Indexed OCR Text
Pages 241-260
19- ٢٣٧ وقال شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه («تأنيب الخطیب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) ص ٤٤ - ٤٥ ((كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، ويرمون بالإرجاء من يرى الإيمان : العَقْد والكلمة. مع أنه الحقّ الصُّراح بالنظر إلى حجج الشرع ، قال اللّه تعالى: ﴿ولمّا يَدْخلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُم﴾. وقال النبي ◌َ لّه: (( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره)). أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، وعليه جمهور أهل السنة . وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد ، أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتماً إن كانوا يعدّون خلاف اعتقادهم هذا بدعةً وضلالة ، لأن الإخلال بعمل من الأعمال - وهو ركنُ الإيمان في نظرهم - يكون إخلالاً بالإيمان ، فيكون من أخلّ بعملٍ خارجاً من الإيمان، إمَّا داخلاً في الكفر كما يقوله الخوارج، وإمَّاً غيرَ داخل فيه بل في منزلة بين المنزلتين : الكفر والإيمان ، كما هو مذهب المعتزلة . وهم - أي أولئك الناس الصالحون - من أشد الناس تبرؤاً من هذين الفريقين ، فإذا تبرؤا أيضاً مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابُه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامُهم متهافتاً غيرَ مفهوم. وأما إذا عَدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجهٌ للتنابز والتنابذ ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يَعدُّون العملَ من كمال الإيمان فحسب، بل يعدّونه رُكناً منه أصلياً، ونتيجةُ ذلك كما تّرى . ومن الغريب أن بعض من يَعُدّونه من أمراء المؤمنين في الحديث ، يتبجّحُ قائلاً : إني لم أُخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول ٢٣٨ ٦ وعمل يزيد وينقص ، مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوِهم في كتابه ، وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص: غيرُ ثابت عند النقاد . ولا التفات إلى المتساهلين، ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين . فماذا بعد ظهور الحجة ووضوح المسألة على من يَرى إرجاءَ العمل من أن يكون ركناً أصلياً للإيمان ؛ وعليه الكتابُ والسنةُ وجمهور الصحابة وجميعُ علماء أهل السنة الذين يستنكرون قول الفريقين : الخوارج والمعتزلة . فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية : هو السنة . وأما الإرجاء الذي يعد بدعة فهو قول من يقول : لا تضر مع الإيمان. معصية . وأصحابُنا أبرياءُ من مثل هذا القول براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام . ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة للزم إكفارُ جماهير المسلمين غير المعصومين ، لإخلالهم بعملٍ من الأعمال في وقتٍ من الأوقات، وفي ذلك الطامةُ الكبرى )). انتهى. وبعد هذا البيان الشافي الذي أفاده شيخنا الكوثري رحمه اللّه تعالى يتجلى لك حُسنُ ما قاله الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه في ((رسالته الى عثمان البَنّي)) عالمٍ أهل البصرة، وقد كتب إلى أبي حنيفة: أنه بلغه أنه من المرجئة ، فكتب إليه أبو حنيفة : (( واعلم أني أقولُ: أهلُ القبلة مؤمنون، لستُ أُخرجهم من الإيمان بتضييع شيء من الفرائض ، فمن أطاع الله تعالى في الفرائض كلها مع الإيمان ، كان من أهل الجنة عندنا ، ومن تَرَك الإيمانَ والعمل كان كافراً من أهل النار . ومن أصابَ الإيمانَ وضيح شيئاً ٢٣٩ ويشهد لما ذكرناه(١): ما في ((لسان الميزان »(٢) للحافظ في ترجمة ( الإِمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة) : نقَلَ ابنُ عدي عن إسحاق ابن راهُوْيَه، سمعتُ يحيى بن آدم يقول : كان شَرِيك - القاضي- لا يُجيز شهادة المرجئة ، فشهِدَ عنده محمدُ بن الحسن، فرَدَّ شهادته، فقيل له في ذلك ؟ فقال: أنا لا أُجيز شهادة من يقول : الصلاةُ ليست من الإِيمان . اهـ . من الفرائض كان مؤمناً مذنباً ، وكان لله تعالى فيه المشيئةُ إن شاء عذّبه ، وإن شاء غَفَرَ له ، فإن عذبه على تضييعه شيئاً فعلى ذنبٍ يُعذّبه، وإن غَفَر له فذنباً يَغفِرِ ... وأمّا ما ذكرتَ من اسم المرجئة ، فما ذنبُ قومٍ تكلموا بعدل، وسمّاهم أهلُ البدع بهذا الاسم ؟ ولكنهم أهل العدل وأهل السنة ، وإنما هذا اسم-سمّاهم به أهلُ شنآن)) كما في ص ٣٧ - ٣٨ من الرسالة المذكورة . " وقد توسع العلامة اللكنوي في ((الرفع والتكميل)) توسعاً بالغاً في بحث الإرجاء ، فذكر فيه ما قيل من تعاريف الإرجاء ، وأصناف المرجئة ، والإرجاء السّني والبدعي ، ومن نُسب إليهما ، ومن نَسَب الحنفية إلى الإرجاء ، وما قيمة ذلك وما معناه ... حتى بلغ ذلك شطراً كبيراً من الكتاب ص ٢١٦ - ٢٥٢. فانظره إذا شئت . (١) أي من أنّ إطلاق الإرجاء من المحدّثين على من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه ، ولا يقول بدخول العمل في حقيقة الإيمان ، وأنّ ذلك القول منهم ليس بطعن في الحقيقة ، إذ أنّ الخلاف لفظي . كما تقدم بيانُه تعليقاً عن الإمام الكشميري في ص ٢٣٥ . (٢) ٥ : ١٢١ ٢٤٠ فهذا صريح في أنه إنما أُطلَق الإِرجاء على محمد، لكونه لا یری الصلاة جزءاً من حقيقة الإيمان، مع قوله بكمالِه بالطاعات وضعفه بالمعاصي، ومع قوله بأن الطاعات تفيد والمعاصي تضر، ومن المعلوم أن هذا ليس من الضلال في شيء، وإلا جاز لنا أن نرمي المحدِّثين بالاعتزال لقولهم بدخول الأعمال في الإيمان المستلزم لكفر صاحب الكبيرة . وحاشاهم عن ذلك . فتنبّهْ لذلك وكن متيقظاً في فهم كلام المعدِّلين والجارحين ، ولا تکن من الغافلين، فإن کتب الإمام أبي حنيفة (( کالفقه الأكبر )) و (( کتاب الوصية)» له تنادي بأعلى النداء على أنه ليس مذهبُه في باب الإِيمان وفروعِه ما ذهبَتْ إِليه المرجئةُ والجهميةُ وغيرُهما من أصحاب الغَوَاية ، وكذا كتبُ الحنفية تشهد ببطلانِ مذهبِ المرجئة وكلِّ مذهب يخالف السنة، وإِنَّ أبا حنيفة وأصحابه بر آءٌ منه ، والله تعالى ولي الهداية يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وتذكَّرْ قولَ ابن جرير : لو كان كلُّ من ادُّعِيَ عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة؛ ثبَتَ عليه ما ادُّعي به. وسقطَتْ عدالتُه، وبطلت شهادتُه بذلك، للزم تتركُ أَكثر محدِّفي الأمصار، لأَنه ما منهم إلا وقد نَسَبِه قومٌ إِلى ما يُرغَبُ به عنه. اهـ. وقد ذكرناه في أول الباب (١). قلت: فهذا إِمامُ المحدثين البخاري رحمه الله لم يَسلم من الرمي (١) في ص ١٧٧. ٢٤١ بالبدعة أيضاً، فقد رماه الذُّهلي في مسئلة القرآن بالقول بالخلق(١). (١) أي بخلق القرآن . ومن أجل هذه المسألة تَرَك حديث البخاري الأئمةُ : محمد بن يحيى الذّهلي النيسابوري ، وأبو حاتم الرازي ، وأبو زُرعة الرازي ، وغيرُهم ! قال ابن أبي حاتم الرازي في ((الجرح والتعديل)) في ترجمة (البخاري) ٢/٣: ١٩١ ((سَمِعَ منه أبي - أبو حاتم - وأبو زُرعة، ثم تَرَكا حديثَه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري - الذّهْلي- أنه أظهر عندهم - في نيسابور - أن لفظه بالقرآن مخلوق)). وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) ص ٤٩١ و ٢ : ٢٠٣ (( قال أبو حامد بن الشَرْقي : سمعتُ محمد بن يحيى الذهلي يقول : القرآن كلام اللّه غيرُ مخلوق، ومنِ زَعَمَ لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو مبتدع ، ولا يُجالَس ، ولا يُكلَّم ، ومن ذَهَبَ بعد هذا ألى محمد ابن إسماعيل - البخاري - فاتّهِموه ، فإنه لا يحضُر مجلسه إلا من كان على مذهبه . قال الحاكم : ولمَّا وَقَعَ بين البخاري وبين الذّهْلي في مسألة اللفظ : انقطع الناسُ عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة. قال الذّهْلي: أَلا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضُر مجلسنا. فأخَذَ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس ، فبَعَث إلى الذهلي جميعَ ما كان كتَبّه عنه . قلتُ - القائل الحافظ ابن حجر - : وقد أنصَفَ مسلم فلم يُحدّث في كتابه - أي في ((الصحيح)) - عن هذا - الذّهلي - ولا عن هذا - البخاري - )). انتهى. وسيأتي شرحُ (مسألة القول بخلق القرآن ) وبيانُ أثرها في صفوف المحدثين تعليقاً على المقطع - ١٤ - في ( تتمة في مسائل شى)، فانظره . ٢٤٢ كما هو مبسوط في ((مقدمة الفتح)) فليراجع (١)، وقِس عليه غيرَه . ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبهما ودرجات ألفاظهما ١٤ - فالأُولى وهي أعلى مراتب التعديل وأَرفعها عند المحدثين: الوصفُ بما دَلَّ على المبالغة (٢)، أَو عُبِّر عنه بأَفْعَل، كأُوثق الناس، وأَضبط الناس ، وأَثبت الناس، أَو نحوِه : كإليه المنتهى في التثبت ، ولا أَحَدَ أَثبّتُ منه، ومَن مِثلُ فلان؟ ولا أَعرف له نظيراً، وفلان لا يُسألُ عنه (٣). (١) ص ٤٩١ و ٢ : ٢٠٣ - ٢٠٤ . (٢) وقد عدّ الحافظ ابن حجر في أول كتابه ((التقريب)) أُولىَ مراتب التعديل كونَ الراوي صحابياً . قال: ((فأوّلها الصحابة . وأُصرّحُ بذلك لشرفهم)». انتهى . وبَدَهي أن هذا التقديم إنما هو بالنظر إلى العدالة ، أما بالنظر إلى الضبط والحفظ فلا مدخل للصحبة فيه . فقد استفاض أن بعض الصحابة أحفظ من بعض ، وأن بعضهم نسي . وقد يكون غير الصحابي أحفظ من الصحابي ، وقد كان أنس رضي الله عنه يقول : سلوا الحسن - أي البصري - فإنه حفظ ونَسينا . وشواهد هذا في كتب السنة كثيرة جداً . (٣) هكذا وقع في الأصل ذكرُ هذا الوصف في المرتبة الأولى هنا ، ثم في المرتبة الثانية الآتية . وهو تكرار بلا ريب . إذ المعنى لهذه العبارة واحد سواء عُدّت في المرتبة الأولى أو الثانية . وقد عدّها السيوطي في ((التدريب)) ص ٢٣٠ في الأولى، وعدها السخاوي والسندي في الثانية ، كما في ((الرفع والتكميل)، ص ١٢٠. فلعلّ المؤلف أراد بتكرارها هكذا : الإشارةَ إلى اختلافهم في مرتبتها . ٢٤٣ والثانية : التي تليها ما كُرِّرَ فيه لفظُ التوثيق كثقة ثقة. وثقة زَبْت، وثقة حُجَّة. وثقة حافظ، وثَبْت حُجَّة، وثبْت حافظ، وثقة متفن، ونحوِها. كفلان لا يُسألُ عنه (١). والثالثة: ما لم يتكرر فيه ذلك كثقة، أو متقن، أَو ثَبْت، أَو حُجَّة، أَو عدْل، أَو حافظ، أَو ضابط. أَو كَأَنه مُصْحَف، أَو إِمام . والحجةُ أَقوى من الثقة (٢) . ومن قيل فيه دلك فهو ممن يُحتَجُّ بحديثه ويَدخُل في الصحاح وإِن تَفرَّد به (٣) . (١) وتقدم عدُّ هذا في المرتبة الأولى كما أسلفتُ الإشارة إليه. (٢) قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ص ٩٧٩ ((الحافظُ أعلى من المفيد في العرف، كما أن الحُجّة فوق الثقة)). وجاء في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة ( محمد بن إسحاق ) صاحب المغازي ٩ : ٤٤ (( قال ابنُ معين: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة . قال أبو زُرعة الدمشقي : قلت لابن معين وذكرتُ له : الحجة محمد بن إسحاق . فقال: كان ثقة، إنما الحجة مالك وعُبيد الله بن عمر)). وجاء في ترجمة (محمد بن الحسن الأسدي) ٩: ١١٨ ((قال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق ، قيل : هو حجة ، قال : أما حجة فلا )) . (٣) وسيقول المؤلف في ص ٢٤٩ بعد انتهائه من ذكر المرتبة الرابعة والخامسة والسادسة من ألفاظ التعديل - نقلاً عن ((تدريب الراوي)) - : (( ومن قيل فيه ذلك - يعني من المرتبة الرابعة حتى السادسة - يُكتَبُ ٢٤٤ . حديثُهُ ويُنظَرُ فيه، لأن هذه العبارة لا تُشعر بالضبط، فيُعتبر حديثُهُ بموافقة الضابطين)) . انتهى . قلت : لكن لا ينبغي أن يفهم من هذا أنّ من كان من المرتبة الرابعة فما بعدها يكون حديثه ضعيفاً بإطلاق ، فإنّ هناك مرتبة ثالثة وسطى بين الصحيح والضعيف هي مرتبة (الحسن ) كما هو معلوم . وهو على مرتبتين أيضاًمحسن لذاته وحسن لغيره . كما أن