Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
إعلاء السنن
باب أرش عين الدابة
٥٩٣٧- قال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الوهاب الثقفى عن أيوب عن أبى قلابة
عن المهلب عن عمر قال: فى عين الدابة ربع ثمنها.
٥٩٣٨- وحدثنا على بن مسهر عن الشيبانى عن الشعبى قال: قضى عمر فى عين
الدابة ربع ثمنها.
عن شريح: أنه کان یضمن بوری السوق وعموده.
ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن عطاء بن السائب، عن شريح نحوه: أنه
ضمن البادى وظلال أهل السوق إذا لم يكن فى ملكهم، وضمن أهل العمود، وعن محمد النفيلى:
أن رجلا أخرج صلاية فى حائطه، فمزقت مزادة من أدم، فضمنه شريح، وعن الحسن أبى مسافر،
قال: إن كنيفا وقع على صِبى فقتله أو جرحه، قال شريح: لو أتيت به لضمنته.
وروينا عن إبراهيم النخعى: إذا أخرج الرجل الصلاية أو الخشبة فى حائطه ضمن، وعن
شعبة، عن الحكم، وحماد: فى الرجل السوقى ينضح بين يدى بابه ماء، فيمر به إنسان فيزلق، قال
حماد: يضمن، وقال الحكم: لا يضمن اهـ (٥٢٦:١٠). وقد تقدم أن المرسل إذا تعدد مخرجه أو
تأيد بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين فهو حجة عند الكل، وإنما يضمن فى نضح الماء بين يدى
الباب، أو الحانوت إذا رش ماء كثيرا بحيث يزلق به عادة، أما إذا رش ماء قليلا، كما هو المعتاد،
والظاهر أنه لا يزلق به عادة، لا يضمن (هداية ٥٨٦:٤).
باب أرش عين الدابة
قوله: قال ابن أبى شيبة إلخ: قال العبد الضعيف: روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق أبى
أمية بن يعلى: نا أبو الزناد، عن عمرو بن وهب، عن أبيه، عن زيد بن ثابت: أن النبى معَّ لّه لم يقض
فى الرأس إلا فى ثلاث: المنقلة، والموضحة، والآمة، وفى عين الفرس بربع ثمنه، وأعله بأبى أمية
إسماعيل بن يعلى الثقفى، فقال: ليس بشىء.
قلت: قد مشاه شعبة، وقال: اكتبوا عنه فإنه شريف (أى والشريف لا يكذب، وشعبة
شعبة)، كذا فى "الميزان"، وفى "اللسان": قال أبو عبيد الآجرى: قلت: لأبى داود: حكى رجل
عن سفيان الأيلى أنه سمع شعبة يقول: اكتبوا عن أبى أمية بن يعلى فإنه شريف لا يكذب، واكتبوا
عن الحسن بن دينار فإنه صدوق، فكذب أبو داود الذى حكى هذا، قال الآجرى: غلام خليل

٢٤٢
ج - ١٨
أرش عين الدابة
٥٩٣٩- وحدثنا جرير عن إبراهيم عن شريح قال: أتانى عروة البارقى من عند
عمر: إن فى عين الدابة ربع ثمنها.
٥٩٤٠- وقال عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا ابن جريج عن عبد الكريم أن
عليا قال: فى عين الدابة الربع (زيلعى).
حكى هذا، قال الحافظ: وغلام خليل مجمع على تكذيبه، فكيف جزم المؤلف أن شعبة قال:
اکتبوا عنه اه (٤٤٥:١).
قلت: لا يلزم من قول الآجرى: غلام خليل حكى هذا، أن لا يكون غيره رواه عنه، فلعل
الذهبى قد اطلع على الذى تابع غلام خليل فى ذلك فجزم به، والله أعلم.
ومن طريق وكيع: نا أبو خباب -هو الكلبى - عن أبى عون الثقفى، عن شريح: أن عمر بن
الخطاب كتب إليه فى فرس فقئت عينه: أن يقوم الفرس ثم يكون فى عينه ربع قيمته. ومن طريق
الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، أنا عبد الملك بن عمير، قال: إن دهقانا فقأعين فرس لعروة
ابن الجعد، فكتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؟ فكتب عمر إليه: أن
خير الدهقان، فإن شاء أخذ الفرس وأعطى الشروى (أى ثمن الشراء)، وإن شاء أعطى ربع ثمنه،
فقوم الفرس عشرين ألفا، فغرم خمسة آلاف، وعن محمد بن سيرين أن شريحا قال: فى الدابة إذا
فقأت عينها لصاحبها الشروى، فإن رضى جبرها بربع ثمنها، وعن ابن جريج قلت لعطاء: عين
٠٠
الدابة؟ قال: الربع زعموا.
قال ابن حزم: أما الرواية فى ذلك عن عمر بن الخطاب، وسعد بن وقاص، وشريح وعطاء،
فثابتة، وأما الرواية عن على بن أبى طالب: أنه قضى فى ذلك بنصف القيمة، وعن عمر بمثل ذلك
فواهيتان، أما التى عن على فهى عمن لا يدرى عن محمد بن جابر اليمامى -وهو هالك- عن
جابر الجعفى- وهو مفروغ عنه- وأما التى عن عمر بن الخطاب فمثل ذلك، لأنها عن مجالد وهو
ضعيف عن الشعبى عن عمر، ولم يولد الشعبى إلا بعد موت عمر بنحو عشرة أيام اهـ. قال: وقال
أبو حنيفة، وزفر: فى الفرس والبعير والبقرة تفقأعين كل واحد منهم ربع ثمنه، فإن فقأعين شاة
فليس فى ذلك إلا ما نقصها، وقال مالك، والشافعى، وزفر فى أحد قولیه: ليس فى كل ذلك إلا ما
نقص من الثمن فقط اهـ (٤٢٨:١٠).
قلت: المروى عن عمر، وسعد بن أبى وقاص، وشريح، يدل على أن لما رواه أبو أمية بن
يعلى بسنده عن زيد بن ثابت مرفوعا أصلا، فقلنا بكون أرش عين الدابة مقدرا بربع ثمنها،

٢٤٣
: إعلاء السنن
باب ضمان الناخس
٥٩٤١- قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الرحمن المسعودى، عن القاسم
ابن عبد الرحمن، قال: أقبل رجل بجارية من القادسية، فمر على رجل واقف على دابة،
والقياس وجوب النقصان فى كل ذلك، كما قاله الشافعى ومن وافقه، إلا أنا تركناه بالنص، وقد
ورد فى عين الدابة فلم نعده إلى الشاة؛ لأن فى الدواب مقاصد سوى اللحم والدر، كالحمل،
والركوب، والحرث، والزينة، والجمال، والعمل، فمن هذا الوجه تشبه الآدمى، وقد تمسك للأكل
كالشاة، فمن هذا الوجه تشبه المأكولات، فعملنا بالشبهين، فبشبه الآدمى أو جبنا فى عينها أرشا
مقدرا، وبالشبه الآخر نفينا النصف.
لا يقال: إن النص قد ورد فى عين الفرس، فلم لم تقصروه عليها؟ وكيف ساغ لكم إلحاق
عين الحمار، والبغل، والإبل، والبقر، بها بالقياس؟ لأنا لم نلحقها بها بالقياس بل بدلالة النص،
لكون الدواب كلها سواء فى المقاصد التى مر ذكرها، بخلاف الشاة فإنها لا تساويها، فلم تكن
ملحقة بها بالدلالة، والنص إذا ورد على خلاف القياس يقتصر على موروده ولا يقاس، فافهم.
باب ضمان الناخس
قوله: قال عبد الرزاق إلخ: قال العبد الضعيف: سيأتى حكم جناية البهيمة إذا لم يكن معها
أحد، وأما إذا جنت ومعها سائق أو قائد أو راكب عليها، أو نخسها ناخس، فحكمه أن الرجل إذا
مات بسبب ومباشرة، يكون الضمان على المباشر دون السبب، من هنا ضمن ابن مسعود الناخس
لم يضمن الراكب، لكون الناخس مباشرا.
وأما القائد والراكب والسائق فإن ابن حزم روى من طريق هشيم: نا أشعث، عن محمد بن
سيرين، عن شريح أنه كان يضمن الفارس ما أوطأت الدابة بيد أو رجل، ويبرئه من النفحة، قال
هشيم: وأنا يونس والمغيرة، قال يونس: عن الحسن البصرى، وقال المغيرة: عن إبراهيم: أنهما كانا
يضمنان ما أوطأت الدابة بيد أو رجل، ولا يضمنان من النفحة.
وعن إبراهيم وشريح: أنهما قالا: إذا نفحت الدابة برجلها، فإن صاحبها لا يضمن، وقال
الحكم والشعبى: يضمن لا بطل دم المسلم. (قلنا: لا يد للراكب على النفحة، والعجماء جرحها
جبار إذا لم يكن لغيرها فعل ولا يد، كما سيأتى).
وعن شريح، قال: يضمن القائد والسائق والراكب، ولا يضمن الدابة إذا عاقبت، قلت: وما

