Indexed OCR Text
Pages 321-340
ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٢١ من الثلث سعى فيما زاد اهـ (٣٤٤:٩)، قلت: وهو قولنا، ولله الحمد. فائدة: تستحب الوصية بجزء من المال لمن ترك خيرا؛ لأن الله تعالى قال: ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾، فنسخ الوجوب وبقى الاستحباب فى حق من لا يرث، وقد روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّ له عن ربه تبارك وتعالى: ((يا ابن آدم! جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك)). وعن أبى هريرة مرفوعا: ((إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم)). رواهما ابن ماجة (وفيهما دليل على تعلق حق الورثة بمال المريض، لقوله: ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم)) والخبران قد تقدم تخريجهما) والأولى أن لا يستوعب الثلث بالوصية وإن كان غنيا، لقول النبى ◌ّ: ((والثلث كثير)). قال ابن عباس: لو أن الناس غضوا من الثلث، فإن النبى معَّه قال: ((الثلث كثير))، متفق عليه. وعن العلاء بن زياد قال: أوصى أبى أن أسأل العلماء أى الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية، فتتابعوا على الخمس، وروى: أن أبا بكر رضى الله عنه أوصى بالخمس، وقال: رضيت بما رضى الله به لنفسه يعنى قوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه﴾، وعن على رضى الله عنه أنه قال: لأن أوصى بالخمس أحب إلى من الربع. والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء فى قول عامة أهل العلم. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء علمت فى ذلك إذا كانوا ذوى حاجة، وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين، فخرج منه الوارثون بقول النبى معَّ فيه: ((لا وصية لوارث)) وبقى سائر الأقارب، وأقل ذلك الاستحباب، وقد قال الله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه ذوى القربى﴾ فبدأ بهم، ولأن الصدقة عليهم فى الحياة أفضل فكذلك بعد الموت، فإن أوصى لغيرهم وتركهم صحت وصيته فى قول أكثر أهل العلم، منهم سالم، وسليمان بن يسار، وعطاء، ومالك، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وإسحاق، وأصحاب الرأى. وحكى عن طاؤس، والضحاك، وعبد الملك بن يعلى، أنهم قالوا: ينزع عنهم ويرد إلى قرابته. ولنا ما روى عمران بن حصين: إن رجلا أعتق فى مرضه ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبى مرّ، فدعاهم فجزاهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، فأجاز العتق فى ثلثه لغير قرابته (لأن العرب لم يكونوا يتملكون القرابات) ولأنها عطية فجازت لغير قرابته اهـ من "المغنى" (٤١٨:٦) ملخصا. فائدة: قال الموفق فى "المغنى": لا نعلم خلافا بين أهل العلم فى أن اعتبار الوصية بالموت، ٣٢٢ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن فلو أوصى لثلاثة إخوة له متفرقين ولا ولد له، ومات قبل أن يولد له ولد لم تصح الوصية لغير الأخ من الأب بإجازة من الورثة، وإن ولد له ابن صحت الوصية لهم جميعا من غير إجازة إذا لم تتجاوز الثلث، (ولو جاوزته صحت فى الثلث وبطلت فى الزيادة إلا أن تجيزها الورثة)، وإن ولدت له بنت جازت الوصية لأخيه من أبيه وأخيه من أمه، فيكون لهما ثلثا الموصى به بينهما نصفين، ولا يجوز للأخ من الأبوين؛ لأنه وارث، وبهذا يقول الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى وغيرهم، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. قال: وإن أعتق أمته فى صحته، ثم تزوجها فى مرضه صح. وورثته بغير خلاف نعلمه، وإن أعتقها فى مرضه ثم تزوجها، وكانت تخرج من ثلثه، فعن أحمد أنها تعتق وترث، وهذا اختيار أصحابنا، وهو قول أبى حنيفة؛ لأنها امرأة نكاحها صحيح، ولم يوجد فى حقها مانع من موانع الإرث، وقال الشافعى: تعتق ولا ترث؛ لأنها لو ورثت لكان إعتاقها وصية لوارث، فيؤدى توريثها إلى إسقاط توريثها اهـ (٤٣١:٦). قال إنما يكون إعتاقها وصية للوارث لو ورثت بمجرد الإعتاق، وليس كذلك، فإنها إنما ترثه إذا تخلل التزوج بين الإعتاق والموت، وهو السبب للوراثة دون الإعتاق وحده، فافهم. فائدة: ولا يملك الموصى له الوصية إلا بالقبول فى قول جمهور الفقهاء، إذا كانت لمعين يمكن القبول منه؛ لأنها تمليك مال لمن هو من أهل الملك متعين، فاعتبر قبوله كالهبة والبيع، فأما إن كانت لغير معين، كالفقراء والمساكين، ومن لا يمكن حصرهم كبنى هاشم وتميم، أو على مصلحة كمسجد أو حج، لم يفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت؛ لأن اعتبار القبول من جميعهم متعذر؛ فيسقط اعتباره كالوقف عليهم، ولذلك لو أوصى بعبد للفقراء وأبوه فقير لم يعتق عليه اهـ ملخصا من "المغنى" (٤٤٠:٦). فائدة: إذا أوصى له بسهم من ماله أعطى السدس، وروى عن أحمد: يعطى سهما مما تصح منه الفريضة، والقول بإعطاء السدس روى عن على، وابن مسعود رضى الله عنهما، وبه قال الحسن، وإياس بن معاوية، والثورى، وبالثانى قال شريح. ولنا ما روى ابن مسعود: أن رجلا أوصى لرجل بسهم من ماله، فأعطاه النبى معَِّ السدس (أخرجه البزار فى "مسنده" والطبرانى فى "الأوسط": من طريق محمد بن عبيد الله العزرمى، عن أبى قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود به، وذكره عبد الحق فى "أحكامه" من جهة البزار، وقال: العزرمى متروك، وأبو قيس له أحاديث يخالف فيها (زيلعى ٣٧٤:٢). ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٢٣ قلت: أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان قد روى عنه شعبة، ولا يروى إلا عن ثقة، ولكن لم يروه عنه إلا العزرمى، لا يروى عن النبى عّ لّه متصلا إلا بهذا الإسناد). ولأن السهم فى كلام العرب السدس، قاله إياس بن معاوية (رواه الإمام قاسم بن ثابت السرقسطى فى "غريب الحديث": حدثنا موسى بن هارون، ثنا العباس، ثنا حماد بن سلمة، عن إياس بن معاوية، قال: السهم فى كلام العرب السدس. وفيه قصة: وفى "التنقيح": قال سعيد بن منصور: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن الحسن فى رجل أوصى بسهم من ماله قال: له السدس على كل حال اهـ (زيلعى ٣٧٥:٢)، ولأنه قول على وابن مسعود ولا مخالف لهما فى الصحابة، ولأن السدس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة، فتنصرف الوصية إليه، كذا فى "المغنى" (٤٤٦:٦). قال: وإن أوصى بجزء، أو حظ، أو نصيب، أو شىء من ماله، أعطاه