الضعيف على مراتب . قال الحافظ الذهبي في مقدمة ((الميزان )) ١ : ٤ وهو يتحدث عن ألفاظ التعديل والتوثيق: ((فأعلى العبارات في الرواة المقبولين : ١ - ثَبْت حجة، وثبت حافظ، وثقة متقن . ٢ - ثم ثقة ثقة . ٣ - ثم ثقة . ٤ - ثم صدوق ، ولا بأس به ، وليس به بأس . ٥ - ثم محلّه الصدق ، وجيد الحديث . وصالح الحديث ، وشيخ وسط ، وشيخ حسن الحديث ، وصدوق إن شاء الله ، وصويلح ونحو ذلك ))(١). (١) هذا هو الصواب في ترتيب المراتب عند الحافظ الذهبي ، وقد نبهت إليه في تعليقي على (الرفع والتكميل)) ص ١٠٧-١٠٨ من طبعته الثانية، ولكن وقع هناك في عبارتي خلل . وصوابها كما يلي : (( ... فهي عنده خمسٍ مراتب : أولُها وأعلاها : ما كُرر فيه لفظ التوثيق باختلاف اللفظ . وثانيها : ما كُرر فيه لفظ التوثيق باتحاد اللفظ . وثالثها : ما أُفرِد فيه لفظ التوثيق . ورابعها : صدوق ... وخامسها : محلّه الصدق ... )). فليصحح الخلل في عبارتي هناك من هنا ، والحسد لله على السداد . ٢٤٥ فقد عدّ مرتبة ( صدوق ... ) دون مرتبة ( ثقة ) وأعلى من مرتبة من قيل فيه ( محلّه الصدق ، وجيد الحديث ، وصالح الحديث ، وشيخ حسن الحدیث ... )، وقد حکم العلماء المحدثون بحسن حدیث من قبل فيه أحد هذه الصفات كما تراه منتشراً في ((نصب الراية)) و ((فتح الباري)) و((نيل الأوطار)» وغيرها من الكتب التي تُعنى بالتخريج وبيان مراتب الحديث . وجعل الحافظ ابن حجر في فاتحة كتابه ((تقريب التهذيب )) مراتب الجرح والتعديل اثنتي عشرة مرتبة، فقال: ((فأوّلُها : الصحابة ... الثانية : من أُكّد مَدْحُه ... الثالثة : من أُفرِد بصفة كثقة ، أو متقن، أو ثَبْت ، أو عدل . الرابعة : من قصّر عن درجة الثالثة قليلاً ، وإليه الإشارة بصدوق ، أو لا بأس به ، أو ليس به بأس . الخامسة: من قصّر عن درجة الرابعة قليلاً ، وإليه الإشارة بصدوقٍ سيء الحفظ ، أو صدوقٍ يتهم، أو له أوهام، أو يُخطىء ... )). وقد أشار الحافظ ابن حجر بقوله : ((الرابعة : من قصر عن درجة الثالثة قليلاً ... )) إلى أن ألفاظ هذه المرتبة ألفاظُ توثيق كما هي الحال في الثالثة ، لكن توثيقها دون توثيق الثالثة ، وأشار أيضاً إلى أن من كان في هذه المرتبة الرابعة يكون حديثه (حسناً لذاته )، وذلك لتعريفهم (الحسن) كما قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ص ٣٣: ((هو ما كان راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح ، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدّ ما يتفرد به من حديثه منكراً ... )). وقد نقل العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في ((الباعث الحثيث)» ص ١١٨ هذه المراتب الاثنتي عشرة التي ذكرها الحافظ ابن ٢٤٦ حجر . ثم بين درجات ما يُنقَل بها من الأحاديث فقال: (( ... فما كان من الثانية والثالثة فحديثه صحيح من الدرجة الأولى . وغالبه في (( الصحيحين)) . وما كان من الدرجة الرابعة فحديثُه صحيح من الدرجة الثانية وهو الذي يُحسّنُه الترمذي ، ويسكت عليه أبو داود . وما بعدها - من الدرجات - فمن المردود إلا إذا تعددت طرقه . مما كان في الدرجة الخامسة والسادسة . فيتقوّى بذلك . وبصير حسناً لغيره)) . انتهى . وهو تبيين سديد للغاية، والله أعلم . بقي أن قولهم فيمن كان من المرتبة الرابعة وما بعدها : (يُكتّب حديثه وينظر فيه . لأن هذه العبارة لا تُشعر بالضبط، فيعتبر حديثُه بموافقة الضابطين ) . فالظاهر أن المراد منه في جانب مرتبة ( الصدوق ... ) أنه إن كان ثمة حديثٌ رجالهُ من مرتبة ( الثقة ) الذي هو فوق الصدوق يخالف حديث الصدوق . أُخِذ حديث الثقة ، لأن لفظ ( الثقة ) وما في مرتبته يُشعر بالضبط ، واعتبر حديث الصدوق شاذاً لعدم إشعار ( الصدوق ) بالضبط . وإن لم يكن هناك ما يخالف حديث الصدوق . وانفرد هو بحديت الباب . قُبل حديثه إذ لا مُعارِض له أقوى منه . والله تعالى أعلم . تتمة حول لفظة ( صدوق ) . فقد وقع فيها اشتباه لبعضهم فأردت إزالته . هذه اللفظة