Indexed OCR Text

Pages 1-20

٧
N،
!
د
إِعْلَاءِ الشَّيْرَ
دـ
تأليف
الحَّالنَّاقِ الْعَلامِ مُوْلانَاظَّفَرَ اجِدَاء اجتماِي التَّهَانُوِيّ ◌َاللّه
على ضوء ما أفاده
جََّ الأمْر الأِالفِفِي الدّاعِيِ كَبِيرَوَإِنَا الشَّيْع ◌َشْف ◌َعَلِ التّائِ
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء الثامن عشر
إدارةُ القُرْ وَالْجَاوِ الأَسْلامِيَةَ
أشرف منزل د/ ٤٣٧، كماردن البيت، كراتشىء باكستان

جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها.
ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN
No part of this book may be reproduced or
utilized in any form or by any means
الطبعة الأولى :
١٤٠٥ هـ
١٤٠١ هـ
الطبعة الثانية :
١٤١٥ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
بإدارة القرآن كراتشى
......
الصف والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
. نعيم أشرف نور أحمد
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه:
فهیم اشرف نور أحمد
.........
أشرف على طباعته :
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گاردن ایسٹ کراتشي ٥ باكستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
.......
باب العمرة مكة المكرمة
.....
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

٣
إعلاء السنن
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثامن عشر من "إعلاء السنن"
كتاب إحياء الموات
باب إحياء الموات
٥٧٧٠- عن عائشة رضى الله عنها، عن النبى معَّ له، قال: ((من أعمر أرضا ليست
لأحد فهو أحق))، قال عروة: قضى به عمر فى خلافته اهـ (بخارى ١: ٣١٤).
٥٧٧١- وقال عمر: "من أحيا أرضا ميتة فهى له"، علقه " البخارى"، ووصله
مالك فى "الموطأ": عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه، ويحيى بن آدم فى "كتاب
الخراج": عن سفيان عن الزهرى عن سالم عن أبيه، كذا فى "الفتح" (١١٤:٥).
باب إحياء الموات
أقول: اختلف الناس فى تأويل هذا الحديث على وجوه: فقال بعضهم: إن قول رسول
الله عَظِلّهِ: ((من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق))، خرج مخرج التشريع، فمن أحيا أرضا ملكه،
سواء أذن له الإمام أو لم يأذن، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال بعضهم: إنه ليس على وجه التشريع، بل على وجه الإذن من الإمام، فهو يقول: إن من
أحيا أرضا يملكها إن أذن له الإمام، وإلا فلا، وهو قول أبى حنيفة، وحجته: أن هذا الكلام محتمل
للإذن والتشريع، والإذن أدنى فيحمل عليه؛ إذ لا دليل على الأعلى، وهو التشريع العام لكل زمان
ومكان، احتج من حمله على التشريع بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان.
وقال: إنهم اتفقوا على أنه من أخذه أو صاده يملكه، سواء أذن له الإمام أو لم يأذن، نقله فى
"الفتح" عن "الطحاوى".
والجواب عنه: أنه قياس فاسد؛ لأن الأرض الميتة لبيت المال، فيحتاج إلى إذن الإمام، بخلاف
الطير وغيره؛ فإنه لا ملك فيه لأحد، فلا يحتاج إلى الإذن؛ فظهر أن مذهب الإمام هو الصواب،
ولا حجة لمن خالفه.
ثم حمله بعضهم على العموم، وقال: الحكم لا يختص بالمسلم، بل هو عام للمسلم والذمى،

٤
باب إحياء الموات
ج - ١٨
وهو قول أئمتنا، وخصه بعضهم بالمسلم، وقال: لا حق للذمى فى الموات.
وحجة الأولين من الحديث عموم قوله: ((من أحيا إلخ))، ومن القياس أن الإحياء من أسباب
الملك، فلا يختص به المسلم، كالشراء وغيره من الأسباب، وحجة الآخرین أنه روی عن جابر، عن
النبى معَِّ، أنه قال: ((من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة))، وفيه
دليل على أن الذمى إذا أحيا أرضا ميتة لم يكن له؛ لأن الصدقة لا تكون إلا للمسلم، قاله ابن حبان
فى "صحيحه" فى النوع الأول من القسم الأول، وقال فى النوع الثالث والأربعين من القسم
الثالث: إن هذا الخطاب إنما ورد للمسلمين؛ لأن الصدقة، إنما تكون منهم، كذا فى "نصب الراية".
(٣١٥:٢) للزيلعى.
وأجاب عنه: المحب الطبرى بأن الكافر إذا تصدق يثاب عليه فى الدنيا، كما ورد به الحديث،
فيحمل الأجر فى حقه على ثواب الدنيا، وفى حق المسلم على ما هو أعم، ورده ابن حجر فى
"الفتح": بأن ما قاله محتمل، إلا أن ما قاله ابن حبان أسعد بظاهر الحديث، ولا يتبادر إلى الفهم من
إطلاق الأجر إلا الأخروی اهـ.
والجواب عنه أنه إن كان المتبادر من الأجر هو الأجر لمجرد التبادر، فالمتبادر من لفظه "من"
العموم، فما بالكم تتركون أحد المتبادرين بالآخر لمجرد التبادر، وهل هذا إلا تحكم؟ فإذا تعارض
الظاهران وجب ترجيح أحدهما بالدليل، فنقول: كون المسلم والذمى سواء فى أسباب الملك
كالبيع والشراء والهبة وغيرهما يرجح العموم، فيكون هو الراجح، ويجب تأويل الظاهر الآخر،
هذا إذا سلم التعارض، وإلا فلا حاجة إلى التأويل، ويعمل بكلا الظاهرين.
وتحقيق ذلك أن الحديث، إنما يثبت استحقاق الأجر لكل من أحيا الأرض بإحيائه، وأكل
العافية منها، والكفر لا ينافى الاستحقاق، وإنما ينافى الترتب فقط؛ لأنه حابط للأعمال، والحبط لا
يكون إلا بعد التحقق وانعقادها سببا للأجر، فنقول: إذا أحيا الذمى الأرض، وأكل منها العافية
استحق أجر الإحياء والتصدق لهذا الحديث، إلا أنه يحبط ذلك الأجر للكفر بالنصوص الحاكمة
لحبط أعمال الكفار، ويعوض له أجر الدنيا بالحديث الآخر، وعلى هذا التحقيق لا تعارض بين
الظاهرين، ولا يحتاج إلى حمل الأجر على الأجر العام من الدنيوى والأخروى، بل هو محمول
على الأخروى فقط، ومع ذلك لا يدل على اختصاص الحكم بالمسلم فقط.
قال العبد الضعيف: قد كان أبو حنيفة - رحمه الله- يقول: من أحيا أرضا مواتا فهى له، إذا

