Indexed OCR Text
Pages 101-120
٩٧ الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، لأَّنه أقوى عنده من رأي الرجال، وهذا أيضاً رأيُ الإِمام أحمد، فانه قال: إِن ضعيف الحديث أَحبُّ إِليه من رأي الرجال، لأنه لا يعدل إلى القياس إلا بعدَ عدم النص. اهـ (١). قلت : وليس المراد بالضعيف ما كان شديدَ الضعف، فانه لا يُعمل بـ أَصلاً، كما قدمناه (٢) عن ((الدر المختار)). ولا يَثْبُتُ به شيءٌ، بن المرادُ به ما قاله ابن القيم في (( إعلام الموقّعين)) (٣)، (١) تقدم ما يعززه في كلام الحافظ ابن حجر في ص ٨٥ . (١) في ص ٩٤. (٢) اضطربت ألسنة العلماء في ضبط اسم هذا الكتاب . فمنهم من يقوله : ( إعلام الموقعين ) بكسر الهمزة . كما سمعتُه من غير واحد من شيوخي ومنهم العلامة راغب الطباخ والإمام الكوثري رحمهما الله تعالى . ومنهم شيخنا العلامة المحقق مصطفى الزرقا وشيخنا المؤلف حفظهما الله تعالى، والمؤلّف سلّمه الله تعالى يكتبه في كل موضع من كتابه هذا : ( إعلام الموقعين ) بالهمزة تحت الألف . وهو الذي أراه . وبعضهم يقوله : (أعلام الموقعين ) بفتح الهمزة ، وممن ذهب إلى هذا الأستاذ العلامة الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، في الطبعة التي اعتنى بإخراجها ، وطُبعت بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٣٧٤ في أربعة أجزاء ، فقد أَثبت الهمزة فوق الألف في كلامه لبيان اختتام كل جزء من الأجزاء الأربعة . وفي مفتتح فهرس كل جزء منها ، وفي ختام كل فهرس منها أيضاً، مما دَلّ على أن ذلك مقصود له للإشارة إلى هذا الضبط. وكتبتُ من قريب لأستاذنا العلامة الأفيق الدقيق الشيخ مصطفى الزرقا ٩٨ حفظه اللّه تعالى، أستطلع رأيه في تصويب أحد الوجهين أو أرجحهما، فكتب إلي سلّمه اللّه وأطال بقاءه في عافية وسرور بما يلي: ((لا يوجد - فيما أعلم - دليل يصلح للقطع بأن مؤلفه رحمه الله تعالى وضعه هكذا ، أو هكذا . لأني أتذكر أني تتبعتُ الدلائل كثيراً . فلم أصل إلى نتيجة قطعية . ولكلٍ دليل : فذٍ كره - أي ابن القيم - كبارَ أهل الفُنيا والقضاء من الصحابة والتابعين على نطاق واسع : يُوحي بالفتح جمعاً (لِعَلَم ). وكونُه - أي الكتاب - يتضمّنُ كثيراً من الفقه والتوجيه والتأصيل الشرعي من رأيهِ وفهمِه واجتهادِهِ : يُوحي بالكسر. كأنما هو خطاب للمتصدّين للفتوى والقضاء . الموقّعين عن اللّه، فهو إعلام لهم . فتكون القضية فيه قضية ترجيح لأحد الوجهين ، استحساناً باختلاف التقدير ، لا قضيةَ خطأ وصواب، لأنّ مدار الخطأ والصواب في أحدهما إنما هو معرفةُ ما وضَعَ المؤلف وأراد ، وهذا لم يُعرف)). انتهى . وهي كلمةُ فصل . هذا . ومما يتصل بالمقام أن اسم الكتاب (( إعلام الموقعين عن رب العالمين)» كما هو معروف مستفيض. وأغرب قلم شيخ شيوخنا الإمام الكشميري رحمه اللّه تعالى. فقال في كتابه العظيم (( فيض الباري بشرح صحيح البخاري (٢٦٧:٢٨ .- وقد نقّل فيه عن كتاب ابن القيم هذا -: ما صُورتُه : ((ومَرّ عليه ابن القيم في ((أعلام الموقعين)). والصحيح((أعلام الموفَّقِين)). انتهى. وأثبته بفتح الهمزة. وبلفظ (الموفقين) بالفاء ثم القاف من التوفيق ، وهو شيء غريب بُعدّ من سبق القلم ، وتغيير ٩٩ حيث ذكَّرَ أُصولَ أَحمد في ((فتاواه)). وقال: (١) الأَصلُ الرابعِ الأُخذُ بالمرسَل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطلَ ولا المنكرَ ولا ما في روايته متهم ( بالكذب )، بحيث لا يسوغ الذهابُ إليه فالعمل به، بل الحديثُ الضعيف عنده قَسِيم الصحيح وقِسمٌ من أقسام الحسَن، ولم يكن يُقْسَمُ الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، بل إلى صحيح وضعيف . وللضعيف عنده مراتب فاذا لم يجد في الباب أَثْراً يدفعه ولا قولَ صاحب؛ ولا إجماعَ على خلافه ، كان العمل به عنده أولى من القياس، وليس أَحدٌ من الأئمة إلا وهو موافقُهُ على هذا الأصل من حيث الجملة، فانه ما منهم أحد إلا وقد قدَّم الحديث الضعيف على القياس . اهـ . وقال أيضاً (٢): وأصحابُ أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، الاسم