Indexed OCR Text

Pages 81-100

27
21
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
٨١
ومنه عن الدراوردى قال: رأيت مالكا وأبا حنيفة فى مسجد رسول الله عز له
يتذاكران ويتدارسان، حتى إذا رمى أحدهما على الذى قال به أمسك أحدهما صاحبه
من غير تعسف ولا تخطية لواحد منهما، حتى صليا الغداة فى مجلسهما ذلك اهـ
(ص-٣٥). وروى الخطيب عن محمد بن أحمد بن يعقوب قال: حدثنا جدی قال: أملى
علىّ بعض أصحابنا أبياتا مدح بها عبد الله بن المبارك أبا حنيفة:
يزيد نبالةٌ ويزيد خيرا
رأيت أبا حنيفة كل يوم
إذا ما قال أهل الجوز زورا
وينطق بالصواب ويصطفيه
فمن ذا يجعلون له نظيرا
يقایس من یقاسیه (١) بلب
مصيبتنا به أمرا كبيرا
كفانا فقه حماد وكانت
وأبدى بعده علما كبيرا
فرد شماتة الأعداء عنا
ويطلب علمه بحرا غزيرا
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى
رجال العلم كان بها بصيرا
إذا ما المشكلات تدافعتها
من تبييض الصحيفة للسيوطى (ص-٢٢).
وقال العلامة الشعرانى قطب زمانه فى ميزانه: إن الله تعالى لما من على
بالاطلاع على عين الشريعة رأيت المذاهب كلها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة
الأربعة تجرى جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التى اندرست قد استجالت حجارة،
ورأيت أطول الأئمة جدولا الإمام أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعى،
ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم جدولا مذهب الإمام داود، وقد النقرض فى القرن
الخامس، فأولت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبى
حنيفة أول المذاهب المدونة تدوينا فكذلك يكون آخرها انقراضا، وبذلك قال أهل
الکشف اهـ (ص-٢٤).
(١) لعل الصحيح ((يقايسه)) (المؤلف).

٨٢
مقدمة إعلاء السنن
وليكن هذا مسك الختام فى مناقب(١) هذا الإمام الذى عم فضله سائر الأنام،
وأشرقت شمس علومه على كافة بلاد الإسلام. والحمد لله العظيم أولا وآخرا، وباطنًا
وظاهرا، والصلاة والسلام على أفضل رسله دائما متواترا، سيدنا محمد الذى طاب حيا
وميتا وعاش طيبا وطاهرا، وعلى آله وأصحابه مادام البدر طالعا والفلك دائرا، ثم الحمد لله
الذى بعزته وجلاله تتم الصالحات.
الفصل التاسع
في تراجم بعض الأجلة المحدثين من أصحاب الإمام
فأولهم وأجلهم قاضى القضاة فقيه العراقين حافظ الحديث أبو يوسف يعقوب بن
إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبة الأنصارى. قال ابن عبد البر: ((لا يختلفون
فى ذلك)). وقال ابن الكلبى: ((سعد بن حبة هو سعد بن عوف، وحبة أمه، جاءت به إلى
رسول الله ◌َّ فدعا له وبرك عليه ومسح على رأسه)) اهـ من "الجواهر المضيئة"
(٢-٢٢٠). وهو أول من دعى بقاضى القضاة فى الإسلام، وأول من وضع الكتب فى
أصول الفقه وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبى حنيفة فى أقطار الأرض. كذا فى
تاج(٢) التراجم، كما نقله عنه فى "حاشية الجواهر" (٢-٢٢١). وذكره فى الأنساب
(١) قلت: وقد طعن عليه بعض الجهال بعدم إخراج أصحاب الصحاح عنه، وهذا ليس من القدح فى شئ. أما أولا
فلأن الترمذى روى عنه فى العلل، وأخرج النسائى فى رواية أبى على الأسيوطى والمغاربة وابن الأحمر حديثه عن
عاصم بن أبى ذر عن ابن عباس قال: ((ليس على من أتى بهيمةً حد)) اهـ من "تهذيب التهذيب" (١٠- ٤٥١).
وأما ثانيا فإن أصحاب الصحاح لم يستوعبوا الأحاديث الصحيحة بأسرها، ولم يلتزموا الرواية عن جميع
الثقات، فهذا الإمام البخارى لم يخرج فى صحيحه عن الإمام الشافعى حديثا مسندا وإنما علق عنه شيئا. فهل
انحط بذلك درجة الإمام الشافعى عن الثقة والإتقان؟ ولم يرو مسلم عن البخارى فى صحيحه شيئا، وكذا لم
يخرج عن الإمام محمد بن اليحيى الذهلى، وهما إماما هذا الشأن وأمير المؤمنين فى الحديث، ولم يخرج
البخارى عن الإمام جعفر بن محمد بن على بن الحسين وهو سلالة أهل البيت إمام جليل. ولو أردنا سرد أسماء
الثقات الذين لم يرو عنهم البخارى ومسلم لصار مجلدا ضخما. وقد أخرج له عبد الرزاق فى مصنفه وابن أبى
شيبة، وابن حبان، واستشهد به الحاكم، كما ذكرناه فى إعلاء السنن، والله تعالى أعلم (المؤلف).
(٢) للحافظ ابن قطلوبغا الحنفى (المؤلف).

٨٣
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
السمعانى أيضًا (ص-٤٣٩). قال أبو عمر (١): ((لا أعلم قاضيا كان إليه تولية القضاء فى
الآفاق من الشرق إلى الغرب إلا أبا يوسف هذا فى زمانه وأحمد بن أبى داود فى زمانه)).
قال أحمد، وابن معين، وابن المدينى: ((ثقة)) أهـ من الجواهر (٢-٢٢١).
وذكره الذهبى فى "تذكرة الحفاظ"، ووصفه بالإمام العلامة فقيه العراقين سمع
هشام بن عروة، وأبا إسحاق الشيبانى، وعطاء بن السائب، وطبقتهم، وعنه محمد بن
الحسن الفقيه، وأحمد بن حنبل(٢) وبشر بن الوليد(٣) ويحيى بن معين(٤) وعلى بن
الجعد(٥) وعلى بن مسلم الطوسى، وعمرو بن أبى عمرو، وخلق سواهم. قال المزنى: ((أبو
يوسف أتبع القوم للحديث)). وقال يحيى بن يحيى التميمى: سمعت أبا يوسف يقول
عند وفاته: ((كل ما أفتيت به فقد رجعت (٦) عنه (٧) إلا ما وافق الكتاب والسنة)) وفى
لفظ: إلا ما فى القرآن واجتمع عليه المسلمون. وقال على بن الجعد: سمعت أبا يوسف
يقول: ((من قال إيمانى كإيمان(٨) جبرائيل فهو صاحب بدعة)). وقال بشر بن الوليد عنه:
((من طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر، ومن طلب الدين
بالكلام تزندق».
وروى عباس عن ابن معين قال ((أبو يوسف صاحب حديث وصاحب سنة)). وقال
أحمد: ((كان منصفا فى الحديث)). وروى أبو إسحاق إبراهيم بن أبى داود البرلسى عن
(١) ابن عبد البر (المؤلف).
(٢) الإمام المجتهد (المؤلف).
.(٣) القاضى الثقة (المؤلف).
(٤) إمام أهل الجرح( المؤلف).
(٥) شيخ البخارى (المؤلف).
(٦) فيه أبلغ رد على من زعم أن الحنفية يعملون بالقياس ويتركون الأثر. فهذا إمامهم يقول: ((قد رجعت عن كل ما.
أفتيت به إلى ما وافق الكتاب والسنة)، ولا شك أن مذهب الحنفية إنما هو مجموع أقوال أبى حنيفة وصاحبيه:
وكثيرا ما يأخذون بقول أبى يوسف، ولا يلزم منه مخالفة أبى حنيفة للأثر حاشاه منه، بل ربما نأخذ بقول أبى
يوسف ومحمد لكونه موافقا لظاهر الأثر وقول الإمام يوافقه من حيث يخفى علينا وجهه لدقته، فافهم (المؤلف).
. (٧) إخبار عما مضى، فتراجع عن أقوال كثيرة ووافق ظاهر السنة كثيرا (المؤلف).
(٨) فيه دليل على بطلان نسبة هذا القول إلى أبى حنيفة، لأنه لم يكن مبتدعا عند أبى يوسف (المؤلف)