0
باب إحياء الموات
إعلاء السنن
أجازه الإمام، ومن أحيا أرضا مواتا بغير إذن الإمام، فليست له، وللإمام أن يخرجها من يده،
ويصنع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع، وغير ذلك.
قيل لأبى يوسف: ما ينبغى لأبى حنيفة أن يكون قد قال هذا إلا من شىء؛ لأن الحديث قد
جاء عن النبى معَّ أنه قال: ((من أحيا أرضا مواتا فهى له))، فبين لنا ذلك الشىء؛ فإنا نرجو أن تكون
قد سمعت منه فى هذا شیئا يحتج به.
قال أبو يوسف: حجته فى ذلك أن يقول: الإحياء(١) لا يكون إلا بإذن الإمام، أرأيت رجلين
أراد كل واحد منهما أن يختار موضعا واحدا، وكل واحد منهما منع صاحبه، أيهما أحق به؟
أرأيت إن أراد رجل أن يحيى أرضا ميتة بفناء رجل، وهو مقر أن لا حق له فيها، فقال: لا تحيها
فإنها بفنائى، وذلك يضرنى، فإنما جعل أبو حنيفة إذن الإمام فى ذلك ههنا فصلا بين الناس، فإذا
إذن الإمام فى ذلك الإنسان كان له أن يحييها، وكان ذلك الإذن جائزا مستقيما، وإذا منع الإمام
أحدا كان ذلك المنع جائزا، ولم يكن بين الناس التشاح فى الموضع الواحد، ولا الضرار فيه مع إذن.
الإمام ومنعه، وليس ما قال أبو حنيفة: يرد الأثر، إنما يرد الأثر أن يقول: وإن أحياها بإذن الإمام،
فليست له، فأما من يقول: هى له فهذا اتباع الأثر، ولكن بإذن الإمام؛ ليكون إذنه فصلا فيما بينهم
من خصوماتهم، وإضرار بعضهم ببعض اهـ (ص٧٦).
ولقد استراح بعض الأحباب ههنا، حيث نقل عن "فتح البارى" من قول الطحاوى ما يؤيد
الجمهور، ولم يراجع "شرح معانى الآثار" له، فيقف على ما رد به قولهم، وأيد قول الإمام وشيده
بما نصه: قالوا أى أبو حنيفة ومن وافقه: لیس ما روی عن النبی عّګے مما ذكر فى هذا الباب يدافع لما
قلنا؛ لأن ذلك الإحياء لم يفسر لنا ما هو؟ فيجوز أن يكون معنى قوله: ((من أحيا أرضا ميتة فهى له))
(١) أى فهو بمنزلة سائر الألفاظ الشرعية التى نقلها الشرع عن معانيها اللغوية إلى معانٍ شرعية كالجهاد؛ فإنه لا يجوز إلا بشرائط
معلومة، وكالنكاح والتزوج؛ فإنه لا يصح إلا برضا الزوجين عند شاهدين، وكذلك إحياء الموات ليس على معناه اللغوى،
للاتفاق على كونه مشروطا بشروط معلومة، قد اعتبرها الشرع ليس لها أثر فى اللغة، فالأرض الموات فى اللغة ما كان خرابا
غير عامرة.
وفى الشرع: أرض لا يرى عليها أثر زراعة، ولا بناء لأحد، ولم تكن فيها لأهل القرية مسرحاً، ولا موضع مقبرة، ولا موضع
محتطبهم، ولا مرعى دوابهم وأغنامهم، وليست بملك لأحد، ولا فى يد أحد، فهى موات، وكذلك إحياؤها ليس بمعنى
عمارتها مطلقا، بل الإحياء شرعًا عمارة مثل هذه الأرض بإذن الإمام، فافهم، ظ.

٦
باب إحياء الموات
ج - ١٨
أى من أحياها على شرائط الإحياء فهى له، ومن شرائطه تحظيرها، وإذن الإمام له فيها، وتمليكه
إياها، ويجوز أن يكون على ما تأوله أبو يوسف ومحمد، فلا يجوز أن يقطع على رسول الله عَ ليه
بأنه أراد معنى إلا بتوقيف منه، أو بإجماع ممن بعده.
فنظرنا فإذا يونس قد حدثنا، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب جثامة، قال: سمعت رسول الله ګ﴾ یقول: ((لا حمی إلا لله
ورسوله))، والحمى ما حمى من الأرض، دل ذلك أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأن
حكم ذلك مير حكم الصيد؛ لأنا رأينا الصيد وماء الأنهار لا يجوز للإمام تمليك ذلك أحدا،
ورأيناه لو ملك رجلا أرضا ميتة جاز، وكذلك لو احتاج الإمام إلى بيعها فى نائبة للمسلمين جاز
بيعه لها، ولا يجوز ذلك فى ماء نهر، ولا فى صيد بر ولا بحر، فلما كان ذلك إلى الإمام فى
الأرضين، دل ذلك أن حكمها إليه، وأنها فى يده كسائر الأموال التى فى يده للمسلمين.
وقد دل على ذلك أيضا ما حدثنا ابن مرزوق، ثنا أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد،
قال: قال عمر: "لنا رقاب الأرض"، فدل ذلك أن رقاب الأرضين كلها إلى أئمة المسلمين، وأنها لا
تخرج من أيديهم إلا بإخراجهم إياها إلى ما رأوا على حسن النظر منهم للمسلمين فى عمارة
بلادهم وصلاحها، وقد روى عن عمر رضى الله عنه ما حدثنا أبو بشر الرقى، ثنا أبو معاوية، عن
أبى إسحاق الشيبانى، عن محمد بن عبيد الله (١) قال: خرج رجل من أهل البصرة يقال له: أبو عبدا
لله إلى عمر رضى الله عنه، فقال: إن بأرض البصرة أرضا لا تضر بأحد من المسلمين، وليست من
أرض الخراج، فإن شئت أن تقطعنيها أتخذها قضبا وزيتونا ونخلا فى نخيلى فافعل، فكان أول من
أخذ الفلايا بأرْض البصرة.
قال: فكتب إلى أبى موسى الأشعرى: إن كانت حمى فاقطعها إياه، قال الطحاوى: أفلا
ترى أن عمر لم يجعل له أخذها، ولا جعل له ملكها إلا بإقطاع خليفة إياها، ولولا ذلك لكان يقول
له: وما حاجتك إلى إقطاعى إياك؟ لأن لك أن تحييها دونى، وتعمرها فتملكها، فدل ذلك أن
الإحياء عند عمر هو ما أذن الإمام فیه للذی یتولاه، وملكه إياه، ملخصا (١٥٨:٢).
وفى "الدر المختار": أن هذا أى الاختلاف فى اشتراط إذن الإمام للإحياء لو كان المحبى
(١) هو أبو عون الثقفى من رجال الجماعة خلا ابن ماجة، وهو كثير الإرسال ثقة مأمون، ظ.

