Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣١٧
ومع ذلك فما يوجد من أحاديث أبي حنيفة التي رواها بطريق
الإِسناد كثير أيضاً: منها ما قد جمعه الحُفَّاظ في (مسانيده)، ومنها ما
ذكره أصحابُه: محمد بن الحسن في ((الآثار)) و((الموطأ)) و((الحُجَج))
له وغيرِها من كتبه ، وأَبوٍ يوسف وابنُ المبارك والحسنُ بن زياد
وغيرُهم في كتبهم، ووكيعُ بن الجرَّاح في ((مسنده » ، وابن أبي شيبة
وعبدُ الرزاق في ((مصنّفَيهما)) والحاكم في ((المستدرك)) وغيرِه، وابنُ
حبان في ((صحيحه)) وفي ((الثقات)) له وغيرِهما، والبيهقيُّ في ((سننه))
وكتبه، والطبرانيُّ في ((معاجمه الثلاثة))، والدار قطنيٌّ في كتبه ،
وغيرُهم في غيرها ، لو جمعنا تلك الأحاديث كلها في مجلد واحد لكان
كتاباً ضخماً .
وقال الحافظ في ((التهذيب))(١): قال محمد بن سعد العَوْفي :
سمعت ابنَ معين يقول : كان أَبو حنيفة ثقةً لا يُحدِّث إِلا بما يحفظه ،
ولا يُحدِّث بما لا يحفظ. اهـ. وقال صالح بن محمد عن ابن معين :
كان أَبو حنيفة ثقةً في الحديث(٢).
(١) ١٠ : ٤٥٠ .
(٢) وإليك كلمةً في بيان مقام ( يحيى بن معين) من العلم بالرجال .
لتعرف منها قيمة ثنائه على الإمام أبي حنيفة وتوثيقه له . قال الحافظ
ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (يحيى بن معين) ١١ :
٢٨٠ - ٢٨٨: ((هو إمام الجرح والتعديل، روى عنه البخاري
ومسلم وأبو داود وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وأبو زُرعة
الرازي وأبو زُرِعة الدمشقي وخلائق آخرون . قال الآجري : قلت
لأبي داود : أيُّما أعلم بالرجال عليّ بن المديني أو يحيى بن معين؟
قال : يحيى عالم بالرجال ، وليس عند عليّ من خبر أهل الشام شيء .
وقال الإمام أحمد : كان يحيى بن معين أعلمنا بالرجال .

٣١٨
قال عبد الخالق بن منصور : قلتُ لابن الرومي : سمعتُ بعض
أصحاب الحديث يُحدّث بأحاديث يحيى بن معين ويقول : حدّثني
من لم تطلع الشمسُ على أكبر منه . فقال: وما يُعجّبُ؟ سمعتُ
ابن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله. وقال العجلي: ما خلق الله
تعالى أحداً كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع
مع أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ونظرائهم ، فكان هو الذي ينتخب
لهم الأحاديث ، لا يتقدمه منهم أحد ، ولقد كان يوْنى بالأحاديث
التي خُلُطَتْ وتلبَّسَتْ فيقول : هذا الحديث كذا ، وهذا كذا ،
فيكون كما قال)) . انتهى .
هذا يحيى بن معين هو ممن أخذ عن خاصَّة أصحاب أبي حنيفة .
وخالطهم وصاحبهم فعرفه منهم حقّ المعرفة بالصحبة الطويلة لهم، وهو
شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي حاتم ... ، وهو
إمام الجرح والتعديل بالاتفاق ، هذا الإمام هو الذي يزكي أبا حنيفة
ويُوثّقه في الحديث، ويثني على حفظه فيقول: (لا يُحدّثُ إلا بما
يحفظه ، ولا يُحدّثُ بما لا يحفظ ) ويقول أيضاً: ( ما سمعتُ أحداً
ضعَّفه) كما سينقله المؤلف قريباً في ص ٣٢٠ .
فابن معين أدرى بأبي حنيفة وأعلمُ به من غيره ، لقربه منه. زماناً
ومكاناً ، ولكثرة مخالطته لأصحاب أبي حنيفة وأخذِه عنهم . فقولُ ابن
معين في توثيق أبي حنيفة هو المتبع . لا قولُ البخاري أو من تابعه ممن
وُلِدَ بعد وفاة أبي حنيفة بدهر أو دهور، ونُقِلٍ له عنه نقلٌ مشوّه .
أو داخلَهُ تعصّبٌ عليه ، فإذا تكلم يحيى بن معين سكت مثلُ البخاري
ومسلم والنسائي وابن عدي والدار قطني ومن دونهم ، سكت كل
هؤلاء مسلمين له، وقد شهدوا له بتفرّده بمعرفة الرجال عامة .