٨٤
مقدمة إعلاء السنن
ابن معين قال: ((ليس فى أصحاب الرأى أكثر حديثا ولا أثبت من أبى يوسف)». وقال
ابن سماعة: ((كان أبو يوسف يصلى بعد ما ولى القضاء فى كل يوم مائتى ركعة)) اهـ من
التذكرة (١-٢٦٩ و٢٧٠). وقال عمرو الناقد: ((كان صاحب سنة)). وقال أبو حاتم:
((يكتب حديثه)) وقال محمود بن غيلان: قلت ليزيد بن هارون(١): ما تقول فى أبى
يوسف؟ فقال: أنا أروى عنه، وقال ابن عدى: ((ليس فى أصحاب الرأى أكثر حديثا منه
إلا أنه يروى عن الضعفاء(٢) مثل الحسن بن عمارة وغيره، وكثيرا ما يخالف أصحابه
ويتبع الأثر، وإذا روى عنه ثقة، وروی هو عن ثقة فلا بأس به)) اهـ. وذكره ابن حبان فى
"الثقات"، وقال: ((كان شيخا متقنا)). ونقل عن محمد بن الصباح ((كان أبو يوسف
رجلا صالحاً، وكان يسرد الصوم)) كذا فى "لسان الميزان" (٦-٣٠١). وذكره النسائى فى
كتاب الطبقات له فى ثقات أصحاب أبى حنيفة، فقال: ((أبو يوسف القاضى ثقة)) اهـ
(ص-٣٥). وقال السمعانى فى "الأنساب": ولم يختلف يحيى بن معين، وأحمد بن
حنبل، وعلى بن المدينى فى ثقته فى النقل، ولم يتقدمه أحد فى زمانه، وكان النهاية فى
العلم والحكم، والرياسة والقدر.
قال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف فى زمن أبى حنيفة مرضا خيف عليه،
فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه وقال: ((إن يمت
هذا الفتى فإنه أعلم من عليها)) وأومأ إلى الأرض. قال أبو يوسف: سألنى الأعمش عن
مسائل فأجبته فيها، فقال: من أين قلت هذا؟ قلت: لحديثك الذى حدثناه أنت، ثم
ذكرت له الحديث، فقال لى: يا يعقوب! إنى لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك،
فما عرفت تأويله حتى الآن اهـ (ص-٤٣٩)، قد وثقه البيهقى أيضًا، كما فى "الجوهر
النقى" (١-١٠٢). وفى التعليق الممجد نقلا عن الأنساب للسمعانى: روى عن أحمد بن
(١) حافظ إمام حجة (المؤلف).
(٢) قلت: وهذا ليس بشئ، فإن سفيان الثورى أيضاً يروى عن الضعفاء، وأخرج البخارى ومسلم عن كثيرين ممن لم
يسلم عن غوائل الجرح، وروى الإمام الشافعى عن إبراهيم بن محمد الأسلمى كثيرا وهو مكشوف الحال. فإن
قيل: إن هؤلاء كانوا ثقات عندهم، فكذلك الحسن بن عمارة وغيره كانوا ثقات عند أبى يوسف، وهو أعرف
بمشائخه عن ابن عدى وأمثاله، فافهم (المؤلف).

٨٥
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
حنبل أنه قال: إذا كان فى المسألة قول ثلاثة لم يسمع مخالفتهم، فقيل له: من هم؟ قال
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس، وأبو يوسف
أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية اهـ (ص-٣٠).
قلت: فكفى بأحمد، وابن معين، وابن المدينى، والنسائى، وابن عباس، وابن
عدى، ويزيد بن هارون، وأبى حاتم، وعمرو الناقد، والذهبى، والبيهقى، والسمعانى،
وغيرهم موثقين لحفظه وإتقانه وثبته شاهدين. فلا عبرة بما قاله الفلاس: «إنه صدوق كثير
الخطأ)) ولا بما قاله البخارى: ((تركوه))(١) ولا بما ذكره العقيلى عن ابن المبارك أنه وهاه،
كما فى "اللسان" (٦-٣٠٠). فإن كل ذلك تحامل من الأقران، أو تعصب عليه لأجل
الرأى والدخول فى عمل السلطان. وهذه سنة ورثها أبو يوسف وكل حنفى من آبائه فى
العلم، فلم يزالوا محسودين ولم يسلم أحد منهم من التحامل والتعصب عليه، وما نقموا
منهم إلا أن أتاهم الله فهما فى الكتاب والسنة، وعزا فى الدنيا والدين، وقبولا فى قلوب
المسلمين مم لم يؤته الآخرين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون.
وقال الخطيب: قال يحيى بن معين: ((وقد كتبنا عنه أحاديث)). وقال أبو الفضل
يعنى العباس: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ((أول ما طلبت الحديث ذهبت إلى أبى
يوسف القاضى، ثم طلبت بعد، وكتبنا عن الناس)) اهـ كذا فى "جامع المسانيد". وقال
الطحاوى: سمعت على بن الحسين أبا عبيد القاضى(٢) يقول: حدثنى ابن فهم حدثنى
ابن زنجويه حدثنى أحمد بن حنبل قال: كنت فى مجلس أبى يوسف القاضى حين أمر
ببشر(٣) المريسى، فجر برجله، فأخرج. ثم رأيته بعد ذلك فى المجلس، فقيل له: على ما
(١) أى طعنوه (المؤلف).
(٢) قاضى مصر (المؤلف).
(٣) هو بشر بن غياث المريسى، أخذ عن أبى يوسف الفقه وبرع فيه، ونظر فى الكلام والفلسفة، وله روايات كثيرة
عن أبى يوسف، وتصانيف. وكان من أهل الورع والزهد، غير أنه رغب عنه الناس فى ذلك الزمان لاشتهازه بعلم
الكلام وخوضه فى ذلك، وكان أبو يوسف يذمه اهـ من "الجواهر" (١-١٦٤). قلت: وقد ذمه كثير من المحدثين.
بل ذهب بعضهم إلى تكفيره، كما فى اللسان، ولذا كان أبو يوسف أخرجه من مجلسه، بل ذهب بعضهم إلى
تكفيره، كما فى اللسان، ولذا كان أبو يوسف أخرجه من مجلسه، وأمر بجر رجله. وفى اللسان أيضًا: كان بشر
يستغيث فى مجلس أبى يوسف، فقال أبو يوسف: ((لا تنتهى أو تفسد خشبة يعنى تصلب)) اهـ (ص-٢٩١).