العَلَم ، وهو ليس بجائز إلا بنص عن صاحبه . وقد تابعه على هذه التسمية الغريبة للكتاب تلميذه شيخنا العلامة الجليل الشيخ محمد بدر عالم الميرتهي رحمه الله تعالى ، في تعليقاته على ((فيض الباري))، وهي من إملاءات الإمام الكشميري أيضاً ، وذلك في مواضع منها ٢: ٢٥٩ و٣: ٢٤١، فأثبته ((أعلام الموفقين)). وقد علمتَ ما فيه ، فلا تَهم فيه . (١) ١ : ٣١ . (٢) ١ : ٧٧ . ١٠٠ وعلى ذلك بَنَّى مذهبه، كما قدَّمَ حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي ، وقدَّم حديث الوضوءِ بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنَعَ قطع السارق بسرقةٍ أَقلَّ من عشرة دراهم ، والحديثُ فيه ضعيف . إلى أن قال: فتقديمُ الحديثِ الضعيفِ وآثارِ الصحابة على القياس والرأي قولُهُ وقولُ الإِمام أحمد . وليس المرادُ بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيفَ في اصطلاح المتأخرين ، بل ما يُسمِّيه المتأَّخرون حَسَناً قد يسميه المتقدمون ضعيفاً كما تقدم بيانه اهـ (١). وقال الحافظ ابن تيمية : إِثباتُ الحسَن اصطلاحُ الترمذي . وغيرُ الترمذي من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف؛ والضعيفُ عندهم ما انحط عن درجة الصحيح، ثم قد يكون متروكاً وهو أن يكون متهماً (بالكذب ) أَو كثيرَ الغلط؛ وقد يكون حسناً بأَن لا يُنَّهم بالكذب، وهذا معنى قول أَحمد: والعملُ بالضعيف أولى من القياس . انتهى من ((إحياء السنن)) نقلا عن ((التحفة المرضية))(٢) .. (١) يعني به ما سبق نقلُه في ص ٩٩ من قوله: الأصل الرابع .... (٢) ١: ٦٠ . بحّثَ أخي تلميذ الأمس، وزميلُ اليوم الأستاذ الشيخ محمد عَوّامة في كلام الإمامين الشيخ ابن القيم والشيخ ابن تيمية رحمهما الله تعالى . المنقولِ هنا: بحثاً جيداً. ثم علّقه على نسخته من هذا الكتاب . فأنا أنقله عنه مشكوراً سعيه لينظر فيه ويستفاد . قال وفّقه الله تعالى : ((ينبغي أن يُجعّلّ الحديث الضعيف في هذا الباب أربعة أقسام: ١ - الضعيفُ المنجبرُ الضعف بمتابعة أو شاهد . وهو ما يقال في ١٠١ أحد رُواته : ليّن الحديث ، أو : فيه لين .... وهو الحديث الملقب بالمشبَّه أي المشبّه بالحسن من وجه ، وبالضعيف من وجه آخر ، وهو إلى الحسن أقرب . ٢ - الضعيف المتوسط الضعف ، وهو ما يقال في راويه : ضعيف الحديث ، أو : مردود الحديث ، أو : منكر الحديث ، ... ٣ - الضعيف الشديد الضعف ، وهو ما فيه متهم ، أو متروك . ٤ - الموضوع . فالشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما اللّه تعالى يُدخلان القسم الأول تحت كلام الإمام أحمد ، بناءً على أنه يشملُه اسمُ الضعيف من جهة، واسمُ الحسن لغيره من جهة أخرى . والظاهر - والله أعلم - إدخالُ القسم الثاني في مراد الإمام أحمد . والذي حمَلَ الشيخ ابن تيمية - ومن تابعه - على هذا التفسير لكلام الإمام أحمد رأيٌ آخَرُ له أي لابن تيمية . بنى عليه هذا التفسير ، وهو ادّعاؤه أنّ الحديث عند المتقدمين ينقسم إلى صحيح وضعيف فقط ، وأنّ الحسن اصطلاح أحدثه الترمذي ، بل نقّلَ ابن تيمية الإجماعَ على هذا الادّعاء، كما في ((فتح المغيث )) للسخاوي ص ٥ . وهذا غير صحيح ، إذ أن إطلاق (الحسن ) على الحديث - وعلى الراوي أيضاً - وارد على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي ، من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه ، بل ورد هذا الإطلاق على لسان الإمام أحمد نفسه. قال الحافظ ابن حجر في ((نكته على مقدمة ابن الصلاح)): ((وأما علي بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة وبالحُسْن في ((مسنده)) وفي ((عِلَله)). وظاهرُ عبارته قَصدُ المعنى الاصطلاحي ، وكأنه الإمامُ السابق لهذا الاصطلاح ، وعنه أخذ البخاري ١٠٢ ٠ ٠ ويعقوب بن شيبة وغيرُ واحد ، وعن البخاري أخذ الترمذي . فمن ذلك ما ذكر الترمذي في ((العلَل الكبير)) أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين ، فقال - أي البخاري - : ((حديثُ صفوان بن عسال صحيح، وحديثُ أبي بكرة حسن)). وحديثُ صفوان الذي