Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٥٧ وفي ((تعجيل المنفعة)) أيضاً(١) وقد تقدم(٢) أَن عبد الله ( بن أَحمد) كان لا يكتب إلا عن ثقة عند أبيه . اهـ . رواية مالك وحده عن الراوي ترفع الجهالة عنه ١١ - وفي ((تعجيل المنفعة))(٣) في ترجمة (عبد الله بن أبي حَبِيبة المدني) قال ابن الحذَّاءِ: هو من الرجال الذين اكتُفِيَ في معرفتهم برواية مالك عنهم . اهـ . وفيه أن رواية مالك وحده عن أحد ترفع الجهالة عنه ، ومثلُ مالك شعبةُ وغيرُه من الحفاظ النقاد كما ستعرف(٤). ولكن انظر ((الأجوبة الفاضلة)) للكنوي وما علّقته عليه في ص ٩٥- ١٠٠، ففيه استيفاء حسن عن أحاديث ((المسند))، وانظر أيضاً .! علقته على ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) لابن القيم ص ٥٢- ٥٣ و ١٣٥ - ١٣٦ . (١) ص ١٩ . (٢) أي في ص ١٥ من ((تعجيل المنفعة)) في ترجمة (إبراهيم بن الحسن الباهلي) وفيها ((قلتُ - أي ابن حجر - : كان عبد الله بن أحمد لا يكتب إلا عمن إذنّ له أبوه بالكتابة عنه ، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السّنّة ، حتى كان يمنعه أن يكتب عمن أجاب في المِحْنَة - أي مسألة خلق القرآن -، ولذلك فاته عليّ بن الجَعْد ونظراوه من المسند » . (٣) ص ٢١٨ . (٤) أي في المقطع ٥ من (فوائد شتى ) أواخر هذا الفصل ص ٤٤٥. ٣٥٨ سكوت ابن أبي حاتم أو البخاري عن الجرح في الراوي : توثيق له ١٢ - قال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) في مواضع عديدة: ذكره ابن أبي حاتم ولم يَذكر فيه جرحاً. منها في ص ٢٠٣ في ترجمة ( عاصم ابن صُهَيب) ، وفي ص ٢١٩ في ترجمة (عبد الله بن الحصين ) ، وفي ص ٢٢٣ في ترجمة ( عبد الله بن سعيد عن عبدِ الله بن أَبِي أَوفى)، وفي ص ٢٢٥ في ترجمة ( عبد الله بن عباد)، وفي ص ٢٤٥ في ترجمة ( عبد ربِّه بن ميمون)، وفي ص ٢٥٤ في ترجمة ( عبد الرحمن بن عقبة) . وصنيعُهُ يَدلُّ على أَن سكوت ابن أبي حاتم عن الجرح توثيق، كسكوت البخاري(١) . ثبوت سماع الحسن من أبي هريرة وسمرة ١٣ - قال الحافظ في ((التهذيب)) (٢) وقع في ((سنن النسائي))" (١) وقد تقدم في ص ٢٢٣ عن ابن تيمية الجد ، وفي التعليق عليه عن الحافظ ابن حجر ما يفيد أن سكوت البخاري عن الراوي يدل على توثيقه . وسيأتي في المقطع - ٤٦-ص ٤٠٣ الإشارة من الحافظ ابن حجر إلى أن سكوت أبي زُرْعة وأبي حاتم عن الجرح في الراوي توثيق له . وقد سبّقَ إلى الاستناد على سكوت ابن أبي حاتم : الحافظُ المنذريّ في ((الترغيب والترهيب))، فقال في أول كتاب الصوم ٢: ٢٣٢ عقب حديث في سنده (خلّفٌ أبو الربيع) و ( عَمْرو بن حمزة القيسي ): ((قد ذكرهما ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيهما جرحاً)) . ومشى عليه ابن عبدٍ الهادي أيضاً كما في ((نصب الراية)) ١ : ١٥١. . (٢) ٢ : ٢٦٩ (٣) ٦ : ١٦٨ . ٣٥٩ من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختَلَعات : قال الحسن : لم أسمع من أبي هريرة غيرَ هذا الحديث (١)، أَخرجه عن إسحاق بنٍ راهُوْيَه، عن المغيرة بن سَلمَة، عن وُهَيب، عن أيوب، وهذا إِسناد لا مطعن من أحد في رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة ، وقِصَّتُهُ في هذا شبيهةٌ بقصته في سَمُرَة سواءً (٢). اهـ . (١) ولفظه من ((سنن النسائي)): ((عن أبي هريرة عن النبي عَ لفل أنه قال: المُنْتَزَّعاتُ والمختَلَعَاتُ هُنّ المنافِقات)). قال السندي في شرحه ((يعني اللاتي يطلبن الخُلعَ والطلاقَ بغير عذر. كالمنافقات في أنها لا تَستحق دخول الجنة مع من يدخلها أولاً)). انتهى. وقال النسائي عقب الحديث المذكور: ((الحسَنُ لم يسمع من أبي هريرة شيئاً)). انتهى . (٢) للعلماء في (سماع الحسن من أبي هريرة) أخذٌ وردٌ طويل، وقد استوفى الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في مواضع من ((نصب الراية)) ما قيل في (سماعِ الحسَنِ منه وعدمِه) استيفاءً جيداً، كما نقَلَ عن البزّار وحِرَّر أسماء الصحابة الذين سمع الحسنُ منهم أو روى عنهم، وهو مما يُستفاد. فانظره في ٩٠:١-٩١. وانظر ((المراسيل)) لابن أبي حاتم ص ٢٦-٣٥ فقد تعرّض فيها لذلك أيضاً . والظاهر أنه لم يطلع على كلام البزّار في ذلك. والله