٨٦
مقدمة إِعلاء السنن
فعل بك رجعت إلى المجلس؟ فقال: لست أضيع حظى من العلم لما فعل بى أمس، كذا
فى "الجواهر المضيئة" (٢-٢٢١). وذكر الغزنوى عن هلال أنه كان يحفظ التفسير
والحديث وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه. وذكر الحلبى عن الحسن بن زياد قال:
حججنا معه، فاعتل فى الطرق، فجاءه سفيان بن عيينة فى بئر ميمونة، فقال لنا: خذوا
حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه، فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده
ومتنه حفظا . فتعجبنا من سرعة حفظه، وشغله بسفره.
وذكر الخطيب فى تاريخ بغداد عن القاسم بن الحكيم، قال: سمعته يقول: «یا
ليتنى مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل فى القضاء، على أنى بحمد الله ما
تعمدت جورا، ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة)) اهـ. قيل: وما ترك
السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به. وأصحاب الأمالى الذين رووها عن أبى
يوسف لا يحصون اهـ من "مناقب القارئ" (ص-٥٢٥ و٥٢٦). وفيه أيضًا: روى عن
عاصم بن يوسف قال: قلت لأبي يوسف: اجتمع الناس على أنه لا يتقدمك فى العلم
أحد، فقال: ((ما علمى عند علم الإمام إلا كنهر صغير فى جانب الفرات)) اهـ. وعن
المعلى بن المنصور، قال أبو يوسف: ((ما اتفق قولى وقوله إلا وجدت لها فى قلبى قوةً، وما
- فارقته فى مسألة إلا وفى قلبى أمثال الجبال من الضعف والريبة)) اهـ (ص-٤٥٩). وقال
ابن أبى العوام: حدثنى محمد بن أحمد بن حماد ثنى محمد بن شجاع سمعت الحسن
بن أبى مالك وعباس بن الوليد وبشر بن الوليد وأبا على الرازى يقولون: سمعنا أبا يوسف
يقول: ((ما قلت قولا خالفت فيه أبا حنيفة إلا وهو قول قاله ثم رغب عنه)) اهـ من
"الجواهر" (٢-٢٢١).
وفيه أيضاً: وظنى أنه عن الخطيب فى تاريخ بغداد: روى القاضى أبو الفضل
محمد بن أحمد بن عيسى السعدى عن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن رضوان أبو
محمد البخارى (قدم بغداد حاجًا فى شوال سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة وحدث بها)
قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن أحمد بن حمدان الفقيه يقول: سمعت على بن موسى
القمى يقول: سمعت محمد بن شجاع يقول: بعث معروف الكرخى وكان موصوفا

٨٧
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
بالعبادة رجلا من أصحابه إلى دار أبى يوسف القاضى وكان عليلا، فقال له: ((أظنه قد
مات فإن أخرج ليدفن فأعلمنى لأحضر جنازته)). قال: فذهب الرجل، فاستقبله جنازة
أبى يوسف على باب داره، وصلى عليه فى مسجده، ودفن بقرب داره، فلم يلحق الرجل
إلى معروف قبل أن يصلى عليه. فلما فرغ من وقته صار إلى معروف فأخبره الخبر فجعل
معروف يتوجع لما فأته من الصلاة عليه، ويظهر الغم لذلك. فقال له الرجل: ((يا أبا
محفوظ! أ تتأسف على رجل من أصحاب السلطان يلى القضاء ويرغب فى الدنيا أن لم
تحضر جنازته؟)) قال: فقال معروف: ((رأيت البارحة كأنى دخلت الجنة، فرأيت قصرا
قد فرشت مجالسه وأرخت ستوره وقام ولدانه، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا:
((ليعقوب بن إبراهيم الأنصارى أبى يوسف)). فقلت: يا سبحان الله! بما استحق هذا من
الله؟ فقالوا: ((بتعليمه الناس العلم، وصبره على أذاهم)) رحمه الله (١-٣٠٨).

٨٨
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
ترجمة
الإمام محمد بن الحسن الشيباني
هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيبانى الكوفى أبو عبد الله، ولد بواسط سنة
اثنتين وثلاثين ومائة، كان أبوه من خبد الشام فقدم واسط فولد له بها محمد، ثم نزل
الكوفة وتفقه، قاله ابن سعد. ولازم أبا حنيفة وحمل عنه الفقه والحديث، وسمع أيضًا من
سفيان الثورى، وقيس بن الربيع، وعمر بن ذر، ومسعر، وغيرهم. سمع بالشام من
الأوزاعى وغيره، وبالمدينة من مالك وغيره. روى عنه الشافعى(١)، وروايته عنه فى مسنده
موجودة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهشام بن عبيد الله الرازى، وأبو سليمان
الجوزجاني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران، وعلى بن مسلم الطوسى، وآخرون.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعى يقول: قال لى محمد بن
الحسن: ((أقمت على باب مالك ثلاث سنين، وسمعت من لفظه سبعمائة حديث)).
وكان مالك لا يحدث من لفظه إلا قليلاً (٢) فلولا طول إقامة محمد عنده وتمكنه (٣) منه ما
حصل له عنه هذا، وهو أحد رواة الموطأ عنه. وقد جمع حديثه عن مالك وأورد فيه ما
يخالفه فيه، وهو الموطأ المسموع من طريقه. وقال ابن المنذر: سمعت المزنى يقول:
وسمعت الشافعى يقول: ((ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت
أفصح منه)). وقال الربيع عن الشافعى حملت عن محمد وقر بعير كتبا، وكان الشافعى
۔
(١) قد أنكر ابن تيمية الحرانى فى "منهاج السنة" تلمذ الشافعى منه، وقد كذبه من قبله النووى والخطيب،
والسمعانى (والحافظ ابن حجر العسقلانى)، وغيرهم، وهم أعلم بحال إمامهم منه اهـ. من "التعليق الممجد"
(ص-٣١). فإنكار ذلك تحمل محض كيف؟ وسيدنا الإمام الشافعى نفسه يعترف بتلمذه منه، ويقول: ((حملت
عن محمد وقر بعير كتبا)) وروايته عنه فى مسنده موجودة. وابن تيمية يأوله بتأويل لا يرضى به قائله.
(٢) بل كان يقرأ عليه (المؤلف).
(٣) فيه أبلغ رد على من زعم أن موطأ محمد ليس كموطأ الأندلسى فى الاعتبار (المؤلف).