أشار إليه موجودٌ فيه شرائطُ الصحة . وحديث أبي بكرة ... على شرط الحسن لذاته ... وذكر الترمذي أيضاً في ((الجامع)» أنه سأله عن حديث شّرِيك ابن عبد اللّه النخعي ، عن أبي إسحاق ، عن عطاء بن أبي رياح ، عن رافع بن خديج رضي اللّه تعالى عنه قال: إن النبي عَّرَيخ قال: ((من زَرَعَ في أرض قوم بغير إذنهم ، فليس له من الزرع شيء ، وله "نفقتُهُ)). وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق ، فقال البخاري : هو حديث حسن . انتهى . وتفرّدُ شَرِيك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق ، مع كثرة الرواة عن أبي إسحاق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به ، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي أيضاً من طريق عُقبة بن الأصمّ عن عطاء عن رافع رضي الله تعالى عنه، فوصَفَه بالحسن لهذا)). انتهى كلام الحافظ. وانظر ((نصب الراية)) ١ : ٢٤، ففيه نصّ آخر فيه تحسينُ البخاري حديث آخر . ولهذا قال ابن الصلاح: (( ويوجد - أي التعبيرُ بالحسّن الاصطلاحي في متفرقات من كلام بعض مشايخ الترمذي والطبقة التي قبله ، كأحمد ابن حنبل والبخاري وغيرهما)). انتهى. أما البخاري فقد تقدم النقلُ عنه. [وأزيدُ على ما تقدم ما جاء في ((إعلام الموقعين)» لابن القيم ٣: ٥٦ ((قال الترمذي في كتاب ((العلل)»: سألت البخاري عن حديث ((لعَنَّ اللّه المحلِّلِ والمحلَّل له)) فقال: هو ١٠٣ حديث حسن )) . وما جاء في (( فيض القدير )) للمناوي ٢ : ٢٥٩ - ٢٦٠ عند حديث ((إن اللّه ليويد الدين بالرجل الفاجر)) قال السيوطي: رواه الطبراني عن عمرو بن النعمان بن مقرَّن . فتعقبه المناوي بأنه متفق عليه رواه الشيخان في ((صحيحيهما))، ثم قال المناوي ((وممن رواه الترمذي في ((العِلَل)) عن أنس مرفوعاً، ثم ذَكَرَ أنه سأل عنه البخاري فقال: حديث حسن، حدثناه محمد بن المثنى)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (شّهْر بن حوشَب) ٤: ٣٧١ ((وقال الترمذي عن البخاري : شهرٌ حسن الحديث، وقوّى أمرَه)).] وأما الإمام أحمد فقد نازَعَ الحافظُ ابنُ حجر ابنَ الصلاح في هذا . وقال: ((الظاهر أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي)). إلا أن هذا النفي من الحافظ ابن حجر لا يُعكّرٌ على المراد ، ويَبقى الإشكالُ قائماً في تفسير كلمه (الضعيف ) الواردة في كلامه بـ (الحسن) . وقد عبّر الإمام أحمد بالحسن عما هو حسن اصطلاحاً ، (دون الصحيح وفوق الضعيف ) ، فقد قال في ابن إسحاق صاحب المغازي : ((حسن الحديث))، كما في ((الميزان)) للذهبي ٣ : ٤٦٩، ولم يُرد أنه ثقة صحيح الحديث ، بدليل ما قاله فيه: ((هو كثير التدليس جداً . قيل له: فإذا قال : أخبرني وحدَّفي فهو ثقة ؟ قال : هو يقول : ( أخبرني ) ويخالف )) . وظاهرٌ أن هذا الكلام لا يقوله الإمام أحمد فيمن يعتبره ثقة" صحيحَ الحديث . ونقَلَ الشيخ ابن تيمية نفسه في (( رسالته في تفضيل أبي بكر على علي رضي اللّه عنهما))، المطبوعة بحلب سنة ١٣٧٢، عن الإمام أحمد والترمذي تحسينَهما حديث ((من كنتُ مولاه فعليّ مولاه)). ١٠٤ [ونقل الشيخ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ٣: ٤٢ - ٤٣ عن الإمام أحمد تحسينَ حديث رُكانة في طلاقه امرأته ثلاثاً في مجلس واحد ، فقال: ((وقد صحّح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه)). ] وممن استعمل كلمة (حسن ) وأراد بها الحسن الاصطلاحي ، وهو سابق للترمذي : الحافظُ محمد بن عبد الله بن نمير ، شيخ شيوخ الترمذي، المتوفى سنة ٢٣٤، فقد نقل عنه ابن سيّد الناس في ((عيون الأثر ))١ : ١٠ قوله في ابن إسحاق أيضاً: ((حسّنُ الحديث صدوق)). [ وممن استعمل كلمة (حسن ) أيضاً مريداً بها الحسن الاصطلاحي، وأكثرَ منها جداً كثرة بالغة : الحافظُ يعقوب بن شيبة السدوسي البصري البغدادي ، وهو سابقٌ للترمذي ومعاصر للبخاري ومسلم ، توفي سنة ٢٦٢. وقولُ الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح)) ص٣٨ والسيوطي في (التدريب)) ص ٩٦: ((إن يعقوب بن شيبة ألّف ((مسنده)) بعد الترمذي)) مردود. فقد