٣١٩
وقال ابن عبد البر في كتاب ((فضائل الثلاثة الفقهاء)) (١).
وأذعنوا لإمامته بذلك .
فنَبْزُ بعض الشانئين - في هذا الزمن المتأخر - لإمام الأئمة ، ومقدّم
الأمة ، أبي حنيفة رضي الله عنه ، المجمع على جلالته وإمامته في
الاجتهاد والعلم، بقوله (١): ((ضعَّفوا حديثه من جهة حفظه )). منافٍ
للأمانة العلمية .
لأنه إن کان اعتمد في ذلك على قول البخاري ومن تابعه، فهو قول
مدخول لا يصح الاعتماد عليه ، كما أشرتُ إليه، وسيأتي سببُ انحراف
البخاري عنه ص ٣٨٠ . وعلى فرض سلامته من النقد والبواعث
والملابسات الخاصة ، فكان حقّ الأمانة العلمية على الشانىء أن يذكر
إلى جانبه أقوالَ معدِّليه وموثّقيه وهم أكثر وأشهر وأقوى معرفةٌ
بالرجال ، ومنهم ( شعبة بن الحجاج ) ، وستأتي شهادته لأبي حنيفة
بجودة الحفظ في ص ٣٢٥. ومنهم أيضاً شيخا البخاري والمقدّمان عليه
في هذا العلم بالاتفاق وهما الإمامان الجليلان (يحيى بن معين ) و(علي
ابن المديني ) . وسينقل المؤلف توثيقه لأبي حنيفة قريباً في ص ٣٢٣.
فذكرُ ذاك الثانىء الجرح دون التوثيق منافٍ للأمانة العلمية ، إذ من
المقرر في علم الرجال أن ذكر الجرح دون التعديل ظلم وخيانة . ولا
أظن به أنه يجهل هذا ، وإنما غلبه التعصّبُ الذميم على الإمام أبي حنيفة .
ولعلنا نبسط كشف حاله وتعصّبه في مكان آخر يتسع فيه القولُ لبيان .
ذلك بعون الله تعالى .
وانظر النصّ الصريح من ( شعبة ) في جودة حفظ أبي حنيفة وما
علَّقْتُه عليه في ص ٣٢٥.
(١) هو ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) ص ١٢٧. ووقع في
(١) في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) ٥ : ٧٦ .

٣٢٠
قال عبد الله بن أحمد الدَّورقي : سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن
أبي حنيفة ؟ فقال ابنُ معين: هو ثقة ما سمعتُ أَحداً ضعفَه (١)، هذا
شعبةُ بن الحجاج يكتب إليه أَن يُحدِّث، ويأمُرُه، وشعبةُ شعبةٍ(٢). اهـ.
وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم » له : قیل لابنمعین : يا أبا
ز کریا أبو حنيفة کان يَصْدُق في الحدیث؟ قال: نعم صدوق ، وقال : كان
الأصل تحريف تبعاً للمصدر المنقول عنه هكذا : (سئل يحيى بن معين
وعبد الله بن أحمد الدورقي : يسمع من أبي حنيفة ؟ فقال ابن معين ...
يكتب إليه أن يُحدث بأمره ... ) فعدّلتُه إلى ما تراه ، والتصويب
من ((الانتقاء)، ص ١٢٧ .
(١) وتقدم تعليقاً في ص ٣١٢ قولُ الإمام الكشميري: ((فعُلِمَ - أي
من كلام ابن معين هذا - أنّ الإمام الهُمّام أبا حنيفة رحمه الله تعالى
لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين رحمه اللّه تعالى)).
(٢) وإليك كلمة موجزة في فضل شعبة ، لتعرف منها قيمة تزكيته وتوثيقه
للإمام أبي حنيفة . فهو : شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري أبو
بسطام ، ولد سنة ٨٢ وتوفي سنة ١٦٠ بالبصرة ، وهو شيخُ شيوخ
البخاري ومسلم وشيوخ شيوخ شيوخهما ، جاء في ترجمته في ((تهذيب
التهذيب)) للحافظ ابن حجر ٤ : ٣٤٤ و٣٤٥ ((قال الإمام أحمد :
كان شعبة أمةً وحده في هذا الشأن ، يعني في الرجال وبصره بالحديث
وتثبته وتنقيته للرجال . وقال ابن إدريس : ما جعلتَ بينك وبين
الرجال مثلَ شعبة .
وقال ابن حبان : شعبة هو أول من فتَّشَ بالعراق عن أمر المحدثين
وجانَبَ الضعفاء والمتروكين ، وصار عَلَماً يُقتدى به ، وتَبعَه عليه
بعده أهلُ العراق. وقال الحاكم: شعبةُ إمام الأئمة في معرفة الحديث))=

٣٢١
شعبة حسَّنَ الرأي فيه. (١) أهـ.
وجاء في ((خلاصة الخزرجي)): ((قال ابن معين: شعبة إمام المتقين)).
وفي ((إعلام الموقعين)) لابن القيم ٢٠٢:١ ((قال بعض أئمة الحديث :
إذا رأيت شعبة في إسناد حديث، فاشْدُد يديك به)). انتهى. وذلك
لقوة تشدّده في الرجال ونقده لهم .
قلت : ومن أجل هذا كان بعض كبار المحدثين حمَّدُ بن زيد إذا
حدَّث عن شعبة قال : حدثنا الضّخُم عن الضِخام ، شعبةُ الخيرِ
عاصر أبا حنيفة وخالطه وخبره ، فتنزكيته له
أبو بسطام . فهو من
وتوثيقه إياه هو توثيق المشاهدة والمعرفة . فهو مقدم على جرح صدر
ممن لم يعرفه ولا رآه ولا عاشره ، وإنما نُقل له عنه نقل اللّه أعلم به.
فقد يكون داخَلَه هوى أو تعصب أو حزازة أو غيرها مما لا يتسلم
منه من ليس بمعصوم
(١) وروى الحافظ ابن عبد البر أيضاً، في كتابه ((الانتقاء في فضائل
الثلاثة الأئمة الفقهاء )» ص ٣٢، بسنده إلى الإمام أبي داود السجستاني
صاحب ((السنن)) أنه كان يقول: ((رحم الله مالكاً كان إماماً.
رحم الله الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً)). انتهى.
والإمام أبو داود رحمه الله تعالى يَرُدّ بهذا التعديل والتزكية - بلُطف-
على البخاري ومن تَبِعَه من المتعصبة على أبي حنيفة .
ولفظُ (إمام) من أعلى ألفاظ التوثيق والتعديل، كما نصّ على
ذلك الحافظ السخاوي والعلامة السندي ، ونقله عنهما العلامة اللكنوي
في ((الرفع والتكميل)) ص ١٢١. وكما تقدم ذكره في هذا الكتاب
في ( ألفاظ التعديل) ص ٢٤٣، فانظره ثم قل للمتعصبة على أبي،
حنيفة من أهل عصونا: قاتل الله الهوى والتعصّب فإنه يُعمي ويُصِمّ
أصحابه !