أعلم . وجاء في ((نصب الراية)) ٩١:١ ((ورَوى عن أبي هريرة أحاديثَ ولم يسمع منه)) وعلّق عليه صاحب تخريج ((نصب الراية)» العلامة الشيخ عبد العزيز الفنجابي عن ((الطبقات)) لابن سعد قوله فيها : ((أخبرنا مسلم بن إبراهيم - ثقة - ، حدثنا أبو هلال محمد بن سليم - صدوق فيه لين -، قال : سمعت الحسن يقول ... فقال عبد الله ٣٦٠ وفيه أيضاً(١): أَنه رَوى عن سمرة بن جندب نسخةً كبيرةً، وعند علي بن المديني أَنَّ كلَّها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاري . وقال يحيى القطان وآخرون : هي كتاب ، وذلك لا يقتضي الانقطاع ، وفي ((مسند أحمد)) قال الحسَنُ: حدثنا سمرة قال: قلَّما خطبنا رسول اللّه عَّلِ إِلا أَمَرَ فيها بالصدقة، ونَهَى عن المُثْلَة . وهذا يقتضي ابن بريدة : يا أبا سعيد ممن سمعتَ هذا؟ قال سمعتُه من أبي هريرة)». ثم ساق عن ابن سعد أيضاً بطريق ((مسلم بن إبراهيم ، حدثنا ربيعة بن كلثوم - صدوق يتهم - قال : سمعت الحسن قال: حدثنا أبو هريرة)). ثم ساق عن ابن سعد أيضاً القول عن طائفة من العلماء نَفَوْا سماع الحسن من أبي هريرة . وانظر لنفي سماعه منه أيضاً ((نصب الراية)) ٤٧٤:٢ و ٤٧٦، و ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي ص ٣٤٢ وفيه ((قال الترمذي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة)). وعلّق عليه شيخنا عبد الله الغُماري - فرّج اللّه عنه - بقوله: ((بل سمع منه كما صرَّح به الحسنُ نفسُهُ في أحاديث بأسانيد جياد ، منها حديث في فضل سورة الدخان )) . انتهى . وتقدم في الفصل الخامس في بحث (المرسل ) في المقطع - ٥- ص ١٥٣ الكلامُ على مراسيل الحسن ، فعد إليه . ومن طريف ما اختلقه (أحمد بن عبد الله الجُوَيباري) الذي يُضرّب المثل بكذبه ما حكاه الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته ١٠٨:١ فقال ((قال الحاكم : اختلف الناس في سماع الحسن من أبي هريرة . فحُكي لنا أنه ذُكِرَ ذلك بين يدي الجُوَيباري. فرَوى حديثاً مسنداً أن النبي ◌ِّمِ قال: سَمعَ الحسنُ من أبي هريرة!)). ١) أي في ((تهذيب التهذيب)) ٢ : ٢٦٩. ٣٦١ سماعَه منه لغيرِ حديث العَقِيقة. اهـ(١). تركُ جماعة من المحدثين الرواية عن البخاري لمسألة اللفظ ١٤ - وفيه أيضاً(٢): وذكّرَ ابنُ منده في مسألة الإِيمان أَن البخاري كان يصحب الكرابيسي، وأَنه أَخَذَ مسأَلَةً اللفظ عنه(٣). اهـ. وفي ((الميزان)) (٤) أَن أَبا زُرعة وأَيا حاتم امتنعا من الرواية عن البخاري لأَجل مسألة اللفظ . اهـ . قلت : وكان الكرابيسي يميل إلى الاعتزال(٥) .. (١) ذكر الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في ((نصب الراية)) ٨٩:١- ٩٠ أن في ( سماع الحسن من سمرة ) ثلاثة مذاهب : سماعه مطلقاً ، لم يسمع منه شيئاً ، سماعه حديث العقيقة فقط ، ثم ساقها بشواهدها وأسماء قائليها ، وأقواها : سماعه مطلقاً . ثم روى بطريق الحسن عن سمرة بعض الأحاديث في ٣: ٢٧٩ و ٣٨٦ وأشار هنا إلى المذهب الثالث ، و ١٢٧:٤ و١٦٧ وأشار هنا إلى المذهب الأول والثالث . وجزم الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ٢: ١٢٥ بسماع الحسن من سمرة فقال عند حديث الحسن عن سمرة في الشفعة : ((جار الدار أحق بالدار)): ((وقد صَحَّ سماعُ الحسن من سمرة)). (٢) أي في ((تهذيب التهذيب)) ٢: ٣٦٢. (٣) هي (مسألة خلق القرآن) وسأشرحها هنا قريباً. وقد تقدّمت الإشارة إلى أن الذهلي رمى البخاري بالبدعة بسببها . انظر ص ٢٤٠ - ٢٤١ . (٤) ٣ : ١٣٨ في ترجمة الإمام (علي بن المديني ). (٥) قال عبد الفتاح: (مسألة اللفظ) أو (مسألة خلق القرآن) - وقد ٣٦٢ سُمّيت في التاريخ باسم (المحنة ) أيضاً - يكثر ذكرُها والتعليلُ بها والإحالة إليها ، في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الجرح والتعديل وكتب الرجال والرواة والضعفاء والتاريخ . وهي بالنظر لتقادم عهدها يَغْمُضُ المرادُ منها ، ويخفى تاريخها على كثير من طلبة العلم في عصرنا فضلاً عن غيرهم . وقد رأيتُ من المناسب هنا ذكرّ كلمة موجزة عن منشأها وتاريخها ، وكلمة مطوّلة عن أثرها في صفوفٌ الرواة والمحدّثين وكتب الجرح والتعديل . ومن اللّه أستمد العون والسداد . منشأها وبدء