٨٩
مقدمة إعلاء السنن
يعظمه فى العلم، وكذلك أحمد(١). وقال عبد الله بن على المدينى عن أبيه: "صدوق"
وقال الدارقطنى: "لا يترك" وقال عباس الدورى عن ابن معين(٢): كتبت الجامع الصغير
عن محمد بن الحسن)) اهـ من تعجيل المنفعة للحافظ ابن حجر (ص-٣٦١ و٣٦٢).
وقال الذهبى فى الميزان: لينه النسائى(٢) وغيره من قبل حفظه. يروى عن مالك بن
أنس وغيره، وكان من بحور العلم قويا فى مالك (٤) اهـ. وفى اللسان: وقال أبو داود(٥): ((لا
يستحق الترك)). ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى (عن ابن معين): دخلت عليه
فرأيت عنده كتابا، فنظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ فى حديث(٦)، وقاس على الخطأ،
فوقفته على الخطأ، فرجع وقطع من كتابه بالمقراض عدة أوراق اهـ (١٢١:٥ و١٢٢).
٣
وقال الدارقطنى فى غرائب مالك: إن مالكا لم يذكر فى الموطأ الرفع عند الركوع، .
وذكره فى غير الموطأ، حدث به عشرون نفرا من الثقات الحفاظ. منهم محمد بن الحسن
الشيبانى ويحيى بن سعيد القطان اهـ. من الزبلعى فى تخريجه على الهداية (١-٢١٣).
فعده الدارقطنى من الثقات الحفاظ، وقدمه على يحيى القطان ذكرا وعلى غيره من
العشرین. و کفی به موثقا .
وقال السمعانى فى الأنساب: ((روى أنه كان يجلس فى مسجد الكوفة وهو ابن
عشرين سنة)). قال الشافعى: ((ما رأيت أفصح منه، كنت أظن إذا رأيته يقرأ كأن القرآن
(١) قلت: فناهيك تعظيما. قلت: فلا عبرة بما نقل عن أحمد فى تضعيفه (مؤلف).
(٢) قلت: وهذا يدل على كون محمد ثقة صدوقا عند ابن معين، فلا عبرة بما روى عنه فى تضعيفه (المؤلف).
(٣) قلت: تشدده معلوم (المؤلف).
(٤) قلت: فما له لا يكون قويا فى أبى حنيفة وأبى يوسف وقد صحبهما أكثر ما صحب مالكا (المؤلف).
(٥) قلت: فانهدم ما ذكره فى تعجيل المنفعة عن أبى داود أنه قال: ((لاشئ، لا يكتب حديثه)» فتعارض الروايتان عنه،
فيرجح التعديل، كما مر فى الأصول (المؤلف).
(٦) قلت: هذا يدل على قوة حفظه حيث لم يخطئ فى كتابه إلا فى حديث واحد، ولم يسلم من الخطأ كبار الحفاظ
أيضاً. فهذا شعبة أخطأه المحدثون فى أحاديث، منها : حديث الخفض بالتأمين، وشعبة شعبة. ورجوع محمد من
الخص إلى الصواب بقول ابن معين الذي هو تلميذه قد روى عنه الجامع الصغير دليل عظيم على ورعه، وأمانته،
وديانته، وتحريه الصواب، والله أعلم.

٩٠
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
نزل بلغته)). وكان الشافعى يقول: ((ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن رحمه الله)).
وروى عن الشافعى رحمه الله أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد
الله! خالفك الفقهاء. فقال له الشافعى رحمه الله: ((وهل رأيت فقيها قط؟ اللهم إلا أن
تكون رأيت محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب اهـ)) (ص- ٣٤٢).
قلت: وقد تقدم عن أحمد بن حنبل إذا كان فى المسألة قول ثلاثة لم يسمع
مخالفتهم، وذكر منهم محمد بن الحسن، وقال: ((هو أبصر الناس بالعربية)).
وفى تهذيب الأسماء واللغات للنووى عن الخطيب البغدادى: ولد محمد بواسط.
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدى: كان أصل محمد (ابن الحسن) من الجزيرة ونشأ
بالكوفة، وطلب الحديث وسمع سماعا كثيرا، وجالس أبا حنيفة وسمع منه، ونظر فى
الرأى وعرف به وتقدم فيه. وقدم بغداد، فنزل بها واختلف إليه الناس، وسمعوا منه
الحديث والرأى. قال الخطيب: وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس(١)
حتى يضيق عليه الموضع. وبإسناده إلى الشافعى: ((ما رأيت مبدنا قط أذكى من محمد
ابن الحسن)). وعنه: ((كان إذا أخذ فى المسألة كأنه قرآن ينزل لا يقدم حرفا ولا يؤخره)».
وعن أبى عبيد (٢) ((ما رأيت أعلم بكتاب الله منه)). وعن إبراهيم الحربى قال: قلت
لأحمد (ابن حنبل): من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: ((من كتب محمد بن
الحسن اهـ)). من التعليق الممجد (ص-٣٠). وذكر الخطيب أيضًا بإسناده إلى يحيى بن
صالح(٣) قال: قال (لى) يحيى بن أكثم(٤): رأيت مالكا ومحمد بن الحسن، فأيهما كان
(١) فيه دليل على كثرة الرواة عنه وقبوله عند الناس وعظمة منزلته عند المحدثين فى الرواية، فاندحض بذلك قول ابن
عدى كما فى اللسان: ((ومحمد لم تكن له عناية بالحديث، وقد استغنى أهل الحديث من تخريج حديثه)) اهـ.
قلت: وكيف يستغنى عنه؟ وقد احتاج إلى حديثه المحدثون فى زمانه، واحتاج إلى حديثه الدار قطنى واحتج به،
واحتاج إليه الشافعى وأخرج عنه فى مسنده أحاديث، وموطأه موجود بأيدى الناس إلى الآن، لم يزل المحدثون
كالحافظ ابن حجر وغيره يحتجون به. وأما ما رماه به بعض المحدثون من الإجاء والتجهم فهو افتراء عليه، كما
افتروا على شيخه من قبل. وبسطنا جوابه فى مقدمة الإعلاء.
(٢) رأس اللغويين، والرئيس فى اللغة والحديث والفقه (المؤلف).
(٣) هو الوحاظى الحافظ، ثقة روى له مسلم (المؤلف).
(٤) القاضى الثقة (المؤلف) .