٣٢٢
قال ابن عبد البر(١): الذين رووا عن أَبي حنيفة ووثَّقود أَكثَرُ من
الذين كلَّموا فيه(٢).
(١) في ((جامع بيان العلم وفضله، ١٤٩:٢.
(٢) هذا كلامُ الإمام ابن عبد البر ، حافظ المغرب ، المجمع على إمامته
ونزاهته ، وهو مالكي المذهب ، وفيه رَدّ على من ضعف أبا حنيفة ،
فقد مَرّ ابن عبد البر ولا ريب بكلام البخاري وغيره في أبي حنيفة ،
وما هو ممن يجهل ذلك، ولكنه رآه كلاماً مردوداً لا يُلتَفَتُ إليه .
فلم يحفل به وإن قاله البخاري أو غيره ، فليس قائلُهُ بمعصوم . بل
هو بشَرٌ يداخله الرضا والغضب والتأثر والضعف كما يداخل سائر
الناس .
وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) أيضاً ١٤٨:٢
((أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة ، وتجاوزوا الحد في ذلك.
والسببُ الموجبُ لذلك عندهم إدخالُه الرأي والقياس على الآثار واعتبارُ هما.
وأكثرُ أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر .
وكان رَدُّه لما رَدّه من أخبار الآحاد بتأويلٍ محتمل، وكثيرٌ منه قد
تقدّمه إليه غيرُه. وتابعَه عليه مثلُهُ ممن قال بالرأي)).
ثم قال ابن عبد البر موجهاً موقفَ أبي حنيفة: ((وما أعلم أحداً
من أهل العلم إلا وله تأويلٌ في آية ، أو مذهبٌ في سُنّة، رَدْ من
أجل ذلك المذهبٍ سُنّةً أخرى بتأويل سائغ أو ادعاءٍ نسخ)) .
ثم ذكر ابن عبد البر وقوعَ ذلك من الإمام مالك رضي الله عنه .
حتى قال الليث بن سعد : ((أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألة
كلُّها مخالفةٌ لسُنّةِ النبي ◌ِ ◌ّلِ مما قال مالك فيها برأيه، ولقد كتبتُ
إليه في ذلك .

٣٢٣
وقال الإِمام علي بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن
المبارك، وهو ثقةٌ لا بأس به. اهـ (١).
قال أبو عمر -ابن عبد البر -: ليس لأحد من علماء الأمة أن يُثبِتَ
حديثاً عن النبي ست الكريم يردّه دون ادعاء نسخ عليه بأثرٍ مثله، أو بإجماعٍ
أو بعملٍ يجب على أصله الانقيادُ إليه ، أو طعنٍ في سنده . ولو فعل
ذلك أحد سقطتْ عدالته، فضلاً عن أن يُتّخذَّ إماماً ، ولزمه اسمُ
الفسق .
ونقموا أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء ، ومن أهل العلم من يُنسَّبُ إلى
الإرجاء كثير ، ولم يُعْنَ أحد بنقل قبيح ما قيل فيه كما عُنُوا بذلك
في أني حنيفة، لإمامته، وكان أيضاً مع هذا يُحسَدُ ويُنسَّبُ إليه ما
ليس فيه ، ويُختلَقُ عليه ما لا يليق. وقد أثنى عليه جماعة من العلماء
وفضّلوه ولعلنا إن وجدنا نشطةً أن نجمع من فضائله وفضائل مالك
أيضاً والشافعي والثوري والأوزاعي كتاباً أَمّلْنا جَمْعَه قديماً في أخبار
أئمة الأمصار إن شاء اللّه)). انتهى .
وقد حقق اللّه له هذا الأمل، فألف كتابه ((الانتقاء في فضائل الثلاثة
الأئمة الفقهاء)) أبي حنيفة ومالك والشافعي ، وهو مطبوع ، فجزاه
اللّه خيراً عن المسلمين وأئمتهم وعلمائهم .
(٣) من ((الجواهر المضية)) للقرشي ٢٩:١ . وهذا الترادف في قول ابن
المديني ( ثقة لا بأس به ) صريح في أن قول ابن المديني (لا بأس به )
بمعنى قوله (ثقة) تماماً كما قدمته مشروحاً في ص ٢٥٠ .
هذا ، وإليك كلمةً وجيزة في بيان منزلة علي بن المديني ، لتدرِكَ
منها قيمة توثيقه لأبي حنيفة . فهو شيخ البخاري الذي ملأ (( صحيحه )).
٠٫٠٠٠