تاريخها اتفقت كتب التاريخ والنّحّل على أن أوّل من قال بخلق القرآن هو (الجَعْد بن درهم )، ثم (جهم بن صفوان)، ثم تبعهما (بِشْر ابن غياث المريسي)، كما يظهر ذلك من كتاب ((شرح السنّة)) للحافظ اللالكائي، ومن كتاب ((الردّ على الجهمية)» لابن أبي حاتم الرازي ، وغيرهما . وقد قُتلَ (الجعد بن درهم ) على الزندقة والإلحاد نحو سنة ١١٨ من الهجرة . في أواخر عهد الدولة الأموية ، وقُتل (جهم بن صفوان ) في سنة ١٢٨. لخروجه بالسيف مع الحارث بن سُرَيَج على أُمراء خراسان ، وأما (بشر بن غياث المريسي ) فمات في بغداد سنة ٢١٨ عن نحو ٧٠ سنة . قال الحافظ الذهبي في ((العبر)) ١: ٣٧٣ ((وفي سنة ٢١٨ توفي بِشْر المريسي الفقيه المتكلّم، وكان داعيةً إلى القول بخلق القرآن، ٣٦٣ • هلك في آخر السنة ، ولم يشيّعه أحد من العلماء ، وحَكَمَ بكفره طائفةٌ من الأئمة)). وقال في ((ميزان الاعتدال)) ١: ٣٢٢ ((ولم يُدرِك بِشْر: الجهمَ بن صفوان، وإنما أخذَ مقالته ، واحتج لها ، ودعا إليها ، وكان والد بِشْر يهوديّاً قصّاباً صبّاغاً في سويقة نصر بن مالك ، وأُخذ في دولة الرشيد، وأُوذي لأجل مقالته)) . انتهى . وخلافة الرشيد كانت سنة ١٧٠ ، إلى وفاته سنة ١٩٣ . وقد ظهرت هذه الفتنة بعض الظهور في زمن الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى - ولد سنة ٨٠ وتوفي سنة ١٥٠ - ، فقال فيها قولاً فصلاً ، ورَدّ على ناشربها ، فأسكتهم إلى جين . كما رواه ابن أبي العوّام الحافظ ، ونقَلَه عنه شيخنا العلامة الكوثري في (( تأنيب الخطيب)) ص ٥٥، وكما أشار اليه ابن قتيبة مع التقدير والاستحسان لذلك الموقف من أبي حنيفة في كتاب (( الاختلاف في اللفظ )) ص ٥٦ . وقال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في ((تأنيب الخطيب)) ص ٥٣ ((ولم يَحُل قتلُ جهم دون ذيوع رأيه في القرآن ، فافتَتّن به أُناس فشايعه مشايعون، ونافره منافرون ، فحصلت الحَيْدةُ عن العدل إلى إفراط وتفريط، من غير معرفة كثير منهم لمغزى هذا المبتدع ، أُناسٌ جاروه في نفي الكلام النفسي، وأناسٌ قالوا في معاكستِه بقِدَمَ الكلام اللفظي . ولما رأى أبو حنيفة ذلك ، تدارك الأمر وأبان الحق فقال : ما قام باللّه غيرُ مخلوق ، وما قام بالخلق مخلوق . يريد أن كلام اللّه باعتبار قيامه باللّه صفةٌ له كباقي صفاته في القِدَم ، وأما ما في ألسنة التالين ، وأذهان الحفاظ ، والمصاحف ، من الأصوات ، والصور الذهنية ، ٣٦٤ والنقوش فمخلوق كخَلْق حامليها. فاستقرت آراءُ أهل العلم والفَهْم على ذلك بعده )) . انتهى . ولكن مع هذا لم تنطفىء هذه الفتنة ، فاستمرت تظهر وتختفي إلى عهد الخليفة المأمون العباسي ، فأخذت في عهده مأخذّها من الظهور والتمكّن، واعتقدها المأمون اعتقاداً، وتبنّى القول بخلق القرآن مقتنعاً برأي المعتزلة في هذه المسألة أتمّ اقتناع . وأخذ يدعو العلماء والقضاة والمحدّثين والرواة إلى القول بخلق القرآن ، ويضطهدهم على ذلك . وكان ذلك في السنة الأخيرة من حياته وخلافته سنة ٢١٨ . واستمرت هذه الفتنة من بعد عهد المأمون سنة ٢١٨ ، إلى عهد المعتصم ، ثم إلى عهد الواثق، ثم إلى أول عهد المتوكل سنة ٢٣٢ ، فلمّا تولى المتوكل الخلافة لم يتحمّس القول بخلق القرآن ، كما كان عليه أسلافُه الخلفاء الثلاثة ، بلى قد نهى عن القول بخلق القرآن في سنة ٢٣٤، وكتّب بذلك إلى الآفاق، فانطفأت الفتنة التي أقلقت الدولة والناس . ولقي العلماءُ والمحدّثون صُنوفَ الإرهاق طول هذه المدة - ١٥ سنة - . فمنهم من أجاب خوفاً من السيف ، ومنهم من أجاب مرغماً من غير أن يعقل المعنى ، ومنهم من تورّع عن الخوض فيما لم يخض فيه السلف ، ومنهم من أبى أن يجيب وصرّح بأن القرآن غير مخلوق ، وصبروا على ما نالهم من العذاب والموت في سبيل ذلك . قال الحافظ الذهبي في ((العبر)) ١ : ٣٧٢ ((وفي سنة ٢١٨ امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن. وكتَب في ذلك إلى نائبه ببغداد - إذا كان هو في الرقة - ، وبالغ في ذلك ، وقام في هذه البدعة قيام معتقد بها ، فأجاب أكثرُ العلماء على سبيل الإكراه ، وتوقف طائفة ، ثم أجابوا وناظروا . فلم يُلْتَفَتْ إلى قولهم، وعَظُمَت المصيبة، ج- 19 ٣٦٥ وهَدَّد على