الورثة ما شاءوا لا أعلم فيه خلافا، وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، وابن المنذر وغيرهم. وكذلك إن قال: اعطوا فلانا من مالى، أو ارزقوه؛ لأن ذلك لا حد له فى اللغة ولا فى شرع، فكان على إطلاقه، وإذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته غير مسمى، فإن كان الورثة يتساوون فى الميراث کالبنين، فله مثل نصيب أحدهم مزادا على الفريضة، ويجعل كواحد منهم زاد فيهم، وإن كانوا يتفاضلون فله مثل نصيب أقلهم ميراثا يزاد على فريضتهم، وإن أوصى بنصيب وارث معين فله مثل نصيبه مزادا على الفريضة، (ما لم يزد الثلث)، وهذا قول الجمهور، وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، وفيه خلاف مالك، وزفر اهـ (٤٤٨:٦). قال: فإذا خلف ثلاثة بنين وأوصى لآخر بمثل نصيب أحدهم، كان للموصى له الربع، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم الشعبى، والنخعى، والثورى، وأصحاب الرأى. وعند مالك وموافقيه للموصى له الثلث والباقى بين الأبناء، وتصح من تسعة، وقد دللنا على فساده (لأن الموصى جعله مثلا لأحد أبناءه، وهذا يقتضى التسوية، ومتى أعطى من أصل المال بطلت التسوية)، ولو خلف ابنا واحدا، وأوصى بمثل نصيبه فللموصى له النصف فى حال الإجازة، والثلث فى حال الرد، وعند مالك فى حال الإجازة جميع المال اهـ (٤٥٣:٦) ظ. فائدة: قال الموفق: إذا أوصى لولد فلان فإنه للذكور والإناث والخنائى جميعا، لا خلاف فى ذلك؛ لأن الاسم يشمل الجميع، قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ ٣٢٤ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن الأنثيين﴾، وقال تعالى: ﴿ما اتخذ من ولد﴾، نفى الذكر والأنثى جميعا، وإن قال: لبنى فلان فهو للذكور دون الإناث والخنائى، هذا قول الجمهور، وبه قال الشافعى، وأصحاب الرأى. وقال الحسن، وإسحاق، وأبو ثور: هو للذكر والأنثى جميعا؛ لأنه لو أوصى لبنى فلان وهم قبيلة دخل فیه الذكر والأنثى. ولنا أن لفظ البنين يختص بالذكور، قال الله تعالى: ﴿أَصطفى البنات على البنين﴾؟! وقال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾، وقد أخبر أنهم لا يشتهون البنات، وإنما دخلوا فى الاسم إذا صاروا قبيلة؛ لأن الاسم نقل فيهم عن الحقيقة إلى العرف، ولهذا تقول المرأة: أنا من بنى فلان - إذا انتسبت إلى القبيلة- ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى أبيها. وإذا أوصى لبنات فلان دخل فيه الإناث دون غيرهن، لا نعلم فيه خلافا، ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل؛ لأنه لا نعلم كونه أنثي. وإن أوصى لولد فلان أو لبنى فلان، ولم يكونوا قبيلة، فهو لولده لصلبه، وأما أولاد أولاده فإن كانت قرينة تدل على دخولهم مثل أن يوصى لولد فلان وليس له إلا أولاد أولاده ونحوه ذلك، دخلوا؛ لأن اللفظ يحتملهم، والقرينة صارفة له إليهم، فصار كالتصريح بهم، وإن دلت القرينة على إخراجهم فلا شىء لهم، وإن انتفت القرائن لم يدخلوا فى الوصية؛ لأن اسم الولد حقيقة عبارة عن ولد الصلب، وإن أوصى لولد فلان، أو بنى فلان، وهم قبيلة كبنى هاشم، وبنى تميم دخل فيهم الذكر والأنثى والخنثى، ويدخل فيه ولد الرجل معه، ولا يدخل فيه ولد بناتهم؛ لأن ذلك اسم للقبيلة ذكرها وأنثاها، قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾، وقال: ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب﴾، وروى أن جوارى من بنى الأنصار قلن: یا حبذا محمد من جار نحن جوار من بنی النجار ولا يدخل ولد البنات فيهم؛ لأنهم لا ينتسبون إلى القبيلة، وإن أوصى لأخواته فهو للإناث خاصة، وإن أوصى لإخوته دخل فيه الذكر والأنتى جميعا، قال تعالى: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء﴾، وقال: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وأجمع العلماء على حجبها بالذكر والأنثى. وإن أوصى للأرامل فهو للنساء اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو غيره، وقال الشعبى، وإسحاق: هو للرجال والنساء، ولنا أن المعروف فى كلام الناس أنه النساء، فلا يحمل لفظ الموصى إلا عليه، ويدل على أنه الحقيقة أن اللفظ عند إطلاقه لا يفهم منه إلا النساء، ولا يسمى به فى العرف غيرهن، وهذا دليل على أنه لم يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه فى الحقيقة للرجال ٣٢٥ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ج - ١٨ والنساء، لكن قد خص به أهل العرف النساء، وهجرت به الحقيقة، حتى صارت معمورة لا تفهم من لفظ المتكلم، ولا يتعلق بها حكم كسائر الألفاظ العرفية، فأما لفظة الأيامى فهو كالأرامل، إلا أنه لكل امرأة لا زوج لها، قال الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾. وقالت الحنابلة: هو للرجال والنساء الذين لا أزواج لهم، ولنا أن العرف يخص النساء بهذا الاسم، والحكم للاسم العرفى، والعزب هم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل عزب وامرأة عزبة، ويحتمل أن يختص العزب بالرجال، لأنه فى العرف كذلك، والثيب والبكر يشترك فيه الرجل والمرأة، قال النبى معَّ له: ((والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالتيب الجلد والرجم)). والعانس من الرجال والنساء الذى كبر ولم يتزوج، والكهول الذين جاوزوا الثلاثین، ثم لا یزال کھلا حتی یبلغ خمسین ثم یشیخ، ولا يزال شيخا حتى يموت اهـ ملخصا من "المغنى" (٤٧٣:٦) ونصوصٍ محمد بن الحسن الإمام توافقه، وهو إمام فى اللغة مسلم، ظ. فائدة: قال محمد بن الحسن فيمن أوصى لأقرباء بنى فلان: إنه لا يدخل فيه ولده ولا والده لقوله تعالى: ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾، فدل على أن الوالدين ليسوا من الأقرباء ولأنهم لا يدلون بغيرهم، ورحمهم بأنفسهم، وسائر الأحارم سواهما إنما يدلون بغيرهم والأقربون من يقرب إليه بغيره، وقال: إن ولد الصلب ليسوا من الأقربين أيضا؛ لأنه بنفسه يدلى برحمه لا بواسطة بينه وبين والده؛ ولأن الولد أقرب إلى والده من الوالد إلى ولده، فهو أحرى أن يكون من الأقربين، ويدخل فيه ولد ولده، والجد، والإخوة، ومن جرى مجريهم (أحكام القرآن ١٦٧:١) للجصاص. فائدة: إن مات الموصى له قبل موت الموصى بطلت الوصية، هذا قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن على رضى الله عنه، وبه قال الزهرى، وحماد بن أبى سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعى، وأصحاب