٣٢٤
من روايته ، والذي أقرّ له البخاري بالعلم والتمكن البالغ فيه . ففي
ترجمته في ((تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ٣٥١:٧ و ٣٥٢
و ٣٥٦ «قال البخاري: ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي
ابن المدني، وكان أعلمَ أهل عصره. وقال النسائي: كأنّ اللّه عزّ
وجلّ خَلَقَ عليّ بن المديني لهذا الشأن. وقال أبو يحيى: كان علي
ابن المديني إذا قدم بغداد تصدّر الحلقة ، وجاء يحيى بن معين وأحمد
ابن حنبل والمعيطي والناس يتناظرون ، فإذا اختلفوا في شيء تكلّم
فيه علي". وكان سفيان بن عيينة يسمي عليّ بن المديني: حيّة الوادي)).
وذلك لقوة معرفته بالرجال والسّنّة ودقّةٍ نظره ، فلا يخفى عليه
زَغَلُ الواهين والضعفاء .
ثم إذ ( علي بن المديني ) متشدد في الرجال تشدداً معروفاً. نصّ
عليه غيرُ واحد . منهم الحافظ ابن حجر في ترجمة ( فُضَّيل بن
سليمان النُّميري) في ((تهذيب التهذيب )) ٨: ٢٩٢ و (( هدي الساري))
ص ٤٣٤ و ٢ : ١٥٦ فقال: ((روى عنه علي بن المديني وكان من
المتشدّدين)) .
وليس علي بن المديني ممن يُحاني أبا حنيفة، ولو كان يجابيه لحانى
أباه ، فقد ضعفه ، ولم يُحدّث عنه ، وقال : هو الدين .
فمثلُ هذا الإمام إذا وثَّق أبا حنيفة ، وهو بعهده أقرب ، وبزمنه
وسيرته أعرف ، وجرّحَه البخاري - وعلى فرْض خُلوّ جرح البخاري
من الدوافع والمؤثرات من دافع تعصب أو نقل مدخول أو اختلاف
مذهب ، إذ أبو حنيفة فقيه ومن أهل الرأي ، والبخاري محدّث لا
يحتمل التوسع في الرأي . وأبو حنيفة لا يرى أن الإيمان قول وعمل
يزيد وينقص ، والبخاري يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص-
فتوثيقُ شيخِهِ علي بن المديني مقدّم بلا ريب على جرح تلميذه
البخاري ، لما تقدلت الإشارة إليه من جلالته وإمامته المجمع عليها
ومن تشدّدّه في الرجال .

٣٢٥
وقال الحافظ ابن الأثير الجزري: كان إماماً في علوم الشريعة
مَرْضيّاً . اهـ .
وفي ((الخيرات الحسان)) لابن حجر المكي: وقال شعبة: كان والله
حسَنَ الفهم جيّدَ الحفظ. اهـ(١).
وذكر ابن منده بسنده إلى ابن معين قال : سمعتُ علي بن مُسْهِر
يقول : خرج الأُعمش إلى الحجِّ، فلما أتى القادسيَّة دعاني وكان يعرفني
بمجالسة أبي حنيفة، فقال لي: ارجع إلى المصر ( أَي الكوفة) وسلْ أَبا
حنيفة أَن يكتب لي المناسك، فرجعت فسألته فأَعلى عليَّ ثم أَتِيتُ بها
إلى الأعمش . اهـ .
(١) هذا نصٌّ صريح في قوة حفظ أبي حنيفة، يَبهَتُ كلَّ من بَهَتَه
بضعف الحفظ ، وهو صادر من شعبة بن الحجاج الذي عاصره وخالطه
وهو من عَرَفتَ إمامةً وديناً وتشدّداً في الرجال - مصحوباً بالقسم
باللّه على جودة حفظ أبي حنيفة . وقد نقله الشيخ ابن حجر المكي وهو
شافعي المذهب، في كتابه ((الخيرات الحسان)) ص ٣٤ . فيَسقُطُ به
كل ما ادّعاه المتعصبون والحاقدون من ضعف حفظ الإمام أبي حنيفة .
وقد صحّ عن أبي حنيفة رضي الله عنه صحةَ التواتر المعنوي: ختْمُه
القرآن الكريم في ركعتين ، كما حقّقه العلامة عبد الحي اللكنوي في
كتابه ((إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة )) ص ٧٦-
٨٢ . وهذا دليل على قوة حفظه . وقد أصبح ذكاؤه وحفظه مضرب
مثل في مشارق الأرض ومغاربها، قال الحافظ الذهبي في ((العِبَر))
١: ٢١٤ ((وكان أبو حنيفة من أذكياء بني آدم)). فأنّى يؤفكون؟!