٢٤٤
ضمان الناخس
ج - ١٨
فنخس الرجل الدابة، فرفعت رجلها فلم يخطئ عين الجارية، فرفع إلى سلمان بن ربيعة
الباهلى، فضمن الراكب، فبلغ ذلك ابن مسعود، فقال: على الرجل إنما يضمن الناخس.
عاقبت؟ قال: إذا ضربها رجل فأصابته، وعن مجاهد، قال: ركبت جارية جارية فنخستها أخرى،
فوقعت فماتت، فضمن على بن أبى طالب الناخسة والمنخوسة، وعن الشعبى، أنه سئل عن رجل
أوثق على الطريق فرسا عضوضا فعقر؟ فقال الشعبى: يضمن، ليس له أن يربط كلبا عضوضا على
طريق المسلمين، وعن الشعبى قال: هما شريكان يعنى الراكب والرديف، وعن الشعبى أيضا، قال:
من أوقف دابته فى طريق المسلمين أو وضع شيئا فهو ضامن بجنايته. وعن إبراهيم النخعى والشعبى
جميعا: من ربط دابته فى طريق فهو ضامن. اهـ ملخصا، (٧٠٦:١١).
وأخرج أبو داود من طريق سفيان بن حسين، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى
هريرة مرفوعا: الرجل جبار، وسكت عنه، وقال: الدابة تضرب برجلها وهو راكب. قال الخطابي:
قد تكلم الناس فى هذا الحديث، وقيل: إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ،
قالوا: وإنما هو: ((العجماء جرحها جبار))، ولو صح الحديث كان القول به واحبا، وقد قال به
أصحاب الرأى، وذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنسانا برجلها فهو هدر، وإن نفحته بيدها
فهو ضامن؛ وذلك أن الراكب يملك تصريفها من قدامها، ولا يملك ذلك فيما وراءها اهـ من
"العون" (٤: ٣٢٢).
قلنا: سفيان بن حسین استشهد به البخاری، وأخرج له مسلم فى المقدمة، ولم ينفرد به، بل
رواه الدار قطنى من طريق آدم بن أبى إياس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبى هريرة مرفوعا
بلفظ: "الرجل جبار"، كما سيأتى، والله تعالى أعلم.
وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن وهب: أخبرنى الحارث بن نبهان، عن محمد بن
عبيد الله العزرمی، عن أنس ابن سيرين: أن رجلا کان یسوق بأمه، فجاء رجل على فرس يركض،
فنفر الحمار من وقع حافر الفرس، فوثب فوقعت المرأة فماتت، فاستأذن عمر بن الخطاب، فقال عمر
رضى الله عنه: ضرب الحمار؟ فقال: لا، فقال: أصاب الحمار من الفرس شىء؟ قال: لا، قال: أمك
أتت على أجلها فاحتسبها اهـ (٩:١١)، فلم يضمن الراكب؛ لكونه لم يكن سببا لهلاك المرأة ولا
مباشرا لسبب هلاكها، فافهم.
قال ابن حزم: أما الرواية عن عمر فهى وإن لم تصح من طريق النقل (لما فى سندها من
الضعفاء، مثل الحارث بن نبهان والعز رمى)، فمعناها صحيح، وبه نأخذ،، لأن من لم يباشر، ولا

٢٤٥
إعلاء السنن
باب ما جاء فى أن جناية البهيمة جبار
٥٩٤٢- عن أبى هريرة، أن النبى عّ لّه قال: ((العجماء جرحها جبار، والبئر جبار،
والمعدن جبار، وفى الركاز الخمس))، رواه الجماعة، كذا فى "المنتقى".
٥٩٤٣- وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا حماد، عن إبراهیم، عن
النبى عَّله، قال: ((العجماء جبار، والقليب جبار، والرجل جبار، والمعدن جبار، وفى
الركاز الخمس)) (كتاب الآثار).
أمر فلا ضمان عليه، والدابة إذا نفرت فليس للذى نفرت منه ذنب، إلا أن يكون نفرها عامدا (كأن
يكون نخسها)، فإن عليه القود فيما قتلت إذا قصد بذلك أن تطأ الذى أصابت، فإن لم يكن قصد
ذلك فهو قاتل خطأ والدية على العاقلة، والكفارة عليه، ويضمن المال فى كلتا الحالتين إذا تعمد
تنفيرها؛ لأنه المحرك لها اهـ.
اعتراف ابن حزم بأن مدار الصحة ليس على الإسناد فقط
قلت: لا قود عليه عندنا بحال، لكونه متسببا لا قاتلا، وقد اعترف ابن حزم هاهنا أن مدار
صحة الحديث ليس على الإسناد فقط، بل قد يكون الحديث صحيحا من حيث المعنى وإن كان
ضعيفا من طريق الإسناد، ولو أحكم ابن حزم هذا الأصل لسكت عن كثير مما يورده على الحنفية
وغيرهم من الأئمة، فإن بعض ما يحتجون به من الآثار والأحاديث كذلك، ولكن ابن حزم يرده
بأن فيه فلانا، ولا يحتج به، ولا يتأمل صحة معناه، ولا ينظر إلى ما له من الشواهد والأمارات الدالة
على صحته ١٢ظ.
باب ما جاء فى أن جناية البهيمة جبار
قوله: عن أبى هريرة إلخ: وقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، والجبار الهدر،
إذا سار الرجل على الدابة فنفحت برجلها وهى تسير فقتلت رجلا أو جرحته، فذلك هدر، ولا
يجب على عاقلة، ولا غيرهما، والعجماء الدابة المنفلتة، ليس لها سائق ولا راكب، توطأ رجالا
فتقتلهم، فذلك هدر، والمعدن والقليب الرجل يستأجر الرجل يحفر له بئرا أو معدنا، فيسقط عليه
فيموت، فذلك هدر، ولا شىء على المستأجر، ولا على عاقلته.
وروى أبو داود والنسائى عن سفيان بن حسين، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى
هريرة، عن النبى عَّ ◌ُّه، قال: ((الرجل جبار)) وأخرجه الدارقطنى فى "سنته" وقال: لم يروه غير