٩١
مقدمة إعلاء السنن
أفقه؟ فقلت: ((محمد بن الحسن أفقه(١) من مالك)).
وذكر الخطيب بإسناده إلى أبى رجاء القاضى قال: سمعت مخرمة(٢) وكنا نعده من
الأبدال، قال: ((رأيت محمد بن الحسن فى المنام، فقلت: يا أبا عبد الله! إلى ما صرت؟
فقال لى ربى: لم أجعلك وعاء للعلم وأنا ما أريد أن أعذبك. قلت: فما فعل أبو يوسف؟
قال: فوقى. قلت: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبى يوسف بطبقات اهـ)) من جامع
مسانيد الإمام (٢-٣٦٠).
وفى الجواهر المضيئة: محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيبانى الإمام
صاحب الإمام صحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، ثم عن أبى يوسف، وصنف الكتب،
ونشر علم أبى حنيفة. ويروى الحديث عن مالك، ودون الموطأ، وحدث به عن مالك. وهو
ابن أخت عبد الله بن مسلمة القعنبى() وروى عن مسعر والثورى وعمرو بن() دينار فى.
آخرین.
روى عنه الإمام الشافعى ولازمه وانتفع به، وقال: ((أحدث)) وفى رواية: ((سمعت
من محمد وقر بعير)). قال: ((وكان يملأ العين والقلب)). حكاه أبو عمر(٥). وروى الربيع
بن سليمان، قال: كتب الشافعى إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبا فأخرها، .
فكتب إليه (الشافعى) :
قل لمن لم تر عين من رآه مثله(٦)
ولمن كان رآه قد رأى من قبله
فلعله يبذله لأهله لعله
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله
فأنفذ إليه الكتب من وقته اهـ. وذكر فى كتاب التعليم أن من جملة الكتب التى
(١) فيه دليل على كونه محمد مجتهدا مطلقا، وهو كذلك، ولكنه لم يستقل بمذهبه أدبا مع شيخه، وكذا صاحبه أبو
يوسف (المؤلف) .
(٢) وفى الأنساب للسمعانى "محموديه" وكذا نقله صاحب التعليق الممجد عن تهذيب الأسماء واللغات للنووى،
والله أعلم.
(٣) أحد حفاظ الموطأ وأثبتهم فيه، روى له الشيخان وغيرهما (المؤلف).
(٤) الصحيح عمر بن ذر المرهبى، فإن ابن دينار توفى سنة ست وعشرين. فكيف يمكن رواية محمد عنه؟ (المؤلف) .
(٥) ابن عبد البر (المؤلف).
(٦) انظر ثناء مثل هذا الإمام عليه بكلمات رسيقة وعبارات لطيفة أنيقة، وروايته عنه، وطلب العلم منه (المؤلف).

٩٢
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
طلبها الشافعى السير الكبير لمحمد بن الحسن. وقال أبو ثور: سمعت الشافعى يقول:
حضرت مجلسا لمحمد بن الحسن بالرقة وفيه جماعة من بنى هاشم وقريش وغيرهم ممن
ينظر فى العلم، فقال محمد بن الحسن: ((قد وضعت كتابا لو علمت أن أحدا يرد على
فيه شيئا يتلقاه الأهل لأتيته)). وذكر حكاية اهـ.
وكان أيضًا مقدما فى علم العربية والنحو والحساب والفطنة، ولى القضاء للرشيد
بالرقة، فأقام بها مدةً، ثم عزل عنها، ثم سار معه إلى الرى، وولاه القضاء بها . فتوفى بها سنة
سبع وثمانين ومائة وابن ثمان وخمسين فى اليوم الذى مات فيه الكسائى. فقال
الرشيد(١): ((دفنت الفقه والعربية (بالرى))). ورثاهما اليزيدى بشعر حسن؛ وهو:
وما قد نرى من بهجة سبيد
تصرمت الدنيا فليس خلود
فليس له إلا عليه ورود
لكل امرأ منا من الموت منهل
فكن مستعدا فالفناء عتيد
سیأتیك ما أفنى القرون التی مضت
ھ
وإذا ريت دمعى والفؤاد عميد
أسفت على قاضى القضاة محمد
بإيضاحه يوما وأنت فقيد
فقلت إذا ما أشكل الخطب من لنا
وكادت بى الأرض الفضاء تميد
وأرق عينى والعيون هجود
فما لهما فى العالمين نديد
وأوجعنى موت الكسائى بعده
وأذهلنى عن كل عيش ولذة
هما عالمانا أوديا وتخرما
أهـ (٢ - ٤٣ ٤٤) .
وذكر القارئ فى المناقب عن وكيع قال: «كنا نكره أن نمشى معه (أى محمد) فى
طلب الحديث، لأنه كان غلاما جميلا)). وذكر السمعانى أن أباه قدم به إلى الإمام فقال
الإمام لوالده: أحلق(٣) رأسه وألبسه الخلقان. ففعل أبوه امتثالا، فزاد عند الحلق حسنا
وجمالا . وفيه يقول أبو نواس:
(١) ذكر هذا القول والمرئية السمعانى فى الأنساب أيضًاً (المؤلف).
(٢) قلت: وهذا هو الضابطة للغلمان الأمرد فى رباطنا المعروف بالخانقاه الإمدادية أن تحلق رؤوسهم فى كل جمعة،
ويلبسوا الخلقان، ولا يتزينوا بالثياب الجالبة للنظر (المؤلف) .

٩٣
مقدمة إعلاء السنن
غيرة منهم عليه وشجًا
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا
نزعوا ليله وأبقوه صبحا
کان فی وجھہ صباح دلیل
وذكر السمعانى عن هشام بن عبد الله الذی توفی الإمام محمد فی بیته أنه لما
حضرته الوفاة بكى، فقيل فى ذلك، فقال: ((إذا أوقفنى الله تعالی بین یدیه، وقال: ((يا
محمد! ما أقدمك (١) على الرى؟ أمجاهدا فى سبيلى أم ابتغاء مرضاتى؟ ما أقول؟
وعن البويطى (٢) عن الشافعى: ((أعاننى الله تعالى فى العلم برجلين، فى الحديث
بابن عيينة، وفى الفقه بمحمد بن الحسن رضى الله عنهما اهـ)). وقيل: دخل على الإمام
أول ما دخل للعلم قال: استظهر القرآن، فغاب سبعة أيام، ثم جاء وقال: حفظته(١). وعن
الديلمى أن الشافعى رحمه الله قال: ((جالسته عشر سنين، وحملت من كلامه حملی
جمل. لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه، لكن كان يكلمنا على قدر عقولنا
اهـ» (ص-٥٢٦ و ٥٢٧ و٥٢٨).
وفى الفوائد البهية عن التقدمة شرح المقدمة: قيل: إنه صنف تسع مائة وتسعين
كتابا، كلها فى العلوم الدينية. وأخذ عنه أبو حفص الكبير أحمد بن حفص، وأبو
سليمان الجوزجاني وموسى بن نصير الرازى، ومحمد بن سماعة، ومعلى بن منصور،
وإبراهيم بن رستم، وهشام بن عبيد الله، ومحمد بن مقاتل، وشداد بن حكيم، وغيرهم.
وجلالته ووثاقته مستفيضة مشهورة. قد أثنى عليه كثير من المؤرخين (والمحدثين)، منهم
ابن خلكان فى تاريخه، واليافعى فى مرآة الجنان، والسمعانى فى الأنساب، والذهبى فى
العبر بأخبار من غيرهم من المقدمين والمتأخرين، وبسطوا فى ذكر أوصافه وطولوا الكلام
فى ذكر مناقبه اهـ (ص-٦٦).
فائدة: قال ابن تيمية: ما اشتهر من أن الشافعى وأحمد بن حنبل اجتمعا
(١) فيه دليل غاية ورعه وتقواه، مع أنه كان قدم الرى مع الخليفة بولاية القضاء بها، ولكنه لم يعد ذلك من عمل
يبتغى به وجه الله، لعدم ثقة على نفسه وخشيته من ربه (المؤلف).
(٢) أحد أجلة أصحاب الشافعى (المؤلف).
(٣) فيه دليل عظيم على قوة حفظه (المؤلف).

