Indexed OCR Text
Pages 1-20
مُقَدّ أعلاء السَّيِنِ أبُوَ حَنِيفَةٍ وَاصْحَابُهُ الْحَدْتُوْلَمْ تأليف الحَّ التَّاقِ العَلامِ مُوْلاَنَاظَّفَرَ اجِدِالجثمانِيِ التَّهَانُوِيّ رَالله على ضوء ما أفاده جَيْمِ الأُمِ الأِالقِفِيةِ الدّاعِي ◌ِكَبِوَلَنَا الشَّيعَ اشِفِ بَعلى النّهارِ أَخْرَةُ القُرَارِوَالَاوَةِ الإِسْلامَةَ إِخَارَةُ التَّرُ جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها. AL.L RIGHTS RESERVED FOR IDARATYL QURAN No part of this book may be reproduced of utilized in any form of by any means الطبعة الأولى : ١٤٠٥ هـ ١٤٠١ هـ ............ الطبعة الثانية : ١٤١٤ هـ الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر: بإدارة القرآن كراتشى الصف والطبع: نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين نعيم أشرف نور أحمد ..... على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه: ...... ..... فهیم اشرف نور أحمد أشرف على طباعته : من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ٤٣٧/٢ گارڈن ایست کراتشي ٥ باكستان الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨ ويطلب أيضاً من : المكتبة الإمدادية .. باب العمرة مكة المكرمة ..... الثمانية المدينة المنورة مكتبة الإيمان الرياض - السعودية مكتبة الرشد ١٩٠ انار كلى لاهور إداره اسلاميات بسم الله الرحمن الرحيم أبو حنيفة وأصحابه المحدثون الحمد لله الذى تفرد بالعزة، والعظمة، والبقاء، والكمال، وقسم بين عباده الأرزاق والآجال، والعلوم والأعمال، وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وملوكا وسوقة ليتناصفوا، ومتبوعين وأتباعا ليتعادلوا، ورؤساء ومرؤسين وفقهاء ومقلدين ليتكاملوا. وبعث الرسل مبشرين، ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة، وختمهم بخيرته من خليقته، السالك بتأييده الطريق المستقيم على المحجة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله فى الأرض، وإله فى السماء، شهادة أدخرها وأطلب الفوز بها يوم اللقاء. وأشهد أن سيدنا، ومولانا محمدا عبده ورسوله، المبعوث إلى أهل الآفاق، المنعوت بمكارم الأخلاق، وأطائب الأعراق، صلى الله تعالى عليه، وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما دائمين متعاقبين إلى يوم التلاق، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، لاسيما إمامنا الأعظم أبى حنيفة النعمان سيد المجتهدين. اللهم وتغمده بعفوك، واجعل زلله فى سعة رحمتك، فقد كان يدعو(١) بهذا الدعاء، وأنجز له ما وعد به أصحابه ومن تبعه، وكان على مذهبه وطريقته الغراء، على ما روى عنه ذلك الأئمة الثقات من أصحابه النبلاء، اللهم ولا تجعل عبدك المسكين جامع هذا الكتاب من الأشقياء، واغفر له (١) ذكره القرشى فى "الجواهر المضيئة" (١-٢ و٣)، وكذا ما بعده (مؤلف). ٤ مقدمة إعلاء السنن ولوالديه ومشايخه، وللمؤمنين، والمؤمنات، واجعلنا أجمعين من السعداء. وبعد، فإن الله تعالى فضل نبينا مَ ◌ّر على سائر الأنبياء، فجعل فى أمته محدثين خلفاء، ومجتهدين علماء فقهاء، كأنهم من الفقه أنبياء، ومتعبدين أولياء أصفياء، وكان أسبقهم اجتهادا، وأطيبهم اعتقادا، وأبينهم رشادا، وأقومهم طريقا وسدادا، إمام الأئمة وسراج هذه الأمة، إمامنا الأعظم أبو حنيفة الهمام الأقدم، رضى الله تعالى عنه، فحط عن وجه الشريعة لتام الانكتام، وكشف عن جبين الفقه غمام الظلام، وأرسى قدمه فى مزالق الأقدام، وبذل مجهوده فى إحكام الأحكام، فمن بعده يغوصون فى بحار عوائده، فيستخرجون منها درر فرائده، ويرتصغون أصفى درر فوائده. فمن استطعمه واستعظمه فقد تناول حلالا، وجعل الناس عليه فى الفقه عيالا ، مثل الإمام المعظم، والسيد المفخم، إمامنا الشافعى المطلبى ابن عم النبى مٍَّ، حيث قال: ((الناس عيال أبى حنيفة فى الفقه))، ونظمه بعضهم: أئمة هذه الدنيا جميعا بلا ریب عیال أبى حنيفة ومن استنکف عنه، واستکبر صار للعالمین نکالا، و کان علمه علیه وبالا ، كما نشأت فى هذا الزمان طائفة جهلت مقداره، وجعلت تطفئ أنواره، تنقصه، وتستصغره، وتستعظم غيره وتستحقره، جعلت الطعن عليه شعارها، والسب والشتم لأتباعه دثارها، فتارة تنسبه إلى قلة رواية الحديث وقلة الاعتناء بها، ومرة يجرحه بقصور الحفظ، والإتقان، ومخالفة الأحاديث بالرأى، وقلة الاعتناء بها، فلحقتنى حمية دينية ربانية، وعصبية حنيفية نعمانية، فأردت أن أجمع أقوال الأئمة المحدثين فى الثناء على هذا الإمام، وكلمات أهل النقدفى توثيقه وتعديله وتقديمه فى العلم على الأئمة الأعلام، وأذكر بعد ذلك تراجم بعض