٢٤٦
جناية البهيمة جبار
ج - ١٨
سفيان بن حسين، وهو وهم، لم يتابعه عليه أحد، وخالفه الحفاظ عن الزهرى، منهم مالك،
ويونس، وسفيان بن عيينة، ومعمر، وابن جريج، والزبيدى، وعقيل، والليث بن سعد وغيرهم،
وكلهم رووه عن الزهرى: ((العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار)»، ولم يذكروا الرجل، وهو
الصواب، وكذا أعله الخطابى والمنذرى بسفيان بن حسين، كما فى "الزيلعى".
وأخرج الدار قطنى أيضا من طريق آدم بن أبى أياس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبى
هريرة مرفوعا نحوه، وقال: لم يروه عن شعبة غير آدم قوله: ((الرجل جبار)).
قلت: حكم الوهم ليس كما ينبغى، لأنك قد عرفت أن إبراهيم النخعى أيضا رواه مرسلا،
ويبعد حكم الوهم على كل أحد منهم، ولو سلم أنه وهم فيكون هما من جهة اللفظ لا من جهة
المعنى؛ لأن معناه مندرج فى قوله: ((العجماء جبار))، كما لا يخفى.
وأخرجه الدار قطنى أيضا عن عبد الملك بن أحمد الزيات عن حفص بن عمرو، عن عبد
الرحمن، عن سفيان، عن أبى قيس، عن هزيل، قال: قال رسول الله عَّ له: ((المعدن جبار والبئر جبار
والسائمة جبار والرجل جبار وفى الركاز الخمس)).
وأخرجه أيضا عن إسماعيل الصفار، عن الدقيقى، عن مسلم بن سلام، عن محمد بن
طلحة، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل، عن عبد الله، أظنه مرفوعا قال: ((العجماء جبار
والمعدن جبار والبئر جبار والرجل جبار وفى الركاز الخمس))، وسكت عنهما الدارقطنى، ولكن
قال فى "التعليق المغنى": عبد الرحمن بن ثروان أبو قيس وإن كان صدوقا إلا أن هذا الحديث
منكر؛ لأنه مخالف للحفاظ، وقد عرفت أنه لا نكارة فى الحديث، وقد رواه سفيان بن حسين عن
الزهرى، وآدم عن شعبة، وأبو قيس عن هزيل، وإبراهيم النخعى عن النبى معَّه مرسلا، فما معنى
النكارة فيه؟
قلت: احتج بقوله: ((العجماء جبار)) أبو حنيفة على أنه لا ضمان على المالك إذا أتلف البهيمة
الزرع ليلا أو نهارا إذ لم يكن متعديا، وقال آخرون: عليه ضمان إن أتلفته ليلا، ولا ضمان عليه إن
أتلفته نهارا. واحتجوا بما روى أن ناقة للبراء وقعت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله عَ ليه
على أهل الأموال حفظ أموالهم بالنهار، وعلى أهل المواشى ما أفسدت ماشيتهم بالليل. ولا حجة
لهم فيه؛ لأن هذا إذا كان التقصير فى الحفظ من جهة أرباب الأموال، أو من جهة أرباب المواشى،
ولا كلام لنا فيه، وإنما الكلام فيما إذا لم يكن أحدهما مقصرا، فلا معارضة بين قوله: ((العجماء

٢٤٧
إعلاء السنن
باب ضمان جناية البهيمة
٥٩٤٤- عن السرى بن إسماعيل، عن الشعبى، عن النعمان بن بشير، قال: قال
رسول الله عَّ له: ((من أوقف دابة فى سبيل من سبل المسلمين، أو فى سوق من أسواقهم،
فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن))، أخرجه الدارقطنى (٣٦٣)، واحتج به ابن تيمية فى
جبار)) وبين قضاءه فى ناقة البراء، والكلام على حديث ناقة البراء مذكور فى بابه، فارجع إليه.
باب ضمان جناية البهيمة
قوله: عن السرى بن إسماعيل الخ: قلت: غايته أن الحديث ضعيف من جهة السند، ولا
يضر ضعف السند إذا تقوى المتن بعمل أهل العلم وغيره من أسباب القوة، وما نحن فيه كذلك؛
لأن العمل عند أهل العلم عليه، ثم هو موافق للقياس،؛ لأن موجب الضمان هو التعدى، والموقف
للدابة متعد فى هذا لإيقاف المفضى إلى الإتلاف فيضمن، قال العبد الضعيف: وقد ذكرنا آثار
الصحابة: والتابعين فى ذلك فى باب ضمان الناخس، فليراجع، ظ.
وعن حرام بن محيصة: إن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى نبى
الله عَِّ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشى بالليل ضامن على أهلها.
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، كذا فى "المنتقى"، وقال فى "النيل" : صححه ابن حبان، وقال
الشافعى: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله، وأخرجه مالك فى "الموطأ".
وقال الحافظ: مداره على الزهرى واختلف عليه، فقيل: عن الزهرى عن ابن محيصة. ورواه
معن بن عيسى عن مالك، فزاد فيه: "عن جده محيصة"، ورواه معمر، عن الزهرى، عن حرام،
عن أبيه، ولم يتابع عليه، ورواه الأوزاعى، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى، كلهم عن
الزهرى، عن حرام.
عن البراء قال عبد الحق: وحرام لم يسمع من البراء وسبقه إلى ذلك ابن حزم، ورواه النسائى
من طريق محمد بن أبى حفص، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن البراء، ورواه ابن عيينة
عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، وحرام، أن البراء، ورواه ابن جريج عن الزهرى: أخبرنى أبو
أسامة بن سهل: أن ناقة البراء، ورواه ابن أبى ذئب عن الزهرى قال: بلغنى أن ناقة البراء اهـ.
قلت: هذا اختلاف وليس باضطراب موجب للضعف؛ لأنه يمكن الجمع بأن الزهرى يروى
عن حرام، عن جده محيصة، عن البراء، وعن سعيد بن المسيب، وأبى أسامة بن سهل كلهم، فقد

٢٤٨
ضمان جناية البهيمة
ج - ١٨
"المنتقى"، وقال فى "التعليق المغنى": فى سنده السرى بن إسماعيل ابن عم الشعبى،
وهو متروك الحديث، قاله الحافظ فى "التقريب".
يذكر حراما، وقد يذكر سعيدا، وقد يذكر أبا أسامة، وقد يترك كلهم، فيقول: بلغنى، ثم قد يقول:
عن حرام عن جده محيصة، وقد يقولوا: عن حرام عن أبيه، ويريد به جده، وقد يترك محيصة
فيقول: عن البراء، فلا اضطراب، فلما ثبت أن الحديث صحيح.
قلنا: دل الحديث على أن المالك يضمن إذا قصر فى حفظ البهيمة، وأما إسقاط الضمان عن
أهل الماشية بالنهار، فتأويله أن المراد من الماشية الإبل دون كل ما ماشية، والعادة أنهم يرعون الإبل
بالنهار، ثم قد تتعسر الإبل على رعاة، فتفسد شيئا من غير تقصير من الرعاة فيهدر ذلك لعدم
التقصير، لا لأن الإفساد بالنهار غير موجب للضمان أصلا، وإلا لوجب أن لا يجب الضمان على
الرعاة فى النهار، وإن تعمدوا الإفساد، وهو باطل.
ويدل على ما قلنا: إنه روى الدار قطنى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن
النبى معَ ◌ّ قال: ((ما أصابت الإبل بالليل ضمن أهلها وما أصاب بالنهار فلا شىء فيه وما أصابت
الغنم بالليل والنهار غرم أهلها)) (دارقطنى ٣٧٨)، فدل ذلك على أن المراد من الماشية فى حديث
ناقة البراء هى الإبل خاصة، ويدل إيجاب الضمان على أهل الغنم بالليل والنهار على أنه لا دخل
للنهار فى إسقاط الضمان، وإنما بناؤه على عدم التقصير، ولما كان حفظ الغنم متيسرا دل إفسادها
على ترك الحفظ من الرعاة، بخلاف الإبل فإن ضبطها متعسر، هذا هو الفرق، فلا يدل حديث ناقة
البراء على إسقاط الضمان بالإفساد بالنهار مطلقا.
قال الشوكانى فى "النيل": قال الطحاوى: إن تحقيق مذهب أبى حنيفة أنه لا ضمان إذا
أرسلها مع حافظ، وأما إذا أرسلها من دون حافظ ضمن، ثم قال الشوكانى: لا دليل على هذا
التفصيل.
قلت: هو جمود بين، والدليل عليه أن النبى معَّه جعل مبنى الضمان على التقصير فى
الحفظ، فإذا أرسلها مع حافظ لم يقصر فى الحفظ، وإذا أرسلها بدون حافظ فقد قصر، فإن قلت:
إنه قد قسم الحفظ فجعل الحفظ بالنهار على أصحاب الحوائط، وبالليل على أصحاب الماشية، فلم
يكن أصحاب الماشية مقصرين فى ترك الحفظ بالنهار.
قلنا: إن كان كذلك فكيف أوجب الضمان على أهل الغنم بالنهار فی حدیث عبد الله بن
عمرو بن العاص؟ وهل تجيزون أن يترك أهل الماشية ماشيتهم فى الحوائط إذا قصر أصحاب الحوائط
١