فرغ الترمذي من كتابه سنة ٢٧٠ كما في ((تهذيب التهذيب)) ٩ : ٣٨٩ . ويعقوب توفي قبل ذلك بسنين. فدونك كتابه ((المسند الكبير المعلّل)» الذي قال الذهبي فيه في ((تذكرة الحفاظ)) ص ٥٧٧ (( ما صُنّف مسندٌ أحسَنُ منه ، ولكنه ما أتمه )). فقد جاء في القطعة الصغيرة التي عُثر عليها منه من (مسند عمر ابن الخطاب) - وطُبعت في بيروت في المطبعة الأميركية سنة ١٣٥٩ - نحوُ الثلاثين حديثاً . جاء فيها تعبيره بقوله (( هذا حديث حسَنُ الإسناد )) في تسعة مواضع ص ٤٠ و ٤٣ و ٤٥ و ٤٦ و ٥٩ و ٦٠ و ٧٤ و ٨٣ و ٩٣ ٩٦. ويقول في ص ٦٠ ((هذا حديث حسن الإسناد وهو صحيح))، ويقول في ص ٨٣ (( حديث إسناده وسط ، ليس بالثبت ولا الساقط . هو ١٠٥ صالح)). ويقول في ص ٩٢ - ٩٣ ((حديث صالح الإسناد ، فإن كان هذا الشيخ ضبط هذا الحديث فقد جوّده وحسّنه)) . يعني أنه يرتفع حينئذ من صالح إلى جيّد وحسن. وقد حدّد في هذه الجمل مراده من قوله ( حسن الإسناد ) تحديداً واضحاً ، وهو فوق الصالح ودون الصحيح . فهذه نحو عشر مرات جاءت في هذه القطعة الصغيرة التي لا تبلغ نحو الثلاثين حديثاً. فكيف بالمسند كله؟ وقد قال الذهبي: ((قيل : إن نسخة بمسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكانت مثني جزء ، وبلغني أن مسند علي منه خمس مجلدات)). ويقول الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ٦٩ ((وشوهد أيضاً منه بعض أجزاء من مسند ابنٍ عمر. يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها وعللها - أي كالقطعة المطبوعة من مسند عمر - ، ولو تمّ لكان في مثتي مجلد)). وممن استعمل ( الحسن ) في وصف الحديث قبل الترمذي أيضاً: الإمامُ أبو حاتم الرازي ، المولود سنة ١٩٥ والمتوفى سنة ٢٧٧ ، ففي ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم، في ترجمة (إبراهيم بن يوسف بن إسحاق السَّبِيعي) ١ / ١: ١٤٨ (« سمعتُ أبي يقول : يُكتب حديثه ، وهو حسّنُ الحديث)). وفي ترجمة ( محمد بن راشد المكحولي) ٢/٣ : ٢٥٣ ((قال أبي كان صدوقاً حسن الحديث)). وبتتبع الكتاب تباغ الأمثلةُ الكثير. وممن استعمل ( الحسّن ) قبل أبي حاتم : الإمامُ الشافعي المولود سنة ١٥٠ والمتوفى سنة ٢٠٤. قال الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)» ص٨: ((ولم أر من سبق الخطابي إلى التقسيم المذكور - صحيح وحسن وضعيف -. وإن كان في كلام المتقدمين ذكرُ ( الحسن ) . وهو موجود في كلام الشافعي والبخاري وجماعة)). ثم ذكر في ص٣٨ نصوصَ الشافعي فيه. مي ١٠٦ وممن استعمله أيضاً أبو زرعة الرازي المولود سنة ٢٠٠ والمتوفي سنة ٢٦٤، شيخُ أبي حاتم ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه . قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) في ترجمة (عبد الله بن صالح كاتب الليث)٢/٢: ٨٧ («سألتُ أبا زرعة عنه فقال: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب ، وكان حسن الحديث)) . ونقله الحافظ ابن حجر في ((التهذيب )) ٥: ٢٥٨ و((هدي الساري)» ص ٤١٢ و ٢ : ١٣٧ . فهذه الشواهد - وغيرها كثير - تفيد أن التعبير بوصف ( الحسن ) انتشر وشاع شيوعاً لقي القبول. وعُرف منه المدلول . قبل الترمذي بزمان. ولهذا أكثر منه الترمذي هذه الكثرة البالغة التي تُرى في ((جامعه)». وقد انتقد الإمام الكشميري في ((فيض الباري)) ١ : ٥٧ قول الشيخ ابن تيمية: إثباتُ الحسن اصطلاح الترمذي. فقال: ((دعواه غير صحيحة. لأن البخاري وعلي بن المديني ممن يفرقان بينهما . حتى جاء الترمذي وتّبيعَ في ذلك شيخه - يعني البخاري - فشهره ونوّه بذكره . وعليه مشى في جميع كتابه )) .] فهذه النصوص تنقض دعوى الشيخ ابن تيمية أن الترمذي اصطلح على إيجاد الحديث الحسن وأحدثه ، دون سابق ذكر له بين الأئمة السابقين له ، وإذا صحّ هذا النقضُ كان ما بناه عليه منقوضاً أيضاً . ومما ادعاه الشيخ ابن تيمية في هذه المسألة أن الضعيف عند الإمام أحمد يقابله ما يحسّنه الترمذي أو يصححه . وهذا قول يصعُب إثباته . ومما يجب عليه أن يُثبته لصحة هذه الدعوى : أنّ تصحيح الترمذي أو تحسينه لم يكن نتيجة تساهله ، وهو خلاف المعروف عند العلماء . وقد نبّه الذهبي مراراً في ((الميزان)) إلى تساهله فقال ٤: ٤١٦ (( فلا يُغْتّرّ بتحسين الترمذي . فعند المحاقَقّةِ غالبُها ضعاف)). وكرّر التنبيه إلى ١٠٧ هذا في ٣ : ٤٠٧ و٥١٥. [وقال ابنُ دِخْيَة في ((العَلَم المشهور)): ((وكم حسن الترمذي في ((كتابه)) من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية)). كما نقله الزيلعي في ((نصب الراية " ٢ : ٢١٧ . ] ثم ما هو الداعي إلى تفسير كلمة ( ضعيف ) بالحسَن ؟ مع أن ظاهر كلام الإمام أحمد يشير إلى أن مراده بالضعيف : الضعيف الذي لم تحقق فيه شروط القبول، فإنه يريد أن الرأي لا يُعتَدّ به عنده ما دام قَد نُقِلَ في المسألة نص ولو ضعيفاً ، فإن الضعيف خير من الرأي . روى ابن حزم في ((المحلى)) ١: ٦٨ ((عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن الرجل یکون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حدیث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي ، فتنزل به النازلة . من يسأل ؟ فقال أبي : يَسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي ، ضعيف الحديث أقوى من الرأي )) . ولا عَتْبَ عليه في هذا التقديم والاعتبار ، لأنه معلوم ومقرر أن التضعيف - ومثله التصحيح - أمرٌ اجتهادي ، فقد يضبط المغفّل المختلط المتغيّر . وقد يحفظ سيء الحفظ ، وهكذا . وإذا فسّرنا (الضعيف ) بالحسن - بقسميه - فأيّ فائدة في هذا التنصيص من الإمام أحمد على أن الحسّن مقدم على الرأي ؟ إذ أن هذا أمر ثابت مقرر، فالحَسَنُ حجة في كافة وجوه الاحتجاج، ولم يُنقَل عن أحد من المتقدمين نفي الاحتجاج بالحسن ، إلا ما نُقل عن أبي حاتم ثم عن القاضي ابن العربي وشيخه . أما أبو حاتم فقد أطلق (الحَسَن ) على ما فيه راو مجهول . كما في ص ٢٦ من ((فتح المغيث)) للسخاوي . وكأنه لهذا لم يحتجّ بالحسن الذي اصطَلَح عليه هو . وأما ابن العربي وشيخه فالأمر يحتاج إلى الوقوف ١٠٨ قلت: دلَّ كلامُ ابن تيمية على أن الراوي إذا لم يكن متهماً أَو فاحش الغلط ، فحديثُهُ حسن ، فليحرَّر . وبالجملة فالمرادُ بالضعيف في كلام أصحابنا : ( إِنَّ الحديث الضعيف مقدَّم على القياس ): ما يسميه المتأخرون ضعيفاً في ذاتِهِ حَسَناً لغيره إذا تأَيد بالشواهد ونحوها ، وإِذا سبرتَ الأحاديثَ التي ذكرها ابن القيم مثالاً للضعيف الذي قدَّمه أبو حنيفة على القياس. وجدتها كلَّها حساناً إِما في ذاتها أو لغيرها، كما يتضح لك حقيقة ذلك بمطالعة كتابنا هذا (١) إِن شاء الله تعانى . ٥ - فَرْقٌ بين الحديث الضعيف والمضعَّف، فالأَولُ لا يُحتَجُّ به في الأحكام غير الفضائل، والثاني يحتج به . قال القَسْطَلَّاني في ((إرشاد الساري)): والمضعَّفُ ما لم يُجمَع على ضَعْفِه، بل في مَتْتِهِ أو سندِه تضعيف لبعضهم وتقوية للبعض الآخر ، على كلامهما ثم دراستِه والجواب عنه . وعلى كل حال : فكلامُ الإمام أحمد يُحمَلُ على ظاهره ، وأنه يريد الضعيف المتوسط وما فوقه مما هو إلى الحسن أقرب ، والله أعلم . ثم إن تمّ هذا التفسير الذي قلته لكلام الإمام أحمد وصَحّ ، فاستنباطُ المؤلف حفظه الله من نص ابن تيمية أن الحديث الذي ليس فيه فاحشُ الغلط أو المتهم بالكذب يقال عنه: حديث حسن. لا يصحّ ولا يتم له . ولو أن هذا التفسير لم يتم ، فإنّ هذا الاستنباط واضح التساهل إلى حد بعيدٍ . والله أعلم)). انتهى كلامُ الأستاذ محمد عوَّمة. مزيداً مني كلّ ما بين المعكوفتين عن ابن القيم والمناوي ويعقوب بن شيبة وأني حاتم والشافعي وأبي زرعة والكشميري وابن دحية في ص ١٠٢ - ١٠٧ . (١) أي « إعلاء السنن)). وهذا الكتابُ الذي بين يديك هو مقدمته. ١٠٩ وهو أعلى من الضعيف، وفي ((البخاريّ)) منه. اهـ. من مقدمة ((مسند الإِمام الأعظم)) لبعض الفضلاءِ (١). قلت: وهذا راجع إلى ما قلنا أولاً (٢): إِنَّ المختلَف فيه حسن . وفي ((تدريب الراوي)) (٣) قال الحاكم(٤): الحديث الصحيح ينقسم عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، فذكَر المتفق عليها أولاً ثم قال: وأَما الأقسام