٩٤
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
بشيبان الراعى وسألاه باطل باتفاق أهل المعرفة، لأنهما لم يدركا شيبان. قال: وكذلك ما
ذكر من أنه اجتمع بأبى يوسف عند الرشيد، لأنه لم يجتمع بالرشيد إلا بعد موت أبى
يوسف. قلت: قال ابن حجر: وكذا الرحلة المنسوبة للشافعى إلى الرشيد، وأن محمد بن
الحسن حرضه على قتله، أخرجها البيهقى فى مناقبه وغيره، وهى موضوعة مكذوبة اهـ،
كذا فى "الدرر المنتثرة" للسيوطى (ص-٢٤٠).
ترجمة الإمام زفر بن الهذيل العنبرى
قال الذهبى فى "الميزان": أحد الفقهاء والزهاد، صدوق، وثقه غير واحد وابن
معين. وفى اللسان: قال ابن أبى حاتم: قرئ على عباس الدورى وأنا أسمع سمعت أبا
نعيم الفضل بن دكين(١) وذكر عنده زفر فقال: ((كان ثقة مأمونًا)). قال العباس: وسمعت
يحيى(٢) يقول: ((هو ثقة مأمون)). قال أبو محمد: وروى عنه أبو نعيم، ومسلم بن إبراهيم،
وقال أبو نعيم الأصبهانى فى التاريخ: روى الحكم بن أيوب والنعمان بن عبد السلام.
قلت(٣): وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: ((كان متقنا(٤) حافظا، وكان أقيس
أصحابه، وأكثرهم رجوعا إلى الحق. وقد وقع لنا حديثه بعلو فى حديث ابن أبى
الهيثم)». وقال محمد بن أبى العوام قاضى مصر فى مناقب أبى حنيفة: قال لى أبو جعفر
الطحاوى: سمعت أبا حازم عبد الحميد بن عبد العزيز القاضى (ثقة) يقول: سمعت
أحمد بن عبدة(٥) هو الضبى البصرى يقول: قدم زفر بن الهذيل البصرة، فكان يأتى
حلقة عثمان البتى (٢) فيناظرهم ويتبع أصولهم ويسألهم عن فروعهم، فإذا رأى شيئا
(١) شيخ البخارى أحد الأعلام (المؤلف).
(٢) هو ابن معين (المؤلف).
(٣) القائل الحافظ ابن حجر (المؤلف).
(٤) اندحض به قول ابن سعد: ((لم يكن فى الحديث بشئ)) كما فى اللسان. فإن الحافظ المتقن لا يقال عند المحدثين إلا
لمن كان كبير الاعتناء بالحديث جامعا لقدر عظيم منه مع التثبت فيه (المؤلف).
(٥) ثقة، رؤى له مسلم والأربعة والبخارى خارج الصحيح، وثقه غير واحد، كما فى التهذيب (المؤلف).
(٦) ثقة إمام (المؤلف).

٩٥
مقدمة إعلاء السنن
خرجوا فيه عن الأصل تكلم فيه مع عثمان، حتى يتبين له خروجه من الأصل، ثم يقول:
((فى هذا جواب أحسن من هذا)) فإذا استحسنوا قال: ((هذا قول أبى حنيفة)) فلم يلبث
أن تحولت الحلقة إليه وبقى عثمان البتى (١) وحده اهـ (٢٠-٤٧٦ و٤٧٨).
وقال أبو إسحاق الشيرازى فى "طبقات الفقهاء": وقد جمع (زفر) بين العلم
والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، وهو قياس أصحاب أبى حنيفة رضى الله عنه.
مناقبه أجل وأكثر من أن تحصى، ومن وقف على مذهبه ومأخذه فى الفقه عرف قدره اهـ
من "جامع المسانيد" (٢-٤٦٠). وفى الأنساب للسمعانى: ((وقع (زفر) إلى البصرة فى
ميراث أخيه، فتشبت به (٢) أهل البصرة فلم يدعوه يخرج من عندهم)). قال يحيى بن
معين: ((زفر بن الهذيل صاحب الرأى ثقة مأمون اهـ)) (47 Z).
وفى "الجواهر المضيئة": كان الإمام يفضله، ويقول: ((هو أقيس أصحابى)).
وتزوج، فحضره أبو حنيفة، فقال له زفر: ((تكلم)). فقال أبو حنيفة فى خطبته: «هذا زفر
بن الهذيل إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم فى شرفه وحسبه وعلمه)).
قيل لوكيع: ((تختلف إلى زفر؟)) فقال: ((غدرتمونا بأبى حنيفة حتى مات،
تريدون أن تغرونا عن زفر حتى نحتاج إلى أسد وأصحابه)). قال ابن مقاتل: سمعت أبا
نعيم الفضل بن دكين يقول: قال لى زفر: ((أخرج إلى حديثك حتى أغربله(٣) لك (غربلةً)
وتولى قضاء البصرة)).
وعن داود الطائى قال: كان زفر يجلس إلى أسطوانة وأبو يوسف بحذاه، فكانا
يتناظران فى الفقه، وكان زفر جيد اللسان، وكان أبو يوسف مضطربا فى مناظرته. فربما
سمعت زفر يقول لأبى يوسف: ((أين تفر هذه أبواب كثيرة مفتحة؟ خذ فى أيها شئت)).
(١) قلت: لعل هذا هو السبب لبعض من أبغضه أى زفر من أهل البصرة، كما ذكر فى اللسان عن سوار القاضى أنه
لم يكلمه بكلمة، وقال: «إنه أتانا ببدعة برأى أبى حنيفة)) اهـ وكان أهل البصرة قبل ذلك متبعين لعثمان البنى،
كما يظهر من تتبع أحوالهم، والله أعلم (المؤلف).
(٢) فيه دليل على عظمته فى النفوس، وقبوله فى قلوب العباد (المؤلف).
(٣) فيه دليل على حفظه للحديث وإتقانه وتثبته فيه ومعرفته به، فإن الفضل بن دكين من أكابر الحفاظ المتقنين، ولا
ينتقد حديث مثله إلا من هو أحفظ منه وأتقن.