٧
إعلاء السنن
باب عدم إحياء الأرض ثلاث سنين بعد احتجار الأرض
٥٧٧٢- قال أبو يوسف فى "كتاب الخراج": حدثنا الحسن بن عمارة، عن
الزهرى، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: "من أحيا أرضا ميتة فهى له، وليس
لمحتجر حق بعد ثلاث سنين"، أخرجه الزيلعى فى "نصب الراية"، وقال: حسن بن
عمارة ضعيف، وسعيد عن عمر فيه كلام.
٥٧٧٣- ثم قال: روى حميد بن أنجويه فى "كتاب الأموال": حدثنا ابن أبى
عباد، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن عمرو بن شعيب، أن عمر قال: ("من
كانت له أرض فعطلها ثلاث سنين لا يعمرها فعمرها غيره فهو أحق بها" اهـ، وقال ابن
حجر: مرسل رجاله ثقات. قلت: وبه انجبر ضعف رواية الحسن بن عمارة، وأما الكلام
فى رواية سعيد عن عمر، فهو غير مضر؛ لأن غايته الانقطاع بينهما، وهو غير مضر فى
خير القرون، لا سيما إذا تأيد بمرسل عمرو بن شعيب؛ فالأثر حجة.
مسلما، فلو ذميا شرط الإذن اتفاقا، ولو مستأمنا لم يملكها أصلا اتفاقا، "قهستانى" (٤٢٨:٥).
وإذا عرفت ذلك فلا يرد علينا ما قاله ابن حزم: إن الأرض لا تكون بالإحياء إلا لمسلم، وأما
الذمى فلا؛ لقول الله تعالى: ﴿إن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، ونحن أولئك لا الكفار، فنحن
الذين أورثنا الله تعالى الأرض، فله الحمد كثيرا (٢٤٣:٨). قلت: ومقتضى ذلك أن الذمى لا يملك
الأرض بمجرد الإحياء، وأما إذا أذن له الإمام فيملكها لوجود التمليك ممن أورثه الله الأرض، فكان
كما لو وهب الإمام لذمى شيئا ملكه، والله تعالى أعلم.
باب عدم إحیاء الأرض ثلاث سنین بعد احتجار الأرض
أقول: تمسك بهذا الأثر أئمتنا لسقوط حق الإحياء بترك الإحياء ثلاث سنين بعد احتجار
الأرض، قال العبد الضعيف: وحديث المتن أخرجه الإمام أبو يوسف فى "الخراج" بأسانيد عديدة:
منها: حدثنى محمد بن إسحاق، عن الزهرى، عن سالم بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه قال على المنبر: "من أحيا أرضا ميتة فهی له، ولیس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين" ،
وهذا سند حسن إلا أنه منقطع بين سالم وعمر، ولكن أبا عبيد أخرجه فى "الأموال" من طريق
محمد بن إسحاق، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، قال: كان عمر يخطب على هذا المنبر يقول
: ٠
فذكره (ص ٢٩٠).

٨
عدم إحياء الأرض ثلاث سنين بعد احتجار الأرض
ج - ١٨
قال أبو يوسف: وحدثنى ليث، عن طاوس، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((عادى الأرض
لله ولرسوله، ثم لكم من بعد، فمن أحيا أرضا ميتة فهى له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث
سنين)) اهـ (ص٧٧)، وهذا مرسل حسن، قد تأيد بقول عمر رضى الله عنه، فهو حجة عند الكل،
والله تعالى أعلم.
قال فى "الدر": وإحياؤه ببناء، أو غرس، أو كرب، أو سقى، ومن حجر أرضا أى منع غيره
منها بوضع علامة من حجر أو غيره، ثم أهملها ثلاث سنين دفعت إلى غيره، وقبلها هو أحق بها،
وإن لم يملكها؛ لأنه إنما يملكها بالإحياء والتعمير، لا بمجرد التحجير، ولو كربها، أو ضرب عليها
المسناة، أو شق لها نهرا، أو بذرها فهو إحياء، (مبسوط ٤٢٨:٥) اهـ. قلت: يدل على ذلك ما رواه
أبو عبيد فى "الأموال": حدثنى نعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبى عبد
الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث المزنى، عن أبيه: أن رسول الله عَ ليه أقطعه العقيق أجمع،
قال: فلما كان زمان عمر قال لبلال: إن رسول الله عّ لّه لم يقطعك لتحتجره عن الناس، إنما
أقطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقى (ص ٢٩٠).
ورواه يحيى بن آدم من طريق عبد الله بن أبى بكر قال: جاء بلال بن الحارث المزنى إلى
رسول الله عَّه فاستقطعه أرضا، فأقطعها له طويلة عريضة، فلما ولى عمر قال له: يا بلال! إنك
استقطعت رسول الله عَّ ة أرضا طويلة عريضة، فقعطها لك، وكان رسول الله عّ لّه لم يكن يمنع
شيئا يسأله، وأنت لا تطيق ما فى يديك، فقال: أجل! فقال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه،
وما لم تطق وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله شيئا أقطعنيه
رسول الله عَ ◌ّه، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته، فقسمه بين المسلمين
(ص٢٩٤)، وفيه دليل على أن الاحتجار لا يفيد الملك، وإنما يملك الرجل ما أقطعه الإمام بإحيائه
بالتعمير دون التحجير، والله أعلم.
قال أبو عبيد: وحدثنى أحمد بن عثمان، عن ابن المبارك، عن حكيم بن زريق، قال: قرأت
كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى: إن من أحيا أرضا ميتة بينيان أو حرث ما لم تكن من أموال قوم
ابتاعوها من أموالهم، فأجز للقوم إحيائهم الذى أحيوا ببينان أو حرث، اهـ مختصرا (ص٢٩١)،
وفيه دليل أيضا على أن الإحياء لا يكون بالتحجير ولا بحفر الخندق حول الأرض، فافهم، ظ.

٩
إعلاء السنن
باب فى اشتراط البعد عن المصر فى إحياء الأرض
٥٧٧٤- حدثنا عفان، ثنا سعيد بن يزيد، أنا ليث، عن أبى بكر، وقال عفان مرة:
عن أبى بكر بن محمد، عن جابر بن عبد الله الأنصارى، عن النبى معَ ◌ّه: ((من أحيا أرضا
غلوة من المصر أو رمية من المصر فهى له)، أخرجه أحمد فى "مسنده" (٣٦٣:٣)، ولينه
فى "جمع الفوائد" (٢٥٨:١). وقال فى خطبة "كتابه" : إذا قلت: بلين، فالمراد أن فيه
من اختلف أهو مقبول أو مردود (ص٦)، وقد عرفت أن الاختلاف غير مضر.
باب حريم البئر
٥٧٧٥- أخرج ابن ماجة من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى وعبد الوهاب بن
عطاء الخفاف عن إسماعيل بن مسلم المكى عن الحسن عن عبد الله بن مغفل أن
النبى معَّ، قال: ((من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته)) "ابن ماجه" (ص١٨١)،
باب فى اشتراط البعد عن المصر لإحياء الأرض
أقول: الحديث حجة فى الباب، وهو مؤيد بالقياس أيضا؛ لأن الأرض القريبة من المصر.
تكون مشغولة بحق أهل ذلك المصر حقيقة أو حكما؛ لأن من عادة أهل الأمصار أنهم يشغلون
بعض الأراضى المتصلة لمصرهم بحوائجهم الموجودة، ويتركون بعضها للحوائج المستقبلة، فلا يدل
فراغ ذلك الأرض عن حوائجهم فى الحال على عدم مشغوليتها بحقهم كما ظنه الإمام محمد، ثم
التقدير بالغلوة أو الرمية ليس للتحديد بل للتمثيل؛ لأن حوائج أهل كل بلدة وقرية مختلفة حسب
اختلاف أهلها بالقلة والكثرة وغيرهما، وقس عليه قيد عدم سماع الصوت فى تعريف الموات عند
أبى يوسف، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: والمختار قول أبى يوسف فى اعتبار البعد، فلا يكون الأرض القريبة من
العمران مواتا، وهو ظاهر الرواية المفتى به؛ لأن ما يكون قريبا من العمران لا ينقطع ارتفاق أهلها
عنه، فيدار الحكم عليه، وأدار محمد الحكم على حقيقة الانتفاع قرب أو بعد كما فى "رد المحتار"
(٤٢٧:٥).
باب حريم البئر
أقول: ههنا أبحاث: الأول: أنه كيف التعارض بين حديثى أبى هريرة مع أن حديث عوف
مروى من طريق واحد، وحديث الزهرى مروى من ثلاث طرق، يتقوى بعضها ببعض؟.
قلنا: إن كان هذا وجها لترجيح رواية الزهرى، فحديث عوف راجح من جهة أن كل