٣٢٦
وقال الأوزاعي: هو أَعلَمُ الناس بمعضلات المسائل . وقال الإِمام
جعفر بن محمد الصادق: أبو حنيفة أَفقه أهل بلده . اهـ . وقال سفيان
ابن عيينة: شيئان ما كنت أُرى أَنَّ قراءةَ حمزة ورأْيَ الإِمامِ يَتجاوزانِ
قنطرةَ الكوفة، وقد بَلَغا الآفاق. اهـ . وعن الواقدي قال: كان مالك
- الإِمام - يقول بقوله وإن كان لا يُظهره . اهـ .
وقال يحيى بن آدم : سمعت الحسن بن صالح يقول : كان النعمان
ابن ثابت فهِماً عالماً متثبِّتاً في علمه . اهـ (١) . وقال ابن المبارك: كان
مِسعر - ابن كِدَام -: إذا رآه قام له، وإِذا جَلَس جَلَس بين يديه ،
وكان معظُّماً له مائلاً إليه ومثنياً عليه، ومِسْعَر من مفاخر الكوفة
في حفظه وزهده. وقال السمعاني في ((الأنساب)) له : قال مِسعر: من جعل
أبا حنيفة بينه وبين الله رجوتُ أَنَ لا يخافَ ولا يكونَ فرَّط في الاحتياط
لنفسه . اهـ .
وقال ابن حجر في «قلائده)»: قال سفيان الثوري: کنا بين يدي
أبي حنيفة كالعصافير بين يدَي البازي، وإِنَّ أَبا حنيفة سيِّدُ العلماءِ. اهـ .
وقال ابن خَلِّكان في ((تاريخه)): قال ابن معين: القراءةُ عندي قراءةُ
حمزة، والفقهُ فقهُ أبي حنيفة، وعليه أدركتُ الناس . اهـ .
وقال ابن حجر - المكي - : قال بعض الأئمة : لم يظهر لأحد من
الأئمة المشهورين مثلُ ما ظهر لأَّبي حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم
(١) وقع في الأصل ( كان النعمان ... فيما نعلم متثبتاً فيه ) . وهو تحريف
تصويبه عن ((الانتقاء)) لابن عبد البر ص ١٢٨ .

٣٢٧
ينتفع العلماءُ وجميعُ الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير
الأحاديث المُشْبِهة والمسائل المستنبطة. اهـ . ((رد المحتار)).
قال ابن عبد البر(١): والذين تكلَّموا فيه من أَهل الحديث أكثَرُ
ما عابوا عليه الإِغراقُ في الرأي والقياس. أَي وقد مَرَّ(٢) أَن ذلك ليس
بعيب. اهـ . وقال يحيى بن معين: أصحابنا(٣) يُفْرِطون في أبي حنيفة
وأصحابه . اهـ .
وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي : الناسُ في أبي حنيفة حاسد وجاهل ،
وأحسنهم حالاً عندي الجاهل . اهـ . وقال له رجل: ما عَيَّبَ الناسُ فيه
على أبي حنيفة ؟ فقال: والله ما أَعلَمُهم عابوا عليه في شيء، إلا أنه قال
فأَصاب، وقالوا فأَخطأُوا، ولقد رأيتُه يسعى بين الصفا والمروة وأَنا
معه ، وكانت الأَعين محيطة به . اهـ .
وذكرَ ابنُ أَبي عائشة(٤) حديثاً لأبي حنيفة، فقال بعضُ من حضّر:
لا نريده فقال: أَما إنكم لو رأيتموه لأَردتموه، وما أُعرِف له ولكم
مَثَلاً إلا ما قال الشاعر :
أَقِلُوا عليهم ويُلَكُمْ لا أَبا لكُمْ
مِنَ اللَّوْمِ أَو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا
(١) في ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٤٩:٢.
(٢) أي عند ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٤٨:٢ .
(٣) يعني : أهل الحديث .
(٤) هو موسى بن أبي عائشة ، من رجال ( الجماعة ) ، ثقة عابد تابعي (ش).

٣٢٨
اهـ . ذكره الخطيب .
وقال العيني في ((البناية)): أبو حنيفة أثنى عليه جماعةٌ من الأَّئمة
الكبار مثلُ عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، والأعمشِ، وسفيان
الثوري، وعبدِ الرزاق، وحمادٍ بن زيد، ووكيعٍ وكان يُفتي برأيه،
والأَئمةُ الثلاثة مالك والشافعي وأَحمَدُ وآخرون كثيرون . اهـ .
وقال الإمام الشافعي : قيل لمالك: هل رأيتَ أبا حنيفة ؟ قال : نعم
رأَيتُ رجلاً لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحُجَّته .
ذكره السيوطي . وقال إسماعيل بن أبي فُدَيك: رأيتُ مالكاً قابضاً على
يد الإِمام وهما يمشيان، فلما بلغا المسجد قدَّم الإِمامَ ( أَي أبا حنيفة) . اهـ
ذكره القاري .
وقال النضر بن محمد المَرْوَزي وكان من أصحاب أبي حنيفة : قَدِمَ
علينا يحيى بنُ سعيد الأنصاري، وهشامُ بن عروة، وسعيدُ بن أبي
عَرُوبة ، فقال لنا أبو حنيفة : انظروا أَتجدون عند هؤلاء شيئاً نسمعه . اهـ.
فيه دليل على طلبه للحديث .
وقالٍ حِيَّان ( بن علي): كان أَبو حنيفة لا يُفْزَعُ إليه في أمر الدين
والدنيا إِلا وُجِدَ عندهُ في ذلك أَثْرٌ حَسَن. اهـ. ذكره القرشي في ((الجواهر
المضية)) (١). وفيه أيضاً في ترجمة يوسف بن يعقوب الإمام أبي يوسف
أنه روى عن أبيه عن أبي حنيفة ((كتابَ الآثار)) وهو مجلد ضخم. اهـ .
(١) ١ : ١٨٤ .