٩٦
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
وقال ابن أبى العوام (تلميذ الطحاوى قاضى مصر) بسنده عن أبى عاصم
. (النبيل) يقول: سمعت زفر يقول: ((ما خالفت أبا حنيفة فى قول إلا وقد كان أبو حنيفة
يقول به اهـ)) (١-٢٤٣ و٢٤٤) .
وفى المناقب للقارئ: عن ابن المبارك قال: سمعت زفر يقول: ((نحن لا نأخذ بالرأى
ما دام أثر، وإذا جاء الأثر تركنا الرأى)).
وعن وكيع -وهو شيخه- قال: ((ما نفعنى مجالسة أحد مثل ما نفعنى مجالسة
زفر)). وعن يحيى بن أكثم قال: رأيت وكيعا فى آخر عمره يختلف إليه بالغدوات وإلى
أبى يوسف بالعشيات، ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه، لأنه كان أفرغ، وكان
يقول: ((الحمد لله الذى جعلك لنا خلفا عن الإمام ولكن لا يذهب عنى حسرة الإمام(١))
وعن الفضل بن دكين قال: ((لما مات الإمام لازمته، لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم،
فأخذت الحظ الأوفر منه)). وعن الحسن بن زياد: (( كان زفر وداود الطائی متواخیین،
فترك داود الفقه وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمع بينهما)). وعن محمد بن وهب: «إنه
كان من أصحاب الحديث، وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب)).
وذكر الحافظ النيسابورى: أن رجلا جاء إلى الإمام وقال: لا أدرى أطلقت امرأتى أم
لا؟ قال: ((لا عليك حتى تتقين بالطلاق)). ثم سأل الثورى، فقال: ((لا تضرك الرجعة)»
فسأل شريكا، فقال: ((طلقها ثم راجعها)). فجاء إلى زفر فحكى له الأقاويل، فقال: أما
الإمام فقد أفتى بالفقه، والثورى بالورع وأما شريك فبالحزم. فأضرب لك مثلا أن رجلا
شك هل أصاب ثوبه نجس أم لا؟ فقال الإمام لا عليك قبل العلم بالنجاسة، والثورى قال
لو غسلته لا عليك، وأما شريك فقال: بل(٢) عليه ثم اغسله. وعن عكرمة قال: لما قدم زفر
البصرة نقل إليه جامع سفيان، فقال: ((هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا)). وقال شداد:
سألت أسد بن عمرو (٣) أ أبو يوسف أفقه أم زفر؟ قال: زفر أورع. قلت: عن الفقه سألتك.
(١) لقصر ملازمته له (المؤلف) .
(٢) من البول (المؤلف).
(٣) صاحب الإمام (المؤلف).

٩٧
مقدمة إعلاء السنن
قال: يا شداد! بالورع يرتفع الرجل. وعن إبراهيم بن سليمان: كان إذا جالسناه لم نقدر
أن نذكر الدنيا بين يديه، وإذا ذكرها واحد منا قام عن مجلسه وتر که فى موضعه، و کنا
نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله (ص-٥٣٤ ٥٣٥). وفى هامشه عن المناقب للكردرى:
قال يحيى بن سعيد: ((زفر ثقة مأمون زاهد اهـ)) (ص-٥٣٤).
ترجمة عبد الله بن المبارك المروزى
هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام فخر المجاهدين قدوة الزاهدين أبو عبد
الرحمن الحنظلى مولاهم المروزى التركى الأب الخوارزمى الأم التاجر السفار صاحب
التصانيف النافعة والرحلات الشاسعة، ولد سنة ثمانى عشرة ومائة أو بعدها بعام، وأفنى
عمره فى الأسفار حاجا ومجاهدا وتاجراً. سمع سليمان التيمى، وعاصم الأحول، وحميد
الطويل، والربيع بن أنس، والأوزاعى، وهشام بن عروة، والجريرى، وإسماعيل بن أبى
خالد، وخالد الحذاء، وبريد بن عبد الله بن أبى بردة وأمما سواهم، كذا فى تذكرة الحفاظ
للذهبى (١-٢٥٣). وهو من مشاهير تلامذة الإمام الأعظم أبى حنيفة، له روايات فى
المذهب، وذكره الأحناف فى طبقاتهم، وعده المزى فى أصحاب الإمام والرواة عنه. كما
فى تبييض الصحيفة للسيوطى (ص- ١٢). وقد تقدم ثناؤه على الإمام بأشعار رائقة
وعبارات فائقة، وتقدم أيضًا قوله: ((والفقه الذى عندى من أبى حنيفة))، وقوله: ((لولا أن
الله تعالى أعاننى بأبى حنيفة وسفيان لكنت كسائر الناس)) صاحب الإمام وأخذ عنه
علمه .
نظر إليه أبو حنيفة وسأله عن بدء أموره فقال: كنت جالسًا مع إخوانى فى
البستان، فأكلنا وشربنا إلى الليل، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور. ونمت سحرا،
فرأيت فى منامى طائرا فوق رأسى على شجرة يقول: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم
لذكر الله وما نزل من الحق؟ قلت: بلى! فانتبهت، وكسرت عودى، وحرقت ما كان
عندى. فكان هذا أول زهدى، كذا فى "الفوائد البهية" (ص-٤٣).

