ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في المجمع (٢/٤). = وقال النووي في المجموع: رواه البزار والدارقطني بإسنادين ضعيفين (٢٧٢/٨). وأخرجه ابن عدي في ترجمة النعمان بن شبل (٧/ ٢٤٨٠)، وابن حبان في المجروحين (٧٣/٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢١٧/٢). كلهم من طريق محمد بن محمد بن النعمان بن شبل، حدثني جدي، حدثني مالك، عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((من حج ولم يزرني فقد جفاني)). قال ابن عدي: ولا أعلم رواه عن مالك غيرُه، ولم أر في أحاديثه حديثاً قد جاوز الحد فأذكره. وقال ابن حبان عن النعمان: يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات. وقال الحافظ : والنعمان ضعيف جداً. وقال الدار قطني: الطعن في هذا الحديث على ابنه لا على النعمان. وحكم بوضعه ابن الجوزي، والذهبي، والصغاني، والزركشي كما في الفوائد (١١٨). ومحمد بن محمد بن النعمان هذا، قال الذهبي في الميزان (٢٦/٤): قد طعن فيه الدار قطني واتهمه. وقال في ترجمة النعمان: قال موسى بن هارون: كان متهماً، وقال ابن حبان: يأتي بالطامات (٤/ ٢٦٥). ثم ساق له الذهبي هذا الحديث في منكراته وقال: هذا موضوع. وأخرجه ابن عدي (٧٩٠/٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٥/٥)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٢٣) وفي الكبير (٤٠٦/١٢)، والدارقطني (٢٤٦/٢)، والبيهقي (٢٤٦/٥) من طريق حفص بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي». وحفص هذا هو المقرئ المشهور، حجة في القراءات، ساقط في الحديث حتى اتهم بالكذب، وشيخه ليث بن أبي سليم ضعيف لاختلاطه أخيراً، فلم يتميز حديثُه فترك، وقال الطبراني: لم یروہ عن لیٹ الأحفص. وقال البيهقي: تفرد به حفص، وهو ضعيف. قلت: لم ينفرد به بل توبع، فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٤٠٦/١٢)، وفي الأوسط (١/ ٢٠١)، من طريق عائشة بنت يونس - زوجة ليث بن أبي سليم - عن الليث به. قال الهيثمي: وعائشة بنت یونس لم أجد من ترجمها. وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي: ليس هذا الإسناد بشيء يعتمد عليه، ولا هو مما يرجع إليه، بل هو إسناد مظلم، ضعيف جداً، لأنه مشتمل على ضعيف - هو ليث بن أبي سليم- لا يجوز الاحتجاج به، ومجهول لم يعرف من حاله ما يوجب قبولَ خبره. وابن رشدين شيخ الطبراني متكلم فيه، وعلي بن الحسن الأنصاري ليس هو ممن يحتج بحديثه، والليث ابن بنت الليث وجدته عائشة مجهولان، لم يشتهر من حالهما عند أهل = ١٥ فإن أبا حاتم قال في رواية موسى بن هلال البصري: إنه مجهول، وذلك بعد أن ذکر رواية جماعة عنه(١). (١) الجرح: (١٦٦/٨). العلم ما يوجب قبول روايتهما، ولا يعرف لهما ذكر في غير هذا الحديث اهـ. = قلت: هذه مخارج حديث ابن عمر، وأنت ترى بأن كل مخرج منها شديد الضعف لا يمكن جبر بعضها بعضًا، للضعف الشديد فيها، وفي بعض مخارجها من اتهم بالوضع، ومن نظر بعين الإنصاف وشم رائحة هذا العلم، يعلم أن هذا الحديث بعيد من اعتبار طرقه بعضها ببعض. قال الحافظ في التلخيص: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، لكن صححه من حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إياه في أثناء السنن الصحاح، وعبدُ الحق في الأحكام في سكوته عنه، والشيخُ تقي الدين من المتأخرين باعتبار مجموع طرقه. قلت: أما سكوت عبد الحق في أحكامه (٢/ ٣٤١) فليس بحجة، وخاصة أنه تعقبه ابن القطان في أحاديث تجل عن الحصر، سكت عنها وهي ضعيفة، ومنها هذا الحديث، وأما ابن السكن، فهو أيضاً لم يسبر غور هذا الحديث وطرقه حتى يكون إيراده حجة، وأما السبكي فقد تعقبه ابن عبد الهادي بما يكفي ويشفي في تصحيحه هذا الحديث، إضافة إلى أنه ليس من أحلاس هذا الفن حتى يعتمد قوله. هذا وللحدیث شواهد عن عمر، وأنس، وابن عباس. وكلها شديدة الضعف لا يعرج على شيء منها. هذا من حیث السند، وأما من حیث المعنی أیضاً فالحدیث باطل، لأنه يستوجب أن کل من زاره ◌ّ حقت له شفاعته، ومعلوم أن قبره #& يأتيه المشركون والكفار، ومن لا دين له، والملاحدة، وذلك مشاهد، فهل هؤلاء يستوجبون شفاعته بمجرد زيارته؟ وأيضاً شفاعته معلقة على من سلك نهجه، واتبع طريقته ومات عليها، وهذا متواتر من نصوص الشرع، فلا يحتاج إلى تطويل. وما من لفظ من هذه الألفاظ المسوقة في الزيارة، إلا وهو منكر المتن والإسناد معاً، ولا ينسجم مع أصول الشريعة ولا مع فروعها، ومن أراد التوسع في هذا فليراجع كتاب ابن عبد الهادي، فهو فرید في هذا الباب. وهذا الحديث سيأتي مكرراً في الحديث (١٨٩٦)، وسيحكم عليه المؤلف بالضعف هناك. ١٦ (١٤٣٤) وكذلك عبد الله بن أبي سفيان، راوي حديث: ((حَمَى حول المدينة بريداً من كل ناحية)). قال أبو حاتم: لا أعرفه، بعد أن ذكر رواية زيد بن الحباب وأبي عامر العقدي عنه(١) .. (١٤٣٥) وكذلك زياد بن جارية الذي يروي عن حبيب بن مسلمة حديث ((التنفيل)). (١) الجرح (٥/ ٦٧)، ولم يذكر رواية زيد بن الحباب، وأبي عامر العقدي عنه، وإنما ذكر رواية رمح عنه. (١٤٣٤) ضعيف: أخرجه أبو داود في المناسك (٢١٧/٢). وفي سنده علتان: أولاهما: عبد الله بن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، حجازي، روى عنه جمع، وروى عن جمع، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا أعرفه، ونقل الحافظ في التهذيب أن ابن القطان قال عنه: لا يعرف حاله، والذي في الوهم لا يعرف من هو. وثانيتهما: سليمان بن كنانة الأموي، لم يوثقه أحد، وقال أبو حاتم: لا أعرفه إنما نقل فيه مقالة أبي حاتم وأقره. لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه داود بن الحصین، عن عدي بن زيد، وله شاهد عن جابر، أخرجه البزار كما في المجمع (٣/ ٣٠٢). وفيه الفضل بن مبشر، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. (١٤٣٥) صحيح: أخرجه أبو داود في الجهاد (٧٩/٣)، وابن ماجه (٢/ ٩٥١)، وابن أبي شيبة (١٤ / ٤٥٧)، وسعيد بن منصور (٢٦٢/٢)، وأحمد (١٥٩/٤، ١٦٠)، وعبد الرزاق (١٨٩/٥)، والحاكم (١٣٣/٢)، والبيهقي (٣١٤/٦). کلهم من طريق سفيان الثوري، عن یزید بن يزيد بن جابر الشامي، عن مكحول، عن زيدبن جارية التميمي، عن حبيب بن مسلمة الفهري، أن النبي ﴾ ((ينفل الثلث بعد الخمس)). وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، إلا زيد بن جارية - أو زياد-فقد اختلف فيه؛ وثقه النسائي، وابن حبان، وقال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن أبي عاصم، وأبو نعيم في الصحابة، فمثله على أقل أحواله يحسن حديثه، ولاسيما أنه من الطبقة المتقدمة جداً، فإذا شك في صحبته فلن يشك في أنه من كبار التابعين الذين تتلمذوا للصحابة. على أنه لم ينفرد به، فقد جاء من غير هذا الوجه عن سفيان بسند آخر أخرجه الترمذي في السير (١٣٠/٤)، وابن ماجه (٩٥١/٢)، وعبد الرزاق (١٩٠/٥)، وابن أبي شيبة (١٤ / ٤٥٧). = ١٧ قال فيه: مجهول، وهو قد ذكر رواية جماعة عنه(١) . وكذلك أبو مرحوم: عبد الرحيم بن كردم (٢) بن أرطبان(٣) ، ابن عم ابن عون، ذكره أبو حاتم برواية جماعة عنه، منهم أبو عامر العقدي، وأبو أسامة، ومعلى بن أسد، وإبراهيم بن الحجاج السامي، ثم قال فيه: مجهول(٤) . وكذلك أبو يسار القرشي، ذكر أنه روى عنه الليث، والأوزاعي، وقال- مع ذلك- إنه مجهول(٥) . وعلى هذا نظرتُ مع أبي محمد الأحاديث التي أذكرها في هذا الباب، فإنه هو قد صحح كثيراً من الحديث بسكوته عنه، وهو من هذا القبيل، وتوقف أيضاً عن تصحيح أحاديث منها، عملاً بالصواب الذي ينبغي أن يقال به فيهم. فمما عمل فيه بالصواب من أحاديث هذا الصنف، حديث : (١٤٣٦) ((صلوا في نعالكم خالفوا اليهود)). (١) الجرح (٥٢٧/٣). (٢) بفتح فسكون ففتح. (٣) بفتح فسكون ففتح. (٤) الجرح (٣٣٩/٥)، والميزان (٦٠٦/٢). (٥) المصدر نفسه (٩/ ٤٦٠). كلهم من طريق سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث الزرقي، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام الأعرج، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﴾ ((نفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث)). (١٤٣٦) صحيح، أخرجه