٢٤٩
ضمان جناية البهيمة
إعلاء السنن
فى الحفظ؟ فإن قلتم: لا، قلنا: فقد اعترفتم بأن ليس معنى الحديث على ما زعمتم، وإنما معناه ما
قلنا: إن الإبل إذا أفسدت شيئا بالنهار مع حفظ الرعاة ينسب هذا الإفساد إلى تقصير أرباب
الحوائط والزروع، لا أنه لا حاجة إلى حفظ الرعاة بالنهار، فاعرف ذلك.
قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى" فى حديث ناقة البراء: إن هذا خبر مرسل،
أحسن طرقه ما رواه مالك ومعمر عن سفيان، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، إن ناقة للبراء،
وما رواه ابن جريج عن الزهرى، عن أبى أمامة بن سهل: إن ناقة دخلت، فلم يسند أحد قط من
هاتين الطريقتين اللتين، لو أسند منهما أو من إحداهما لكان حجة يجب الأخذ بها، وإنما أسند من
طريق حرام بن سعد بن محيصة مرة عن أبيه، ولا صحبة لأبيه، ومرة عن البراء فقط، وحرام بن
سعد بن محيصة مجهول، لم يرو عنه أحد إلا الزهرى، ولم يوثقه الزهرى، وهو قد یروی عمن لا
يوثق، كروايته عن سليمان بن أرقم وغيره من المجاهيل والهلكى، ولا يحل أن يقطع على رسول
الله عَ لِّ فى الدين إلا بمن تعرف عدالته اهـ، ملخصا (٥:١١).
قلت: قد وثقه ابن سعد، فقال ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: لم
يسمع من البراء (تهذيب ٢٢٣:٢)، قلت: توفى بالمدينة سنة (١١٣)، وهو ابن سبعين، فكان مولده
سنة ثلاث وأربعين، وتوفى البراء سنة اثنتين وسبعين، وحرام بن سعد عند وفاة البراء ابن تسع
وعشرین، فلا یبعد سماعه منه، وعنعنة مثله محمولة على السماع عند الجمهور.
وبالجملة فالخبر صحيح مرسلا حسن موصولا، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث، وإن كان
مرسلا فهو مشهور، حدث به الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول (فتح البارى ٢٢٨:١٢).
ومعناه - والله أعلم- أن أرباب المواشى يتضررون بحبسها فى النهار، لا بد لهم من إرسالها
للرعى والعلف، فلا ضمان عليهم فيما أفسدته بالنهار، وليس معها سائق ولا قائد، ولا يتضررون
بحبسها فى الليل؛ لأن غالب المواشى لاترتع ليلا، فيضمنون ما أفسدته بالليل؛ لكونه دليلا على أن
أربابها يقصدون إفساد الزروع والحوائط، حيث يرسلونها على حين غفلة من أهلها عن حفظ
الأموال، ومبنى هذا القضاء على السياسة، وليس بشرع عام، فللإمام أن يقضى به بعد أن يقدم إلى
الناس بذلك، وإلا فالأصل أن العجماء جبار إذا لم يكن معها سائق ولا قائد، ليلا كان أو نهارا،
لإطلاق قوله عّ لّهِ: ((العجماء جرحها جبار))، وهو حديث صحيح، تلقاه الأمة بالقبول، وإذا كان
معها حافظ، فهو ضامن لما أفسدته؛ لكونه فعل العجماء؛ إذ ذاك منسوبا إلى تقصير الحافظ فى

٢٥٠
ج - ١٨
باب جناية العبد
٥٩٤٥- قال ابن أبى شيبة: حدثنا حفص عن حجاج عن حصين الحارثى عن
حفظها، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.
باب جناية العبد
قوله: "قال ابن أبى شيبة" إلخ: قلت: لا خلاف بين الأئمة فى جناية العبد فى رقبته، وإنما
اختلفوا فى أنه فى ماليته أو فى ذمته، فقال أبو حنيفة، وأحمد، ومالك، والشافعى فى قول: إنها فى
ماليته لا فى ذمته، حتى لا يكون للمجنى عليه حق فى مطالبة العبد بعد العتق، وقال الشافعى فى
قول آخر: إنها فى ذمته؛ حتى يباع العبد فى الدين، فإن وفى فيها، وإلا يطالب بما بقى بعد عتقه،
وأثر على مؤيد لمذهب أبى حنيفة؛ لأنه قال: "إن شاء المولى فداه، وإن شاء دفعه"، فدل ذلك على
أنه ليس على المولى بيعه وأداء ثمنه، ولا للمجنى عليه مطالبة العبد بشىء بعد العتق، بل يكفى
تسليم المولى العبد فى الجناية.
ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: لا يجبر المولى على بيع العبد وتسليم الثمن إن طالب المجنى عليه
ذلك، بل يجبر المجنى عليه على القبول إن دفع المولى العبد إليه. وقال أحمد فى رواية: يجبر المولى
على البيع وتسليم الثمن إذا كان الحال ما ذكرنا، وأثر على شاهد لما ذهب إليه أبو حنيفة؛ لأنه لم
يذكر فيه غير الفداء أو تسليم العبد، ثم إن كان أرش الجناية أكثر من قيمة العبد، وأراد المولى
تسليم قيمة العبد دون عينه، هل يجبر المجنى عليه على القبول؟ فقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجبر
عليه، بل يجبر المولى على تسليم العبد، ولأحمد والشافعى قولان، وظاهر أثر على شاهد لأبى
حنيفة؛ لأنه لم يذكر فيه غير الفداء وتسليم العبد، والمراد من الفداء هو أداء أرش الجناية، لا أداء
القيمة؛ لأنه تعين حقه فى أحد الأمرين، إما الأرش، وإما العبد؛ فلا يعدل إلى غيرهما بدون رضاء
المجنى عليه، هذا هو تحقيق الخلاف فيما بينهم، لخصته من "المغنى" لابن قدامة، و"الوجيز"
للغزالى، والقدوری وغيرها.
وقد ذكر صاحب "الهداية" وشمس الأئمة فى "المبسوط" الخلاف بين أبى حنيفة
والشافعى، على وجه آخر، وهو أن الجناية عند الشافعى فى رقبة العبد، وعند أبى حنيفة فى ذمة
المولى؛ لأنه عاقلته، وهو ليس بسديد؛ لأن المولى ليس بعاقلة للعبد، ولو كان فجناية العبد لا
تتحمله العاقلة عندنا، كما هو مذكور فى بابه، ثم لو كانت الجناية على المولى طولب بأرش الجناية