٩٨
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
روى عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنه من صباه ما فتر عن السفر، منهم
عبد الرحمن بن مهدى، ويحيى بن معين، وحبان بن موسى، وأبو بكر بن أبى شيبة،
وأخوه عثمان، وأحمد بن منيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، كذا فى التذكرة للذهبى.
وروى عنه محمد بن الحسن الإمام أيضًا، كما فى "الجواهر" (١-٢٨١). قلت: وروايته
عنه موجودة فى موطائه، و کتاب الآثار له.
قال أبو أسامة: ((هو أمير المؤمنين فى الحديث)). وقال ابن مهدى: ((الأئمة أربعة
مالك، والثورى، وحماد بن زيد، وابن المبارك)). وقد فضله ابن مهدى أيضًا على الثورى.
وقال أحمد بن حنبل: ((لم يكن فى زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه)). وعن شعيب بن
حرب قال: ((ما لقى ابن المبارك مثل نفسه)). وقال شعبة: ((ما قدم علينا مثل ابن
المبارك)). وقال أبو إسحاق الفزارى: ((ابن المبارك إمام المسلمين)). وقال ابن معين: ((كان
ثقةً متثبتا، وكانت كتبه التى حدث بها نحوا من عشرين حديثا». قال يحيى بن آدم:
((كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده فى كتب ابن المبارك أيست منه)) وعن
إسماعيل بن عياش: ((ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك)).
وقال عباس بن مصعب: ((جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربية، وأيام
الناس، والشجاعة، والسخاء، ومحبة الفرق له)). قال الحسن بن عيسى بن ماسرجس:
اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: ((عدوا خصال ابن المبارك)». فقالوا:
((جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشجاعة، والشعر،
والفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، وترك الكلام فيما لا
يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه)) وروى العباس بن مصعب فى تاريخه
عن إبراهيم بن إسحاق عن ابن المبارك قال: خملت عن أربعة آلاف شيخ فرويت عن
ألف (١) منهم ثم قال العباس وقع لى من شيوخه ثمان مائة)). وعن ابن معين، وذكر عنده
ابن المبارك فقال: ((سيد من سادات المسلمين)). وقال محمد بن أعين: سمعت الفضيل
يقول: ((ورب هذا البيت! ما رأت عيناى مثل ابن المبارك)). وقال عبد الله بن سنان:
(١) قلت: وروى عن أبى حنيفة كثيرا، وروايته عنه موجودة فى مسانيد الإمام.

٩٩
مقدمة إعلاء السنن
قدم ابن المبارك مكة وأنا بها، فلما خرج شيعه سفيان بن عيينة والفضل بن عياض
وودعاه، فقال أحدهما: ((هذا فقيه (١) أهل المشرق)). فقال الآخر: ((وفقيه أهل المغرب))
ذكر كله الذهبى فى تذكرة الحفاظ (ص-٢٥٤ و٢٥٥ و٢٥٦). وقال: ((والله إنى لأحبه
وأرجو الخير بحبه، لما أمنحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، والجهاد، وسعة العلم،
والإتقان، والمواساة، والفتوه، والصفات الحميدة اهـ)). قلت: وكذا أنا أحبه. زادنى الله
حبا لأمثاله.
وفى تهذيب التهذيب: قال ابن مهدى لما سئل عن ابن المبارك وسفيان: ((لو جهد
سفيان جهده على أن يكون يوما مثل عبد الله لم يقدر)). وقال أحمد: ((جمع أمرا عظيما،
ما كان أحد أقل سقطا منه، كان رجلا صاحب حديث، حافظا، وكان يحدث من
كتاب)). وقال القواريرى: ((لم يكن ابن مهدى يقدم عليه وعلى مالك فى الحديث أحدًا)).
وقال ابن جنيد عن ابن معين كان كيسا متثبتا ثقة وكان عالماً صحيح الحديث. وقال
ابن سعد: ((طلب العلم، وروى روايات كثيرة، وصنف كتبا كثيرة فى أبواب العلم،
وكان ثقة مأمونا حجة كثير الحديث)). وقال الحاكم: ((هو إمام عصره فى الآفاق وأولاهم
بذلك علما وزهدا وشجاعة وسخاء)). وقال العجلى: ((ثقة ثبت فى الحديث، رجل
صالح، وكان جامعا للعلم)). وقال ابن حبان: ((كان فيه خصال لم تجتمع فى أحد من
أهل العلم فى زمانه فى الأرض كلها)). وقال الخيلى فى الإرشاد: ((ابن المبارك الإمام المتفق
عليه، يقال: ((إنه من الأبدال، له من الكرامات ما لا يحصى)).
كرامة ابن المبارك
وقال أبو وهب: مر عبد الله برجل أعمى، فقال: ((أسألك أن تدعو لى)). فدعا فرد
الله عليه بصره، وأنا أنظر. وقال الحسن بن عيسى: ((كان مجاب الدعوة)).
وقال على بن الحسن بن شقيق: بلغنا أنه قال الفضيل بن عياض: ((لولا أنت
(١) قلت: وقد تفقه بأبى حنيفة (المؤلف).

١٠٠
أبو حنيفة وأصحابه المحدثون
وأصحابك ما اتجرت)). قال: وكان ينفق على الفقراء فى كل سنة مائة ألف. وقال يحبى
بن يحيى الأندلسى: كنا فى مجلس مالك فاستؤذن لابن المبارك فأدن. فرأينا مالكا
تزحزح له عن مجلس، ثم أقعده يلصقه، ولم أره تزحزح لأحد فى مجلسه غيره. فكان
القارئ يقرأ فربما مر بشىء يسأله مالك "ما عندكم فى هذا" فكان عبد الله يجيبه خفاءً. ثم
قام، فخرج، فأعجب مالك بأدبه. ثم قال لنا: ((هذا ابن المبارك فقيه خراسان)). وقال
النسائى: ((لا نعلم فى عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك، ولا أعلى منه، ولا أجمع
لكل خصلة محمودة منه اهـ)). ملتقطا من مواضع ورمز عليه بالجماعة أى أخرج له الستة
(من ٥-٥٨٢ إلى ٣٨٧).
قلت: فابن المبارك مع ما هو عليه من الجلالة والإمامة فى الحديث، وهى أنواع
العلوم، أخذ الحديث والفقه عن أبى حنيفة، وكان يفتى بقوله: ويسير محجته فى الفقه.
وعن بشر بن يحيى: قلت لابن المبارك: أدخلت علم أبى حنيفة وسعيان فى
الكتب، ولم تدخل رأى مالك والأوزاعى؟ قال: ((لأنى لم أعدهما علماء اهـ)) من "مناقب
القارئ" (ص-٥٠٢). قال أبو عمر (١): ((لا أعلم أحدا من الفقهاء سلم أن يقال فيه شىء،
إلا عبد الله بن المبارك)). وقال الطحاوى: حدثنا أبو حامد أحمد بن على النيسابورى
سمعت على بن الحسن الرازى حدثنا أبو سليمان سمعت ابن المبارك يقول: سألت أبا
حنيفة رضى الله عنه عن الرجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: ((لا بأس
بأن يبعثها من بلد إلى بلد أخرى لذى قرابته)). فحدثت بهذا محمد بن الحسن، فقال:
((هذا حسن، وهذا قول أبى حنيفة، وليس لنا فى هذا سماع عن أبى حنيفة)) قال أبو
سليمان: فكتبه عنى محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبى حنيفة. وقال ابن وهب:
سئل عبد الله بن المبارك عن أكل لحم العقعق. فقال: ((كرهه أبو حنيفة)). وسئل عن
وقت العشاء الآخرة، فذكر عن أبى حنيقة"حتى الصبح" قال: وقال عبد الله بن
المبارك: ((كان أبو حنيفة يكره بيع المنصف)). قال: وسمعت أبا حنيفة يقول: قدم أيوب
السختياني وأنا بالمدينة، فقلت: لأنظرن ما يصنع. فجعل ظهره مما يلى القبلة ووجهه مما
(١) ابن عبد البر (المؤلف).