١٠
ج - ٠١٨
حريم البئر
وإسماعيل ضعيف، ولكنه لم يتفرد به، بل تابعه أشعث بن سوار، عن الحسن عن عبد
الله بن مغفل عند الطبرانى، كما فى "نصب الراية" (٣١٦:٢) للزيلعى.
٥٧٧٦- وله شاهد من حديث أبى هريرة أخرجه أحمد فى "المسند" (٤٩٤:٢):
عن هشيم عن عوف عن رجل عن أبى هريرة، عن النبى معَ ◌ّه قال: قال رسول الله عد له:
((حريم البئر أربعون ذراعا حواليها لأعطان الإبل والغنم))، وفيه رجل مبهم إلا أن الإبهام
غير مضر عندنا فى القرون الثلاثة.
٥٧٧٧- وقد روى عن أبى هريرة مرفوعا: ((إن حريم البئر البدى خمسة وعشرون
ذراعا، وحريم البئر العادى خمسون ذراعا)) من ثلاثة أوجه: أحدها: من طريق الحسن بن
أبى جعفر عن معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة، وفيه الحسن بن
أبى جعفر وهو ضعيف.
وثانيها: من طريق عمرو بن قيس، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى
هريرة، وفيه عمرو بن قيس، وهو ضعيف.
وثالثها: من طريق محمد بن يوسف بن موسى المقرئ، عن إسحاق بن أبى
حمزة، عن يحيى بن أبى الخصيب، عن هارون بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن أبى
عيلة، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، وفيه محمد بن يوسف
المقرئ، وهو ضعيف جدا، كذا فى "الزيلعى" و"الدراية"، و"التعليق المغنى على
الدار قطنى"، فتعارض حديثا أبى هريرة وتساقطا.
واحد من طرق حديث الزهرى معلوم الضعف، بخلاف حديث عوف؛ فإنه ليس كذلك، لأن فيه
رجلا مبهما، وليس بمعلوم الضعف؛ لأنه يحتمل أن يكون ثقة، بل هو الغالب؛ لأن الرجل من
التابعين، والخير فيهم أغلب لمن بعدهم، فحصل التعارض.
والثانی: أنه کیف التعارض بين حديث عبد الله بن مغفل، وبین حديث الزهرى عن
النبى ◌ّ ◌ُّ؟ مع أن حديث ابن مغفل ساكت عن زيادة هى فى حديث الزهرى؛ لأن حديث عبد الله
ابن مغفل متعرض عن حكم بئر العطن، وغير متعرض عن بئر الناضح، وحديث الزهرى متعرض
عن كليهما.
والجواب عنه أن حديث ابن مغفل متعرض عن كليهما؛ لأن قوله: ((من حفر بئرا فله أربعون
::

١١
حريم البئر
إعلاء السنن
٥٧٧٨- وروى عن ابن المسيب عن النبى عَ لّه: ((أن حريم البئر البدى خمسة
وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادى خمسون ذراعا)، رواه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق و
الحاكم، كما فى "الزيلعي" (٣١٧:٢)، وهو مرسل صحيح إلا أن حديث عبد الله بن
مغفل مقدم علیه لكونه مسندا.
٥٧٧٩- وكذا هو مقدم على ما روى أبو يوسف فى "كتاب الخراج": عن
٠
الحسن بن عمارة، عن الزهرى عن النبى عّ لّه، أنه قال: ((حريم بثر العطن أربعون ذراعا،
وحريم بئر الناضح ستون ذراعا»؛ لأن حديث الزهرى مرسل، وحديث عبد الله بن
مغفل مسند.
٥٧٨٠- وكذا هو مقدم على ما روى ابن ماجة: عن النبى عرّله أنه قال: ((حريم
بئر مدرشائها))؛ لأنه من حدیث منصور بن صقیر عن ثابت بن محمد عن نافع أبی
غالب عن أبى سعيد الخدرى، ومنصور بن صقير ضعيف، وثابت بن محمد لا يدرى
من هو؟.
ذراعا)) حكم عام لكل بئر، سواء كان بئر العطن أو بئر الناضح، وقوله: ((عطنا لماشيته))، ليس بقيد
بل تنبيه على فائدة من فوائد هذا الحكم، ولو كان قيدا لكان وجه الكلام أن يقال: البئر للعطن
أربعون ذراعا، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
والثالث: أنه لا فرق بين البئر البدى والعادى فى المقصد، فلا وجه للفرق بين الحكم، وهو
أيضا مرجح لرواية عبد الله بن مغفل على مرسل سعيد بن المسيب.
والرابع: أنه لا فرق بين بئر العطن وبئر الناضح فى المقصد، فلا وجه للفرق من الحكم، وبه
يترجح رواية ابن المغفل على رواية الزهرى المرسلة، وبهذا التفصيل المذكور فى المتن، والشرح ظهر
دقة فهم أبى حنيفة وسعة نظره فى الحديث، وانخسف ما قال ابن قدامة فى "المغنى" (١٨٢:٦):
أما حديث أبى حنيفة فحديثنا أصح من حديثه، ورواهما أبو هريرة فيدل على ضعفه، لأنك قد
عرفت أن متمسك أبى حنيفة هو حديث عبد الله بن مغفل، لا حديث أبى هريرة، ثم حديث أبى
هريرة الذى هو متمسك لأحمد ليس بأصح من حديث أبى هريرة الذى هو متمسك لأبى حنيفة،
بل هما متعارضان، والرجحان الخارجى، إنما هو للحديث الذى هو متمسك لأبى حنيفة؛ لأنه
موافق لحديث ابن مغفل، فاعرف ذلك.