هي صيغة مبالغة - كما هو معلوم - من مادة ( صَدَق ). فتقال فيمن هو تامّ الصدق لا يتطرق إلى صدقه أيّ شك أو اشتباه . وإنما الشك في قوة ضبطه لما يرويه . وقد وُصِف بها من لا يُشكّ فيهم عدالة" وضبطاً . مثل الإمام ٠٠ ٢٤٧ الشافعي فقال فيه أبو حاتم الرازي : (صدوق ) . وقد نفى عنه الغلط في الحديث الإمامان أبو زرعة وأبو داود كما في ((تهذيب التهذيب)) ٩ : ٣٠. كما وُصِف بها من كان تام" الضبط لما يحفظه ويرويه. ففي ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (محمد بن عمران) ٩ : ٣٨١ ((قال أبو حاتم : كوفي صدوق ، أملى علينا كتاب الفرائض عن أبيه عن ابن أبي ليلى عن الشعبي من حفظه ، لا يقدّم مسألة على مسألة . وقال مَسلمة بن قاسم: ثقة)). وقال البخاري في ( إسماعيل بن أبان الوراق ): صدوق . كما في ((الميزان)) ١: ٢٢١ و((تهذيب التهذيب)) ١: ٢٧٠، مع أنه أخرج له في ((صحيحه)). وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) ص ٣٨٧ و ٢ : ١١٦ فيه ((هو أحد شيوخ البخاري، ولم يكثر عنه . وثّقه النسائي ومُطيَّن وابن معين والحاكم أبو أحمد وجعفر الصائغ والدار قطني» . وجاء في تراجم كثير من المحدثين الثقات وصفُهم بلفظة (صدوق) مقرونة بلفظة ( ثقة ) أو ما في مرتبتها ، مما يدل على أن لفظة (صدوق) تكاد تساوي لفظة (ثقة ) عندهم. ففي ((الميزان)) في ترجمة (نُعَيم ابن حماد) ٤: ٢٦٨ ((قال العجلي: ثقة صدوق)). وفي «تهذيب التهذيب)) في ترجمة (الفضل بن دُكين) ٨: ٢٧٢ و ٢٧٣ ((قال يعقوب بن شيبة : ثقة ثَبْت صدوق . وقال الإمام أحمد : صدوق ثقة موضع للحجة في الحديث)) . والنصوص التي جاء فيها الجمع بين ( ثقة ) و (صدوق ) في كلام العلماء تخرج عن الحصر ، فقد تتبع بعضُ أحبابنا - جزاه الله خيراً - الجزء التاسع من (( تهذيب التهذيب )) فرأى فيه نحو أربعين موضعاً جاء ٢٤٨ فيها القَرْنُ بين ( الثقة والصدوق ) من مثل الإمام مسلم وابن معين وأبي حاتم الرازي وابنه ويعقوب بن شيبة ومسلمة بن قاسم والساجي وغيرهم . وإليك بيان تلك المواطن من هذا الجزء وحده ، فما بالك بما في الأجزاء الأحد عشر الباقية ؟ انظر منه ص ٣٦، ٥٩، ٠٦٢ ٩٢، ١٢١، ١٢٥، ١٥٩. ١٦٣ - ١٨٨ - ١٨٩، ١٩٠ هـ ٢١٣ - ٢١٧ : ٢٤٧ - ٢٥٩ . ٢٦٠ - ٢٧٢ - ٢٧٣ - ٢٨٢ . ٢٨٤ - ٣٠٥ . ٣٠٦ . ٣٢٠. ٣٤٣ - ٤٠٦ - ٤١٠ - ٤٢٨، ٤٣٣ - ٤٤١ - ٤٤٣، ٤٥٢ . ٤٦٣ - ٤٨١ - ٥٠١ . ٥١٤ - ٥٣٦ . كما وَجَدَ فيه - إلى جانب ذلك - النصوص الدالة على أن لفظة (صدوق) يقولونها فيمن ضَعُف ضبطُه بعض الشيء. كما في ص٢٣٣. ٥١٩،٣٩٠٠٣٠٩. كما وَجَدَ فيه أيضاً التصريحَ بوصف الصدوق بأنه (حسن الحديث ) ، ففي ترجمة (محمد بن راشد المكحولي ) ٩: ١٥٩ ((قال أبو حاتم: كان صدوقاً حَسَنَ الحديث)). وقال الذهبي في ((الميزان)» في ختام ترجمة ( محمد بن إسحاق ) ملخصاً رأيه بعد أن أطال فيها ٣ : ٤٧٥ ((فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق: حسَنُ الحديث، صالح الحال صَدُوق ... )). وقال ابن حبان في مقدمة كتابه ((الثقات )): (( كل من أذكره في الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره)) كما في ((الصارم المنكي)) لابن عبد الهادي ص ٨٥ . فمن وُصِف بلفظة ( صدوق ) - وما في مرتبته - يكون حديثُه حسناً لا ضعيفاً . والله تعالى أعلم . ٢٤٩ والرابعة: صدوق، أَو محلُّه الصدق ، أَو لا بأس به - عند غير ابن مَعِين -، أَو ليس به بأس - عند غيره أيضاً (١) -، أَو متماسِك، أَو ثقة إِن شاءَ الله، أَو مأمون، أَو خيار ، أَو خيارُ الخلق، ونحوُها . والخامسة: شيخ، إلى الصدق ما هو (٢)، جيِّد الحديث، حسَنُ الحديث، صَدُوقُ سيِّءُ الحفظ ، صدوق ینهم، صدوق له أوهام ، صدوق يخطيء، صدوق تَغَيَّر بآخِرِه (٣)، صدوق رُمي بالتشيع أَو الإِرجاء ونحوِهما، فلان رَوى عنه الناس، وسَطٌ مُقَارَبُ الحَديث (٤)، ونحوُها . والسادسة: صالح الحديث، صدوق إن شاء الله، أرجو أنه لا بأس به، ما أَعلمُ به بأساً، صُويلح، مقبول، ليس ببعيد من