٣٢٩
وروى الطحاوي عن بكار بن قتيبة سمعت أبا عاصم النبيل قال :
كنا عند أبي حنيفة بمكة ، فكَثُرَ عليه أَصحابُ الحديث وأصحابُ
الرأي، فقال: ألا رجل يذهب إلى صاحب الرَّبْعُ(١) حتى يُفرِّقَ عنا،
هؤلاء . اهـ . فيه دليل على عظمته في قلوب المحدثين والفقهاء جميعاً(٢).
وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (٣): قال لي أبي: يا بني عليك
بالنعمان بن ثابت، فخذ عنه قبل أن يفوتك، قال يحيى : ربما غَرضتُ
على أَبي فتياه فتعجَّب به. اهـ . وقيل لوكيع(٤): تَخْتلِفُ إِلى زُفَر ؟
فقال: غررتمونا بأبي حنيفة حتى مات، تريدون أَن تَغْرُّونا عن زُفَر
حتى نحتاج إلى أَسَدٍ - أي أسَد بن عَمْرو الكوفي - وأصحابِهِ . اهـ .
وقال علي بن الجَعْدِ(٥): كان رجل يختلف إلى زهير (بن معاوية)
ثم فقده، فأَتاه بعد ذلك فقال: أين كنت ؟ قال : ذهبت إلى أَبي
حنيفة، فقال: نِعْمَ ما تعلَّمت، لَمَجلِسٌ تجلسه مع أبي حنيفة خيرٌ لك
من أن تأتيني شهراً . اهـ . وقال الصَّيمري(٦): ومن أصحاب أبي حنيفة
(١) أي صاحب المنزل .
(٢) فكان كلّما راح إلى بلدة كثُرَ عليه أصحاب الحديث والفقه يسألونه،
ولا شك أن أهل الحديث إنما يسألون عن الحديث لا غير٤. قاله المؤلف
في ((إنجاء الوطن)) ٢٨:١ .
(٣) هو ثقة حافظ (ش ) .
(٤) هو وكيع بن الجراح ، حافظ مسند (ش).
(٥) شيخ البخاري، ثقة. من (( إنجاء الوطن)) ٢٨:١ .
(٦) هو شيخ الخطيب ثقة، أثنى عليه الحافظ الخطيب . (ش ).

٣٣٠
عليّ بن مُشْهِر (١)، وهو الذي أَخذَ عنه سفيان ( الثوري ) عِلْمَ أبي حنيفة ،
ونسَخَ منه كتبَه . اهـ .
وقال بِشْرُ بن الوليد القاضي(٢): كنا نكون عند سفيان بن عيينة،
فإِذا وردَتْ علينا مسألة مُشكِلَة يقول: هاهنا أحد من أصحاب أبي حنيفة ؟
فيقال: بِشْر، فيقول: أَجب فيها فأُجيب، فيقول: التسليمُ للفقهاء
سلامةٌ في الدين . اهـ (٣).
وحكى الحافظ ابن منده، بسنده إلى الأعمش أنه جاءه رجل فسأَله
عن مسألة ، فقال: عليك بأَهل تلك الحلقة، فإنهم إذا وقعت لهم مسألة
لا يزالون يُديرونها حتى يصيبوها، يعني حلقة أبي حنيفة. اهـ .
وروى الخطيب البغدادي(٤) بسنده عن ابن كرامة قال : كنا عند
وكيع بن الجراح يوماً، فقال رجل: أَخطأً أَبو حنيفة، فقال وكيع :
كيف يَقْدِرُ أَبو حنيفة أَن يخطىء ؟ وعنده مثلُ أَبي يوسف وزُفّر
ومحمد في قياسهم واجتهادهم، ومثلُ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
وحفص بن غياث وحِبَّان ومَنْدَلٍ ابني عليّ في حفظهم للحديث ومعرفتِهِم
(١) ثقة روى له الشيخان. من (( إنجاء الوطن)) ٢٨:١ ..
(٢) وثّقه الدار قطني، وصدّقه صالح جَزّرة. من ((إنجاء الوطن)) ٢٩:١.
(٣) من ((الجواهر المضية)) للقرشي ١٦٦:١، وذكره الخطيب باسناده
إلى بشر بن الوليد في ((تاريخ بغداد)» ٨٢:٧ كما ذكره الخوارزمي
في ((جامع المسانيد)) ٤١٨:٢.
(٤) في (( تاريخ بغداد)) ١٤ :٢٤٧.

٣٣١
به، والقاسم بن معن في معرفته باللغة والعربية ، وداود بن نُصَير الطائي
وفُضَيل بن عِيَاض في زهدهما وورعهما ، من كان أصحابُه هؤلاءٍ أَو
جلساؤه لم يكن ليخطىء، وإن أخطأَ رَدُّوه إلى الحقِّ. اهـ .
وروى الطحاوي بسنده إِلى أَسَد بن الفُرات قال : كان أصحاب أبي
حنيفة الذينَ دَوَّنوا الكتب (١) أربعين رجلاً، فكان في العشرة المتقدمين
أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأَسد بن عَمْرو، ويوسف بن خالد
السَّمْتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم
ثلاثين سنة . اهـ .
قلت: فمن كان أَجِلَّةُ أَصحابه مثلَ هؤلاء الحفَّاظ، الذين أَذْعَن
المحدِّثون لحفظهم وسعة علمهم، كيف يمكن أن يكون قليلَ الحديث ؟
الو خيفة ماقد للحديث صاحب جرح وتعديل
روى الترمذي في ((علله)) (٢) عن يحيى الحِمَّاني سمعت أبا حنيفة
يقول: ما رأيت أُكذبَ من جابر الجُعْفي، ولا أَفضلَ من عطاء . اهـ .
(١) أي المسائل التي أملاها الإمام .
(٢) هو الذي في آخر كتابه «الجامع )»١٣: ٣٠٩. وهو ((العلل الصغير)).
وقدّم شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى لهذا الفصل في ((إنجاء الوطن))
١: ٣٠ بقوله: ((اعلم أن الإمام أبا حنيفة قد قُبل قوله في الجرح والتعديل
وأصول الحديث ، وتلقّه عنه علماء هذا الفن ، وذكروه في كتبهم