١٢
ج - ١٨
باب حريم العین
٥٧٨١- قال أبو يوسف فى "كتاب الخراج": عن الحسن بن عمارة، عن
الزهرى، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((حريم العين خمسمائة ذراع)) (بناية ٣٠٠:٤).
باب حريم العين
أقول: الرواية مرسلة كما ترى، واعتمده علماؤنا؛ لأنه لم يثبت فى الباب أصح منه، وما
روى الدار قطنى عن أبى هريرة مرفوعا: ((إن حريم العين السائحة ثلاث مائة ذراع، وحريم عين
الزرع ستمائة ذراع)) فخطأ؛ لأنه رواه من طريقين: أحدهما: طرق الحسن بن أبى جعفر، عن
معمر، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة.
والثانی: طرق محمد بن يوسف بن موسى المقرئ، عن إسحاق بن أبى حمزة، عن یحیی بن
أبى الخصيب، عن هارون بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن أبى عجلة، عن الزهرى، عن سعيد بن
المسيب، عن أبى هريرة (دارقطنى ٥١٨).
وضعف الدارقطنى الطريق الأول بالحسن بن أبى جعفر، والثانى بمحمد بن يوسف، ومما
يدل على ضعفهما أنه روى أبو داود فى المراسيل عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، قال: قال
رسول الله عَ ليه: ((حريم البئر العادية خمسون ذراعا، وحريم البئر البدى خمس وعشرون ذراعا))،
قال سعيد من قبل نفسه: "وحريم قليب الزرع ثلاث مائة ذراع"، وزاد الزهرى: "وحريم العين
خمسمائة ذراع"، وهكذا رواه ابن أبى شيبة، وعبد الرزاق عن ابن المسيب بأسانيد صحيحة أنه
قال ذلك من قبل نفسه، فلو كان عنده رواية فى هذا الباب لم يحتج إلى القول بالاجتهاد.
فدل ذلك أن ما رواه الحسن بن أبى جعفر، ومحمد بن يوسف عنه خطأ، ومما يدل على
خطأهما أيضا أنه روى أبو داود عن الزهرى قوله: "حريم العين خمسمائة ذراع"، كما عرفت آنفا،
فلو كان عنده رواية عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة مرفوعا لما خالفها، فاعرف ذلك.
..... وقد نقلت روايات "المراسيل"، وابن أبى شيبة، وعبد الرزاق من تعليق "المغنى على سنن
الدارقطنى" (٥١٨)، وقال العينى فى "البناية" (٣٠١:٤)، معترضا على قول الإنزارى: الأصح
عندى خمسمائة ذراع؛ لأنه موافق لحديث الزهرى عن النبى مرّ له، قال: ((حريم العين خمسمائة
ذراع)) اهـ، إنه قد روى البيهقى من حديث يحيى بن آدم: حدثنا إبراهيم بن أبى يحيى، عن داود
ابن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: "حريم البئر خمسون ذراعا، وحريم العين مائة
ذراع"، فكان ينبغى أن يكون هذا هو الأصح؛ لأنه قول حبر الأمة عبد الله بن عباس اهـ.

١٣
حريم العين
٠
وهذا عجيب؛ لأن الإنزارى رجح قول رسول الله عّ لّه على قول ابن عباس، والعينى يرجح
قول ابن عباس على قول رسول الله عَ ليه، وهو كما ترى. فإن قلت: حديث الزهرى مرسل، قلنا:
حديث ابن عباس ليس بمسند، ولا بمرسل عن النبى معَّةٍ، بل هو من قوله، ثم لا يصح هذا العذر
ممن يقبل المراسيل ويعمل بها، فإن قلت: فى حديث الزهرى الحسن بن عمارة، وهو متكلم فيه.
قلنا: فى حديث ابن عباس إبراهيم بن أبى يحيى، وهو أسوأ حالا من الحسن بن عمارة،
فكيف يصح ترجيح حديث ابن عباس على حديث الزهرى؟ بالجملة: هذا الاعتراض ساقط، ولا
وجه لتصحيحه، والصحيح هو ما قال الإنزارى وهو المذهب، والله أعلم.
فائدة متعلقة بحريم الشجرة:
فائدة: قال فى "العالمكيرية": من غرس شجرة بإذن الإمام عند الكل، أو بغير إذن الإمام
عندهما هل يستحق لها حريما؟ حتى لو جاء آخر وأراد أن يغرس بجنب شجرته شجرا، هل له أن
يمنعه عن ذلك؟ لم يذكر محمد هذا الفصل فى الكتاب، ومشايخنا قالوا: يستحق مقدار خمسة
أذرع، به وردت السنة، كذا فى "المحيط" (عالمكيرى ٢٥٦:٦) وقال فى "الكفاية": إن رجلا غرس
شجرة فى أرض فلاة، فجاء آخر فأراد أن يغرس شجرة أخرى بجنب شجرة، فشكا صاحب "
الشجرة الأولى إلى النبى معَ ◌ّه، فجعل له النبى مرّ له من الحريم خمسة أذرع، وأطلق الآخر فيما
وراء ذلك. هذا حديث صحيح مشهور كذا فى المبسوط لشيخ الإسلام (حاشية الهداية ٤: ٤٦٦).
قلت: الحديث غريب بهذا السياق، وإنما أخرجه أبو داود والطحاوى عن أبى سعيد
الخدرى، والحاكم عن عبادة بن الصامت، والطبرانى عن ابن عمر وأبو داود فى "المراسيل" عن
عروة بغير هذا السياق كما فى الزيلعى (٢: ٣١٧) ولا حجة فيه للمشايخ لأن مفاد تلك الأحاديث
أنه جعل الحريم هذا غصان الشجرة أو جرائد النخلة حين اختصم رجلان إليه، وليس فيها أن ذلك
الاختصام كان فى الغرس، فيحتمل أن يكون فى غيره، فلا حجة لهم فى تلك، ولو صح الحديث
بسياق "المبسوط" لم يكن فيه حجة أيضا، لأنه يدل على أنه جعل الحريم فى الواقعة الجزئية خمسة
أذرع، وهو لا يدل على الحكم الكلى، فالصواب فى هذا الباب عدم التقدير بل هو مفوض إلى
الاجتهاد، لأن الأشجار تختلف فى الصغر والكبر، والاتساع وعدمه، فينظر إلى الشجرة المغروسة،
والتى تغرس، ويجعل لكل واحد منهما حريم بحسب ما يقتضيه نوعه، والله أعلم.