المختَلَف فيها فهي: ١ - المرسَل، ٢ - وأحاديث المدلِّسين إذا لم يذكروا سماعهم، ٣ - وما أسنده ثقة وأرسله ثقات ، ٤ - وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، ٥ - وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين . اهـ . (١) ص ٦٩ . وبعضُ الفضلاء هذا: هو العلامة المحقّق الشيخ محمد حسن السّنْبَهْلي ويقال : السّنْبَلي الهندي ، عصري الشيخ عبد الحي اللكنوي وصديقُه ومشابهه في كثرة التآليف العديدة وتنوعها ، مع قصر العمر أيضاً ، فقد ولد ١٢٦٤ وتوفي سنة ١٣٠٥، وله نحو مئة مؤلّف أو يزيد ، وهو صاحب بحث وجولات منصورة في كتبه رحمه الله تعالى . وقد ترجم له صاحبُه عبد الحي في ((مقدمة السعاية)» ص ١٨ - ١٩ ترجمةً حسنة قبل وفاته . وتوفي السنبهلي بعده بسنة . وكتابه المنقول منه هنا اسمُه: (( تنسيق النظام في مسند الإمام))، وهو كتاب عظيم جداً للغاية ، ومقدمته بلغت ١٢٣ صفحة من القطع الكبير الهندي . حُشِيت أغلى الدَّرَر والنفائس ، فعليك به وهو مطبوع (٢) في ص٧٢ . بالهند ثم في باكستان في كراتشي . (٣) ص ٧٦ - ٧٨ (٤) في ((المدخل في أصول الحديث))ص ١٢ - ١٦ . وكلامههنا مقتضب منه. ١١٠ قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر : أَما الأول والثاني فكما قال ، وأما الثالث فقد اعترض عليه العلائي بأن في ((الصحيحين)) عدة أحاديث اختُلِفَ في وصلها وإرسالها . وأما الرابع فقال العلائي : هو متفق على قبوله والاحتجاج به إذا وُجدت فيه شرائط القبول ، وليس من المختَلَف فيه البتة، وليس كونه حافظاً شرطاً، وإلا لما احتُجَّ بغالب الرواة . وأما الخامس فكما ذكَرَ من الاختلاف فيه ، لکن في ((الصحیحین ) أحاديث عن جماعة من المبتدعة عُرِفَ صدقهم، واشتهرت معرفتهم بالحديث، فلم يُطرَحوا للبدعة . قال: وقد بقي عليه من الأقسام المختلَفِ فيها روايةُ مجهول العدالة . اهـ ملخصاً . قلت: تلخّصَ من هذا أمران: الأول أن في ((الصحيحين)) ما اختُلِفَ في تصحيحه أيضاً، والثاني: أَن المرسَل وروايةً المدلِّس بغير ذكر السماع وروايةً مجهول العدالة : من قسم الصحيح المختلَفِ فيه، صحَّحه بعضهُم وضعَّفه بعضهم ، فهو من المضعّف لا من الضعيف فافهم . ٦ - قال المحقق في ((الفتح)) (١): الاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع. اهـ. كذا في ((جامع الآثار)) لشيخنا(٢). قلت: وهذا كما (١) ص ٤٦٧ . (٢) ص ٨. وقد نَصّ المحقق الكمال في ((الفتح)) على مثله أيضاً في ١ : ١٧٤ في (باب الأذان) فقال بعد أنَّ ذكر حديثاً رواه الحاكم وقال: فيه: صحيح الإسناد: ((لكن نُظِرَ فيه بضعف أبي عائذ - راويه ـ فقد يقال : هو حسن، ولو ضُعّف فالمقام - وهو في دعاء من أدعية سامع الأذان - يكفي فيه مثلُه)). وقال في (باب الإمامة) ١ : ٢٤٦ (( والضعيفُ غير الموضوع يعمل به في فضائل الأعمال)). ١١١ قدمناه(١) عن السيوطي أنه يعمل بالضعيف في الأحكام أيضاً إذا كان فيه احتياط . اهـ . ٧ - وفي ((التعليق الحسن))(٢): الضعيفُ يكفي للاعتضاد . وفي موضع منه : الضعيفُ يصلح للتقوية (٣). قلت: وهذا مجمَعُ عليه بين المحدثين، لأَن المرسَلِ ضعيف عندهم، ويَعْتَضِدُ بمجيئه مرسلاً أو مسنداً من وجه آخر ضعيف ، كما سيأتي . وقد قدمنا (٤) عن ((تدريب الراوي))أنه لا بِدْعَ في الاحتجاج بحديث له طريقان ، لو انفرد كلٌّ منهما لم يكن حجة . اه . ٨ - التزم البيهقي أن لا يُخرِّجَ في تصانيفه حديثاً يعلمه موضوعاً . (١) في ص ٩٤ في المقطع - ١ - . وتقدّم تعليقاً ما يتصل به. (٢) ١ : ٨٧ و ٢ : ٤٨ . (٣) كما يصلح للترجيح بين نّصين متراجحين، أو معنيين متغايرين ، كما أفاده ابن القيم في ((تحفة المودود)) ص ٩ وعبارته في تفسير الآية: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي تميلوا ونجوروا، لا كما قيل: أن تكثر عيالكم. روت عائشة عن النبي ◌ُ المِ ﴿أن لا تعولوا﴾ قال: لا تجوروا. وهذا المروي عن النبي ◌ِ التل ولو كان من الغرائب، فإنه يصلح للترجيح)). انتهى باختصار يسير . (٤) في ص ٨٠ . ١١٢ قاله السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١). وقال في ((اللآلى المصنوعة))(٢) بعد الذبّ عن حديثٍ(٣) عدَّه ابن الجوزي من الموضوع ما نصه: وإذا عرفت أَن المذكور في الإِسناد هو (إبراهيم بن زكريا ) العِجْلي، الذي ذكره ابن حبان في ((الثقات))، لا الواسطي الذي ذكره في ((الضعفاء)) واتُّهِمَ جَرْحُ الحديث به علمتَ خروج الحديث عن حيز الوضع ، وعرفتَ جلالة البيهقي في كونه لا يُخرج في كتبه شيئاً من الموضوع كما التزمه . اهـ . (٤) (١) ص ١٨٣ . (٢) ٢ : ٢٦٠ - ٢٦١ . (٣) وهو حديث علي رضي اللّه عنه أنه كان قاعداً مع النبي عائل في البقيع . في يوم رجزٍ - لعله يعني به : الرعد - ومَطَر ، فمرّت امرأة على حمار فَهَوَتْ يَدُّ الحمار في وَهْدة من الأرض، فأعرض النبي عَ لَّهِ بوجهه فقالوا: يا رسول الله إنها متسرولة فقال: ((اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي ، يا أيها الناس اتخذوا السراويلات ، فإنها من أستر ثيابكم . وخصوا بها نساءكم إذا خرجن)) . رواه البزار والبيهقي والدار قطني والخطيب والمحاملي بطرق مختلفة. قال السيوطي بعد سياقِه طرقَه ٢: ٢٦٢: وبمجموع هذه الطرق يرتقي الحديث إلى درجة الحسن . (ش) . (٤) قال عبد الفتاح : وقد نص السيوطي على هذا الذي التزمه البيهقي في مواضع من ((اللآلىء المصنوعة))، منها في أوائل كتاب التوحيد ١ : ١٢ قال: عقب حديث (( لما كلّم الله موسى يوم الطور ... )) وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع: ((قلتُ: في الحكم بوضعه نظر ، فإن هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتابه ((الأسماء والصفات))، وهو قد التزم أن لا يخرج في كتبه حديثاً يعلم أنه موضوع )). ١١٣ ومنها في أواسط كتاب المواعظ والوصايا ، بعد أن ذكر حديثاً موضوعاً من وصاياه علم لعلي رضي الله عنه قال ٢: ٣٧٥ (( وأخرج البيهقي أوّلَه في ((الدلائل)) ثم قال: ((وهو حديث طويل في الرغائب والآداب، وهو حديث موضوع، وقد شَرطتُ في أول الكتاب : أن لا أخرج في هذا الكتاب حديثاً أعلمه موضوعاً)). وقال ابن عراق في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)» أوائل كتاب التوحيد ١ : ١٣٩ عقب حديث((إن الله قرأ طه ويسن قبل أن يخلق آدم ... ))، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع: ((تعقّبه الحافظ ابن حجر في ((أطراف العشرة)) فقال: ليس بموضوع ... ))، ثم قال ابن عراق ((والحديث أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وقد قال : إنه لا يخرج في مصنفاته خبراً يعلمه موضوعاً )) . ثم قال ابن عراق في ١ : ١٤١ عند حديث ((لما كلّم الله موسى ... )) السابق الذكر عن ((اللآلىء)): ((والحديث أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات))، وقد قدمنا قريباً عن البيهقي ما اشترطه في مصنفاته )) . قال عبد الفتاح : لم يفِ البيهقي بما التزمه بل أخلّ بذلك في مواضع كثيرة من كتبه كما بيّنته فيما علقته على ((الأجوبة الفاضلة)) للفاضل اللكنوي ص ٧٨ - ٧٩، وإليك خلاصة ذلك التعليق: ((قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه ((الردّ على البكري)) ص ٢٠ (( والبيهقي يعزو ما رواه إلى الصحيح في الغالب . وهو من أقلّهم استدلالاً بالموضوع ... )). وقال في كتابه ((منهاج السنة النبوية)) ٣ : ٨ (( والبيهقي يروي في الفضائل أحاديث كثيرةً" ضعيفة ، بل موضوعة كما جرت عادةُ أمثاله من أهل الحديث )) . وقال شيخنا أحمد بن الصديق الغُمَاري رحمه الله في كتابه ((المغير ٠٤ ١١٤ قلت: وكذا التزم المنذري أن لا يُخرِج في ((ترغيبه، ما قيل فيه : إنه من الأحاديث المتحققة الوضع، كما صرَّح به في مقدمته(١)، فيجوز ذكرُ أَحاديثهما المسكوتِ عنها أو المحكومِ عليها بالضعف على سبيل (٢) الاعتضاد(٢). على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير)، ص ٦ عند حديث ((آنَّةُ الظَّرْف الصّف)» الذي أورده السيوطي عن البيهقي في ((الشعب)): قلتُ : المؤْلفُ - يعني السيوطيّ - يعتمد كثيراً على قول البيهقي : إنه لا يخرج في كتبه حديثاً يعلم أنه موضوع . وليس كذلك ، بل يخرج الموضوعات بكثرة ... )). وقال في ص ٤٨ عند حديث ((الدنيا سبعة آلاف أنا في آخرها ألفاً)) الذي أورده السيوطي عن البيهقي في ((الدلائل)) قلتُ: قال الحُفّاظ: موضوع. ولو كان المؤلّفُ - السيوطيّ - في عصرنا لاستحيى أن يذكره ، وكذلك البيهقي الذي زعم أنه لا يُخرجِ حديثاً يعلم أنه موضوع)). وقال في ص ٧٣ عند حديث ((العَرَبُ للعرّب أكفاء ، والموالي للموالي ، إلا حائكاً أو حجاماً)) الذي أورده السيوطي عن البيهقي في ((السنن)): ((قلتُ: عجباً للبيهقي الذي يُخرج هذا الباطل في ((سننه))؟ ويزعم أنه لا يخرج في كتبه حديثاً يعلم أنه موضوع ! مع أنه لا يَشكّ في وضعه طالبُ حديث!)). وقد نبّه شيخنا الغُماري رحمه الله في كتابه المذكور إلى طائفة أخرى من الأحاديث التي رواها البيهقي في كتبه وهي موضوعة ، وهذه مواطن صفحاتها من كتاب شيخنا: ص ٩، ٢٦، ٣٥ ٠ ٧٧، ٧٩، ١٠٢)). (١) ١: ٣ . (٢) قد تبين لك في التعليقة السابقة أن هذا الإطلاق بالنظر لأحاديث البيهقي ليس بصحيح . ١١٥ ٩ - قال ابن الجوزي(١): والأحاديث ستة أقسام. الأول ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، وذلك الغاية . الثاني . ما تفرَّد به البخاري أو مسلم. الثالث: ما صح سَنَدُه ولم يخرجه واحد منهما . الرابع: ما فيه ضعف قريب محتَمَل، وهذا هو الحديث الحسن . الخامس: الشديد الضعف الكثير التزلزل . فهذا تتفاوَتُ مراتبه عند العلماء، فبعضهم يُدْنيه من الحسان ويزعم أنه ليس بقوي التزلزل، وبعضهم يَرى شدة تزلزله فيُلحِقُهُ بالموضوعات. وفي هذا جمَعتُ الكتابَ المسمى ((بالعلل المتناهية في الأحاديث الواهية)). السادس: الموضوعات المقطوع بأنها كذب . وفي هذا القسم جمعنا كتابنا ((الموضوعات)). هذا كله كلام ابن الجوزي. قال السيوطي: وإذ قد أتينا على جميع ما في كتابه، فنَشرَعُ الآن في الزيادات عليه، فمنها ما يُقطَع بوضعه، ومنها ما نَصَّ حافظ على وضعه، ولي فيه نظر،فأَذكرُه ليُنظَر فيه. اهـ. من ((اللآلي المصنوعة)) (١). قلت: وبهذا علمتَ أن ما ذكره ابن الجوزي في ((العِلَل المتناهية)» ليس كلُّه مما أُجمِعَ على شدةٍ ضعفه، بل فيه ما اختَلَف فيه العلماءُ وأَدنوه من الحِسان، فليتنبه لذلك . وتقرَّرَ بهذا أن شديد الضعف أيضاً له درجتان: إحداهما ما اتفقوا على شدة ضعفه . والثانية ما اختلفوا فيها . فالأُولى ليست بحجة أصلاً، والثانية قد يُحتَجِّ بها، فافهم . (١) في أول كتابه ((الموضوعات)) ١: ٣٢ - ٣٥. والسيوطي لخّصَ" ما قاله تلخيصاً حسناً في ((اللآلى المصنوعة)) كما سيعزوه إليه المؤلف. (٢) ٢ : ٤٧٤ . ١١٦ ١٠ - ومن الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في الحديث المقبول : الجيِّد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمجوَّد، والثابت . فأَما الجيّد: فقال شيخ الإسلام بعد نقلِ كلام ابن الصلاح: إن هذا يدل على أن ابن الصلاح يَرى التسوية بين الجيد والصحيح . وفي ((الترمذي)) (في الطب): ((هذا حديث جيِّد حسن))، وكذا قال غيرُه: لا مغايرة بين جيِّد وصحيح عندهم، إلا أن الجِهْذِ منهم لا يَعدِلُ عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة ، كان يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويَتَرَدَّدَ في بلوغه الصحيح، فالوصفُ به أَنزَلُ رتبة من الوصف بصحيح (١) ، وكذا القويّ . وأما الصالح: فهو شامل للصحيح والحسن، لصلاحيتهما للاحتجاج . ويُستعمل أيضاً في ضعيف يصلح للاعتبار . وأَما المعروف: فهو مقابلُ المنكر . والمحفوظ مقابل الشاذ. وسيأتي تقرير ذلك في محله . والمجوَّدُ والثابتُ بشملان أيضاً الصحيح والحسن . ومن ألفاظهم أيضاً: المُشْبَّه وهو يُطلَقُ على الحَسن وما يقاربه، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح. اهـ . من ((تدريب الراوي)) (٢) . (١) وهو الذي مشى عليه الحافظ يعقوب بن شيبة في ((مسنده)). فقد تقدم قولُه تعليقاً في ص ١٠٥ ((هذا حديث صالح الإسناد ، فإن كان هذا الشيخ ضبط هذا الحديث فقد جوّده وحسّنه)). فتراه قد رادَفَ بينهما. فهو ممن لا يرى الجيد مرادفاً للصحيح . (٢) ص ١٠٤ .