الرأى. وقال الحسن: تكون لولد الموصى له. ولنا أنها عطية صادفت المعطى له ميتا فلم تصح، كما لو وهب ميتا، وذلك لأن الوصية عطية بعد الموت، وإذا مات قبل القبول بطلت الوصية أيضا اهـ ملخصا من "المغنى" (٤٣٩:٦) ظ. فائدة: الوصية بالحمل وللحمل جائزة إذا أتت به لأقل من ستةً أشهر منذ تكلم بالوصية، أما الوصية بالحمل فتصح إذا كان مملوكا، بأن يكون رقيقا، أو حمل بهيمة مملوكة له؛ لأن الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية، فجرى مجرى إعتاق الحمل، فإن انفصل ميتا بطلت الوصية، وإن انفصل حيا وعلمنا وجوده حال الوصية أو حكمنا بوجوده صحت الوصبة، وإن لم يكن كذلك ٣٢٦ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن لم تصح. وأما الوصية للحمل فصحيحة أيضا، لا نعلم فيه خلافا، وبذلك قال الثورى، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى؛ وذلك لأن الوصية جرت مجرى الميراث، من حيث كونها انتقال المال من الإنسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض، كانتقاله إلى وارثه، والحمل يرث، فتصح الوصية له؛ ولأن الوصية أوسع من الميراث، فإنها تصح للمخالف فى الدين والعبد بخلاف الميراث، فإذا ورث الحمل فالوصية له أولى اهـ ملخصا من "المغنى" (٤٧٤:٦) ظ. فائدة: قال الموفق: وإذا أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم، كالقبيلة العظيمة، والفقراء والمساكين، صح، وأجزأ الدفع إلى واحد منهم، وبه قال الشافعى فى أحد الوجهين إلا أنه قال: يدفع إلى ثلاثة منهم؛ لأنه أقل الجمع، وقال أبو حنيفة: لا تصح الوصية للقبيلة التى لا يمكن حصرها؛ لأنها يدخل فيها الأغنياء والفقراء، وإذا وقعت للأغنياء لم تكن قربة، وإنما تكون حقا لآدمى، وحقوق الآدميين إذا دخلت فيها الجهالة لم تصح كما لو أقر بمجهول. قال: ولنا أن كل وصية صحت لجماعة محصورين، صحت لهم وإن لم يكونوا محصورين، وما ذكروه غير صحيح فإن الوصية للأغنياء قربة، وقد ندب النبى معَّه إلى الهدية وإن كانت لغنى اهـ (٤٧٣:٦). قلت: قد استروح الموفق فى نقل قول أبى حنيفة رحمه الله، وتحقيقه ما فى "الهداية" وغيرها من كتب القوم: أنه لو أوصى لأيتام بنى فلان، أو لعميانهم أو لزمناهم، أو الأراملهم، دخل فى الوصية فقراءهم وأغنياءهم، وذكورهم وإناتهم، إن كانوا قوما يحصون؛ لأنه أمكن تحقيق التمليك فى حقهم، والوصية تمليك، وإن كانوا لا يحصون فالوصية فى الفقراء منهم؛ (لم يقل ببطلان الوصية كما ذكره الموفق) لأن المقصود من الوصية القربة (حينئذ)، وهى فى سد الخلة ورد الجوعة، وهذه الأسامى تشعر بتحقق الحاجة، فجاز حمله على الفقراء، بخلاف ما إذا أوصى لشبان بنى فلان وهم لا يحصون، أو لأيامى بنى فلان، حيث تبطل الوصية؛ لأنه ليس فى اللفظ ما ينبئ عن الحاجة، فلا يمكن صرفه إلى الفقراء، ولا يمكن تصحيحه تمليكا فى حق الكل للجهالة المتفاحشة وتعذر الصرف إليهم اهـ (بناية ٤: ٦٢٦). وحاصله أن الوصية تمليك فى الأصل كالهبة والهدية، ومقتضى ذلك أن لا تصح المجهول أصلا، كما لو وهب أو أهدى لمجهول، ولكنا نقول لصحتها للفقراء والمساكين إذا كان اللفظ ينبئ عن الحاجة؛ لكونها قربة كالوقف لا تمليكا محضا، والهدية إلى الغنى وإن كان موجبا للثواب لإدخال السرور على المسلم، ولكنها لا تسمى قربة، ألا ترى أن الوقف على الأغنياء باطل إلا تبعا ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٢٧ للفقراء؟ وكذلك الوقف على النفس والأولاد إلا إذا كان آخره للفقراء، كما مر فى باب الوقف، وإذا لم تكن قربة كانت تمليكا كالهبة والهدية، فلا تصح لمجهول، فافهم. فائدة: إذا أوصی لرجل بمعین من ماله ثم وصی به لآخر، أو وصی له بثلثه ثم وصی للآخر بثلثه، أو وصى بجميع ماله لرجل ثم وصى به لآخر، فهو بينهما، ولا يكون ذلك رجوعا فى الوصية الأولى، وبهذا قال ربيعة ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأى، وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وطاوس وداود: وصيته للآخر منهما؛ لأنه وصى للثانى بما وصى به للأول، فكان رجوعا. ولنا أنه وصى لهما بها فاستويا فيها، كما لو قال لهما: وصيت لكما بالجارية، وإن قال: ما أوصيت به لزيد فهو لعمرو، كانت لعمرو فى قولهم جميعا، وبه قال الشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وهو أيضا على مذهب الحسن، وعطاء، وطاؤس، ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه صرح بالرجوع عن الأول بذكره أن ما أوصى به مردود إلى الثانى، فأشبه ما لو قال: رجعت عن وصيتى لزيد وأوصيت بها لعمرو، بخلاف ما إذا أوصى بشىء واحد لرجلين أحدهما بعد الآخر، فإنه يحتمل التشريك بينهما، وقد ثبتت وصية الأول يقينا، فلا تزول بالشك، هذا هو الفرق، فقياس أحدهما على الآخر باطل، كذا فى "المغنى" (٤٨٥:٦) ملخصا. فائدة: من مات فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه،ولم يشهد فيها، وعرفه خطه و کان مشهور الخط، يقبل ما فيها عند الحنابلة، وروى عن أحمد: أنه لا يقبل الخط فى الوصية، ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه، أو تقرأ عليه فيقر بما فيها، وبهذا قال الحسن وأبو قلابة والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى؛ لأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذا ههنا، وأبلغ من هذا أن الحاكم لو رأى حكمه بخطه تحت ختمه، ولم يذكر أنه كلم به أو رأى الشاهد شهادته بخطه، ولم يذكر الشهادة، لم يجز للحاكم إنفاذ الحكم بما وجده، ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به، فههنا أولى، وقد نص أحمد على هذا فى الشهادة. ووجه قوله الأول قول النبى معَ له: ((ما من امرئ مسلم له شىء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته(١) مكتوبة عنده))، ولم يذكر شهادته، ولأن الوصية يتسامح فيها، ولهذا صح تعليقها على الخطر (١) قلنا: معناه أن يكتب وصيته ليكون كل ما يريد أن يوصى به محفوظا عنده، لا يعزب عنه شىء عند الوصية، لا أن مجرد الكتابة هو الوصية بعينها، والله تعالى أعلم، ظ. ٣٢٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن والغرر، وصحت للحمل وبه، وبما لا يقدر على تسليمه وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث، كذا فى "المغنى" (٤٨٨:٦). قلنا: إنما تسومح فيها بما ذكره لكونها تمليكا مضافا إلى ما بعد الموت أشبه التعليق، فلا تضره الجهالة ولا الخطر، ولا يصح