١٤
ج - ١٨
حريم العين
قال العبد الضعيف: قد استراح بعض الأحباب ههنا، فإن حديث المتن رواه أبو يوسف فى
"الخراج" (ص١٢٠) عن الحسن بن عمارة، عن الزهرى، مرفوعا بلفظ: ((حريم العين خمسماة
ذراع، وحريم بئر الناضح ستون ذراعا، وحريم بئر العطن أربعون ذراعا عطنا للماشية))، فلو كان
هذا هو المعتمد عليه لكونه أصح ما فى الباب، لكان عليه أن يقول فى بثر الناضح بأن حريمه ستون
ذراعا، كما قاله أبو يوسف ومحمد، وقال فى "التاترخانية" وفى "الكبرى": به يفتى (رد المحتار
٤٢٩:٥)، ولكن صنيع بعض الأحباب فى الباب الماضى يدل على أن المعتمد عليه فى حريم البئر
حديث عبد الله بن مغفل عنده، دون مرسل الزهرى هذا، وعكس الأمر ههنا، فجعل مرسل
الزهرى أصح ما فى الباب وعمدته، والاعتماد على بعض أجزاء الحديث والإعراض عن بعض
أجزاءه لیس من الإنصاف فی شیء.
فإن قال: هو أصح شىء فى الباب فى حكم حريم العين، لكونه سالما من التعارض، دون
سائر أجزاءه، لما عارضه حديث عبد الله بن مغفل فيها.
قلنا: لا تعارض، فإن قوله: ((من حفر بئرا فله أربعون ذراعا)) فى حديث عبد الله بن مغفل
ليس بعام لكل بئر، فإن النكرة فى موضع الإثبات لا تعم، وقوله: ((عطنا لماشية)) قرينة قوية على أنه
أراد بها بئر العطن لا بئر الناضح، ألا ترى إلى قوله فى مرسل الزهرى: ((وحريم بئر العطن أربعون
ذراعا عطنا للماشية))، وهو بمعناه سواء، فالظاهر أن حديث عبد الله بن مغفل مختصر، ومرسل
الزهرى مفسر، فليكن هو المعتمد عليه فى جميع أجزاءه، ولذا أفتى المتأخرون بقول أبى يوسف
ومحمد رحمهما الله، كما مر، وهو مقتضى النظر، لأن بئر الناضح يحتاج فيه إلى أن يسير دابته
للاستقاء، وقد يطول الرشاء، وبئر العطن للاستقاء منه باليد، فقلت الحاجة فلا بد من التفاوت .
(هداية).
والأحسن فى الاعتذار عن أبى حنيفة أنه اعتمد فى حريم البئر على حديث عبد الله بن
مغفل، ولم يعتمد على مرسل الزهرى، لما فى الحسن بن عمارة من الضعف، ولأن الزهرى لم يرو
عن رسول الله عرّ ◌ُلّه التفرقة بين بئر العطن وبئر الناضح إلا فى ما رواه الحسن بن عمارة عنه، وأما
غيره فإنما يروى عنه عن سعيد بن المسيب من قوله التفرقة بين البئر البدى والبئر العادية، كما فى
"كتاب الخراج" ليحى بن آدم (١٠٤) و "سنن البيهقى" (١٥٥:٦): روى ذلك يونس عن
الزهرى، وكذلك رواه معمر عنه، ورواه إسماعيل بن أمية عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، قال:

١٥
حريم العين
إعلاء السنن
قال رسول الله عَ ليه. وروى من حديث معمر وإبراهيم بن أبى عبلة عن الزهرى عن سعيد عن أبى
هريرة، مرفوعا موصولا، وهو ضعيف، قاله البيهقى، والضعف إنما جاء ممن هو دون معمر وابن أبى
عبلة، وإلا فهما ثقتان صدوقان.
وأما حريم العين فاعتمد أبو حنيفة فيه على حديث الزهرى من غير طريق الحسن بن عمارة
عنه، فقد روى يونس عن الزهرى قال: وسمعت الناس يقولون: حريم العيون خمسماة ذراع، قاله
بعد ما ذكر حكم البئر البدى والعادية عن سعيد بن المسيب من قوله، وروى ابن المبارك عن معمر
عن الزهرى مثله، ثم قال: وقال الزهرى: وسمعت حديثا أن حريم العيون خمسماة ذراع، كذا فى
كتاب الخراج ليحبى (١٠٥) وفسر قوله: حديثا يقول قريبا، ليس يريد حديثا من الأحاديث اهـ.
قلت: ولكن ما رواه أبو يوسف، عن الحسن بن عمارة، عن الزهرى، يدل أنه أراد حديث
النبى معَّهِ، ومثله يصلح مفسرا للمجمل البتة.
وبالجملة فكل ما ورد فى التفرقة بين بئر العطن والناضح، والبئر البدى والعادية، لم يثبت
كونه مرفوعا إلى النبى معَِّ، وإنما هو عن ابن المسيب من قوله، وحديث عبد الله بن مغفل موصول
مسند إلى رسول الله عَّه، فلا يزاد على ما فيه، لأن كلمة "من" تفيد العموم، فكان معناه أن كل
حافر بئر فله أربعون ذراعا كائنا من كان، والعام المتفق على قبوله والعمل به أولى عندنا من الخاص
المختلف فى قبوله والعمل به، ولأن القياس يأبى استحقاق الحريم، لأن عمل الحافر إنما هو فى موضع
الحفر والاستحقاق به، فلا يقال به إلا بالتوقيف، ولیس إلا فى ما ذكرناه، ولو سلمنا کون قول ابن
المسیب مرفوعا حكما.
فنقول: تركنا القياس فيما اتفق عليه الحديثان، وحفظناه فيما تعارضا فيه، وقد اتفقا على
الأربعين، وتعارضا فيما وراءها، لأن العام ينفيه، والخاص يثبته، فتساقطا، ولزم العمل بالمتيقن المجمع
على قبوله، ولأن قد يستقى من العطن بالناضح، ومن بئر الناضح باليد، فاستوت الحاجة فيهما،
ويمكنه أن يدبر البعير حول البئر، فلا يحتاج إلى زيادة مسافة، (هداية).
وأما قول بعض الأحباب فى حريم الشجرة: إن الصواب فى هذا الباب عدم التقدير، لأن
الآثار لا تدل على كون الاختصام فى الغرس، ولو دلت على ذلك لم تدل على الحكم الكلى، بل
غاية ما فيها أنه معَِّ قضى بذلك فى قضية بعينها اهـ.
ففيه أن ما ذكره المشايخ لا محمل أحسن منه لهذا الحديث، وقد أخرجه الحاكم فى
1