٢٥١
جناية العبد
إعلاء السنن
الشعبى عن الحارث عن على قال: ما جنى العبد ففى رقبته، ويخير مولاه، إن شاء فداه،
وإن شاء دفعه (زيلعى).
فقط دون دفع العبد، بل ولو دفعه المولى بنفسه كان للمجنى عليه أن لا يقبله، وإذا لم يكن الأمر
كذلك دل على أنها ليست على المولى، بل فى رقبة العبد فقط، فاعرف ذلك، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: لم يتأمل بعض الأحباب كلام صاحب "الهداية"، ولم يمعن النظر فيه،
فإنه لو قال بتعليق الجناية بذمة المولى لم يقل بسقوط موجبها بموت العبد، ولكنه قائل به، حيث
قال: إن الواجب الأصلى هو الدفع فى الصحيح، وبهذا يسقط الموجب بموت العبد لفوات محل
الواجب، وإن كان له حق النقل إلى الفداء، كما فى مال الزكوة اهـ، فإن الموجب الأصلى فيه جزء
من النصاب، وللمالك أن ينتقل إلى القيمة، وهذا صريح فى تعلق الجناية برقبة العبد كتعلق الزكوة
برقبة المال، إلا أن الأداء واجب على المولى دون عبد، ويخير بين أداء الواجب بدفع العبد، لتعلق
الجناية برقبة، أو بأداء الأرش؛ لأن له أن ينتقل إلى القيمة.
فالخلاف إنما هو فى وجوب الأداء، هل هو على المولى أو على العبد؟ بعد الاتفاق على أن
الجناية متعلقة برقبة العبد لا بذمة المولى، فقال الشافعى: إن الأصل فى موجب الجناية أن يجب أداءه
على المتلف؛ لأنه هو الجانى إلا أن العاقلة تتحمل عنه، ولا عاقلة للعبد؛ لأن العقل عنده بالقرابة، ولا
قرابة بين العبد ومولاه؛ فيجب فى ذمته، ويتعلق برقبته.
ولنا أن الأصل فى جناية الخطأ أن تتباعد عن الجانى؛ لكونه معذورا، والخطأ موضوع شرعا
تحرزا عن استئصاله والإجحاف به، وتجب على عاقلته إذا كان له عاقلة، والمولى عاقلته؛ لأن العبد
يستنصر به، والأصل فى العاقلة عندنا النصرة؛ حتى تجب على أهل الديوان، كما سيأتى.
فثبت أن الجناية وإن تعلقت برقبة العبد، ولكن أداء موجبها(١) على المولى دون العبد، يدل
على ذلك قول على رضى الله عنه: ويخير مولاه إن شاء فداه، وإن شاء دفعه، أثبت الخيار للمولى
لا للعبد؛ فدل على أن وجوب الأداء على المولى، ولو كان على العبد لكان الخيار له، وبهذا ظهر أنا
لم نخالف الأصل الذى ذكره الشافعى؛ لقولنا بتعلق الجناية برقبة العبد. وبسقوط موجبها بموته؛
لفوات محل الواجب، وهو قد خالف الأصل الذى ذكرناه، حيث قال بتعلق وجوب الأداء بذمة
العبد أيضا، مع أن الأصل فى جناية الخطأ أن تتباعد عن الجانى. فاندفع قول الأكمل رحمه الله: إن
(١) وإذا كان وجوب أداء الموجب على المولى دون العبد، لا يتبع المجنى عليه، أو وليه العبد الجانى بعد عتقه ١٢ ظ.

ج - ١٨
٢٥٢
باب دية العبد
٥٩٤٦- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى العبد يقتل
الشافعى بناه على أصل ونحن على أصل فمن أين يقوم لأحدنا حجة على الآخر؟ (بناية ٥٣٣:٤).
ولو كان مبنى الخلاف على ما ذكره بعض الأحباب أنهم بعد اتفاقهم على أن جناية العبد
فى رقبته، اختلفوا فى أنها فى ماليته أو فى ذمته، فقال أبو حنيفة بالأول، والشافعى بالثانى إلخ،
لكان لولى الجناية أن يجبر المولى على بيع العبد وتسليم الثمن؛ لتعلق الجناية بمالية العبد، وأبو حنيفة
لا يقول بذلك، كما ذكره بعض الأحباب نفسه، فالصواب ما قلنا، وهو ظاهر أثر على رضى الله
عنه، وأما قوله: ((إن المولى ليس بعاقلة للعبد))، فرد عليه، فقد بينا أن الأصل فى العاقلة النصرة، ولا
ريب أن العبد يستنصر بمولاه.
وأما قوله "إن جناية العبد لا تتحمل العاقلة عندنا": فمعناه أن عاقلة المولى لا تتحمل جناية
عبده، قاله محمد بن الحسن، كما رواه البيهقى عن أبى عبيد عنه، قال: وقال ابن ليلى: معناه أن
يكون العبد يجنى عليه، يقول: فليس على عاقلة الجانى شىء، إنما ثمنه فى ماله خاصة، وإليه ذهب
الأصمعى (١٠٤:٨)، وأما أن المولى لا يتحمل جناية عبده، فلم يقل به أحد من أصحابنا. وأما
قوله: لو كانت الجناية على المولى طولب بأرش الجناية فقط دون دفع العبد إلخ. فلا يرد إلا عليه؛
لقوله بتعلق الجناية بمالية العبد، وأما نحن فلا نقول بتعلق الجناية بذمة المولى، وإنما عليه أداء موجبها،
والواجب الأصلى هو الدفع، وله حق النقل إلی الفداء، فافهم، ظ ..
باب دية العبد
قوله: قال محمد إلخ: قلت: أجمع العلماء على أن فى العبد إذا قتل خطأ قيمته، إلا أنهم
اختلفوا فيما بينهم، فقال الشافعى، ومالك، وأحمد فى المشهور عنه، وأبو يوسف وغيرهم: إن فيه
قيمة العبد بالغة ما بلغت. وقال النخعى والثورى والشعبى وأبو حنيفة ومحمد وأحمد فى رواية
عنه: لا يبلغ بقيمته دية الحر.
حجة الفريق الأول: أن لا قيمة لنفس العبد غير قيمة ماليته، وقيمة المالية متى تجب تجب
بالغة ما بلغت، فينبغى أن تجب قيمة نفس العبد بالغة ما بلغت، فجعل هذا الفريق العبد كالبهائم،
و جعلوا قتله کغصبه.
وقال الفريق الثانى: بأن جعل العبد كالبهائم غير صحيح، لأن فى البهائم مالية محضة،

٢٥٣
دية العبد
إعلاء السنن
عمدا، قال: فيه القود، فإن قتل خطأ فقيمته ما بلغت، غير أنه لا يجعل مثل دية الحر،
وينقص منه عشرة دراهم، وإن أصیب من العبد شیء يبلغ ثمنه دفع العبد إلى صاحبه،
وغرم ثمنه كاملا (كتاب الآثار).
وليس فيها آدمية؛ ولذا لا تجب بقتلها قصاص فى العمد، ولا كفارة فى الخطأ، بخلاف العبد فإن
فينها آدمية، ولذا تجب بقتله قصاص فى العبد، وكفارة فى الخطأ، وكذا لا يصح قياس قتله على
غصبه؛ لأن الضمان فى القتل ضمان النفس، والضمان فى الغصب ضمان المال.
فإن قالوا: إنا نعترف بأن فيه آدمية، ولذا نوجب بقتله القصاص فى العمد، والكفارة فى
الخطأ، ولا ننكر أن الضمان فى القتل هو ضمان المال، ولكنا نقول: إن قيمة نفسه عين قيمة ماليته؛
لأنه لو كان لنفسه قيمة غير قيمة ماليته لتقدرت كما تقدرت فى الحر، ولم يجب فيما دون دية
الحر قيمة ماليته، وهو باطل بالإجماع، فإذا كانت قيمة نفسه عين قيمة ماليته، يجب فى قتله ما
یجب فی غصبه، وما یجب فى قتل البهائم.
قلنا: كون قيمة نفسه عين قيمة ماليته على الإطلاق غير مسلم عندنا، لأن نفس العبد نفس
آدمی لا نفس البهائم، فلا ینبغی أن یکون قیمة نفسه عین قیمة مالیته، ولکنه لیس بآدمی صرف
كالحر، بل فيه شأن البهيمة؛ لكونه مالا من وجه، فلا ينبغى أن يحل قيمته ما هو قيمة نفس الآدمى
الصرف، فلما لم يكن قيمة نفسه عين قيمة ماليته، ولا ما هو قيمة الآدمى الخالص، لزم أن تكون
قيمة نفسه غير قيمة ماليته، وغير قيمة الحر، فقلنا: إن قيمة نفسه قيمة ماليته فيما دون دية الحر؛
رعاية لمعنى البهيمة، وقلنا: إنه إذا بلغت قيمته دية الحر ينقص منه شىء؛ رعاية لجهة الآدمية؛ لأن
آدمية العبد ناقصة بالنسبة إلى آدمية الحر؛ لكون آدمية الحر خالصة، وآدمية العبد مشوبة بالبهيمة.
والحاصل أن نفس العبد مترددة بين الآدمية والبهيمية، ومقتضى البهيمية عدم تقدير قيمته
بشىء، ومقتضى الآدمية تقديره بشىء، ثم مقتضى الآدمية أن لا يتجاوز قيمته عشرة آلاف،
ومقتضى البهيمية أن تبلغ إلى ما بلغت، فراعينا مقتضى البهيمية فيما دون دية الحر، ولم نقدر قيمته
بشىء، وراعينا مقتضى الآدمية فيما فوق دية الحر، وقلنا: لا يتجاوز بقيمته دية الحر، ثم لما كان
مقتضى الآدمية أن تبلغ قيمته عشرة آلاف، ومقتضى عدم خلوصها أن لا تبلغ قيمته هذا القدر؛
لأنها قيمة للنفس الخالصة، ونفس العبد غير خالصة، بل مشوبة بالبهيمية، قلنا: إذا بلغت القيمة دية
الحر ينقص منه شىء رعاية لنقصانها، فقد راعينا جهة البهيمة والآدمية، ونقصانها كلها، وأما أنتم
فلم تراعوا إلا البهيمية، وأهدرتم الآدمية ونقصانها، وهو خلاف مقتضى القتل؛ لأنكم قد اعترفتم