ذلك بالقتل)). بل قد حُبس وعُذّب وقُتل في هذه المحنة خلائق لا يحصون كثرة ، كما يراه القاريء المتتبّع لتلك الحقبة من التاريخ (١)، وصارت هذه المحنة هي الشغل الشاغلَ للدولة والناس خاصّتهم وعامّتهم ، وأصبحت حديث مجالسهم وأنديتهم وحاضرتهم وباديتهم في العراق وغيره . وقام الجدلُ فيها بين العلماء ، ووقع امتحانُ الأمراء للعلماء والقضاة والفقهاء والمحدثين في مصر والشام وفارس وغيرها من البلدان . (( ولما تولى الواثق الخلافة كتب إلى قاضي مصر محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمعين ، فلم يبقَ أحد من فقيه ولا محدّث ولا مؤذّن ولا معتم حتى أُخذ بالمحنة ، فهرب كثير من الناس، ومُلنت السجون ممن أنكر المحنة ، واستمرّ الحال على ذلك في أيام الواثق كلها ، إلى أن تولى المتوكل الخلافة ، وأصدر أمره برفع هذه المحنة ، والسكوت عن هذه المقالة بكاملها، فاستراح الناس))(٢)، وتنسموا الرحمة بعدما لبثوا في العذاب المهين خمسة عشر عاماً . قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) في مبحث (المحكوم عليه ) (١) وحُبس الإمام أحمد رحمه الله تعالى في زمن المعتصم ٢٨ شهراً، وخُلعت يداه ، وضُرب بالسياط ، وأُوذي أشدّ الإيذاء، كما أُوذيّ وعُذّب في هذه المحنة في أيام الواثق : يوسف بن يحيى البُوَيَطي صاحبُ الإمام الشافعي، فقد كتب ابن أبي دُوْاد قاضي الخليفة في بغداد إلى قاضي مصر أن يمتحنه ، فأبى البُوّيطي أن يقول بخلق القرآن ، وقال : لئن أُدخلت على الواثق لأصْدُقَنّهُ ، ولأموتن في حديدي هذا ، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ! وقد حُمل من مصر إلى بغداد ، ومات في سجنها في حدیده سنة٢٣١ رحمه الله تعالى ورضي عنه . (٢) من ((ضحى الإسلام)) لأحمد أمين ٣: ١٨٤، وقال: ((استقينا هذا من مواضع مختلفة من كتاب ((الولاة والقضاة)) للكندي. وقد تحدّث في ((ضحى الإسلام)» ٣٦٦ ص ١١ (( ومسألةُ الخلاف في كلام اللّه تعالى وإن طالت ذيولها ، وتفرّقَ الناسُ فيها فرقاً. وامتُحن بها من امتُحن من أهل العلم . وظّنّ من ظَنّ أنها من أعظم مسائل الدين : ليس لها كبيرُ فائدة . بل هي من فضول العلم ، ولهذا صان الله سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين عن التكلم فيها ، . أتر هذه المحنة في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل وبعد محنة الإمام أحمد ، وانطفاء نار هذه الفتنة التي أكلت رؤوس طوائف من العلماء ، اتّخذت هذه المسألة طابعَ شنآنٍ خاصاً مميّزاً، بُمَيَّزُ به بين القائلين بها وغير القائلين بها، وأصبحت مدعاة خلاف وشقاق عريض بين كثير من أهل العلم ، وصارت سبباً من أسباب الجرح والتعديل التي تُضَعَّفُ بها الأسانيد والأحاديث ، وجُرح بها أقوام من العلماء والمحدثين والفقهاء والقضاة والرواة الثقات الأثبات ، إذ توقّفوا فيها فلم يقولوا شيئاً ، أو قالوا فيها قولاً عادلاً لا إفراط فيه ولا تفريط. كما ترى تلك الجروح مستفيضةً في كتب الجرح والتعديل . وَاتَّخِذَتْ من جانب آخر أداةَ انتقام وإيذاء ، يَرمي بها بعضُ عن هذه المحنة من الناحية السياسية وآثارها . وتحدّث الإمام البيهقي مطوّلاً في ((الأسماء والصفات)) ص ٢٣٩ - ٢٦٩. عن هذه المسألة من ناحية الاعتقاد ، وعقّدَ («باب ما روي فيها - أي ما يشهد لقول أهل السنة فيها - من كلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين)»، فانظره. واستوفى ابن حزم في «الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ٣: ٤ - ١٥ الكلام على شرح هذه المسألة وما يسوغ فيها أن يقال فيه: مخلوق ، وما لا يسوغ ، بأناة وهدوء ، وعرضها من الناحية التاريخية التاجُ السبكي في «طبقات الشافعية، ١: ٢٠٦ - ٢١٧، فعُد إليهم إذا شئت. ٣٦٧ الناس خصومَهم ظلماً وعدواناً، للنيل منهم ، فمن حقَدَ على عالم اتّهَمَه بأنه يقول : القرآن مخلوق، ليجرحه ويهدر وثاقّةَ الناسِ به بمقياس ذلك العصر عند أهل السنة . ولقد توسع نطاقُ الجَرْح بهذه المسألة حتى تناول الإمام البخاري وشيوخَه الأجلّة الأفذاذ : يحيى بن معين ، وعليّ بن المديني، ويزيد ابن هارون ، وزهير بن حرب ، وغيرهم من الأئمة المجمع على جلالتهم وإمامتهم في حفظ السنة