١٦
حريم العين
ج - ١٨
"المستدرك" فى كتاب الأحكام عن عبادة بن الصامت بلفظ: ((إن رسول الله عَ لّ قضى فى النخلة
أن حريمها مبلغ جريدها))، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه الطبرانى عن ابن عمر: ((إن النبى معَ له
جعل حريم النخلة مد جريدها))، وأخرجه أبو داود فى "المراسيل": عن عروة بن الزبير، قال:
(قضى رسول الله عّ لّ فى حريم النخلة طول عسيبها))، وفى كل ذلك ما يدل على كونه حكما
عاما لكل شجرة، وفسره أبو سعيد الخدرى فى حديثه بأنه مَّم أمر بجريدة من جريدها فذرعت
فوجدت سبعة أذرع أو خمسة أذرع، فقضى بذلك، رواه أبو داود فى "سنته" (زيلعى)، فلو
فوضناه إلى رأى الإمام قلنا: إن حريمها مبلغ جرائدها وغصونها، ولو قدرناه بمقدار معلوم تسهيلا
على العوام وحسما لمادة النزاع.
قلنا: إنه مقدر بخمسة أذرع، أو سبعة أذرع من كل جانب، كما بينه حديث أبى سعيد
رضى الله عنه، فافهم والله يتولى هداك ١٢ظ.
فائدة: من سبق إلى مقاعد الأسواق، والطرقات، أو مشارع المياه، أو كل مباح، مثل
الحشيش، والحطب، والثمار المأخوذة من الجبال، وما ينبذه الناس رغبة عنه، أو يضيع منهم مما لا
تتبعه النفس، واللقطة، واللقيط، وما يسقط من الثلج، وسائر المباحات، من سبق إلى شىء من هذا
فهو أحق به، ولا يحتاج إلى إذن الإمام ولا إذن غيره، لقول النبى عَّ ◌ُله: (من سبق إلى(١) ما لم
يسبق إليه مسلم فهو أحق به))، ذكره الموفق فى "المغنى" (١٨٤:٦)، ولم يذكر فيه خلافا، قال: وما
كان من الشوارع، والطرقات، والرحاب بين العمران، فليس لأحد إحياءه، سواء كان واسعا أو
ضيقا، وسواء ضيق على الناس أو لم يضيق، لأن ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم،
فأشبه مساجدهم.
ويجوز الارتفاق بالقعود فى الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد، .
ولا يضر بالمارة، لاتفاق أهل الأمصار فى جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار،
:
ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار، فلم يمنع منه كالاجتياز، وقد قال النبى معَّ ◌ُله: ((منى مناخ من
سبق))، قد تقدم تخريجه فى باب النهى عن بيع أرض مكة، وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه
من بارية وتابوت وكساء ونحوه، لأن الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه، وليس له البناء لا دكة
(١) رواه أبو داود والضياء عن أم جندب بلفظ: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له))، كما فى "العزيزى" (٢٣٩:٣).

١٧
حريم العين
إعلاء السنن
ولا غيرها، لأنه يضيق على الناس، ويعثر به المارة بالليل، والضرير فى الليل والنهار، ويبقى على
الدوام، فربما ادعى ملكه بسبب ذلك، والسابق أحق به ما دام فيه، فإن قام وترك متاعه فيه لم يجز
لغيره إزالته، لأن يد الأول عليه، وإن نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه، لأن يده قد زالت اهـ
ملخصا من "المغنى" (١٦٣:٦)، وهذا كله مما لا خلاف فيه، كما هو ظاهر.
وفيه أيضا: قال أحمد فى السابق إلى دكاكين السوق غدوة: فهو له إلى الليل، وكان هذا
فى سوق المدينة فيما مضى.
قلت: ومقتضى القياس أن يكون له إلى قيام السوق، والغالب قيامها فى النهار وارتفاعها فى
الليل، فإن كانت تقوم فى الليل أيضا، فهو له إلى ارتفاع السوق، لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه
مسلم، والله تعالى أعلم ١٢، ظ.
فائدة: يجوز للإمام إقطاع موات من الأرض لمن يحييها، لما روى وائل بن حجر: ((أن
رسول الله عَّ أقطعه أرضا، فأرسل معاوية معه أن أعطه إياه أو أعلمه إياه، حديث صحيح، وأقطع
بلال بن الحارث المزنى، وأبيض بن حمال الماربى، وأقطع الزبير حفر فرسه، فأجرى فرُسه حتى قام،
ورمى بسوطه، فقال: ((أعطوه من حيث وقع سوطه))، رواه سعيد وأبو داود، وذكر البخارى عن
أنس قال: ((دعا رسول مَّ الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله! إن فعلت فاكتب
لإخواننا من قريش بمثلها))، روى أن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، وأن عثمان أقطع خمسة
من أصحاب النبى ◌ّ: الزبير، وسعدا، وابن مسعود، وأسامة بن زيد، وخباب بن الأرت، روی
هذه الآثار كلها أبو عبيد فى "الأموال".
إذا ثبت هذا فإن من أقطعه الإمام شيئا من الموات لم يملكه بذلك، لكن يصير أحق به
كالمتحجر الشارع فى الإحياء، بدليل ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث، حيث استرجع منه
عمر ما عجز عن إحياءه من العقيق الذى أقطعه إياه رسول الله عّ لّه، ولو ملكه لم يجز استرجاعه،
ولكن المقطع له يصير أحق به من سائر الناس، وأولى بإحياءه، فإن أحياه وإلا قال له السلطان،: إن
أحييته وإلا فارفع يدك عنه، كما قال عمر لبلال بن الحارث المزنى: "إن رسول الله عَ ليه لم يقطعك
لتحجبه دون الناس، وإنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقى"، ذكره
الموفق فى "المغنى" (١٦٤:٦)، وقواعدنا تساعده، وقد تقدم أن الملك إنما يثبت بالإحياء دون
التحجير، بإذن الإمام أو بغير إذنه، بقى أن الإقطاع بمنزلة الهبة، والهبة تتم بالقبض.

١٨
ج - ١٨
حريم العين
والجواب أن قبض الموات إنما هو بالإِحياء، قال فى "الدر": إذا أحيا مسلم أو ذمى
أرضا ملكها.
. قال ابن عابدين: أى ملك رقبة موضع أحياه دون غيره، وعند أبى يوسف إن أحيا أكثر من
النصف كان إحياء للجميع (در منتقى)، وقال محمد: لو الموات فى وسط ما أحيا يكون إحياء
للكل ولو فى ناحية فلا (تا تارخانية ٤٢٧:٥) اهـ.
فائدة: ليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياءه من المعادن الظاهرة، لأن النبى عّ لّه لما استقطعه
الأبيض بن حمال الملح الذى بمأرب، قيل: يا رسول الله! إنما أقطعته الماء العد فارجعه منه واسترده،
رواه أبو داود (١٣٩:٣)، والترمذى (٢٥٩:١)، والدارقطنى (ص٥١٩)، وابن ماجة (٤٩:٢)،
وإسناده صحيح ثابت، وعند كلهم جميعا أنه أقطعه إياه، ثم أخبره رجل هو الأقرع بن حابس
التميمى، أنه كالماء العد، فاسترده منه، وأقطعه أرضا ونخلا مكانه، ورواه يحيى بن آدم فى
"الخراج" من طريق ابن المبارك، عن معمر عن يحيى بن قيس المأربى، عن رجل، عن أبيض بن
جمال، ولفظه: ((فأراد أن يقطعه إياه، فقال رجل: إنه كالماء العد، فأبى أن يقطعه)) (ص ١١٠)، ولأن
فى ذلك تضييقا على المسلمين، وفى إقطاع المعادن الباطنة وجهان، كذا فى "المغنى" (١٦٦:٦)،
وقال فيما مضى: إن الصحيح جواز إقطاعها، لأن النبى معَّ له أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية
جلسیها وغوریها، رواه أبو داود وغيره (١٥٨:٦).
قلت: وقولنا معشر الحنفية فى هذا الباب، كما ذكره الموفق سواء، يدل على ذلك ما فى
"الدر" و"الشامية" (١٢٩:٥) ظ.
فائدة: فى الحمى، ومعناه أن يحمى أرضا من الموات يمنع الناس رعى ما فيها من الكلأ
ليختص بها دونهم، وروى الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله مّ يقول: ((لا حمى إلا لله
ورسوله))، رواه أبو داود، والبخارى، وأحمد، وقال: ((الناس شركاء فى ثلث فى الماء، والنار،
والكلأ))، رواه الخلال -وقد تقدم تخريجه فى باب البيوع بعدة طرق- وليس لأحد من الناس
سوى الأئمة أن يحمى، لما ذكرنا من الخبر والمعنى، فأما النبى معَّ فقد كان له أن يحمى لنفسه
وللمسلمین، لقوله: ((لا حمی إلا لله ولرسوله))، لكنه لم یحم لنفسه شيئا، وإنما حمی للمسلمین.
فقد روى ابن عمر قال: حمى النبى معَِّ النقيع للخيل، فقلت له: لخيله قال: لا إلا لخيل المسلمين،
رواه أحمد، وفيه عبد الله العمرى وهو ثقة، وقد ضعفه جماعة (مجمع الزوائد ١٥٨:٤).