أصحابه العظام، وأتباعه من أجلة المحدثين الكرام، ليظهر به درجته فى علم الحديث، ويندحض رأى هذه الطائفة الخبيثة، فإن من المعلوم أن أجلة المحدثين لم يكونوا ليقلدوا ويأخذوا إلا عمن كان فى علم الحديث على الدرجة العليا، وفى الاعتناء بالآثار على الغاية القصوى. ومن أراد التفصيل فى معرفة قوة دلائل هذا الإمام من حيث الرواية فليراجع رسائلنا "إعلاء السنن" فإن فيها لطالب الحق كفاية، وكان تأليف تلك السائل كلها فى ظلال رأفة سيدى الذى: : ٥ بو حنيفة وأصحابه المحدثون روى الأنام بفيضه وأظلهم بحر الندى قطب الرشاد مجدد أشرف على المقتدى بفعاله منه الحياة لكل حق ميت منه البياض لكل قلب أسود لا زال فی کنف الإله ولم یزل من نوره ظل بغير حرور وحكيم أمة أحمد المنصور غوث البرية كل يوم ثبور منه الممات لكل قول زور منه السواد لكل عين ضرير عون الخلائق جابر المكسور بالله أعتضد فيما أعتمد، وهو حسبى، ونعم الوكيل. مقدمة إعلاء السنن الفصل الأول في كون الإمام أبى حنيفة تابعيا اعلم أن جمهور المحدثين على أن الرجل بمجرد لقاء الصحابى ورؤيته يصير تابعيا، ولا يشترط أن يصحبه مدة ويروى عنه. قال فى تدريب الراوى فى حد التابعى: وقيل: ((هو من لقيه (أى الصحابى)، وإن لم يصحبه))، كما قيل فى الصحابى، وعليه الحاكم. قال ابن الصلاح: وهو أقرب. قال المصنف (أى النووى): وهو الأظهر. قال العراقى: وعليه عمل الأكثرين من أهل الحديث، فقد ذكر مسلم وابن حبان الأعمش فى طبقة التابعين، وقال ابن حبان: أخرجناه فى هذه الطبقة لأن له لقيا وحفظا، رأى أنسا، وإن لم يصح له سماع المسند عنه، وقال الترمذى: لم يسمع من أحد من الصحابة، وعده أيضًا فيهم الحافظ عبد الغنى المقدسى، وعد منهم يحيى بن أبي كثير لكونه لقى أنسا، وموسى بن أبى عائشة لكونه لقى عمرو بن حريث اهـ (ص-٢١٢). وقال الحافظ فى "شرح النخبة": هذا هو المختار خلافا لمن اشترط فى التابعى طول الملازمة (١) أو صحة السماع أو التمييز اهـ (ص-٨٤) . إذا تمهد هذا فنقول: إمامنا الأعظم تابعى على المختار بلا ريب، ومندرج فى قوله تعالى: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان، رضى الله عنهم ورضوا عنه ﴾، قال الإمام على القارئ فى الطبقات: قد ثبتت رؤيته بعض الصحابة، واختلف فى روايته عنهم، والمعتمد ثبوتها ، كما بينته فى "سند الأنام شرح مسند الإمام" حال إسناده إلى بعض الصحابة الكرام، فهو من التابعين الأعلام، كما صرح به العلماء والأعيان اهـ من "تذكرة الراشد" (ص-٢٧٠). وذكره الحافظ الذهبى فى "تذكرة الحفاظ"، وقال: مولده سنة ثمانين رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، رواه ابن سعد عن سيف بن جابر أنه سمع أبا حنيفة يقوله اهـ (١-١٥٨). وهذا يدل على جزم الذهبى برواية ابن سعد هذه كما لا يخفى. (١) كالخطيب (مؤلف). ٧ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطى رحمه الله فى تبييض الصحيفة: ورفع هذا السؤال (أى أن أبا حنيفة يعد فى التابعين أم لا) إلى الحافظ ابن حجر فأجاب بما نصه: أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة، لأنه ولد بمكة (١) سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى، فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك، ومات سنة تسعين أو بعدها، وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به أن أبا حنيفة رأى أنسًا، وكان غير هذين من الصحابة بعده فى البلاد وأحياء، وقد جمع بعضهم جزءا فيما ورد من رواية أبى حنيفة عن الصحابة، لكن لا يخلو إسنادها من ضعف، والمعتمد على إدراكه ما تقدم، وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد فى الطبقات، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له، كالأوزاعى بالشام، والحمادين بالبصرة، والثورى بالكوفة، ومالك بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجى بمكة، والليث بن سعد بمصر، والله أعلم. (قال السيوطى): هذا آخر ما ذكره الحافظ ابن حجر، وحاصل ما ذكره هو وغيره: الحكم على أسانيد ذلك بالضعف وعدم الصحة لا بالبطلان، وحينئذ فسهل الأمر فى إيرادها ، لأن الضعيف يجوز روايته ويطلق عليه أنه وارد، كما صرحوا اهـ (ص-٦). قلت: فثبت بهذا كله أن رؤية الإمام لبعض الصحابة ثابتة بما يعتمد عليه، وروايته عنهم واردة بروايات ضعيفة، فلو كان ضعفها لفسق الرواة فلا ترتقى بمجموعها إلى درجة الحسن، ولكن تخرج لكثرة الطرق عن كونها لا أصل له، كما قدمناه نقلا عن التدريب فى باب أحكام الضعيف من المقدمة. وإن كان لغير الفسق ترتقى عن الضعف إلى درجة الحسن، ولا يخفى أن كون الرجل يروى عن أحد ليس من باب الأحكام بل من