الصواب، يُروى حديثُه ، يُكتَبُ حديثه، ونحوها . ومن قيل فيه ذلك (٥) يُكتَبُ حديثه ويُنظَرُ فيه، لأَن هذه العبارة (١) وسيأتي قريباً في آخر مراتب التعديل هذه ص ٢٥٠ بيانُ مراد ابن معين من هاتين العبارتين : (لا بأس به) و ( ليس به بأس ) ، وأنه يعني بهما أنه ثقة . (٢) أي ليس ببعيد عن الصدق. وانظر ما علقته على ((الرفع والتكميل)) ص ١١٦ . (٣) يقال: ( تغيّر بآخرِه ) بمد الهمزة وكسر الخاء والراء ، بعدها : هاء. كما جاء هنا في ((التدريب)) ص ٢٣٢. و (تغيّر بآخِرَة) بمد الهمزة أيضاً وكسر الخاء وفتح الراء ، بعدها تاء مربوطة . و ( تغيّر بأَخَرَة ) بفتح الهمزة والخاء والراء ، بعدها تاء مربوطة . أي اختَلّ ضبطُه وحفظُه في آخر عمره وآخر أمره . (٤) يتقال بكسر الراء وفتحها . (٥) أي من المرتبة الرابعة حتى السادسة. ٢٥٠ لا تُشعر بالضبط، فيُعتبَرُ حديثُه بموافقة الضابطين، كذا في ((تدريب (١) ٠ الراوي )) وعن يحيى بن مَعين إذا قلتُ: لا بأس به ، فهو ثقة (٢)، وإِذا قلتُ: (١) ملتقطاً من مواضع ص ٢٢٩ و ٢٣١ مع زيادة بعض الألفاظ في بعض المراتب من ((الرفع والتكميل)، ص ١٢٠ - ١٢٤ . وانظره ففيه وفيما علّقته عليه فوائد هامة لم تَرِدِ هنا . (٢) وعلى هذا الاصطلاح لابن معين جاء قولُه في توثيق الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (لا بأس به ) ، كما تراه في ترجمة الإمام أبي حنيفة في ((تذكرة الحفاظ)» للذهبي ص ١٦٨، وقولُه في توثيق الإمام الشافعي رضي الله عنه: ( ليس به بأس)، كما تراه في ترجمة الإمام الشافعي في ((تذكرة الحفاظ)) أيضاً ص ٣٦٢. ثم إنه لا خصوصية لابن معين بهذا الاستعمال ، بل هو تعبير منتشر في كلام المتقدمين ، من أمثال ابن معين ، كابن المديني ، والإمام أحمد، ودُحيم ، وأبي حاتم الرازي ، وطبقتهم . وسيأتي في ترجمة الإمام أبي حنيفة في أواخر هذا الكتاب: ((قال الإمام علي بن المديني : أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك ، وهو ثقة لا بأس به )). وقال الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) في ترجمة (إبراهيم ابنِ أبي حُرّة النَّصِيبي)) ص١٤ (( وقد وثّقه أبو حاتم فقال: لا بأس به )). وفي ((فتح المغيث)) للسخاوي ص ١٥٩ (( ونحوُ قول ابن معين - في توثيق الراوي : لا بأس به - قولُ أبي زرعة الدمشقي : قلتُ لعبد الرحمن بن إبراهيم دُحّيم : ما تقول في علي بن حَوْشّب الفّزاري؟ قال : لا بأس به ، قال : فقلت : ولم لا تقول : إنه ثقة ولا تعلمُ إلا خيراً؟ قال: قد قلتُ لك: إنه ثقة)). وجاء في ترجمة ( قَبِيصة بن عُقبة السّوَائي) في ((هدي الساري)) ٢٥١ هو ضعيف ،فليس هو بثقة،لا يُكتَبُ حديثه، كذا في ((تدريب الراوي)) (١). وأَما أَلفاظ الجرح فلها مراتبُ سِتَّ أيضاً: ١ - فأَّدناها ما قَرُبَ من التعديل، فإِذا قالوا: لِيِّنُ الحديث، كُتِبَ حديثه، ويُنظَرُ فيه اعتباراً . قال الدارقطني: إِذا قلتُ: لَيِّن لم يكن ساقطاً متروك الحديث ،ولكن مجروحاً بشيء لا يَسقُطُ به عن العدالة . وهذه مرتبة أُولى ، ويدخل فيها ما ذكره العراقي: فيه لِين، فيه مقال، تَعرِف وتُنكِرِ (٢) ،ليس بذاك، ليس بالمتين، ليس بحجة، ليس بعُمدة، ليس بمَرْضي، للضعف ما هو (٣)، فيه خُلْف(٤"، تكلَّموا فيه، طعنوا فيه، مطعون فيه، سيِّءُ الحفظ ، فيه ضعف ، في حديثه ضعف، ليس بذاك القوي. ٢ - كما فيه أيضاً (٥): وإذا قالوا: ليس بقوي: يُكتب حديثُه أيضاً للاعتبار ، وهو دون لَيِّن . وهذه مرتبة ثانية . ٣ - وإِذا قالوا : ضعيفُ الحديث، فدون ليس بقوي، ولا يُطرَحُ بل يعتبر به أيضاً، وهذه مرتبة ثالثة . ومنها ما ذكره العراقي (٦): ص ٤٣٥ و٢: ١٥٧ و((تهذيب التهذيب ٨٨ : ٣٤٨ للحافظ ابن حجر (( قال أحمد: كان قبيصة رجلاً صالحاً، ثقة لا بأس به )). (١) ص ٢٣١ (٢) ويقال أيضاً: يُعرَف ويُنكَر. والصيغةُ الأولى وردت في لسان النبوة كما بيَّنَتُه فيما علقته على ((الرفع والتكميل)) ص ١١٠ - ١١١ فانظره. (٣) أي ليس