١٩
حريم العين
إعلاء السنن
وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يُحموا لأنفسهم شيئا، ولكن لهم أن يحموا مواضع
لترعى فيها خيل المجاهدين، ونعم الجزية، وإبل الصدقة، وضوال الناس التى يقوم الإمام بحفظها،
وماشية الضيف من الناس، على وجه لا يستضر به من سواء من الناس، وبهذا قال أبو حنيفة،
ومالك، وأحمد، والشافعى، فى صحيح قوليه، وقال فى الآخر: ليس لغير النبى معَّ ظّ أن يحمى،
لقوله: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) ولنا أن عمر وعثمان حميا، واشتهر ذلك فى الصحابة، فلم ينكر
عليهما فكان إجماعا.
وروى أبو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير -أحسبه عن أبيه- قال: أتى أعرابى
عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! بلادنا قاتلنا عليها فى الجاهلية، وأسلمنا عليها فى الإسلام، علام
تحميها؟ فأطرق عمر، وجعل ينفخ ويفتل شاربه - وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ- فلما رأى
الأعرابى ما به جعل يردد ذلك، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لو لا ما حمل عليه
فى سبيل الله ما حميت شبرا من الأرض فى شبر.
وقال مالك: بلغنى أنه كان يحمل فى كل عام على أربعين ألفا من الظهر، وروى البخارى
1. وغيره عن أسلم قال: سمعت عمر يقول لهنى حين استعمله على حمى الربذة: يا هنى! اضمم
جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإنها مجابة، وأدخل رب الصرمة والغنيمة، ودعنى من نعم
ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن هلكت ما شیتهما رجعا إلى نخل وزرع، وإن هذا المسكين إن
هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين! فالكلأ أهون على أم غرم الذهب والورق؟ إنها أرضهم
قاتلوا عليها فى الجاهلية، وأسلموا عليها فى الإسلام، وأنهم ليرون أنا نظلمهم ولو لا النعم التى
يحمل عليها فى سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا، وهذا إجماع منهم، ولأن ما
كان لمصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام رسول الله عَ ليه.
وأما حمى الإمام لنفسه فيفارق حمى النبى معَّ ◌ُلّه لنفسه؛ لأن صلاحه يعود إلى صلاح
المسلمين، وماله كان يرده فى المسلمين، ففارق الأئمة فى ذلك، وسادوه فيما كان صلاحا
للمسلمين، وليس للإمام أن يحمى إلا قدرا لا يضيق به على المسلمين ويضر بهم؛ لأنه إنما جاز لما
فيه من المصلحة لما يحمى، وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر الناس، كذا فى "المغنى"
(١٦٨:٦) ملخصا.
فائدة: فى أحكام الشرب، ولم يتعرض لها بعض الأحباب أصلا، فنقول: لا يخلو الماء من

٢٠
حريم العين
ج - ١٨
حالين: إما أن يكون جاريا أو واقفا، فإن كان جاريا فهو ضربان: أحدهما: أن يكون فى نهر غير
مملوك، وهو قسمان: أحدهما: أن يكون نهرا عظيما كالنيل، والفرات، ودجلة، وجيحون،
وسيحون، وكنك، وجمن، وما أشبهها من الأنهار العظيمة التى لا يستضر أحد بسقيه منها، فهذا
لا تزاحم فيه، ولكل أحد أن يسقى منها ما شاء.
القسم الثانى: أن يكون نهرا صغيرا، يزدحم الناس فيه ويتشاحون فى مائة، أو سيل يتشاح
فيه أهل الأرض الشاربة منه، فإنه يبدأ بمن فى أول النهر، فيسقى ويحبس الماء حتى يبلغ إلى
الكعب، ثم يرسل إلى الذى يليه، فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن تنهى الأراضى كلها، فإن لم
يفضل عن الأول شىء، أو عن الثانى أو عمن يليهم فلا شىء للباقين؛ لأنه ليس لهم إلا ما فضل،
فهم كالعصبة فى الميراث، هذا قول فقهاء المدينة، ومالك، والشافعى، وأحمد، ولا نعلم فيه مخالفا.
والأصل فى هذا ما روى عبد الله بن الزبير: أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير فى شراج
الحرة التى يسقون بها إلى النبى معَّ ◌ُلّه، فقال رسول الله عَ ليه: ((اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى
جارك، فغضب الأنصارى، وقال: يا رسول الله! إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله عَ ليه،
ثم قال: اسق يا زبير! ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)) "متفق فيه"، ورواه مالك فى "الموطأ":
عن الزهرى، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، وإنما أمر النبى معَّه الزبير أن يسقى، ثم يرسل الماء
تسهيلا على غيره، فلما قال الأنصارى ما قال، استوعى للزبير حقه، وروى مالك فى "الموطأ"
أيضًا: عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم، أنه بلغه أن رسول الله عّ لآل قال فى سيل مهزور ومذينيب:
(يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل)).
قال ابن البر: هذا حديث مدنى مشهور عند أهل المدينة، معمول به عندهم، وروى أبو داود
بإسناده عن ثعلبة بن أبى مالك: أنه سمع كراءهم يذكرون: ((أن رجلا من قريش كان له سهم فى
بنى قريظة، فخاصم إلى رسول الله عَ ليه فى سيل مهزور، يعنى السيل الذى يقتسمون مائه، فقضى
بينهم رسول الله مَّ أن الماء إلى الكعبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل»، ولأن من أرضه قريبة
من فوهة النهر أسبق إلى الماء، فكان أولى، كمن سبق إلى المشرعة، فإن كان لجماعة رسم شرب
من نهر غير مملوك أو سيل، وجاء إنسان إلى النهر منه، ولأن من ملك الأرض ملكها بحقوقها
ومرافقها، ولا يملك غيره إبطال حقوقها، وهذا من حقوقها، كذا فى "المغنى" (١٧١:٦) لابن
قدامة، ومذهبنا معشر الحنفية فى ذلك مثل ما ذكره سواء.