ج - ١٨
دية العبد
٢٥٤
بأن الملحوظ فى قتل العبد، هو جهة الآدمية دون البهيمية، وهذا هو الذى أهدرتموه فى باب
التقويم، فنظرنا أدق ومسلكنا أتقن، وهذا التحقيق والتدقيق يدفع كل شغبكم الذى شاغبتمونا به.
ثم لما وجب نقص قيمة العبد من دية الحر، بقى الكلام فيما ينقص به، فقلنا: أقل النصب
الشرعية نصاب السرقة، وأدنى المهر، وهذا يدل على أن هذا القدر شىء معتد به عند الشرع، وما
دونه كالعدم فى حق التقدير، فاكتفينا بهذا القدر من النقصان؛ إذ ليس عندنا دليل على نقص الزائد
منه، وقلنا: إنه ينقص من قيمته دينار أو عشرة دراهم، هذا هو الكلام فى المسألة من جهة النظر.
بقى الكلام فيها من جهة الأثر، فنقول: احتج الفريق الأول بأن مذهبنا مأثور عن عمر
وعلى، كما أخرجه فى "كنز العمال" من رواية البيهقى وغيره، وقال: صححه البيهقى، ولم يعلم
فى الصحابة مخالف لهما، فصار إجماعا منهم.
والجواب أن إبراهيم والشعبى لم يخالفاهما إلا بعد العلم بأن المسألة ليست من المسائل
الإجماعية التى لا يسوغ فيها الخلاف، إما للاطلاع على أثر مخالف (١) أو لأن المسألة ليست من
المسائل التى يجعل فيهما عدم نقل الخلاف دليلا على الإجماع، فلما كانت المسألة من المسائل
الاجتهادية، لم يكن قول مجتهد حجة على الآخر.
وأما مسألة تقليد الصحابى، فنقول: إن إيراهيم والشعبى أعرف بما يجب فيه التقليد، وبما لا
يجب فيه، وبمن يجب عليه التقليد، وبمن لا يجب عليه، فلو علما بوجوب التقليد عليهما فى هذه
المسألة لم يخالفاهما، فلما خالفاهما علم أن المسألة ليست بما يجب فيه التقليد، أو هما ليس ممن
يجب عليهم التقليد.
فإن قلت: يحتمل أنهما لم يطلعها على قول على وعمر. قلنا: هو بعيد ولو سلم قلنا: مسألة
تقليد الصحابى مجتهد فيه، يجب عند أبى سعيد البردعى فيما يدرك بالقياس، وفيما لا يدرك به،
ويجب عند الكرخى فيما لا يدرك بالقياس، ولا يجب فيما يدرك به، وما يروى عن أبى حنيفة فى
الباب، فليس بنص فى وجوب التقليد مطلقا، وقد حققنا القول فيه فى المقدمة، فارجع إليها، فلا
يتم الإلزام بمسألة التقليد أيضا، فلا يتم الاحتجاج بأثر على وعمر، فلما لم يتم الاحتجاج بالأثر
(١) قلت: الأثر المخالف رواه صاحب "البداية": عن ابن عباس، وصاحب "البدائع": عن ابن مسعود، وكذا رواه شمس الأئمة عن
ابن مسعود فى "المبسوط"، قال: لا تبلغ قيمة العبد دية الحر، وينقص منه عشرة دراهم، فيحتمل أن يكون صح عن أحدهما أو
کلیہما ذلك القول عند إبراهیم والشعبی، وإن لم نعثر على سنده ومخرجه.

٢٥٥
إعلاء السنن
باب جناية المدبر والمكاتب وأم الولد
٥٩٤٧- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أن جناية
استقام ما قلنا فى وجه النظر هذا هو تحقيق الكلام فى المسألة فاعرف ذلك والله أعلم بالصواب.
قال العبد الضعيف: أثر على أخرجه البيهقى فى "سننه": نقلا عن "كتاب العلل" لعبد الله
ابن أحمد، من طريق هشيم، عن سعيد بن أبى عروبة، عن مطر، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس،
عن عمر وعلى رضى الله عنهما فى الحر يقتل العبد، قالا: ثمنه ما بلغ، وقال: هذا إسناد صحيح،
وتعقبه ابن التركمانى بأن فى سنده هشيما، وهو مدلس، وقد قال: عن سعيد بن أبى عروبة،
وسعيد قد اختلط آخرا اهـ (٣٧:٨)، أى فليس للبيهقى أن يصححه على أصله، ثم أخرجه البيهقى،
من طريق نوح بن دراج، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن عمر رضى
الله عنه فى العبد يصاب، قال: قيمته بالغة ما بلغت. نوح بن دراج واه بالمرة، کذبه ابن معين.
ومن طريق أحمد بن العباس: ثنا إسماعيل بن سعيد، ثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: عمر فى الحر يقتل العبد، قال: فیه ثمنه اهـ. وفى
"الميزان" و"اللسان": خمسة اسمهم أحمد بن العباس، كلهم ضعفاء، ومنهم من يتهم.
وبالجملة فلم يصح ذلك عن عمر، ولا عن على، وإنما هو من قول الحسن وسعيد بن
المسيب، كما رواه البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن الحسن
وسعيد بن المسيب فى العبد يقتل خطأ قالا: ثمنه ما بلغ، أسنده الضعفاء إلى عمر وعلى رضى الله
عنهما، ولا حجة فى قول الحسن وسعيد إذا خالفهما النخعى والشعبى، ولا يخفى على الفقيه أن ما
قاله النخعى والشعبى أرجح قياسا، وأشبه بالصواب، وأقرب إلى الحق من قول الحسن وسعيد بن
المسيب، فأخذنا بقولهما، وحملنا قول عمر وعلى -لو صح عنهما- على ما إذا قتل الحر عبدا
عمدا، وصالح مولاه على القيمة، فيجب عليه قيمته بالغة ما بلغت؛ لأن الصلح عن القصاص يجوز
بالزيادة على قدر الدية؛ لأن القصاص ليس بمال، وإنما يتقوم بالعقد، وإذا قتله خطأ فعليه قيمته دية،
ولا يجعل مثل دية الحر؛ لكون الحر أعز وأشرف من العبد، فلا بد من نقصان ديته عن دية الحر،
والله تعالى أعلم، ظ.
باب جناية المدبر والمكاتب وأم الولد
قوله: "قال محمد" إلخ: قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": دية العبد والأمة
قيمتهما، ولا فرق فى هذا الحكم بين القن من العبيد، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، قال الخطابي:

ج - ١٨
٢٥٦
المكاتب، والمدبر، وأم الولد، على المولى، قال محمد: وبه نأخذ إلا أنا نرى جناية
المكاتب عليه فى قيمته، يكون عليه أقل من أرش الجناية ومن قيمته، وأما المدبر وأم الولد
فعلى المولى الأقل من أرش جنايتهما ومن قيمتها، وهو قول أبى حنيفة.
٥٩٤٨- وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى أم الولد
والمعتقة تجنيان، قال: يضمن سيدهما جنايتهما؛ لأن العتاقة قد جرت فيهما، فلا يستطيع
أن يدفعهما، ولا تعقلهما العاقلة؛ لأنهما مملو كان، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول
أبى حنيفة (كتاب الآثار).
٥٩٤٩- قال ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع عن ابن أبى ذئب عن ابن محمد بن
إبراهيم التيمى عن أبيه عن السلول عن معاذ بن جبل عن أبى عبيدة بن الجراح قال:
جناية المدبر على مولاه (زيلعی).
قلت: ابن محمد إبراهيم التيمى اسمه موسى، ضعفه الأئمة، كما يظهر من
"التهذيب" إلا أن ما روى عن إبراهيم يدل على أن له أصلا، والله أعلم.
باب إهدار دم من سب النبى عداء
٥٩٥٠- حدثنا عثمان بن أبى شيبة، وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة،
أجمع عوام الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فى جنايته، والجناية عليه، إلا إبراهيم
النخعى، فإنه قال فى المكاتب: "يؤدى بقدر ما أدى من كتابة دية الحر، وما بقى دية العبد".
وروى فى ذلك شىء عن على رضى الله عنه، وقد روى أبو داود فى "سنته" والإمام أحمد
فى "مسنده"، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا هشام بن أبى عبد الله، قال: حدثنى يحيى بن أبى
كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قضى رسول الله عرّ ◌ُّه فى المكاتب يقتل أنه يؤدى ما أدى
من كتابته دية الحر، وما بقى دية العبد، قال الخطابي: وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن
منسوخا أو معارضا بما هو أولى منه اهـ ملخصا (٥٣٤:٩). قلت: ذهب الجمهور إلى كونه
منسوخا بحدیث: «المکاتب عبد ما بقی علیه درهم))، وهو مجمع علیه عندهم، تلقوه بالقبول، وقد
قدمنا الكلام فيه فى باب المكاتب، فليراجع.
باب إهدار دم من سب النبى عبد له
قوله: حدثنا عثمان إلخ: قلت: دل الحديث على أن للإمام أن يهدر دم من سب النبى
عاوسلم
ـيـ
صّىالله

٢٥٧
إهدار دم من سب النبى عّ لّ
إعلاء السنن
عن الشعبى، عن على: أن يهودية كانت تشتم النبى عَ ◌ٍّ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى
ماتت، فأبطل رسول الله عّ لِّ دمها، رواه أبو داود.
كما له أن يقتله، وهذا القتل والإهدار من جهة عقد الذمة؛ لأنهم التزموا أحكامنا، فالتزموا أن من
سب النبى معَّةٍ منهم فللإمام أن يقتله ويهدر دمه؛ فلا دليل فى الحديث على أن سب النبى عرّ كلّه
نقض للعهد، ويصير فاعله حربيا؛ لأن النبى معَّ ◌ُلِّ لم يزد على إهدار دم اليهودية، ولم يحكم بأنها
صارت بذلك حربية، وليس من ضرورة جواز القتل وإهدار الدم كونه حربيا، كما فى القصاص
وغيره، فاعرف ذلك.
وأخرج الدار قطنى (٣٣٦): عن طريق إسرائيل، عن عثمان الشمام، عن عكرمة، عن ابن
عباس: أن رجلا كانت له أم ولد، له منها ابنان مثل لؤلئين، فكانت تشتم النبى عّ لّه، فينهاها فلا
تنتهى، ويزجرها فلا ينزجر، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبى معَّ له، فما صبر أن قام إلى معول
فوضعه فى بطنها، ثم اتكأ عليها حتى أنفذه، فقال النبى معَّ اله: ((ألا! اشهدوا أن دمها هدر)).
وقال فى "التعليق": رواه أبو داود والنسائى، وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال الحافظ
فى "بلوغ المرام": إن رواته ثقات، وفيه دليل على أنه يقتل من شتم النبى معَّه، وقد نقل ابن المنذر
الاتفاق على أن من سب النبى معَّه صريحا وجب قتله اهـ.
قلت: لا دلیل فى الحدیث على وجوب القتل، نعم! فيه دليل على جوازه، ثم فيه دليل على
أن سب النبى معَّه ليس بنقض للذمة، وعلى أنه يجوز للمسلمين العفو عنه إذا تاب؛ لأن الصحابى
المذكور عفا عن أم ولده مع الإصرار على السب مرات، ودعاها إلى الانتهاء عنه، ولم يجعلها
ناقضة للعهد حربية، بل قتلها دفعا لشرها بحكم الذمة، فافهم.
وقال أحمد: إن قذف النبى معَّ حده القتل، ولا يقبل توبته، وهو تحكم بحت؛ لأن حد
القذف حده ثمانون جلدة بنص القرآن، ويشترط فيه الدعوى من صاحب الحق بالإجماع،
ولم يوجد نص يوجب خصوص النبى عّ لّه من ذلك؛ فيكون حكم القتل وعدم قبول توبة
القاذف تحكما؛ والحق أن قذف النبى معَّه فى حق عامة المسلمين فى حكم الشتم، إذ ليس لهم
حق الدعوى فى القذف، وقد عرفت حكم الشتم أنه يجوز العفو عنه إن تاب، وإن أصر يقتل
دفعا للشر، وإن أسلم لا يجوز قتله، ولا يكون الشاتم بذلك حربيا، وأما فى حق من له حق
الدعوى فى القذف فهو قذف موجب لثمانين جلدة، لا يسقط بالتوبة ولا بالإسلام، هذا هو
التحقيق، والله أعلم.

٢٥٨
صّالله
إهدار دم من سب النبى عليه
ج - ١٨
ويحتج لمن قال: بأن سب النبى عّ لّه موجب لنقض عهد أهل الذمة بقوله تعالى: ﴿فإن
نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا فى دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر﴾. ووجه الاحتجاج أن قوله:
﴿وطعنوا فى دينكم﴾ إما من قبيل عطف التفسير، أو من قبيل عطف الخاص على العام، وعلى
كل تقدير يلزم أن يكون الطعن فى الدين نقضا للعهد، وشتم النبى معَّ طعن فى الدين؛
فيكون نقضا للعهد.
والجواب عنه أن الآية متعلقة بالمعاهدين من أهل الحرب دون أهل الذمة، وبين عهد أهل
الحرب وأهل الذمة فرق، فلا يلزم من كون شىء نقضا للعهد فى حق أهل الحرب أن يكون ذلك
نقضا للعهد فى حق أهل الذمة؛ لأن العقد مع أهل الذمة هو عقد قبول الإطاعة والأحكام؛ فلا
يكون نقضه إلا بالخروج عن الإطاعة، وأما أهل الحرب فالعقد معهم ما اشترط عليهم، فنقض ذلك
يكون بترك ما اشترط عليهم؛ فيمكن أن يكون اشترط على من أريد فى الآية ترك الطعن فى
الدين، فيكون طعنهم نقضا للعهد لا محالة، بخلاف الذمى، كما عرفت.
وهذا لو سلم أن الطعن فى الدين نكث لليمين، فيمكن أن يقال: إن مبنى حكم القتال هو
نكث الأيمان، وذكر الطعن فى الدين ليس لأنه نكث، بل لأنه موجب لزيادة الحث على القتال
الذى هو مقصود بقوله: قاتلوا.
والحاصل أن نفس نكث الأيمان يكون موجبا للقتال، فكيف إذا انضم معه الطعن فى
الدين أيضا؟ وبه ظهر دقة فهم أبى حنيفة، حيث اهتدى إلى ما لم يهتد إليه غيره، من الفرق
بين عهد أهل الذمة وأهل الحرب، وهذا مما فتح الله على، ولم أره فى كلام غيرى، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: من حسن إسلام المرء إذا كان لا يدرى أن يقول: لا أدرى،
والعجب من بعض الأحباب أن يطعن أحمد بالتحكم البحت، وهو أولى بهذا الطعن منه، روی
الطبرانى فى "الصغير" و"الأوسط": عن على، قال: قال رسول الله عَّه: ((من سب الأنبياء قتل،
ومن سب أصحابى جلد))، وفيه شيخه عبيد الله بن محمد العمرى، رماه النسائی بالكذب
(مجمع الزوائد ٢٦٠:٦)، وفى "اللسان": كلهم ثقات إلا العمرى (١١٢:٤)، فلا يبعد
أن يكون أحمد قد بلغه الحديث من غير واسطة؛ لأنه أقدم منه وأجل.
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق محمد بن سليمان الباغندى: نا هشيم بن
عمار، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: من سب أبا بكر وعمر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل

٢٥٩
إهدار دم من سب النبى عدية
إعلاء السنن
له: لم يقتل فى عائشة؟ قال: لأن الله تعالى يقول فى عائشة رضى الله عنها: ﴿يعظكم الله أن تعودوا
لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين﴾، قال مالك: فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل.
قال ابن حزم: قول مالك ههنا صحيح، وهى ردة تامة، وتكذيب الله تعالى فى قطعه
ببراءتها، وكذلك القول فى سائر أمهات المؤمنين ولا فرق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الطيبات
للطيبين﴾ الآية. فكلهن مبرآت من قول إفك، والحمد لله رب العالمين اهـ (٤١٥:١١)، فما ظنك
بمن سب محمدا عَّه وقذفه؟ وأزواجه إنما طبن من طيبه، وتبرأن عن كل سوء لبراءته ونزاهته،
وهل قذفه وسبه كسب رجل من عرض الناس؟! ولا يؤمن أحد حتى يكون الله ورسوله أحب إليه،
وأعظم عنده من الخلق أجمعين.
فقول أحمد: من قذف النبى معَِّ حده القتل، صحيح بلا شك، فإن قذفه وسبه ردة تامة،
وتكذيب لله تعالى فى قطعه ببراءته، وحد المرتد ضربة بالسيف، قال النبى معَ له: ((من بدل دينه
فاقتلوه)، ولو كان المرتد امرأة فحدها الحبس، ولأجل ذلك لم يقتل الصحابى هذه المرأة التى كانت
تسب النبى معَِّ فى أول الأمر، ثم قتلها حين عجز عن الصبر على أذاها، هذا إذا قذفه مسلم، وأما
إذا قذفه أو سبه ذمى، فقد تقدم فى أحكام أهل الذمة أنهم لو أعلنوا سب الله تعالى، أو سب
رسوله، أو شىء من دين الإسلام بما لا يدينون به، فقد فارقوا الصغار، بل قد أصغروا المسلمين
وأذلوهم، وطعنوا فى دينهم، فينتقض بذلك عهدهم وذمتهم، وإذا أنقضوا ذمتهم فقد حلت
دماءهم وسبيهم وأموالهم بلا شك، والخلاف إنما هو فيما إذا لم يعلنوا بذلك، أو أعلنوا بما
يدينون به، نحو أن يقولوا: إن محمد عّ لِّ لم يبعث إلينا، وإنما بعث إلى الأميين، فلا يكون ذلك
نقضا للعهد، لأنا أقررناهم وما يدينون، فافهم.
وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق محمد بن بشار: أنا معاذ بن معاذ العنبرى، نا شعبة،
عن ثوبة العنبرى، سمعت أبا سوار القاضى عبد الله بن قدامة، يحدث عن أبى بردة، قال: أغلظ
رجل لأبى بكر الصديق، قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكر: ليس هذا إلا لمن شتم النبى معَّ، (وهذا
سند صحيح)، فبين أبو بكر رضى الله عنه أنه لا يقتل من شتمه، لكن يقتل من شتم النبى عليّ،
وليس إلا لأنه كافر عند أبى بكر.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا يحل قتل امرئ مسلم يسب أحدا من الناس، إلا رجلا
سب رسول الله عَّ ◌ُّه. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه،

٢٦٠
صّ الله
إهدار دم من سب النبى عروسة
ج - ١٨
وسائر أصحاب الحديث، وأصحابهم إلى أنه بذلك كافر مرتد اهـ (١١: ٤١٠).
وقول أحمد: لا يقبل توبته، ليس بأول قارورة كسرت فى الإسلام، فقد قال بذلك بعض
أصحابنا فى الزنديق: لا تقبل توبته، وأى زندقة أشد من قذف النبى مێ وسبه، فافهم، ولا تکن
من الغافلين، وقد مر الكلام فى ذلك مستوفى فى أحكام أهل الذمة من كتاب السير، فليراجع.
وأماما ذكره بعض الأحباب من الفرق بين عهد أهل الذمة وأهل الحرب، فليس مما يفرح به
أحد غيره؛ فإن عقد الذمة يتضمن الصغار، لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدوهم
صاغرون﴾، فاقتضى وجوب قتلهم إلى أن يلتزموا الصغار والذلة، فغير جائز على هذه القضية أن
تكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين، وأطلقوا ألسنتهم فى نبيهم بالطعن والشتم، فلما كان
ظاهر قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا فى دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أن من
أظهر سب النبى معٍَّ من أهل العهد الحربيين كان ناقضا للعهد؛ إذ سب رسول الله عَّ له من أكبر
الطعن فى الدين، فكون أهل الذمة ناقضين لعهدهم بذلك أولى؛ لأنهم يلتزمون الصغار، وأهل
العهد من أهل الحرب لا يلتزمونه.
ولو سلمنا أن طعن أهل الحرب المعاهدين فى ديننا إنما كان نقضا للعهد؛ لكون ترك الطعن
مشروطا عليهم، فذلك يرشدنا إلى إيجاب هذا الشرط فى عقد أهل الذمة بالأولى؛ لكونهم
ملتزمين للصغار دون أهل الحرب.
وأما قوله: يمكن أن يقال: إن مبنى حكم القتال هو نكث الأيمان، وذكر الطعن فى الدين،
ليس لأنه نكث، بل لأنه موجب لزيادة الحث على القتال الذى هو المطلوب إلخ فاحتمال بعيد، قال
الجصاص فى "الأحكام" له: وظاهر الآية يدل على أن من أظهر سب النبى عدّ من أهل العهد فقد
نقض عهده؛ لأنه جعل الطعن فى ديننا بمنزلة نكث الإيمان، إذ معلوم أنه لم يرد أن يجعل نكث
الإيمان والطعن فى الدين بمجموعهما شرطا فى نقض العهد؛ لأنهم لو نكثوا الإيمان ولم يظهروا
الطعن لكانوا ناقضين للعهد، (فكذلك عكسه)، وإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبى معَّ له
من أهل العهد ناقضا للعهد اهـ ملخصا (٨٥:٣)، وهذا هو مذهبنا معشر الحنفية إذا أعلنوا
بذلك، وكان مما لا يدينون به، كما تقدم فى أحكام أهل الذمة مستوفى، والله تعالى أعلم.
فائدة: من رأى مع امرأته رجلا فقتله، قال الحافظ فى "الفتح": قد اختلف فيه، فقال
الجمهور: عليه القود، وقال أحمد وإسحاق: إن أقام بينته أنه وجده مع امرأته هدر دمه، وقال