ببعيد عن الضعف . (٤) أي فيه اختلاف بين العلماء فوثّقه بعضهم وضعفه بعضهم . (٥) أي في (( تدريب الراوي)، ص ٢٣٣ - ٢٣٤ . (٦) في ((شرح الألفية)) ٢ : ١٠ - ١٢ . ٢٥٢ ضعيف(١) . منكر الحديث - عند غير البخاري - حديثُهُ منكر، واهٍ ، ضعَّفوه، مضطرِبُ الحديث، لا يُحتَجُّ به، مجهول. ٤ - والرابعة: رُدَّ حديثه، رَدُّوا حديثه، مردودُ الحديث، ضعيف جدّاً، واهٍ بمرة، طرحوا حديثه، مُطَّرَح، مُطَّرَحُ الحديث، ارْمٍ به، ليس بشيء(٢)، لا يساوي شيئاً، لا شيءً ، ونحوها. (١) وقع في الأصل: (ضعيف فقط ). ولفظة ( فقط ) غير موجودة عند العراقي أو غيره ، فلذلك طويتها ونبّهت . (٢) التعبير بقولهم في الراوي : (ليس بشيء ) جَرْح قوي عند الجمهور سوى ابن معين في ( بعض الروايات ) ، فإنه يعني فيها بقوله : ( ليس بشيء ) أن أحاديثَه قليلة ، لا جَرْحَه . وأما في أكثر الروايات فإنه يعني بقوله : ( ليس بشيء) تضعيف الراوي تضعيفاً شديداً كما يعنيه الجمهور. كما سيأتي بيانه قريباً ص ٢٦٣ في التنبيه - ٣ - والتعليق عليه . وإذا قال الشافعي أو المُزّني في الراوي : ( حديثُه ليس بشيءٍ ) فيّعني به أنه كذّاب، قال السخاوي في ((فتح المغيث)» ص ١٦١ وفي ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ٦٨ - ٦٩ ((رَوينا عن المُزّني قال: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول : فلان كذّاب ، فقال لي : يا إبراهيم اكْسُ ألفاظَك، أحْسِنْها، لا تقل : كذّاب، ولكن قل : حديثُهُ ليس بشيء. وهذا يقتضي أنها حيث وُجِدّت في كلام الشافعي - أو المُزّني - تكون من المرتبة الأولى)). انتهى. فهي عندهما من ألفاظ المرتبة السادسة التي هي أشدّ ألفاظ التجريح ، ولكنها كناية وليست بالصريح . هذا. وقولُهم في جَرْح الراوي: ( ليس بشيء) ورَدَ في لسان النبوة. كما بيّنته فيما علقته على ((الرفع والتكميل)) انظر منه ص ٣٧٢. ٢٥٣ ٥ - والمرتبة الخامسة : فلان متّهم بالكذب أو الوضع ، ساقط ، هالك، ذاهب، ذاهب الحديث، متروك، متروك الحديث، تركوه، فيه نظر - عند البخاري - وسكتوا عنه - عنده أيضاً - لا يُعتَبَرُ به ، لا يُعتَبَرُ بحديثه ، ليس بالثقة ، ليس بثقة، غير ثقة ولا مأمون، ونحوها. ومن قيل فيه ذلك - أَيُّ لفظ من الرابعة أو الخامسة - فهو ساقط لا يُكتَبُ حديثه ولا يُعتَبَرُ به ولا يُستشهَد . ٦ - والسادسة: أَسوأُها وهي أن يقال: فلان كذَّاب أَو يكذِب، دجّال، وضَّاع، يضع، وضَعَ حديثاً. كذا في ((تدريب الراوي)) (١) و((الرفع والتكميل)) (٢). قلت: ومن قيل فيه ذلك - أَيُّ لفظٍ من السادسة - فهو لا يجوز روايةُ حديثه إلا لبيان حاله والردِّ عليه، ويَدخل فيه أيضاً منكَرُ الحديث عند البخاري كما سيأتي (٣). وإِذا اختلَفَتْ أَلفاظُ الجارحين في رجل، فعدَّله بعضهم ببعض ألفاظ التعديل، وجرَحَه بعضهم ببعض ألفاظ الجرح، فالحكمُ فيه سـ بيِّناه سابقاً(٤) أَن الترجيح للمعدِّل إلا إذا أَتى الجارحُ بسبب مفسَّر، فإن هذه الألفاظ كلها للجرح المبهم، لا تعرَّضَ فيه لبيان السبب، اللهم إلا أن يكون قولهم: دجَّل، وضَّاع، يضع، وضَع حديثاً، من المفسّر . (١) ص ٢٣٢ - ٢٣٤. (٢) ص ١١٧ - ١٢٠ . (٣) في ص ٢٥٨ . (٤) في ص ١٧٤ و ١٧٥ . ٢٥٤ ولقائل أن يقول: هذا أيضاً مبهم ما لم يُبيَّن أَنه أَيَّ حديث وَضَع ، حتى يُعلَمِ أَن العُهدة فيه عليه أَو على غيره، فافهم . تنبيه - ١ - في بیان مراد البخاري من قوله في الراوي : فيه نظر ، أو سكتوا عنه البخاري يُطلِقِ: فيه نظر، و: سكتوا عنه، فيمن تركواحديثه(١). (٩) هذا هو المشهور المعروف في مراد البخاري من قوله ( فيه نظر ) . ووقع لشيخنا المؤلف حفظه الله تعالى في أواخر الكتاب في المقطع - ٤١ - من (تتمة في مسائل شى) قولُه: ((قولُ البخاري : فيه نظر ، لا يستلزم ضعف الراوي مطلقاً ». انتهى . وهو سبق قلم مناقص لما هنا. وهذا الذي نقله المؤلف هنا عن ((تدريب الراوي)) للسيوطي كما سيعزوه إليه، قد تقدّم السيوطيَّ فيه الحافظُ العراقيّ في ((شرح