المطهرة وعلومها . قال الحافظ ابن حجر في (( هدي الساري)، ص ٤٩١ و٢ : ٢٠٣ ((قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في ((تاريخ نيسابور)): قال حاتم ابن أحمد بن محمود : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : لما قدم محمد ابن إسماعيل - هو البخاري - نيسابور، ما رأيتُ والياً ولا عالماً فَعَلَ به أهلُ نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذُّهْلي - شيخ نيسابور في عصره - في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله ، فإني أستقبله ، فاستقبله محمد بن يحيى وعامّة علماء نيسابور . فنزل البلد فدخل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شيء من الكلام ، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كلُّ ناصبي ورافضي وجهمي ومُرجىٍ بخراسان . قال : فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل ، حتى امتلأتْ الدار والسطوح . فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن ، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظُنا من أفعالنا . قال : فوقع بين الناس اختلاف ، فقال بعضهم : قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، فوقع بينهم في ذلك اختلاف ٣٦٨ حتى قام بعضهم إلى بعض ! قال : فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم . قال البخاري : وسمعت عبيد الله بن سعيد ، يعني أبا قدامة السرخسي يقول : ما زلتُ أسمعُ أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة . قال محمد بن إسماعيل - البخاري - : حركاتُهم وأصواتهم وأكسابُهم وكتابتُهم مخلوقة ، فأما القرآن المبينُ المثبَّتُ في المصاحف الموعى في القلوب، فهو كلام الله غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّئَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمْ﴾. وقال أبو حامد بن الشّرّقي: سمعتُ محمد بن يحيى الذّهْلي يقول : القرآنُ كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم : لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ولا يُجالَس ولا يُكلّم، ومن ذهَبَ بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل - البخاري - فاتّهموه، فإنه لا يحضر مجلسهُ إلا من كان على مذهبه)). انتهى(١) . ومن أجل هذا ترى ابنّ أبي حاتم يجرح البخاريّ في كتابه ((الجرح والتعديل)) ٢/٣: ١٩١، فيقول في ترجمة البخاري - كما تقدم نقلُه تعليقاً في ص ١٧٧ - ((قدم عليهم الري سنة ٢٥٠ ، سمع منه أبي وأبو زرعة ، ثم تركا حديثه عندما كتّب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري: أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق)). وغفر اللّه للحافظ الذهبي إذْ ذكر الإمام البخاري في « كتاب الضعفاء والمتروكين)) فقال: ((ما سَلِمَ من الكلام لأجل مسألة اللفظ، تركه لأجلها الرازِيّان)). أي أبو زُرْعة وأبو حاتم . وأما شيخ البخاري الإمام (علي بن المديني ) الذي ملأ البخاريّ (١) ويقول التاج السبكي : إن موقف الذهلي من البخاري آت من حسده له . انظر ترجمة البخاري في ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكى ٢: ١٢ - ١٣. ٣٦٩ ((صحيحه)) من مرويّاته ، فذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١/٣ : ١٩٤ فقال: كتّب عنه أبي وأبو زُرْعة ، وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة - يعني إجابته في مسألة خلق القرآن - )) . وفي تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ٧ : ٣٥٦ و ٣٥٧ (( قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في ((المسند)) بعد أن روى عن أبيه عن (علي ) حديثاً : لم يُحدّث أبي بعد المحنة عنه بشيء . وفي ( مسند طَلْق بن علي ) : حدّثنا أبي ، حدثنا علي بن عبد اللّه - هو ابن المديني - قبل أن يُمتحن . قلتُ - أي ابن حجر - : تكلّم فيه أحمد ومن تابعه لأجل ما تقدّم من إجابته في المحنة ، وقد اعتذر الرجل عن ذلك ، وتاب وأناب )). وفي ((التقريب)) في ترجمة (أحمد بن منصور الرمادي): ((طعن فيه أبو داود لوقفه في القرآن)). وانظر ص ٣٥٧ التعليقة (٢). وتهوّر العُقّيلي فذكر (علي بن المديني )، في (( كتاب الضعفاء)) من أجل مسألة اللفظ ! فتعقّبه الحافظ الذهبي بالذمّ لما صّنّع ، ووبّخه وقرّعه أشدّ التوبيخ والتقريع على هذا، فقال في ((الميزان)) ٣ : ١٤٠ (( أفما لك عقلٌ يا عُقَيْلي؟! أتدري فيمن تتكلّم؟ !... )). وتقدم تمام كلامه فيما نَقَله المؤلف في ص ٢٧٥ و ٢٧٧، فانظره . وأما الإمام (يحيى بن معين) ففي ترجمته في ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ٤: ٤١٠ ((قال أحمد بن حنبل : أكرَهُ الكتابة عمن أجاب في المحنة، كيحيى ، وأبي نصر التمّار)) . ثم قال الذهبي مبيّناً سبب ذكره في ((الميزان)): ((وإنما ذكرتُه ليُعلَم أنْ ليس كلُّ كلام وقع في حافظٍ كبير بمؤْثّر فيه بوجه . و - أما - يحيى فقد قَفَزَّ. ٣٧٠ القنطرة - يعني برواية الشيخين له . فلا يُلتَفَتُ إلى ما قيل فيه - بل قَفَزّ من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي - يعني أنه في أعلى مراتب التعديل والتوثيق -، رحمه الله)). وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل )) ١/٣ : ١٩٤ في ترجمة ( علي بن أبي هاشم اللي البغدادي: ((كتّبَ عنه أبي بالريّ وبغداد ، سنتمعتُ أبي يقول : ما علمتُهُ إلا صدوقاً، وقَفَ في القرآن ، فترك الناسُ حديثه، ولم يُقرأ على أبي حديثُه، فقال : وقَفَ في القرآن فوقفنا عن الرواية عنه، فاضربوا على حديثه)). وقال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((صدوق، تُكلّم فيه للوقف في القرآن، روى عنه البخاري - أي في ((صحيحه)) -. وقال في (( هدي الساري)) ص ٤٣٠ و٢ : ١٥٣ ( وليس ذلك أي وقفُه في القرآن - بمانع من قبول روايته )) . انتهى . وقد كان بين الإمام أحمد بن حنبل وصاحبه الحُسَين بن علي الكرابيسي ، أحدٍ من حَمَلَ العلمّ عن الإمام الشافعي صداقة وصُحبة قوية، فلما وقعَتْ المحنةُ فَرَقَتْ بينهما، وأبدَلَتْ صداقتهما وأُخوّتهما الوكيدة جفوةً وعداوة شديدة . قال الحافظ ابن عبد البر في (( الانتقاء)) ص ١٠٦ في ترجمة (الكرابيسي ) بعد أن أثنى على علمه وإتقانه وتصانيفه: ((وكانت بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة ، فلما خالفه في القرآن . عادت تلك الصداقة عداوة . فكان كل واحد منهما يطعن على صاحبه . وذلك أن أحمد بن حنبل كان يقول : من قال : القرآن مخلوق فهو جهمي . ومن قال: القرآن كلام الله، ولا يقول: غيرُ مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي . ومن قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع . ٣٧١ وكان الكرابيسي ، وعبدُ اللّه بن كُلأَّب، وأبو ثور ، وداود بن علي، وطبقاتُهم يقولون: إن القرآن الذي تكلّم الله به : صفةٌ من صفاته، لا يجوز عليه الخلق، وإنّ تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسبٌ له وفِعْل" له، وذلك مخلوق، وإنه حكاية عن كلام الله، وليس هو القرآن الذي تكلّم الله به . وشبهوه بالحمد والشكر لله، وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير ، فكذلك يؤجر في التلاوة . وهجرت الحنبليةُ أصحابُ أحمد بن حنبل : حُسَيناً الكرابيسي ، وبدَّعوه . وطعنوا عليه وعلى كل من قال بقوله في ذلك )). وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ٢: ٣٥٩ في ترجمة ( الكرابيسي ) بعد أن نقَلَ جملة من كلام ابن عبد البر المتقدم : (( وقال أبو الطيب الماوردي : كان الكرابيسي يقول: القرآن غير مخلوق ، ولفظي به مخلوق . وإنه لما بلغه إنكار أحمد بن حنبل عليه عليه قال : ما ندري أيش نعمل بهذا الفتى ؟! إن قلنا : مخلوق ، قال : بدعة ، وإن قلنا : غيرُ مخلوق، قال: بدعة)). قال الحافظ الذهبي في ((الميزان »١ : ٥٤٤ في ترجمة ( الكرابيسي ) ((فإن عَنى بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق ، ولفظي به مخلوق : التلفظَ فهذا جيد ، فإن أفعالنا مخلوقة ، وإن قصَّدَ الملفوظَ بأنه مخلوق . فهذا الذي أنكره أحمد والسلف، وعدّوه تَجَهماً. ومات الكرابيسي سنة ٢٤٥ )» . وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ١٠ : ٤٦٢ في ترجمة (نعيم بن حماد المروزي): ((قال مَسْلَمة بن قاسم : كان له مذهبُ سُوء في القرآن ، كان يجعل القرآن قرآنين : فالذي فى ٣٧٢ اللوح المحفوظ كلامُ الله تعالى، والذي