قبيل الأخبار والفضائل، فلا يتشدد فيها مثل التشديد فى الأحكام، لأن التساهل فى باب الفضائل لم يزل معروفا بين المحدثين . وأما رؤيته لأنس فقد أثبتها جمع عظيم من المحدثين، وأهل العلم بالأخبار: منهم: ابن سعد، صاحب الطبقات، والحافظ الذهبى، والحافظ ابن حجر كما مر، (١١) كذا فى الأصل، ولعله بالكوفة (مؤلف). ٨ مقدمة إعلاء السنن والحافظ العراقى قال: لم يصح للإمام أبى حنيفة رواية عن أحد من الصحابة، وقد رأى أنس بن مالك اهـ. ومنهم: الدارقطنى، قال حمزة السهمى: سمعت الدارقطنى يقول: لم يلق أبو حنيفة أحدا من الصحابة إلا أنه رأى أنس بن مالك بعينه، ولم يسمع منه. ذكرهما السيوطى فى تبييض الصحيفة أيضًا (ص-٥و٦). والإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبرى المقرئ الشافعى، فإنه ألف جزءًا فيما رواه الإمام أبو حنيفة عن الصحابة، ذكره السيوطى أيضًا . ومنهم: الحافظ السيوطى، فإنه ذكر أقوال المذكورين، وأقرها، وحكم بعدم بطلان الرواية أيضًا كما مر. ومنهم: الحافظ أبو الحجاج المزى، ذكره فى تهذيب الكمال، وقال: رأى أنسا اهـ. والحافظ الخطيب البغدادى، قال فى تاريخ بغداد: إنه رأى أنس بن مالك اهـ. والإمام النووى فى تهذيب الأسماء واللغات، فإنه ذكر قول الخطيب، وأقره، والحافظ ابن الجوزى، قال فى العلل المتناهية: أبو حنيفة لم يسمع من الصحابة، إنما رأى أنس بن مالك بعينه اهـ "تذكرة الراشد" (ص-٢٨١). والحافظ أبو عمر بن عبد البر حيث قال: ذكر محمد ابن سعد كاتب الواقدى أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى اهـ، هكذا ذكره وسكت عنه اهـ. من "الجواهر المضيئة فى طبقات الحنفية" (١- ٢٧٣) . ومنهم: الإمام الجزرى، والتوريشتى، وصاحب كشف الكشاف ، وصاحب "مرآة الجنان" الإمام اليافعى، ذكرهم على القارئ فى شرح"نخبة الفكر" فى الذين صرحوا برؤية أبى حنيفة لأنس، وغيره من الصحابة، كما فى "تذكرة الراشد" أيضًاً (ص-٢٨٠). ومنهم: ابن حجر المكى الشافعى، حيث قال فى "الخيرات الحسان": صح، كما قاله الذهبى: إنه رأى أنس بن مالك، وهو صغير، وفى رواية مرارا اهـ. ومنهم: العلامة أحمد القسطلانى، حيث قال فى شرح البخارى فى باب وجوب ٩ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون الصلاة فى الثياب: ومن التابعين الحسن البصرى وابن سيرين والشعبى وابن المسيب وأبو حنيفة اهـ. ومنهم: الأزينقى، حيث قال فى مدينة العلوم: قد ثبت بهذا التفصيل أن الإمام من التابعين اهـ. ومنهم: العلامة بدر الدين العينى الحنفى حيث أثبت سماعه عمن أدركه من الصحابة، ذكره فى تذكرة الراشد أيضًا (ص-٢٨١). ومنهم: الحافظ السمعانى، حيث قال فى الأنساب: أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمى الكوفى إمام أصحاب الرأى، وفقيه العراق، رأى أنس بن مالك اهـ (٤١٪). ومنهم: الحافظ عبد الغنى المقدسى، قال فى الكمال: رأى أنسا اهـ. كذا فى "تذكرة الراشد" (ص-٤٢٧). وأما روايته عن الصحابة، فقد أثبتها الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبرى المقرئ الشافعى، وألف جزءا فى ذلك كما مر، وهو من فضلاء الشافعية، حدث عنه أبو بكر محمد بن عبد الباقى وغيره، كذا فى "طبقات الشافعية" (٣-٢٤٣). وذكره الحافظ فى اللسان، وقال: حدث عن جماعة، وجاور بمكة، وأقرأ الناس دهرا، روى عنه أبو نصر الغازى، وأبو بكر بن عبد الباقى الأنصارى، وأبو تمام الضميرى وغيرهم، وقال ابن طاهر: سمعت أبا سعد الحربى بهراة يقول: لم يكن سماع أبى معشر فى جزء ابن نطيف صحيحا، وإنما أخذ نسخة فرواها، قلت: وهذا قدح مردود اهـ (٤-٥٠). وأثبتها أيضًا الإمام المحدث عبد القادر بن أبى الوفاء القرشى الحنفى المصرى، أول من صنف فى طبقات الحنفية، ذكره الحافظ السيوطى فى حسن المحاضرة، والحافظ ابن حجر فى "المجمع المؤسس"، وأثنيا عليه، كما فى "الفوائد البهية" (ص-٤٢). قال القرشى: والذى سمع منهم رضى الله تعالى عنهم أجمعين: عبد الله بن أنيس، وعبد الله ابن جزء الزبيدى، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وواثلة ابن الأسقع، وعائشة بنت عجرد، وذكرت عن الخطيب أنه رأى أنس بن مالك، وردت ٠ ٠٠ ١٠ مقدمة إعلاء السنن قول من قال: إنه ما رآه، وبينت ذلك بيانا شافيا، والحمد لله، كذا فى "الجواهر المضيئة" (١-٢٨) . وروى عبد الله بن جعفر الرازى، أبو على الإمام عن أبى يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: حججت مع أبى سنة ثلاث وتسعين (١)، ولى ست عشرة سنة، فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبى: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا رجل قد صحب رسول الله عَ لِّ، يقال له: عبد