الألفية)) ٢: ١١ فقال: ((فلان فيه نظر . وفلان سكتوا عنه . يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه)) انتهى . ونقَلَه عنه اللكنوي في ((الرفع والتكميل)) ص ٢٥٤، كما نَقَلّ عن الذهبي في ص ٢٥٣ - ٢٥٤ قوله: ((فيه نظر، وفي حديثه نظر، لا يقوله البخاري إلا فيمن يَتّهمه غالباً)). وقد كتب إليّ شيخنا العلامة المحدث النبيل حبيب الرحمن الأعظمي حفظه الله تعالى تعليقاً على ما نقله اللكنوي عن العراقي والذهبي يقول سلّمه اللّه تعالى: ((لا ينقضي عجبي حين أقرأ كلام العراقي والذهبي هذا . ثم أرى أئمة هذا الشأن لا يعبأون بهذا ، فيوثّقون من قال فيه البخاري : ( فيه نظر ) . أو يُدخلونه في الصحيح ، وإليك أمثلته : ١ - تمّام بن نجيح ، قال فيه البخاري : ( فيه نظر) . ووثّقه ابن معين. وقال البزّار في موضع: هو صالح الحديث . ورَوى له ٢٥٥ البُخاريّ نفسُه أثراً موقوفاً معلّقاً ، في رفع عمر بن عبد العزيز يديه حين يركع . أعني فلم يتركه البخاريّ نفسُهُ . ولم يتركهم أبو داود ولا الترمذي . ٢ - راشد بن داود الصُّنْعاني، قال فيه البخاري: ( فيه نظر). لكن وثّقه إمام هذا الشأن يحيى بن معين ، وقال : ليس به بأس ثقة . وقال دُحيم: هو ثقة عندي. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ورَوَى له النسائي . وقال فيه الحافظ ابن حجر : صدوق له أوهام . ٣ - ثعلبة بن يزيد الحِمَّاني، قال فيه البخاري : (في حديثه نظر، لا يُتَابَعُ في حديثه). وقال النسائي: ثقة. وقال ابن عدي : لم أرَ له حديثاً منكراً في مقدار ما يرويه . وقال الحافظ ابن حجر : صدوق شيعي . ٤ - جَعَدَة المخزومي . قال البخاري : (لا أعرف له إلا هذا الحديث ، وفيه نظر ) . ورَوى له الترمذي . وقال فيه الحافظ ابن حجر : مقبول . ومعلومٌ أن الحافظ ابن حجر يقول هذا فيمن ليس له من الحديث إلا القليل ، ولم يثبت فيه ما يُترك به حديثُه . ٥ - جُمَيع بن عُمَير التيمي ، قال البخاري : (في أحاديثه نظر ). وقال أبو حاتم : محلّه الصدق ، صالح الحديث . وقال الساجي : صدوق . وقال العجلي: تطيعي ثقة . وقال ابن حجر : صدوق يخطىء، ويتشيّع. ورَوى له الأربعة، وحسن الترمذي حديثه في «سننه» في ( مناقب أبي بكر الصديق) في الباب الرابع . ٦ - حبيب بن سالم ، قال البخاري : (فيه نظر ) . وقال ابن عدي : ليس في متون أحاديثه حديث منكر ، بل قد اضطُرِبَ في ٢٥٦ أسانيد ما يُروى عنه. وقال : الآجْرَي عن أبي داود : ثقة . وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وروى له مسلم والأربعة. وقال ابن حجر: لا بأس به . ٧ - حرّيش بن خِرِّيت، قال البخاري: ( فيه نظر ) ، وقال أيضاً: (أرجو). قالَ اليمانيّ المعلِّمي في تعليقه عليه في ((التاريخ الكبير)»: كأنه يريد أرجو أنه لا بأس به. وفي ((تهذيب التهذيب)): قال البخاري في ((تاريخه)): أرجو أن يكون صالحاً . وقال أبو حاتم : لا بأس به . ٨ - سليمان بن داود الخَّوْلاني ، قال البخاري : ( فيه نظر ) . وقد أثنى عليه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وعثمان بن سعيد ، وجماعة من الحفاظ . قال ابن حجر : لا ريب في أنه صدوق .. ٩ - طالب بن حبيب المدني الأنصاري ، قال البخاري : ( فيه نظر ) . وروى له أبو داود . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ووثّقه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٥ : ١٠٦ ٠ ١٠ - صعصعة بن ناجية ، قال البخاري : ( فيه نظر ) ، وهو صحاني، ذكره ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) و((الإصابة)). ١١ - عبد الرحمن بن سَلْمان الرُّعَيْني، قال البخاري: ( فيه نظر ) . وقد وثقه ابن يونس . وقال أبو حاتم : ما رأيت من حديثه منكراً ، وهو صالح الحديث . وله عند مسلم في مبيت ابن عباس عند ميمونة. وقال النسائي: ليس به بأس، كما في ((تهذيب التهذيب )» ٦ : ١٨٨. وقال ابن حجر: لا بأس به، وأدخله البخاري في (((الضعفاء))، فقال أبو حاتم: يُحوّل من هناك.