قياسه على رواية الحديث؛ لكونها خبرا محضا، بخلاف الوصية فإنها من باب الإلزام، فلا بد لها من الحجة الملزمة، والخط ليس منها. قال: وإن كتب وصية وقال: اشهدوا على بما فى هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتى فاشهدوا على بها، فقد حكى عن أحمد أنه لا يجوز حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يقرأ عليه فيقر بما فيه، وهو قول من سمينا فى المسألة الأولى، ويحتمل كلام الخرقى جوازه؛ لأنه إذا قبل خطه المجرد فهذا أولى، وممن قال بذلك عبد الملك بن يعلى، ومكحول، ونمير بن إبراهيم، ومالك، والليث، ومحمد ابن مسلمة، وأبو عبيد، وإسحاق. واحتج أبو عبيد بكتب رسول الله مرّ ◌ُلّه إلى عماله وأمراءه فى أمر ولايته وأحكامه وسننه، ثم ما عمل به الخلفاء الراشدون المهديون بعده من كتبهم إلى ولاتهم بالأحكام التى فيها الدماء والفروج والأموال، يبعثون بها مختومة لا يعلم حاملها ما فيها، وأمضوها على وجوهها (قلنا: كان ذلك من باب الإفتاء لا من باب الحكم؛ فلم يجز للمكتوب إليه أن يحكم بالكتاب على أحد، ما لم يثبت الحق عليه بالإقرار أو البينة عنده، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، اللهم إلا أن يكون من كتاب القاضى إلى القاضى بشرائطه؛ فيجوز للمكتوب إليه الحكم به إذا اجتمعت شرائطه، وقد مر ذكرها فى موضعه). وذكر أبو عبيد استخلاف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزیز بکتاب کتبه و ختم عليه، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك مع شهرته وانتشاره فى علماء العصر، فكان إجماعا (قلنا: قياس الوصية بالمال على الاستخلاف -وليس بمال- باطل؛ لأن الوصية بالاستخلاف من باب الإخبار والإرشاد كرواية الحديث، لا من باب الحكم بالأموال، وأيضا فلا نسلم أن كتابه المختوم لم يقرأ على الشهود قبل الختم، بل الظاهر أنه قرأه على خاصته من العلماء والوزراء ثم ختمه بشهاداتهم، وشهدوا على كتابه وعلى ما فيه بعد وفاته. وأيضا فلا نزاع فيما إذا رضى الورثة بإجازة مثل هذه الوصية، كما رضى المسلمون بإجازة مثل هذا الاستخلاف، وإنما النزاع فيما إذا لم يرضوا بها، ولا حجة فى هذه القصة على جواز مثل هذه الوصية مطلقا، فافهم، ظ) ووجه الأول أنه كتاب لا يعلم الشاهد ما فيه؛ فلم يجز أن يشهد عليه ككتاب القاضى إلى القاضى، فأما ما ثبت من الوصية ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٢٩ بشهادة أو إقرار الورثّة به، فإنه يثبت حكمه، ويعمل به ما لم يعلم رجوعه عنه، وإن طالت مدته وتغيرت أحوال الموصى به اهـ ملخصا من "المغنى" (٤٩٠:٦). فائدة: التبرعات المنجزة كالعتق، والمحاباة، والهبة المقبوضة، والصدقة، والوقف، والإبراء من الدين، والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا كانت فى الصحة نهى من رأس المال، لا نعلم فى هذا خلافا، وإن كانت فى مرض مخوف اتصل به الموت، فهى من ثلث المال فى قول جمهور العلماء، وحكى عن أهل الظاهر فى الهبة المقبوضة أنها من رأس المال، وليس بصحيح؛ لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زیادة لکم فى أعمالکم». رواه ابن ماجة وهذا يدل بمفهومه على أنه ليس له أكثر من الثلث، وروى عمران بن حصين: ((أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له فى مرضه لا مال له غيرهم))، الحديث متفق عليه، وإذا لم ينفذ العتق فى أكثر من الثلث مع سرايته فغيره أولى اه، ملخصا من "المغنى" (٦: ٤٩١). وروى أبو يوسف فى "الآثار" له عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: يبدأ بالعتق فى الوصية، فإن كان فضل كان للموصى له، وأخرجه محمد فى "الآثار" عنه، ثم قال: وبه نأخذ فى العتق البات فى المرض والتدبير، وهو قول أبى حنيفة اهـ (١٧٣)، ومفهومه أن الوصية بالعتق لا تقدم على سائر الوصايا عندنا، خلاف ما حكاه الموفق فى "المغنى" (٤٩٢:٦). وذكر الطحاوى فى "مختصره": من أوصى بوصايا فى مرضه فأعتق عبدا له يبدأ بالعتق، وأخرج من الثلث، فإن فضل شىء كان لأهل الوصايا، وإن لم يفضل شىء فلا شىء لهم، ثم العتق إنما يكون مقدما على سائر الوصايا إذا كان منفذا فى المرض أو معلقا بالموت، مثل أن يقول: إن حدث بى حادث من هذا المرض فهو حر، فأما إذا أوصى بعتق عبده بعد موته فلا يبدأ بالعتق، بل يكون هو وسائر الوصايا سواء، كذا فى "البناية". وإن حابى، ثم أعتق، وضاق الثلث عنهما، فالمحاباة أولى عند أبى حنيفة، وصورة المحاباة أن يبيع عبدا بألف وهو يساوى ألفين، وإن أعتق ثم حابى فهما سواء، وبه قال مالك، وقال أبو يوسف ومحمد: العتق أولى فى المسئلتين، وبه قال الشافعى، وأحمد، وهو قول الزهرى، والنخعى والثورى، وقتادة، وإسحاق، وقال الشافعى فى قول وأحمد فى رواية: يسوى بين كل الوصايا اهـ (البناية ٤: ٦١٣)، والله تعالى أعلم، ظ. ٣٣٠ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن فائدة: روينا من طريق مالك، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين: أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال لها: إنى كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مالى بالغابة، فلو كنت جددتيه وحزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، فاقتسموه على كتاب الله تعالى (متفق عليه)، وفيه دليل على أن قبض الموهوب فى حال الصحة فى مرض الواهب كهبته فى المرض؛ فلا يجوز لوارث؛ لأن الهبة لا يتم إلا بالقبض، فكان قبضه فى المرض كابتداء هبة فيه، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا وكيع، عن هشام الدستوائى، عن قتادة، عن الحسن، عن ابن مسعود، فيمن أعتق عبدا فى مرض موته ليس له مال غيره قال: يعتق ثلثه. ومن طريقه: نا حفص، عن حجاج -هو ابن أرطاة - عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: أعتقت امرأة جارية ليس لها مال غيرها، فقال ابن مسعود: تسعى فى ثمنها. (وبه نقول إذا کان علیها دین، وإلا تسعى فى ثلثی ثمنها). ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله. عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: اشترى رجل جارية فى مرضه، فأعتقها عند موته، فجاء الذين باعوها يطلبون ثمنها، فلم يجدوا لها مالا، فرفعوا ذلك إلى ابن مسعود، فقال لها: اسعى فى ثمنك، ومن طريق ابن أبى شيبة: نا حفص، عن حجاج بن أرطاة، عن قتادة، عن الحسن، قال: سئل على عمن أعتق عبدا له عند موته، ولیس له مال غیره، وعلیه دین قال: یعتق ویسعی فی قیمته. وصح عن قتادة: أن من أعتق مملو کا له عند موته ليس له غيره و علیه دین، فإنه حر، ویسعی فی ثمنه. فإن لم يكن عليه دين استسعى فى ثلثى ثمنه، وصح أيضا عن إبراهيم، وعن عطاء ابن أبى رباح، وصح عن شريح فيمن أعتق مملوكا له عند موته لا مال له غيره: أنه يعتق ثلثه، ويستسعى فى ثلثى قيمته، وعن الحسن أيضا مثل هذا، وبه يقول أبو حنيفة وسفيان الثورى وابن شبرمة وعثمان البت، وسوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن. وروينا من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن جابر الجعفى، عن الشعبى، فى الرجل يبيع ويشترى وهو مريض، قال: هو فى الثلث، وإن مكث عشرسنين، (جابر الجعفى ضعيف، ولو صح فيحمل على المحاباة والمريض صاحب فراش)، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، قال لى عطاء: ما صنعت الحامل فى حملها فهو وصية، قلت لعطاء: أ رأى أم شىءٍ سمعته؟ قال: بل سمعناه. ٦ ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٣١ ومن طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال جابر: للحامل ما أعطت ما لم يخف عليها (وبه نقول كما سيأتى) قال يونس: قال ربيعة: يجوز عطاءها ما لم تثقل أو يحضرها نفاس. قال ابن وهب: وأخبرنى رجال من أهل العلم عن سعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد الأنصارى وابن حجيرة الخولانى مثل ذلك، وقال ابن وهب: وأخبرنى يونس عن ابن شهاب أنه قال فى مسجون فى قتل أو فى جرح، أو خرج إلى صف أو يعذب: أنه لا يجوز له من ماله إلا ما يجوز للموصى. ومن طريق سعيد بن منصور، عن محمد بن أبان، عن النخعى، قال: الحامل إذا ضربها الطلق فوصيتها - يعنى إن فعلها- من الثلث (وبه نقول) وروى عن سعيد بن المسيب: ما أعطاه الغازى فمن الثلث، وقال مكحول: من رأس ماله مالم تقع المسابقة، وعن الحسن فى المحبوس: إن فعله من الثلث، وقال فى راكب البحر ومن كان فى بلد وقع فيه الطاعون: إن عطيته من رأس ماله، وقال مكحول كذلك فى راكب البحر ما لم يهج البحر، كذا فى "المحلى" (٣٥١:٩) ملخصا. وفى "الهداية": والمقعد والمفلوج والأشل والمسلول (وهو المدقوق) إذا تطاول ذلك ولم يخف منه الموت، فهبته من جميع المال، لأنه إذا تقادم العهد صار طبعا من طباعة، ولهذا .لا يشتغل بالتداوى، ولو صار صاحب فراش بعد ذلك فهو کمرض حادث، وإن وهب عند ما أصابه ذلك ومات من أيامه فهو من الثلث إذا صار صاحب فراش؛ لأنه يخاف منه الموت، ولهذا یتداوی، فیکون مرض الموت اهـ. وفى "البناية": والحامل إذا ضربها المخاض وهو الطلق يكون تبرعها من الثلث، وبه قال الشافعى. وقال مالك، وأحمد: إذا صار لها ستة أشهر عطيتها من الثلث، ولو اختلطت الطائفتان للقتال، وكل منها مكافية للأخرى أو مقهورة فى حكم مرض الموت، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعى، والثورى، ونحوه عن مكحول، وإذا لم يختلطوا لا، سواء كان بينهما رمى بالسهام أولا، وعن الشافعى قولان: أحدهما: كالجماعة، والثانى ليس بمخوف؛ لأنه ليس بمرض، وراكب البحر إن كان ساكنا فليس بخوف، وإن هبت الريح، أو اضطرب البحر، فهو خوف، والأسير والمحبوس إذا كان من عادته القتل فهو خائف، وإلا فلا، وبه قال مالك، وأحمد والشافعى فى قول. والمجذوم، وصاحب حمى الربع، وحمى الغب، إذا صاروا صاحب فراش يكون فى حكم المريض مرض الموت، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعى، وأبو ثور، والثورى. وقال الشافعى فى ٣٣٢ الفوائد المهمة فى بحث الوصية إعلاء السنن الأمرض الممتدة: عطيته من كل المال؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت فيه وإن كان لا يبرأ منه كالهرم. والله أعلم بالصواب اهـ (٤: ٦١٢). فائدة: روى الدارقطنى فى "سننه": من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: كانوا يكتبون فى صدور وصاياهم: هذا ما أوصى فلان بن فلان، أوصى أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور، وأوصى من ترك بعده من أهله أن يتقوا الله حق تقاته، وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يا بنى إن الله اصطفی لکم الدین فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، وفى إسناده محمد بن زنبور، وثقه النسائی وابن حبان، وقال ابن خزيمة: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين، وفى "التقريب" (٤٨٩:٢): صدوق له أو هام، ورواه البزار نحوه، وفى سنده عبد المؤمن بن عباد، ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه البزاز، وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢١٠:٤). فائدة: روى الطبرانى من طريق هشام بن عروة: أن عبد الله بن مسعود، والمقداد بن الأسود، وعبد الرحمن بن عوف، ومطيع بن الأسود، أوصوا إلى الزبير. قال الهيثمى: مرسل رجاله رجال الصحيح، وعن عروة قال: أوصى إلى عبد الله بن الزبير عائشة، وحكيم بن حزام، وشيبة بن عثمان، وعبد الله بن عامر، رواه الطبرانى ورجاله رجال "الصحيح" (مجمع الزوائد ٤: ٢١٤). وقال الموفق فى "المغنى": لا بأس بالدخول فى الوصية، فإن الصحابة رضى الله عنهم كان بعضهم يوصى إلى بعض، فيقبلون الوصية، فروى عن أبى عبيدة: أنه لما عبر الفرات أوصى إلى عمر، وأوصى إلى الزبير ستة من أصحاب رسول الله عَّهِ، فذكر الأربعة الذين مر ذكرهم، وزاد عثمان، وآخر لم يسمه، وروى عن ابن عمر أنه كان وصيا لرجل. وفى وصية ابن مسعود: إن حدث بى حادث الموت من مرضى هذا إن مرج وصيتى إلى الله سبحانه، ثم إلى الزبير بن العوام وابنه عبد الله، ولأنها وكالة وأمانة فأشبهت الوديعة والوكالة فى الحياة، وقياس مذهب أحمد أن ترك الدخول فيها أولى، لما فيها من الخطر وهو لا يعدل بالسلامة شيئا، ولذلك كان يرى ترك الالتقاط وترك الإحرام قبل الميقات أفضل، تحريا للسلامة واجتنابا للحظر، وقد روى حديث يدل على ذلك، وهو ما روى أن النبى معَّ له قال لأبى ذر: ((إنى أراك ضعيفا، وإنى أحب لك ما أحب لنفسى، فلا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال ج - ١٨ الفوائد المهمة فى بحث الوصية ٣٣٣ يتيم))، أخرجه مسلم اهـ (٦: ٥٧٧). فائدة: قال الموفق فى "المغنى": تصح الوصية إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل إجماعا، ولا تصح إلى مجنون ولا طفل، ولا وصية مسلم إلى كافر بغير خلاف نعلمه؛ لأن المجنون والطفل ليسا من أهل التصرف فى أموالهما، فلا يليان على غيرهما، وكافر ليس من