الله بن الحارث بن جزء، فقلت لأبى: فأى شىء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله مَّه، فقلت لأبى: قدمنى إليه حتى أسمع منه، فتقدمت بين يديه، وجعل يفرج الناس حتى دنوت منه، فسمعته يقول: قال رسول الله مع ظله: ((من تفقه فى دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب)) ذكره أبو عمر بن عبد البر، فقال: أخبرت عن أبى يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلانى المكى، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلى، حدثنا أبو على عبد الله بن جعفر الرازى فذكره، وسكت عنه، كذا فى "الجواهر المضيئة" (١-٢٧٣). وقد تقدم قول ابن عبد البر حاكيا عن ابن سعد: "أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى" وهو يشعر بإذعانه لصحة ما حكاه أبو على عبد الله بن جعفر الرازى، والله أعلم. وله طريق أخرى أخرجها العلامة قاضى القضاة محمد بن محمود الخوارزمی فی جامع المسانيد: عن محمد بن أحمد بن سماعة، حدثنا بشر بن الوليد القاضى، حدثنا أبو يوسف القاضى، حدثنا أبو حنيفة فذكره غير أنه قال: حججت مع أبى سنة ست وتسعين، (١-٢٤). قال الخوارزمى: ومن مناقبه وفضائله التى لم يشاركه فيها أحد بعده أنه روى عن أصحاب رسول الله عَِّ، فإن العلماء اتفقوا على ذلك، وإن اختلفوا فى عددهم اهـ (١) كذا فى الأصل، ولعله ست وتسعين كما فى"جامع المسانيد"، وعلى كل فلا يخلو من تمحل، وإن عبد الله ابن الحارث مات سنة ست وثمانين أو سبع، وقيل: ثمان وثمانين بمصر، اللهم إلا أن يقال: إن فى الرواية تصحيفا، والإمام رآه فى سنة وثمانين حين كان عمره ست سنوات، وعبد الله هذا توفى فى هذه السنة أو بعدها لسنة أو سنتين بعد مرجعه إلى مصر، والله أعلم (مؤلف). ١١ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون (١-٢٢). ولعل المراد بالعلماء الحنفية خاصة، وباتفاقهم اتفاق أكثرهم على ذلك، ولا يخفى أن صاحب البيت أدرى بما فيه، وقد أثبت روايته عن الصحابة العلامة المحدث العينى أيضًا كما تقدم والعلامة على القارئ، فإنه قال: والمعتمد ثبوتها. وقد مر عن السيوطى عدم الحكم ببطلان ذلك، فمن أنكر تابعية الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه بعد ذلك فهو إما جاهل قاصر أو متعصب فاتر. الفصل الثانى في كون أبى حنيفة أعلم أهل زمانه قال الحافظ السمعانى فى الأنساب فى ترجمة الإمام أبى حنيفة: واشتغل بطلب العلم، وبالغ فيه حتى حصل له ما لم يحصل لغيره، ودخل يوما على المنصور، وكان عنده عيسى بن موسى فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم اهـ (٢٤٧). وقال العلامة الحافظ المزى فى تهذيب الكمال: ذكر مكى بن إبراهيم أبا حنيفة، فقال: ((كان أعلم أهل زمانه))، كذا فى حاشية "تهذيب التهذيب". (١٠- ٤٥١). قلت: ومكى بن إبراهيم هذا من كبار شيوخ البخارى، وأكثر ثلاثياته منه. وقال أبو يوسف القاضى: ((ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبى حنيفة)). وقال يزيد بن هارون: ((أدركت ألف رجل، وكتبت عن أكثرهم، ما رأيت فيهم أفقه ولا أورع ولا أعلم خمسة أولهم أبو حنيفة)). ذكره القرشى فى الجواهر المضيئة، نقلا عن كتاب "جامع العلم" لابن عبد البر (١-٢٩). وروى الخطيب عن أحمد بن محمد البلخى، قال: سمعت شداد بن حكيم يقول: ما رأيت أعلم من أبى حنيفة. وروى عن ابن المبارك، قال: رأيت الحسن بن عمارة آخذا بركاب أبى حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركنا أحدا يتكلم فى الفقه أبلغ ولا أخصر جوابا منك، وإنك لسيد من تكلم فيه فى وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلا حسدا. وعن محمد بن سلمة قال: قال خلف بن أيوب: صار العلم من الله تعالى إلى ١٢ مقدمة إعلاء السنن محمد عّ لّه، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبى حنيفة وأصحابه. وروى الخطيب عن محمد بن سعد الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبى يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبى حنيفة فى صلاتهم، قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه اهـ. ذكر كل ذلك السيوطى فى "تبييض الصحيفة" (ص-١٧ و١٨ و٢٣ و٢٥). وروى الإمام أبو جعفر الشيزامارى عن شقيق البلخى أنه كان يقول: كان الإمام أبو حنيفة من أورع الناس، وأعلم الناس، وأعبد الناس اهـ. وروى أيضًا بسنده إلى إبراهيم بن عكرمة المخزومى رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ما رأيت عالمًا أورع، ولا أزهد، ولا أعلم من الإمام أبى حنيفة. وروى الشيزامارى أيضًا عن عبد الله ابن المبارك قال: دخلت الكوفة فسألت علمائها، وقلت: من أعلم الناس فى بلاد كم هذه؟ فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فقلت لهم: من أعبد الناس، وأكثرهم اشتغالا للعلم؟ فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فما سألتهم عن خلق من الأخلاق الحسنة إلا وقالوا كلهم: لا نعلم أحدًا تخلق بذلك غير الإمام أبى حنيفة، كذا فى "الميزان للشعرانى" (ص-٥٨). وروى الخطيب عن روح بن عبادة قال: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة، وأتاه موت أبى حنيفة، فاسترجع وتوجع، وقال: أى علم ذهب. كذا فى "تبييض الصحيفة" (ص-١٦). ولما بلغ شعبة موته استرجع، وقال: طفئ عن الكوفة نور العلم، أما أنهم لا يرون مثله أبدا. كذا فى "الخيرات الحسان" (ص-٧١). قلت: ولا يخفى أن العلم فى ذلك الزمان لم يكن إلا علم القرآن والحديث، كما قال العلامة الحافظ الذهبى فى "تذكرة الحفاظ". المنطق والجدل وحكمة الأوائل لم يكن والله من علم الصحابة ولا التابعين والأوزاعى والثورى ومالك وأبى حنيفة، بل كانت علومهم القرآن والحديث وشبيه ذلك اهـ ملخصا (١-١٩٢). فأعلم الناس حينئذ من كان أعلمهم بالقرآن والحديث، فثبت بذلك كون أبى حنيفة واسع العلم، طويل الباع فى الحديث، وسيأتى ما يدل على ذلك صراحةً. ٠ ١٣ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون الفصل الثالث في درجة الإمام في علم الحديث وثناء المحدثین علیه و كونه حافظا اعلم - وفقك الله وإيانا لما يحب ويرضى- أنه جرى على بعض الألسنة من المتعصبين أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه كان قصير اليد فى الحديث، لم يبلغه إلا أحاديث يسيرة، ولعمرى أنّها فرية بلا مرية، تقشعر منها الجلود، ويقف منها الشعر، ولا يقول بهذا القول إلا جاهل قاصر أو متعصب فاتر، بل الذى تدل عليه كلمات المحققين من الفقهاء والمحدثين أن الإمام رضى الله عنه من المكثرين فى الحديث، جمع منه مقدارا عظيما لا يحيط به إلا من كان فى رتبته، والدليل على ذلك أولا ما مر من شهادة أجلة المحدثين كمكى بن إبراهيم ويزيد بن هارون وعبد الله بن المبارك، واعترافهم بكون الإمام أعلم أهل زمانه. وثانيا: اتفاقهم بأسرهم وإجماعهم يجمعهم على كون أبى حنيفة فقيها مجتهدا إماما فى الفقه. روى الخطيب عن محمد(١) بن بشر قال: كنت أختلف إلى أبى حنيفة وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة، فيقول لى: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان، فيقول: جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله، فآتى سفيان فيقول: من أين جئت؟ فأقول: من عند أبى حنيفة، فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض. وعن محمد بن مزاحم سمعت ابن المبارك: ((أو لا أن الله عز وجل أعاننى بأبى حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس»، وعن حجر بن عبد الجبار قال: قيل للقاسم بن معن ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبى حنيفة؟ قال: لا جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبى حنيفة. ذكر ذلك كله السيوطى فى (١) ثقة حافظ، روى عنه على بن المدينى وإسحاق بن راهويه، وقال أبو داود؛ هو أحفظ من كأن بالكوفة، ذكره الحافظ فى تهذيبه، ومع ذلك فهو من تلاميذة أبى حنيفة. ١٤ مقدمة إعلاء السنن تبييض الصحيفة (ص-١٦ و١٧). وفيه أيضًا عن الحسن بن الحارث قال: سمعت النضر بن شميل يقول: ((كان الناس نياما فى الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه، وبينه، ولخصه)) اهـ (ص-٢٤). وقال أبو وهب محمد بن مزاحم: سمعت ابن المبارك يقول: ((أفقه الناس أبو حنيفة، ما رأيت فى الفقه مثله))، وقال أبو نعيم(١): ((كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل)). وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد القطان: ((لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن رأيا من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله)» (قال ابن معين: وكان القطان يذهب إلى قول الكوفيين، يختار قوله من قولهم) وقال الربيع وحرملة: سمعنا الشافعى يقول: ((الناس عيال فى الفقه على أبى حنيفة)). كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٠ - ٤٥٠). وذكر الإمام الأسفرائنى بإسناده إلى على بن المدينى سمعت عبد الرزاق يقول: قال معمر: ((ما أعرف أحدا بعد الحسن يتكلم فى الفقه أحسن معرفة منه (٢)). كذا فى "مناقب القارئ" (ص-٤٥٦). وفيها أيضًا عن أبى حيان التوحيدى(٣) قال: ((الملوك عيال عمرٍ إذا ساسوا، والفقهاء عيال أبى حنيفة إذا قاسوا، والمحدثون كلهم عيال على أحمد بن حنبل إذا أسندوا)) اهـ (ص- ٤٦١). وقال أبو داود: ((رحم الله أبا حنيفة كان إماما)). كذا فى "تذكرة الحفاظ" (١-١٦٠). ولا يخفى على من له أدنى مسكة أن الفقه والاجتهاد لا یتیسر بدون حفظ الأحاديث والآثار، وأقوال الصحابة والتابعين، واختلافاتهم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنن. قال الإمام محمد بن الحسن: ((من كان عالما بالكتاب والسنة، وبقول أصحاب رسول الله مَّرِ، وبما استحسن فقهاء المسلمين وسعه أن يجتهدوا رأيه فى ما ابتلى به)) اهـ. من "إعلام الموقعين" (١-٢٣). فلما أذعنت المحدثون وأكابرهم لفقه الإمام بل لكونه أفقه الناس، واعترفوا بكونه مجتهدا إماما من أئمة المسلمين فقد التزموا كونه (١) هو الفضل بن دكين شيخ البخارى (مؤلف) . (٢) أى أبى حنيفة (مؤلف) . (٣) البصرى (مؤلف). ء أبو حنيفة وأصحابه المحدثون ١٥ حافظا للأحاديث متقنا متشبسًاً فيها. قال الخطابي: ((وأصحاب السنن هم أصحاب الحديث، والمطلعون عليه كالأئمة المجتهدين، وكمل اتباعهم، فإنهم هم الذين يفهمون ما تضمتنه السنن من الأحكام)) كذا فى "ميزان الشعرانى" (١-٤٦). دل كلامه على أن المجتهد لابد من أن يكون صاحب السنة مطلعا عليها . وقال ابن خلدون المؤرخ فى مقدمته: وقد يقول بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم (أى من المجتهدين) من كان قليل البضاعة فى الحديث، فلهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد فى كبار الأئمة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، ومن كان قليل البضاعة من الحديث يتعين عليه طلبه وروايته والجد والتشمير فى ذلك ليأخذ الدين عن أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها. وإنما قلل من قلل الرواية لأجل المطاعن التى تعترضه فيها، والعلل التى تعترض فى طرقها، والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد فى الرواية والتحمل، فقلت من أجلها روايته فضل حديثه لا أنه ترك رواية الحديث معتمدا حاشاه من ذلك، ويدل على أنه من كبار المجتهدين فى علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه، واعتباره ردا وقبولا اهـ ملخصا (ص-٣٧١). دل كلامه على أن كون المجتهد قليل البضاعة فى الحديث لا يتصور أصلا، ولا سبيل إلى القول به، ثم صرح بكون أبى حنيفة من كبار المجتهدين فى علم الحديث. وثالثًا: عد الذهبى إياه من حفاظ الحديث، وذكره فى تذكرة التى قال فى مفتحتها: هذه تذكرة بأسماء معدلى حملة العلم النبوى، ومن يرجع إلى اجتهادهم فى التوثيق والتضعيف والتصحيح والتزييف اهـ (١- ٢). دل كلامه هذا على كونه أبى حنيفة معدلا ، حاملا للعلم النبوى، يرجع إلى اجتهاده فى توثيق الرجال وتضعيفها وتصحيح الأحاديث وتزييفها . وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس أنه قال: ((نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصا عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه))، وتمامه فى الخيرات الحسان لابن حجر المكى. قلت: وذكر قول إسرائيل هذا خاتمة الحفاظ السيوطى فى "تبييض الصحيفة" أيضًا (ص-٢٧). قلت: وإسرائيل من رجال الجماعة مقدمة إعلاء السنن ثقة متقن، فكفى به موثقا للإمام مع التصريح بكونه أحفظ لأحاديث الأحكام. وقال ابن القيم فى "إعلام الموقعين": قال يحيى بن آدم (١): كان نعمان جمع حديث بلده كله فنظر إلى آخر ما قبض عليه النبى معَّ هِ اهـ. وذكره بعض أفاضل العصر فى كتابه "تذكرة الأعظم" (ص- ١٠١). وذكر ابن حجر المكى فى الخيرات الحسان عن الحسن بن صالح (من رجال الصحيح إمام حجة): أن أبا حنيفة كان شديد الفحص عن الناسخ والمنسوخ، عارفا بحديث أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان الناس عليه، حافظا لما وصل إلى أهل بلده (أى عن الأحاديث والآثار) (ص-٣٠). ولا يخفى أن كوفة كانت مركز العلم حينئذ، كان فيها جماعة عظيمة من كبار المحدثين كابن عيينة وسفيان الثورى وحفص بن غياث والأعمش ووكيع وابن المبارك وغيرهم، وقد جمع أبو حنيفة أحاديثهم كلها ، فمن يكون مثله فى الحديث؟ وذكر الحافظ محمد بن الحسين الموصلى فى آخر كتاب الضعفاء: قال يحيى بن معين: ما رأيت أحدا أقدمه على وكيع، وكان يفتى برأى أبى حنيفة، وكان يحفظ حديثه كله، وكان قد سمع من أبى حنيفة حديثا كثيرا. وكذا فى حاشية "مسند الإمام الأعظم" (ص-٦١) لبعض فضلاء ديارنا، ودل قول ابن معين: ((وكان قد سمع من أبى حنيفة حديثا كثيرا)) على أن أبا حنيفة لم يكن قليل الحديث. وقال أبو بكر بن عياش: مات عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزيه فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس إذ أقبل أبو حينفة فى جماعة معه، فلما رآه سفيان تحول له من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه فى موضعه، وقعد بين يديه، فقلت له: يا أبا عبد الله! رأيتك اليوم فعلت شيئا أنكرته، وأنكره أصحابنا عليك، قال: وما هو؟ قلت: جاءك أبو حنيفة فقمت إليه، وأجلسته فى موضعك، وصنعت به صنيعا بليغا، فقال: وما أنكرت من ذاك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه، فأفحمنى، فلم يكن عندى جواب اهـ، ذكره السيوطى فى "تبييض الصحيفة" (ص-٢٧). ولا يخفى أن قول سفيان ((هذا رجل من العلم بمكان)) (١) هو من شيوخ البخارى (المؤلف). ١٧ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون لم يرد به الفقه لذكره الفقه بعده، بل المراد به العلم بالحديث، وقال أيضًا أى سفيان: إن الذى يخالف أبا حنيفة يحتاج أن يكون أعلى منه قدرا، وأوفر علما، وبعيد ما يوجد ذلك. ولما حجا كان يقدمه، ويمشى خلفه، ولا يجيب إذا سئلا حتى يكون أبو حنيفة هو الذى يجيب. كذا فى "الخيرات الحسان" (ص-٣٢). وقال سويد بن سعيد عن سفيان بن عيينة قال: أول من أقعدنى للحديث أبو حينفة، قدمت الكوفة فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار فاجتمعوا على، فحدثتهم. كذا فى "الجواهر المضيئة" (١-٣٠). وذكره أيضًا بعض الأفاضل فى تذكرة الأعظم نقلا عن ابن خلكان، وفيه: قال ابن عيينة: أول من صيرنى محدثا أبو حينفة اهـ (ص-١٠٣). وذكره أيضًا ابن حجر المكى فى "الخيرات الحسان" عن الخطيب قال ابن عيينة: أول من أقعدنى للحديث أبو حنيفة، قال لهم: ((هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار))، وبهذا يعلم جلالة مرتبته فى الحديث، كيف! وهو يستأمر فی الثوری، ويجلس إليه ابن عيينة اهـ (ص-٢٨ و٢٩). قلت: وسفيان بن عيينة أحد الأئمة الأعلام، رئيس المحدثين وشيخ الإسلام، وهو يقول: ((أول من أقعدنى للحديث، وصيرنى محدثا أبو حنيفة))، وفيه دليل عظيم على جلالة أبى حنيفة فى علم الحديث، واعتماد الناس على قوله فی تعدیل الرجال، فلم يكن رضى الله عنه محدثا فقط، بل كان ممن يجعل الرجال محدثين . وذكر الإمام السمعانى عن هلال بن يحيى البصرى: سمعت يوسف (١) بن خالد السمتى قال: كنت أختلف إلى عثمان البتى بالبصرة فقيه أهلها، وكان يتمذهب بمذهب الحسن وابن سيرين، فأخذت من مذاهبهم، وناظرت عليها معهم، ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقى مشايخها، والنظر فى مذاهبهم، والاستماع عنهم، فدلونى على سليمان الأعمش لكونه أقدمهم فى الحديث، وكان معى مسائل فى الحديث، وكنت سألت (١) جرحه المحدثون بجرح فظيع، ولكن قال الطحاوى: سمعت المزنى يقول: سمعت الشافعى رضى الله عنه يقول: كان يوسف بن خالد رجلا من الخيار. كذا فى "الجواهر المضيئة" (٢-٢٢٧). وذكر الحافظ فى تهذيب التهذيب عن الساجى: كذبه يحيى بن معين وأحسب أنه حمل عليه اهـ (١١-٤١٢)، والله أعلم. ١٨ مقدمة إعلاء السنن عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها، فذكرت ذلك فى حلقة الأعمش، فذكر ذلك له، فقال: ايتونى به، فمضيت إليه فقال: لعلك تقول: إن أهل البصرة أعلم من أهل الكوفة، كلا ورب البيت الحرام ما ذلك كذلك، وما أخرجت البصرة إلا قاصاً أو معبرا أو نائحا، والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها، ولكن من مواليها، يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن ولا ابن سيرين ولا قتادة الأعمى ولا البتى ولا غيرهم، وغضب على غضبا شدیدا حتی خفت أن یضربنی بعصاه، ثم قال لبعض من حضره: اذهب به إلى مجلس النعمان، فو الله لو رأى أصغر أصحابه لعلم أنه لو قام أهل الموقف الأوسعهم جوابًا. وقال: النعمان يكون فى بنى حرام فاسأل عنه، فإنه بهذه المسائل أعلم وأولى، ولى شغل لا يمكن المصير إليه، فخرجت أسأل عنه قبيلة بعد قبيلة، فإذا أنا بكهل حسن الوجه حسن الثياب، وخلفه غلام أشبه الناس به فذكر القصة بطولها إلى أن قال: فلما انتهى (أى أبو حنيفة) إلى قال: كأنك غريب من أهل البصرة، وقد نهيت عن مجالستنا؟ قلت: نعم، فقال: أ كنت تختلف إلى البتى؟ قلت: نعم، فقال: لو أدركنى (البتى) (١) لترك كثيرا من قوله، ثم قال: هات ما معك، وابدأ قبل أصحابى فإن بك وحشة الغربة. قال فسألته عن المسائل التى كانت مشكلة على فأجابنى، فحكيت ما جرى بينى وبين الأعمش، فقال: حفظك الله يا أبا محمد (٢)! يجب أن يتوه باسم بلده بغيره، ما مثله إلا كما قال القائل: وإذا یحاس الحیس يدعى جندب وإذا تکون کریهة أدعی لها: ذكره على القارئ فى "مناقب الإمام" (ص-٥١٦). وذكره أيضًا أنه كان (أنى أبو حنيفة) عند الأعمش إذا سئل عن مسألة، وقيل: ما. تقول فى كذا وكذا؟ قال الإمام: أقول كذا وكذا، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: (١) قبح الله الطائفة المشهورة الباغية حيث حرفوا قول الإمام ذلك، وبدلوه، وقالوا: إن أبا حنيفة قال: لو أدركنى النبى بالنون لترك كثيرا من قوله - نعوذ بالله-، وحاشا أبا حنيفة أن يتفوه بأمثال هذه الهذيانات، والعجب من الخطب أنه وقع أيضًا فى هذه الورطة، وافتضح بها، فإن الرواية إنما هى بالباء والتاء المثناة من فوق لا بالنون، ذكر كله الخوارزمى فى "جامع المسانيد" (٦٢:١) المؤلف. (٢) هذه كنية الأعمش (المؤلف). ١٩ أبو حنيفة وأصحابه المحدثون أنت حدثتنا عن أبى صالح عن أبى هريرة، وعن أبى وائل عن عبد الله، وعن أبى أياس عن أبى مسعود الأنصارى: قال رسول الله ◌ّ كذا، وحدثتنا عن أبى مجلز عن حذيفة عنه ◌َِّ كذا، وحدثتنا عن أبى الزبير عن جابر كذا، وحدثتنا عن يزيد الرقاشى عن أنس عنه عّ لِّ كذا، قال الأعمش: حسبك ما حدثتك فى مائة يوم حدثتنى فى ساعة، ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث، يا معاشر الفقهاء! أنتم الأطباء، ونحن الصيادلة. وأنت أيها الرجل أخذت بكلى الطرفين اهـ (ص-٤٨٤). وذكره ابن حجر أيضًا فى الخيرات الحسان، وزاد: سئل الأعمش عن مسألة فقال: إنما يحسن جواب هذا النعمان بن ثابت، وأظنه بورك له فی علمه اهـ (ص-٣٥). قلت: وفى كلام الأعمش هذا دليل جليل على كمال معرفة الإمام بالأحاديث المشكلة، وحفظه لها، وذكر القارئ فى المناقب عن محمد بن سماعة أن الإمام ذكر فى تصانيفه (١) نيفا وسبعين ألف حديث، وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث، والمسائل التى رجع عنها من القياس إلى الأثر كثيرة لشدة اتباعه اهـ (ص -: ٤٧). قلت: ويدل على صحة ما قاله إن الإمام محمد بن الحسن روى عن الإمام فى كتبه الستة المعروفة بظاهر الرواية، وفى غيرها المعروفة بالنوادر، وكذا روى عنه أبو يوسف فى أماليه وكتاب الخروج وغيرها ، وكذا غيرهما من أصحابه مسائل كثيرة لا يحصى عددها، ولا يستقصى أمدها، فإذا لخصت منها ما يوافق الحديث والآثار إشارةً أو صراحةً سوى ما استنبطه باجتهاده لتجدنها قريبا من ذلك إن شاء الله تعالى، فهذه كلها أحاديث، وإن لم يقل فيها الإمام ((قال رسول الله مرّ له)) لشدة تحريه وتوقيه، فإن موافقة اجتهاده لهذا القدر العظيم من الأحاديث من دون اطلاعه عليها بعيدة جدًا، ومن تفطن بهذه النكتة أيقن بكون الإمام مكثرا من الحديث، وأنه قد جمع منه ما لم يجمعه أحد من المحدثين، لأنه رضى الله عنه تكلم على جميع أبواب الأحكام بابًا بابًا، وفصّلها، وشرحها بما لا مزيد عليه. (١) أى مسائله التى أملأها على أصحابه (المؤلف). ٢٠ مقدمة إعلاء السنن قال صاحب "جامع المسانيد": وقد قيل: بلغت مسائل أبى حنيفة خمس مائة ألف مسألة، وكتبه، وكتب أصحابه تدل على ذلك اهـ. وقال أيضًا: اشتهر واستفاض عن الإمام الكامل المنصف ابن سريج رحمه الله، وهو أزكى أصحاب الشافعى رحمه الله، أنه سمع رجلا جاهلا يقع فى أبى حنيفة، فقال له: يا هذا! تقع فى أبى حنيفة وثلاثة أرباع العلم مسلمة له، وهو لا يسلم لهم الربع، فقال الرجل: وكيف ذلك؟ قال: لأن العلم سؤال وجواب، وهو أول من وضع الأسئلة فله نصف العلم، وأجاب عنها فقال مخالفه فى البعض: أصاب، وفى البعض: أخطأ، فإذا قابلنا صوابه بخطئه فله نصف النصف أيضًا، فسلم له ثلاثة أرباع العلم بقى الربع فهو يدعيه، ومخالفوه يدعونه، وهو لا يسلمه لهم اهـ (١ -٣٥) . وقال ابن حجر المكى فى الخيرات الحسان: مر أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من أئمة التابعين، ومن ثم ذكره الذهبى وغيره فى طبقات الحفاظ من المحدثين، ومن زعم قلة اعتنائه بالحديث فهو إما لتساهله أو حسده، إذ كيف يتأتى لمن هو كذلك استنبط مثل ما استنبطه من المسائل التى لا تحصى كثرته مع أنه أول من استنبط من الأدلة على الوجه المخصوص المعروف فى كتب أصحابه رحمة الله عليهم اهـ (ص-٦٨). قلت: فإذا لخصنا من أجوبة الإمام ما يوافق الأحاديث والآثار صراحةً بدون احتياجه إلى الاستنباط الدقيق لتلخيص لنا ما يزيد على ألوف كثيرة، فهذه المسائل فى الحقيقة أحاديث عن رسول الله مرّ له رواها الإمام بطريق الإفتاء لا بطريق التحديث، لأن رواية الحديث على ضربين: الأول أن يسنده الرجل بتسمية الرواة بينه وبين الرسول مرّ له، ويبلغه إلى رسول الله مَ ◌ٍّ مرفوعا أو مرسلا، ويقول: قال رسول الله مرّ اللّه أو فعل كذا، وينقل ما سمعه من شیخه بلفظه أو قريبا منه. والثانى أن يستنبط منه حكما، ويخبر بذلك الحكم. قال محدث الهند فى الحجة البالغة: واعلم أن تلقى الأمة منه مرِّ الشرع على وجهين: أحدهما تلقى الظاهر، ولابد أن يكون بنقل إما متواتر أو غير متواتر.