بأيدي الناس مخلوق. انتهى)). ثم تعقّبه الحافظ ابن حجر بقوله : ((كأنه يريد بالذي في أيدي الناس: ما يتلونه بألسنتهم ، ويكتبونه بأيديهم . ولا شك أن المداد والورق والكاتب والتالي وصوته : مخلوق، وأما كلام اللّه سبحانه وتعالى فإنه غير مخلوق قطعاً)). قال عبد الفتاح : فانظر إلى ضيق نظر هذا الطاعن - وهو معدود من علماء الحديث - الذي لا يقبل التمييز بين الذي تكتبه الأيدي على الورق وتتلوه الألسنة المخلوقة البالية ، وبين كلام اللّه تعالى ! وقال الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ١١٠ في ترجمة الإمام المُزّني صاحب الإمام الشافعي وناشر علمه رضي الله عنهما: (( ... وكان تقباً ورِعاً ديِّناً صبوراً على الإقلال والتقشّف ، وكان من يُعاديه وينافسه من أهل مصر ، يرمونه بأنه كان يقول : القرآن مخلوق . وهذا لا يصحّ عنه ، فهجره قومٌ كثير من أهل مصر ، حتى كان يجلس مع نحو عشرة من أصحابه إلى عمود في المسجد ، ثم رأى بعضُ الصالحين من أهل مصر رؤيا حسنة تتعلق بالمزني - ذكرها ابن عبد البر - فأخبر الناسَ بها ، فرجع الناسُ إليه ، وزال ما في قلوبهم من التهمة له )) . انتهى بتصرف يسير . بل قد رُمي بهذه التهمة الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه . للنيل منه، كما تراه مكشوفاً مردوداً في مواضع من ((تأنيب الخطيب)) بقلم شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالى . انظر منه ص ٤ - ٦ و ٥٢ - ٦٦ . وجُرح بسببها الإمام البخاري رضي الله عنه! قال الإمام تاج الدين السبكي في ((قاعدة في الجرح والتعديل)) ص,١٢ : ((ومما ينبغي أن يُتَفَقّد عند الجرح: حالُ العقائد واختلافُها ٥ ٣٧٣ بالنسبة إلى الجارح والمجروح . فربما خالف الجارحُ المجروحَ في العقيدة ، فجرحه لذلك . ومن أمثلة ذلك قولُ بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ . فيا لله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول : البخاريّ متروك ؟! وهو حاملُ لواء الصناعة ، ومقدّمُ أهل السنة والجماعة. ثم يا لله والمسلمين أتُجعَلُ تَمادِحُهُ مَدَامٌ؟! فإن الحق في (مسألة اللفظ ) معه ، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى ، وإنما أنكرها الإمام أحمد رضي الله عنه لبشاعة لفظها)). قال شيخنا المحقّق الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على ((شروط الأئمة الخمسة)) الحازمي ص ٢١ - ٢٢ ((قال الذهبي في ((تذكرة الحفّاظ)» ص ٨٩٥ عند ترجمة الحافظ أبي الوليد حسان بن محمد النيسابوري : قال الحاكم : سمعت أبا الوليد يقول : قال أبي : أيَّ كتاب تجمع؟ قلتُ: أُخَرَجُ على ((كتاب)) البخاري، قال : عليك: ((كتاب)) مسلم ، فإنه أكبر بركة ، فإن البخاري كان يُنسَبُ إلى اللفظ. قال ابنُ الذّهبي: ومسلمٌ أيضاً منسوب إلى اللفظ (١). والمسألة مشكلة . اهـ . يُشير إلى ما وقع بين البخاري وشيخه محمد بن يحيى الذُّهلي . حين قَدِمَ البخاري نيسابور وسألوه عن اللفظ. فقال: القرآنُ كلامُ الله: غيرُ مخلوق، وأعمالُنا مخلوقة. قال أبو حامد بن الشّرْقي: سمعتُ الذهلي يقول: القرآنُ كلام اللّه غيرُ مخلوق ، ومن زعم (١) انظر مصداق ذلك في ((الأسماء والصفات)) للبيهقي ص ٢٦٧. ٠٠ ٣٧٤ . لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو مبتدع ، لا يجلس إلينا . ولا نُكلّمُ بعد هذا من يَذهَبُ إلى محمد بن إسماعيل البخاري . فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة ، وبعثَ مسلم إلى الذهلي جميعَ ما كانَ نتَبَ عنه على ظهر حَمَّال . وقال الذهلي : لا يُساكنني محمد بن إسماعيل في البلد ، فخشي البخاري على نفسه وسافر منها . ومسلم لم يُخْرِج بعد ذلك لا عن الذهلي ولا عن البخاري . وأما البخاري فأخرج حديث الذهلي في ((صحيحه)) ، مع ما جرى بينهما ، - في مقدار ثلاثين موضعاً قاله ابن خلكان في ترجمة مسلم - إلا أنه كان يقول : حدّثنا محمد ، أو : حدّثنا محمد بن خالد ، ينسبه إلى جدّه، أخذاً بعلمه، ودفعاً لما يُتوهّمُ من أنّ شيخَه محقٍّ في طعنه لو صَرّح باسمه . ولا إشكال في المسألة ، لأن الحق كان يجانب الشيخين في مسألة اللفظ وإن تعصّبوا عليهما . ومَنْ أشرف على سَيْر المسألة