.ج -
٣٣٢
وذكر البيهقي في ((المدخل)) له بسنده عن عبد الحميد الحِمَّاني، سمعتُ
أَبا سعد الصَّنْعاني وقام إلى أبي حنيفة فقال: يا أبا حنيفة ما تقول في
الأَّخذ عن الثوري ؟ فقال: اكتُبْ عنه، فإِنه ثقة ما خلا أحاديثَ أَبي
إسحاق عن الحارث، وحديثَ جابر الجُعْفي. اهـ (١) .
فيه ما يدلُّ على تقدُّمه في الحديث عند أهل عصره حتى كان يُسأَّل
عن سفيان وأَضرابه ، ويَنتقد أحاديثهم ، وقد تقدَّم قولُ سفيان بن
عيينة (٢): أَوَّلُ من أَقعدني للحديث أبو حنيفة. اهـ . وفيه دليل على
قبولِ قولِه في الجرح والتعديل، فإِذا عدَّل أَحداً أَقبل الناسُ إليه وأَكُّوا
عليه .
وقال أبو حنيفة في زيد بن عيَّش: إنه مجهول، ذكره الحافظ في
((التهذيب))(٣). وقال أبو حنيفة: طَلْقُ بن حبيب كان يَرى القَدَر. اهـ (٤).
وقال يعقوب بن شيبة : قلت لعلي بن المديني: كلامُ رَقَبَةَ بن مَصْقَلة
الذي يُحدِّثه سفيان بن عيينة عن أبي حنيفة ؟ قال يعقوب: فَعَرَفه
عليّ بن المديني وقال: لم أَجده عندي . اهـ ٩) .
احتجاجاً به أو اعتداداً ، كتلقيهم عن الإمام أحمد والبخاري وابن
معين وابن المديني وغيرهم من شيوخ الصنعة، وهذا يدلك على عظمة
شأنه في الحديث وسعة علمه وسيادته)). ثم ذكر أقوالَ أبي حنيفة التالية.
(١) من ((الجواهر المضية)) ٣٠:١.
(٢) في ص ٣١٥ .
(٣) ٣ : ٤٢٤ .
(٤) من ((الجواهر المضية)) ٣٠:١.

٣٣٣
وقال أبو سليمان الجوزجاني : سمعتُ حماد بن زيد يقول: ما عرفنا
كنية عَمْرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام وأبو حنيفة
مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة كلِّمه يحدثنا، فقال: يا أَبا
محمد حدَّثهم، ولم يقل يا عمرو. اهـ. من ((الجواهر المضية))(١). وفيه
دليل على معرفته بالرجال وتقدّمِه عند الشيوخ (٢) .
هـ .
وذكر الحافظ في ((التهذيب» (٣) قال محمد بن سماعة، عن
أبي يوسف ، عن أبي حنيفة: أَفرط جهمٌ في النفي حتى قال: إنه ليس
بشيءٍ، وأَفرط مُقاتِلٌ في الإثبات حتى جعل الله تعالى مثلَ خَلْقِهِ. اهـ .
وذكر الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٤) عن أبي حنيفة: ما رأيتُ أَفقهَ
من جعفر بن محمد ( الصادق) . اهـ .
وقال الطحاوي : حدثنا سليمان بن شعیب، حدثنا أبي، قال ن أَمْلَى
علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يُحدِّث
من الحديث إلا بما حفِظَه من يوم سَمِعَهُ إِلى يوم يُحدِّثُ به . وقال أَبو
قَطَنِ(٥): قال لي أبو حنيفة: اقرأْ عليَّ وقل: حدَّثَني، وقال لي مالك :
(١) ١ : ٣١ .
(٢) حتى كانوا يتوسلون به إلى السماع من الأكابر العظام. من (( إنجاء
الوطن)) ١ : ٣٢.
٦
(٣) ١٠ : ٢٨١ .
(٤) ١ : ١٦٦ .
(٥) هو : عمرو بن الهيثم ، ثقة من رجال مسلم . (ش).
٠٠