أهل الولاية على مسلم، وتصح الوصية إلى المرأة فى قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن شريح، وبه قال مالك، والثورى، والأوزاعى، والحسن بن صالح، وإسحاق، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى. ولم يجزه عطاء؛ لأنها لا تكون قاضية فلا تكون وصية. ولنا ما روى أن عمر رضى الله عنه أوصى إلى حفصة؛ ولأنها من أهل الشهادة، فأشبهت الرجل وتخالف القضاء فإنه يعتبر له كمال الحالة والاجتهاد بخلاف الوصية اهـ ملخصا (٥٧٠:٦). فائدة: قال الموفق: يجوز أن يوصى إلى رجلين معا فى شىء واحد ويجعل لكل واحد منهما التصرف منفردا، وله أن يوصى إليهما ليتصرفا مجتمعين، وليس لواحد منهما الانفراد بالتصرف؛ لأنه لم يجعل ذلك إليه، ولم يرض بنظره وحده، وهاتان الصورتان لا أعلم فيهما خلافا، وإن أطلق فقال: أوصيت إليكما فى كذا، فليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، وبه قال الشافعى، وقال أبو يوسف: له ذلك؛ لأن الوصية والولاية لا تتبعض، فملك كل واحد منهما الانفراد بها، كالأخوين فى تزويج أختهما، وقال أبو حنيفة ومحمد: نستحسن على خلاف القياس فنبيح أن ينفرد كل واحد منهما بسبعة أشياء، كفن الميت، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة بعينها، وشراء ما لا بد للصغير منه من الكسوة والطعام، وقبول الهبة له، والخصومة عن الميت فيما يدعى له أو عليه؛ لأن هذه يشق الاجتماع عليها، ويضر تأخيرها، فجاز الانفراد بها اهـ (٥٦٩:٦). قلت: قولهما أوسط الأقوال، خير الأمور أوسطها، والله تعالى أعلم، ظ. فائدة: روى الطبرانى عن أبى حصين، قال: أوصى عبيدة أن يصلى عليه الأسود، ورجاله رجال "الصحيح" (مجمع الزوائد ٤: ٢١٤)، وفيه دليل على جواز مثل هذه الوصية، والله تعالى أعلم. ٣٣٤ إعلاء السنن كتاب الفرائض باب عدم التوارث بين المسلم والكافر ٥٩٨٤- عن أسامة بن زيد، عن النبى عرّ: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)). متفق عليه (التلخيص الحبير). باب عدم التوارث بين المسلم والكافر قوله: "عن أسامة" إلخ: قلت: وهو حجة على من قال: يرث المسلم الكافر، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، والإسلام يزيد ولا ينقص؛ لأن قوله: ((لا يرث المسلم الكافر)) نص فى عدم الوراثة، وقوله: ((الإسلام يعلو ولا يعلى))، وقوله: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) ليس بنص فى الوراثة، ولا ظاهر فيها، فكيف يصح إبطال النص بما هو ليس بنص ولا ظاهر؟ وهو حجة أيضا على من قال: إنه لو أسلم الكافر قبل قسمة ميراث المسلم يرث؛ لأن النص مطلق، وليس فيه تفصيل قبل القسمة وبعدها، واحتجوا لما قالوا بما روى سعيد بن منثور من طريق عروة وابن أبى مليكة عن النبى مَّ له أنه قال: ((من أسلم على شىء فهو له)). ولا حجة لهم فيه؛ لأن معناه إن الإسلام لا يخرج شيئا لما کان یملكه قبل إسلامه عن ملكه، لا أنه يملك شيئا لم يملكه قبل إسلامه پاسلامه، فلا حجة لهم فيه. واحتجوا أيضا بما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ له: (( كل قسم قسم فى الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام)). ولا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن معناه أن كل قسمة وقعت قبل مجىء قانون الإسلام فهى نافذة، وكل قسمة لم تقع قبل مجىء قانون الإسلام فهى تقسم على قانون الإسلام. فلا يتعرض لما نحن فيه؛ لأن الكلام فى أن قانون الإسلام ما ذا فيما نحن فيه؟ فنقول: قانون الإسلام فيه أنه يقسم على ورثته الذين كانوا مسلمين عند موته، وأنتم تدعون أن قانون الإسلام فيه أن يقسم بين ورثته المسلمين عند موته، وبين هذا المسلم الذى أسلم بعد موته، وليس فى الحديث شىء بما تدعون، فالاحتجاج به ساقط. واحتجوا أيضا بما روى ابن عبد البر فى التمهيد بإسناده عن يزيد بن قتادة الغزى: أن إنسانا من أهله مات على غير دين الإسلام، فورثته اختی دونی، و کانت علی دینه، ثم إن جدی أسلم وشهد مع النبى معَّ ◌ُّه حنينا، فتوفى فلبثت سنة، وكان ترك ميراثا، ثم إن أختى أسلمت، فخاصمتنى فى الميراث إلى عثمان، فحدثه عبد الله بن أرقم أن عمر قضى فى من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه، فقضى به عثمان فذهبت بذلك الأول وشاركتنى فى هذا، كذا فى "المغنى". ج - ١٨ عدم التوارث بين المسلم والكافر ٣٣٥ وقالوا: هذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعا. وهذا عجيب؛ لأن خلاف على فيه مشهور، قال فى "المغنى": ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن أسلم بعد موت مورثه: أنه لا يرث، قد وجبت المواريث لأهلها، وهذا هو المشهور عن على ، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهرى، وسليمان بن يسار، والنخعى(١) والحكم، وأبو الزناد، ومالك، الشافعى، وعامة الفقهاء، فبطل دعوى الإجماع، وبقى أثر عمر فهو معارض بأثر على، فسقط الاحتجاج. وقالوا: أيضا: لو وقع إنسان فى بئر حفرها يتعلق ضمانه بتركته، وكذا لو وقع الصيد فى شبكة نصبها قبل موته ثبت له الملك فيه، فجاز أن يتجدد حق من أسلم من ورثته بتركته ترغيبا فى الإسلام، وهذا قياس فاسد؛ لأن تحقق الملك فى الصيد لوقوع سبب الملك منه، وهو نصب الشبكة، ووجوب الضمان عليه لوقوع سبب الضمان منه، وهو حفر البئر فى غير ملکه، ولا يتحقق سبب الوراثة فيما نحن فيه، فكيف يصح القياس؟ ومما يدل على بطلانه أنه لو صح هذا القياس لوجب أن يقال: إن العبد إذا أعتق قبل القسمة يرث، مع أنهم لا يقولون به؛ فصح أن القياس فاسد. وقولهم بالفرق بأن فى توريث المسلم ترغيبا فى الإسلام، وليس هذا فى العبد، فاسد؛ لأن لا دخل للترغيب فى الإسلام فى القياس حتى يصح الفرق به، فالقياس فاسد لا محالة، بقى أن يقال: إنا نقول بتوريث المسلم ترغيبا فى الإسلام، فالجواب إن كان هذا الترغيب موثرا فى التوريث فهو متحقق فى التوريث بعد القسمة أيضا، فكيف لم تجعلوه وارثا بعد القسمة؟ فإن قيل: إنه لما علم الكافر بأنه يرث قبل القسمة لا بعدها يتبادر إلى الإسلام، ولو علم أنه يرث بعدها أيضا لا يتبادر إليه. قلنا: فلو علم أنه لا يرث بعد الموت يتبادر إليه، ولا يتبادر لو علم أنه يرث بعد الموت أيضا، فينبغى أن لا يرث بعد الموت، كما لا يرث بعد القسمة، فالفرق فاسد. وقالوا: أيضا: إن الوراثة إنما تتم بالقسمة لا قبلها، فجاز التشريك قبلها لا بعدها، والجواب أن عدم تمام الوراثة قبل القسمة غير مسلم، بل هى تامة قبلها، وإلا لجاز تشريك العبد الذى أعتق قبل القسمة، وأنتم لا تقولون به، فدل ذلك على أن هذه الحجة أيضا فاسدة، فتحقق أن الحق هو قول أصحابنا: إن المسلم بعد موت المورث قبل قسمة التركة لا يرث، والله أعلم. قال العبد الضعيف: روى البيهقى من طريق ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة، عن بكير بن (١) قلت: أثر النخعى رواه الدارمى فى "سننه" ١٢ منه. ٣٣٦ عدم التوارث بين المسلم والكافر إعلاء السنن عبدالله، أن أم علقمة مولاة عائشة زوج النبى ◌ّ ل حدثته: أن صفية بنت حيى بن أخطب رضى الله عنها أوصت لابن أخ لها يهودى، وأوصت لعائشة رضى الله عنها بألف دينار، وجعلت وصيتها إلى ابن لعبد الله بن جعفر، فلما سمع ابن أخيها أسلم؛ لكى يرثها فلم يرثها، والتمس ما أوصت له، فوجد ابن عبد الله قد أفسدت، فقالت عائشة رضى الله عنها: لو سأله أعطوه الألف الدينار التى أوصت لی بها عمته اهـ (٢٨١:٦). ومن طريق شعبة، عن حصين قال: رأيت شيخا يمشى على عصا، فقالوا: هذا وارث صفية بنت حيى، فكنا نتحدث أنها لما ماتت أسلم من أجل ميراثها فلم يورث اهـ (٢١٩:٦)، وهذه قضية قد انتشرت لا يكاد مثلها يخفى، وهذا معارض لأثر عمر الذى ذكره ابن عبد البر فى "التمهيد"، وإذا تعارض الأثران يرجح ما وافق النص منهما على ما يخالفه. قال الجصاص فى "الأحكام" له: واختلف فى ميراث المسلم من الكافر، فإن الأئمة من الصحابة متفقون على نفى التوارث بينهما، وهو قول عامة التابعين وفقهاء الأمصار، وروى شعبة عن عمرو بن أبى حكيم، عن ابن باباه، عن يحيى بن يعمر، عن الأسود الدؤلى، قال: كان معاذ ابن جبل فى اليمن، فارتفعوا إليه فى يهودى مات ترك أخاه مسلما، فقال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص))، وروى ابن شهاب عن داود ابن أبى هند، قال: قال مسروق: ما أحدث فى الإسلام قضية أعجب من قضية قضاها معاوية، قال: كان يورث المسلم من اليهودى والنصرانى، ولا يورث اليهودى والنصرانى من المسلم، قال: فقضى بها أهل الشام. قال داود: فلما قدم عمر بن عبد العزيز (من المدينة وقال بالأمر) ردهم إلى الأمر الأول. وروى هشيم عن مجالد، عن الشعبى: أن معاوية كتب بذلك إلى زياد، يعنى توريث المسلم من الكافر، فأرسل زياد إلى شريح، فأمره بذلك، وكان شريح قبل ذلك لا يورث المسلم عن الكافر، فلما أمره زياد بما أمره قضى بقوله: فكان شريح إذا قضى بذلك قال: هذا قضاء أمير المؤمنين. وقد روى الزهرى عن على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يتوارث أهل ملتين شىء)، وفى لفظ: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم))، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يتوارث أهل ملتین) (سیأتی تخريجه). فهذه الأخبار تمنع توريث المسلم من الكافر والكافر من المسلم، ولم يرو عن النبى معَّ له ج - ١٨ عدم التوارث بين المسلم والكافر ٣٣٧ خلافه، فهو ثابت الحكم فى إسقاط التواريث بينهما. وأما حديث معاذ فإنه لم يعن هذه المقالة (ولم يقل: إن لمسلم يرث الكافر) وإنما تأول فيها قوله: ((الإيمان يزيد ولا ينقص)). والتأويل لا يقضى به على النص، وإنما يرد التأويل إلى المنصوص عليه، ويحمل على موافقته دون مخالفته، وقول النبى عّ لّه: ((الإيمان يزيد ولا ينقص)) يحتمل (أن يريد به الإخبار عن شيوخ الإسلام فى أقطار العالم، وعن تمام نوره يزيد يوما فيوما ولا ينقص، كما هو مشاهد، ويحتمل) أن يريد به من أسلم ترك على إسلامه، من خرج عن الإسلام رد إليه، وإذا احتمل ذلك، واحتمل ما تأوله معاذ، وجب حمله على موافقة خبر أسامة بن زيد فى منع التوارث، إذا غير جائز رد النص بالتأويل والاحتمال، والاحتمال أيضا لا تثبت به حجة، لأنه مشكوك فيه، وهو مفتقر فى إثبات حكمه إلى دلالة من غيره، فسقط الاحتجاج به. وأما قول مسروق: ما أحدث فى الإسلام قضية أعجب من قضية قضى بها معاوية، فإنه يدل على بطلان هذا المذهب؛ لإخباره أنها قضية محدثة فى الإسلام، وذلك يوجب أن يكون قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر، وإذا ثبت أن من قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر، فإن معاوية لا يجوز أن يكون خلافا عليهم، بل هو ساقط القول معهم، ويؤيد ذلك أيضا قول داود بن أبى هند: إن عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول، والله أعلم (١٠٢:٢). قلت: روينا من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: "لا نرث أهل الملل ولا يرثوننا" (سنن البيهقى ٢١٩:٦). وهذا بعمومه ينفى التوارث بين المسلم والكافر مطلقا، فما رواه يزيد بن قتادة عن عبد الله ابن أرقم عنه يحمل على أنه لو أسلم على ميراث له من كافر مات قبل إسلامه فهو له، ولا يكون عدم القسمة عذرا فى إسقاط ميراثه، كيلا يتضاد القولان، والأمر فى تأويل فعل معاذ وقضاء معاوية قريب، فإن الكافر إذا لم يترك وارثا من أهل دينه، وترك قريبا له مسلما، فتركته لبيت مال المسلمين، وللإمام أن يصر فيه باجتهاده ورأيه حيث شاء، فرأى معاذ ومعاوية رضى الله عنها أن صرفه إلى قريبه المسلم أولى، تأليفا لقلوب الداخلين فى الإسلام التاركين لدينهم الباطل، المنعزلين عن أقرباءهم الكفار إلى جماعة المسلمين، ولم يكن ذلك من باب التوريث، بل من باب التأليف، فلما تقادم العهد، وجعله الناس من باب التوريث، رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. ٣٣٨ عدم التوارث بين المسلم والكافر إعلاء السنن ثم راجعت "سنن البيهقى"، فوجدته قد أخرج حاديث معاذ من طريق شعبة، عن عمرو ابن أبى حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبى الأسود الدؤلى، قال: أتى معاذ ابن جبل فى رجل قد مات على غير الإسلام، وترك ابنه مسلما، فورثه منه معاذ، وقال: سمعت رسول الله عَ ◌ّله يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) اهـ (٢٥٤:٦). وظاهره أن الرجل كان قد ارتد عن الإسلام، وميراث المرتد لورثته من المسلمين كما مر، وإنما أراد أن الإسلام فى زيادة ولا ينقص بالردة، والله تعالى أعلم. وأما حمل عبد الله بن أرقم وعثمان قول عمر على ما حملاه عليه، فلم يتبين لی تأويله، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، وظنى أن يزيد بن قتادة لم يعلم بإسلام أختها إلا بعد ما مات أبوها، وادعت أنها أسلمت فى حياته، فخاصمته إلى عثمان، وادعت إسلامها فى حياة أبيها، وادعى أخوها أنه لم يعلم بإسلامها إلا بعد موته، ففى مثل ذلك قضى عثمان أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه، أى من لم يعلم بإسلام قرابته إلا بعد موت المورث قبل القسمة، وادعى أنه أسلم فى حياته، فله نصيبه، ولو ادعى ذلك بعد القسمة لم يكن له نصيب لكون الظاهر مكذبا له، إلا أن يقيم على ذلك بينة. وأما من أسلم بعد موت المورث، ولم يدع الإسلام فى حياته، فلا ميراث له، سواء أسلم قبل القسمة أو بعدها، ألا ترى أن وارث صفية كان قد أسلم حين سمع بموتها لكى يرثها، فلم يورث لكونها لم يدع الإسلام فى حياتها؟ هذا ما عندى، والله تعالى أعلم بالصواب .. وأثر يزيد بن قتادة هذا ذكره الحافظ فى "الإصابة" وقال: أخرجه يحيى بن يونس الشيرازى من طريق أيوب، عن أبى قلابة، عن أبى هلال المزنى، أن يزيد بن قتادة حدث: أن رجلا من أهله مات وهو على غير دين الإسلام، قال: فورثته أختى دونى كانت على دينه، وأن أبى أسلم وشهد مع رسول الله مَّ ◌ُلّم حنينا فمات، فأحرزت ميراثه وكان نخلا، ثم إن أختى أسلمت، فخاصمتنى فى الميراث إلى عثمان، فحدثه عبد الله بن الأرقم: أن عمر قضى أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه، فشاركتنى. وأخرجه المستغفرى من طريق يحيى، وكذا أخرجه أبو مسلم الكجى من طريق أيوب، وأورده الطبرانى من هذا الوجه اهـ (٢٣١:٥)، وفى "مجمع الزوائد" (٢٢٦:٤): رواه الطبرانى ورجاله رجال "الصحيح"، خلا حسان بن بلال، وهو ثقة اهـ. وقال الجصاص فى "الأحكام" له: اختلف السلف فيمن أسلم قبل قسمة الميراث، فقال على ج - ١٨ عدم التوارث بين المسلم والكافر ٣٣٩ ابن أبى طالب فى مسلم مات فلم يقسم ميراثه حتى أسلم ابن له كافر، أو كان عبدا فأعتق: إنه لا شىء له، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهرى وأبى الزناد وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وزفر ومالك والأوزاعى والشافعى. وروى عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان أنهما قالا: من أسلم على ميراث قبل أن يقسم شارك فى الميراث، وهو مذهب الحسن، وأبى الشعثاء، وشبهوا ذلك بالمواريث التى كانت فى الجاهلية ما طرأ عليه الإسلام منها قبل القسمة، قسم على حكم الإسلام، ولم يعتبر وقت الموت، وليس هذا عند الأولين كذلك؛ لأن حكم المواريث قد استقر فى الشرع على وجوه معلومة، قال الله تعالى: ﴿ولکم نصف ما ترك أزواجكم﴾، وقال: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، فأوجب لها الميراث بالموت، وحكم لها بالنصف وللزوج بالنصف بحدوث الموت من غير شرط القسمة، والقسمة إنما تجب فيما قد ملك، فلا حظ للقسمة فى استحقاق الميراث؛ لأن القسمة تبع للملك، ولما كان ذلك كذلك وجب أن لا يزول ملك الأخت عنه بإسلام الإبن، كما لا يزول ملكها عنه بعد القسمة. وأما مواريث الجاهلية فإنها لم تقع على حكم الشرع، فلما طرأ الإسلام حملت على حكم الشرع، إذ لم يكن ما وقع قبل ورود الشرع مستقرا ثابتا، فعفى لهم عما قد اقتسموه، وحمل ما لم يقسم منها على حكم الشرع، كما عفى لهم عن الربا المقبوض، وحمل بعد ورود تحريم الربا ما لم يكن مقبوضا على حكم الشرع، فأبطل وأوجب عليهم رد رأس المال، ومواريث الإسلام قد ثبتت واستقر حكمها، ولا يجوز ورود النسخ عليها، فلا اعتبار فيها بالقسمة ولا عدمها، كما أن عقود الربا لو أوقعت فى الإسلام بعد تحريم الربا واستقرار حكمه لا يختلف فيه حكم المقبوض منها وغير المقبوض فى بطلان الجميع، وأيضا لا خلاف نعلمه بين المسلمين أن من ورث ميراثا فمات قبل القسمة أن نصيبه من الميراث لورثته، وكذلك لو ارتد لم يبطل ميراثه الذى استحقه، وأنه لا يكون بمنزلة من كان مرتدا وقت الموت، فكذلك من أسلم أو أعتق بعد الموت قبل القسمة فلا حظ له فى الميراث، والله أعلم (٢: ١٠٥). وبالجملة فالمشهور عن عمر رضى الله عنه أنه قال: لا نرث أهل الملل ولا یرثوننا، وهو الصحيح الموافق للكتاب والسنة، وأما ما روى عنه أنه ورث المسلم من الكافر قبل القسمة أو بعدها، فليس بموثوق به عنه، وإنما تفرد به حسان بن بلال عن يزيد بن قتادة العنزى وحسان بن ٣٤٠ إعلاء السنن باب عدم توارث أهل ملتین ٥٩٨٥- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده -عبد الله بن عمرو - قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى))، رواه أبو داود، وسكت عليه. بلال، وإن وثقه على بن المدينى وابن حبان، فقد قال ابن حزم: مجهول، ويزيد بن قتادة قال أبو عمر: روى عنه حسان بن بلال، أى ولم يرو عنه غيره، ففى صحبته نظر. وليس فى سياق حديثه تصريح بصحبته، لكن يؤخذ ذلك بالتأمل، كما فى "الإصابة" (٣٤٦:٦)، فليس هو من الصحابة الذين لا تضر جهالتهم صحة الحديث، وإذ کان کذلك فلا يحتج به، ولا يترك قوله ماێه: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم))، وهو متفق عليه من حديث أسامة، وله طرق عديدة، ولا قول عمر: ((لا نرث أهل الملل ولا يرثوننا))، وهو من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عنه، بما رواه يزيد بن قتادة وحده، فافهم، والله يتولى هداك، ظ. باب عدم توارث أهل ملتين قوله: "عن عمرو بن شعيب" إلخ: قلت: قال أصحابنا: الملتان هما الإسلام والكفر، ومعناه أن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وأما الكفار فهم يتوارثون بينهم؛ لأن الكفر ملة واحدة، قال الله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾، ولأنهم وإن كانوا فرقا كثيرة إلا أنهم يجمعهم جهة جامعة، وهو تكذيب الحق وإنكاره، بخلاف المسلمين والكافرين، فإنهم متباينون لا يجمعهم جهة جامعة، وهم وإن كانوا أعداء فيما بينهم إلا أنهم أولياء فيما بينهم فى مقابلة المسلمين. وقال بعضهم: الكفر ملل ثلث: اليهودية، والنصرانية، ودين من عداهم، وهو تحكم. وقال آخرون: الكفر ملل كثيرة، فالنصرانية ملة، واليهودية ملة، والمجوسية ملة، وعبادة الشمس ملة، وهكذا، وهو أيضا غير متجه، إذ لو كان كذلك لكان عبادة صنم ملة، وعبادة صنم آخر ملة، وهو ظاهر البطلان، فالمعيار الصحيح هو اختلاف الكفر والإسلام، وما عداه تحكم لا معیار له. وقال فى "المغنى": إن إسماعيل بن أبى خالد روى عن الشعبى، عن على، أنه جعل الكفر. مللا مختلفة، ولم يعرف له مخالف فى الصحابة، فيكون إجماعا. والجواب عنه أنا لم نقف على سنده بتمامه، فإن صح عنه هذا القول فلا يعلم مراده منه؛ لأنه لا يعلم منه معيار الاختلاف، فتعذر العمل به، ودعوى الإجماع باطل؛ لأن عدم العلم بالمخالف ليس علما بالموافقة؛ لأنه يحتمل أن