أبو داود في الصلاة (١٧٦/١)، والحاكم (٢٦٠/١)، والطبراني في الكبير (٣٤٨/٧). كلهم من طريق معاوية، عن هلال بن ميمون، عن يعلى بن شداد، عن أبيه مرفوعاً. وصححه الحاكم وأقره الذهبي. ويعلى بن شداد هذا، وثقه ابن سعد، وابن حبان، كما في التهذيب (١١/ ٣٥٣)، وذلك كاف في رد قول أبي محمد فيه: لم أر فيه تعديلاً ولا تجريحاً، وإقرار ابن القطان له، فهو ليس من قسم المساتير كما توهماه معاً. الحديث صحيح بشواهده عن أنس، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة. ١٨ وذلك أنه أتبعه أن قال: فيه يعلى بن شداد، لم أرد فيه تعديلاً ولا تجريحاً (١). (١٤٣٧) وحديث: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم)). أتبعه أن قال: فيه أبو سكينة: زياد بن مالك، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح، وقد روى عنه أبو بكر بن أبي مريم، وجعفر بن برقان(٢). (١٤٣٨) وحديث جابر في الضحايا الذي فيه: ((اللهم منك ولك، عن محمد وأمته)). أتبعه أن قال: فيه أبو عياش، روى عنه خالد بن أبي عمران، ويزيد بن أبي حبيب، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح(٣) . وأحاديثُ كثيرة من هذا الصنف، لم يصححها بالسكوت عنها / / بل إما حسنها هو، أو حسنها اتباعاً للترمذي في ذلك، قد كتبنا منها كثيراً في الباب الذي قبل هذا. [ir] [١٥٩] وكل هذا الذي عمل به من التوقف عن تصحيح أحاديث هذا الصنف صواب. فأما ما يقع له مما أثبته في هذا الباب، من سكوته عن الأحاديث - وهي من رواية هذا الصنف - فخطأ. (١) الأحكام الوسطى (١/ ٣١٥). (٢) الأحكام الوسطى (٢/ ٣٤٨). (٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢). (١٤٣٧) تقدم في الحديث: ١٨٤، ٦٠٥. (١٤٣٨) ضعيف: أخرجه أبو داود في الضحايا (٩٥/٣)، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٣). كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عياش الزرقي، عن جابر . وفیه علتان: الأولى: عنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس. والثانية: أبو عیاش المعافري المصري، روى عنه جماعة، ولم يوثقه أحد، فھو مستور، ووقع عند ابن ماجه، أبو عياش الزرقي، وهو خطأ، وإنما هو معافري مصري، كما في التهذيب (٢١٣/١٢)، وهكذا وقع في ضعيف أبي داود الذي خرجه الشيخ ناصر. حفظه الله - ولا أدري، هل نسيه، أو تشاغل بغيره فلم ينبه عليه. ١٩ فهذا قسم المساتير؛ فأما قسم مجهولي الأحوال، فإنهم قوم إنما روى عن كل واحد واحد منهم واحد، لا يعلم روى عنه غيره، فهؤلاء إنما يَقبل رواية أحدهم من یری رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلاً له، کالعمل بروايته، فأما من لا یری رواية الراوي عن الراوي تعدیلاً له، فإنهم لا يقبلون رواية هذا الصنف إلا أن تُعلم عدالة أحدهم، فإنه إذا علمت عدالته، لم يضره أن لا يروي عنه إلا واحد، فأما إذا لم تعلم عدالته، وهو لم يرو عنه إلا واحد، فإنه لا يقبل روايته لا من يبتغي على الإسلام مزيداً، ولا من لا يبتغيه. وقد عمل أبو محمد في هذا بالصواب: من ردروايتهم وقبول رواية من عُلمت عدالته منهم، وأخطأه ذلك في قوم منهم، صحح أيضاً أحاديثهم بالسكوت عنها، تبين ذلك في هذا الباب إن شاء الله تعالى. فإن قيل: ولعله فيمن سكت عن حديثه من هؤلاء الذين ترى أنت أنه لم يرو عنه إلا واحد، قد رأى هو فيهم ما لم تر، وعلم ما لم تعلم، وكذلك أيضاً في أحاديث المساتير الذين قد روى عن كل واحد منهم أكثر من واحد، إلا أن عدالة أحدهم لم تثبت، لعله قد علم في تعديلهم ما لم تعلم. فالجواب أن أقول: فأعنِّي على تعرف صوابه أو خطئه ببحث يرقى بك عن حضيض تقليده، وإذا فعلت ذلك فقد حصل المقصود، ولعلك إذا فعلت ذلك عرفت صحة قولي، فإن آحاد من اعتراه ذلك فيهم، استوى أهل هذا الشأن في العلم بأحوالهم، وسترى ذلك فيما نذكره منه إن شاء الله تعالى. وينبغي الآن أن نعرض عليك مثلاً یتبین بها من مذهبه ما أخبرتك به من قبول أحاديث من ثبتت عدالته من هذا الصنف، ورَدِّ أحاديث من لم تثبت عدالته منهم. ٢٠