٣٣٤
اقرأ عليَّ وقل: حدَّثَني، رواه الطحاوي. اهـ. من ((الجواهر المضية))(١).
وفي ((تدريب الراوي))(١) روى البيهقي في (المدخل)» عن مكي بن
إبراهيم قال : كان ابنُ جريج وعثمان بن الأسود وحنظلة بن أبي سفيان
ومالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة وهشام وغيرهم يقولون: قراءتُك
على العالم خير من قراءة العالم عليك . اهـ .
وفيه أيضاً(٣): ومنَعَ إِطلاقَ ((حدثنا))و؛ أَخبرنا، هنا ( أَي في القراءة
على العالم) عبدُ الله بن المبارك وأحمدُ والنسائي وغيرُهم، وجوَّزهما طائفة
من المحدثين ومعظمُ الحجازيين والكوفيين كالثوري وأبي حنيفة . اهـ .
وفيه (٤) أيضاً في ذكر المناولة: وهذه المناولة كالسماع في القوَّة عند
الزهري والشعبي وإبراهيم وربيعة وعلقمة ومالك، والصحيح أنها منحطة
عن السماع والقراءة، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي. اهـ .
وفيه أيضاً(٥) : ثم المرسَلُ حديث ضعيف، لا يُحتَجِّ به عند جماهير
المحدثين والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة منهم أحمدُ:
صحيح. اهـ . وقد تقدَّم(٦) نقلاً عن القاري وغيره أن أبا حنيفة قَبِل
(١) ٣٢:١. وأصله في ((الكفاية)) للخطيب ص ٣٠٧.
(٢) ص ٢٤٤
(٣) ص ٢٤٥ .
(٤) ص ٢٧٠ - ٢٧١
(٥) ص ١١٩ .
(٦) في ص ٢٠٤ .

٣٣٥
رواية المستور ، وتَبِعَهُ فيه ابنُ حِبَّان. اهـ .
وفيه أيضاً (١): روى البيهقي في (المدخل)) عن أَبي عصمة سعد بن
معاذ قال : كنت في مجلس أبي سليمان الجُوزقاني، فجَرَى ذِكرُ ( حدثنا )
و ( أخبرنا)، فقلت: إِن كلاهما سواءٌ، فقال رجل: بينهما فرق ، أَلا
تَرى محمد بن الحسن قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا
فأَنتَ حرّ، فكتب إليه بذلك عتَق، وإن قال : إِن حدثتَني بكذا فكتَب
إليه بذلك لا يعتِق . اهـ .
قلتُ: والمسألة مذكورة في ((الهندية))(٢)، ولم يذكر فيها خلافاً،
فهو قول أبي حنيفة أيضاً .
وفيه أيضاً(٣): وإِذا وجَدَ سماعه في كتابه ولا يذكره، فعن أَبي
حنيفة وبعضِ الشافعية لا يجوز له روايتُه حتى يتذكر، ومذهبُ الشافعي
وأكثرٍ أصحابه وأبي يوسف ومحمد بن الحسن جوازُها وهو الصحيح،
وشرطُهُ أَنِ يكون السماعُ بخطه أَو بخط من يثق به ، والكتابُ مصونٌ
بحيث يغلبُ على الظنِّ سلامتُه من التغيير ، فإن شَكَّ فيه لم يجز الاعتماد
عليه . اهـ .
قلت: ولا يخفى ما في قول أبي حنيفة من الاحتياط والتوفيِّ في باب
الرواية .
(١) ص ٢٧٩ .
(٢) أي في ((الفتاوى الهندية)) في (باب الأيمان) ٦٦:٣ .
(٣) أي في ((تدريب الراوي)) للسيوطي ص ٣١٠.
٠,٠٠

٣٣٦
وبالجملة فأَقوالُ هذا الإِمام في باب الجرح والتعديل، وأُصولِ
الرواية والتحديث، أكثرُ من أَن تُحصى (١)، ولم يزل المحدثون ينقلونها
ويأخذون بها قديماً وحديثاً . وفي كل ذلك دليلٌ على كونه إماماً كبيراً
مجتهداً في علم الحديث كما هو كذلك في الفقه، وقد اعترف بذلك
(١٣) وقد أشار إلى طائفة حسنة منها شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى
في ((تأنيب الخطيب)) ص ١٥٢-١٥٤ وفي ((فقه أهل العراق وحديثهم))
وما علَّقْتُه عليه ص ٣٢ - ٣٩، فانظرهما لزاماً . ومما ذكره مما
يتصل بالمقام هنا قولُه في ص ١٥٣ ((ومن أصول أبي حنيفة أيضاً:
ردُّ الزائد متناً كان أو سنداً إلى الناقص ، احتياطاً في دين الله، كما
ذكره ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)).
وقال شيخنا أيضاً في ((فقه أهل العراق وحديثهم)) ص ٣٥، وهو
يُعدّدُ جانباً من القواعد المرضية عند أبي حنيفة: (( وكذلك اقتصارٌ
تسويغ الرواية بالمعنى على الفقيه، مما يراه أبو حنيفة حتماً)). انتهى.
وبهذا يوفق بين قول السيوطي في ((التدريب)) ص ٣١٢ (( وجوَّزه
جمهور السلف والخلف منهم الأئمة الأربعة )) . وقولٍ علي القاري في
شرح مسند الإمام أبي حنيفة ((سند الأنام)) ص ٣: ((إن أبا حنيفة
لا يجيز الرواية بالمعنى)) .
ويذكر الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٢٦ بسنده إلى ابن المبارك قال:
(( سأل أبو عصمة أبا حنيفة : من تأمرني أن أسمع الآثار ؟ قال : من
كل عدْلٍ في هواه إلا الشيعة، فإنّ أصلَ عَقْدِهِم: تضليلُ أصحاب
محمد عَ لله، ومن أنى السلطان طائعاً. أما إني لا أقول: إنهم يكذبونهم
أو يأمرونهم بما لا ينبغي ، ولكن وطّأوا لهم ، حتى انقادت العامّةُ
بهم ، فهذانِ لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين)).
٠١