بعد محنة الإمام أحمد ، يَرَى مَبلغَ ما اعترى الرواةَ من التشدّد في مسائل يكون الخلافُ فيها لفظياً . وعلى تقدير عدّه حقيقياً يكون المغمزُ في جانبهم حتماً في نظر البرهان الصحيح ، فليتهم لم يتدخلوا فيما لا يعنيهم ، واشتغلوا بما يُحسنونه من الرواية . ولو فعلوا ذلك لما امتلأت بطونُ غالب كتب الجرح بجروح لا طائل تحتها ، كقولهم : فلان من الواقفة الملعونة ، أو من اللفظيّة الضالّة، أو كان ينفي الحَدّ عن اللّه فنفيناه. أو لا يستثني في الإيمان ٣٧٥ فمرجىءٌ ضالٌ"، أو جَهْميّ في غير مسألة الجبر والخلود ونحوهما. أو كان لا يقول: الإيمانُ قول وعمل فتركناه، أو يُنسَّبُ إلى الفلسفة أو الزندقة ، لمجرّد النظر في الكلام ، أو يَنظُر في الرأي ، ونحوٍ ذلك مما لبسطه موضع آخر . ومن أخطر العلوم : علمُ الجرح والتعديل ، وفي کثیر من الكتب المؤْلّفة في ذلك غلوٌ وإسراف بالغٌ ، ويظهر منشأ هذا الغلوّ مما ذكره ابن قتيبة في ((الاختلاف في اللفظ)) ص ٦٢ . ولا يخلو كتاب أُلّف بعد محنة الإمام أحمد في الرجال من البعد عن الصواب ، كما لا يخفى على أهل البصيرة الذين درسوا تلك الكتب بإمعان )» . انتهى . قال ابن قتيبة - ولد سنة ٢١٣ وتوفي سنة ٢٧٦ - في كتابه ((الاختلاف في اللفظ)) بعد أن استهل مقدمته ببيان ما آل إليه حالُ أهل العلم في عصره . من انتقالهم من تحصيل العلم للعمل ، إلى تحصيله للردّ على السالفين من الأئمة ورميهم بالابتداع في دين الله. وإلى المناظرة فيه مصحوبةً بقياد الهوى وزمام الرّدّى، ثم قال في ص ٩ - ١١ : (وكان آخِرُ ما وقع من الاختلاف أمراً خُص بأصحاب الحديث، الذين لم يزالوا بالسُّنّة ظاهرين . وبالاتّباع قاهرين ، يُدلجون يكل بلد ولا يُداجُون، ويُستَقْرُ منهم بالنِّحَل ولا يستترون. ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون . لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا ، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا . ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا . إلى أن كادهم الشيطانُ بمسألة لم يجعلها اللّه تعالى أصلاً في الدين ولا فرعاً، في جهلها سعة ، وفي العلم بها فضيلة . ٣٧٦ فنَحى شرُّها ، وعظُم شأنُها ، حتى فرَقَتْ جماعتهم ، وشتّت كلمتَهم ، ووهّنَتْ أمرَهم، وأشمتت حاسديهم ، وكفَتْ عدّوهم مُؤْنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم ، فهو دائب يضحك منهم ، ويستهزىء بهم ، حين رأى بعضَهم يُكفّرُ بعضاً ، وبعضهم يلعن بعضاً، ورآهم مختلفين وهم كالمتفقين ، ومتابينين وهم كالمجتمعين ، ورأى نفسه قد صار لهم سَلْماً بعد أن كان حَرْباً (١). ولما رأيتُ إعراضَ أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع ، وتركّهم تلقّه بالدواء حين بدا ، وبكشفِ القِناع عنه حين نَجَم ، إلى أن استحكمَ أساسُهُ ، وبسَق رأسُه ، وجرى على اعتياد الخطأ فيه الكهل ، ونشأ عليه الطفل ، وعسُر على المداوين أن يُخرجوا من القلوب ما قد استحكم بالإلف ، ونَبّت على شَراه اللحم : لم أرّ لنفسي عُذْراً في ترك ما أوجبه اللّه علي، بما وهب من فضل المعرفة ، في أمرٍ استفحل ، بأن قصّر مُقْصِّر ، فتكلّت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ، ما رجوتُ أن يقضي بعض الحق عني ، لعلّ اللّه ينفع به، فإنه بما شاء (١) علّق عليه شيخنا الكوثري رحمه اللّه تعالى بقوله: ((والمصنفُ - ابن قتيبة - شاهِدُ عيان فيما كان يجري في عصره من هذا القبيل. ومن طالع كتاب ((السنة والجماعة)) لحرب السَّيْرجاني، وكتاب ((الجامع)) من مسائله، و((نقض)) عثمان بن سعيد السجزي، و((الاستقامة)) الحُشَيْش بن أصرم، خلا كتابَ ((خلق أفعال العباد)) المنسوب لأبي عبد اللّه البخاري، وخلا ((كتاب السنة)) لعبد الله بن أحمد، وكلّهم من رجال عهد المؤلف - ابن قُتيبة ــ : يجدُ فيها من الروايات في الإكفار والتشدّد في القول : ما يسترشدُ به إلى مغزى كلام المصنف، وإلى مبلغ فتك هذا الداء داءٍ التنابُزِ والتنابُذِ بأهل هذا العهد ، في مسائل يمكن إرجاع غالبها إلى نزاع لفظي . وعلى تقدير عدّ النزاع حقيقياً ينقلب الأمرُ رأساً على عقب ، فيكون المبطلُ هو المتظاهر بأنه هو المحقّ"!)).