Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ ج - ١٧ باب دخول أهل الذمة المسجد الحرام ٥٧٥٤- قال الجصاص: روى شريك عن الأشعث عن الحسن عن جابر عن النبى عَّهِ، قال: ((لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدًا أو أمة)) (أحكام القرآن ٨٩:٢)، ورجاله ثقات إلا أنه سند معلق، ولم أر من وصله. ٥٧٥٥- ورواه أحمد فقال: ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن أشعث بن سوار عن الحسن عن جابر عن النبى معَّه: ((لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا غير أهل الكتاب وخدمهم)) (مسند ٣٣٩:٣). باب دخول أهل الذمة المسجد الحرام أقول: قد علم من هذه الآثار أمور: الأول: أن قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، ليس بعام لكل كافر، لأنه استثنى منه العبيد والإماء، وأهل الذمة. والثانى: أنه قوله: ﴿لا يقربوا المسجد الحرام﴾، لا يختص بالنهى عن دخول المسجد الحرام فقط، بل هو عام لدخول المسجد الحرام وفنائه من الحرم ومتعلقاته (١). والثالث: أن القرب محمول على معناه الظاهر، وليس بمجاز عن الدخول، والمسجد محمول على نفس المسجد وفنائه، إذ لو كان المراد من القرب هو الدخول، ومن المسجد المسجد. الحقيقى لم يكن لإخراج المشركين من مكة ومتعلقاتها وجه، ولم يكن لخوف المؤمنين العيلة علة. والرابع: أن المراد من النجس ليس هو نجاسة العين إذ لو كان كذلك لم يكن لاستثناء العبيد والإماء وأهل الذمة وجه، وكذا لم يكن لإخراج المشركين من مكة، ومتعلقاتها علة؛ لأن النجاسة إن كانت منافية لدخول المسجد، فليست بمنافية لدخول الحرم، متعلقاته، ودلت هذه الأمور على أن تأويل الآية ليس على ما ظنه الشافعى ومالك وأحمد بل تأويلها الصحيح، هو ما قال أبو حنيفة. وتحقيقه على ما تفردت(١) به أن المشركين كانوا مستولين على المسجد الحرام، ومتعلقاته، وكانوا يلوثونها بأفعالهم الكفرية، فلما رفع الله استيلائهم بالفتح أراد تطهير المسجد الحرام، وفنائه من أفعالهم الخبيثة، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ بنجاسة العقائد والأفعال الكفرية، وهم يلوثون المسجد الحرام وفنائه بتلك الأفعال، ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم (١) لما سيأتى فى الثالث، ظ. (١) قد سبقك بها کثیر من الحنفية منهم الجصاص الرازى، کما سنذ کر کلامه، ظ. ٤٤٢ دخول أهل الذمة المسجد الحرام إعلاء السنن ٥٧٥٦- وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فى قوله: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، إلا أن يكون عبداً أو أحد من أهل الذمة، وأخرجه أيضا من طريق آخر، وقال: حدثنى زكريا بن يحيى بن أبى زائدة، قال: ثنا حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكر نحو حديث عبد الرزاق. هذا﴾، بل ينفون منه ومن فنائه من الحرم، ومتعلقاته حتى لا يتمكنوا من تلويث المسجد، وفنائه بالأفعال الكفرية كما كانوا يلوثونها بها إلى الآن ﴿وإن خفتم عيلة﴾ بنفيهم منها ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾، فلا تخافوا وانفوهم من أرض مكة ومتعلقاتها. ولما كان المقصود من هذا الحكم هو حفظ الأرض المقدسة من تلويثاتهم المعلومة لا كونهم نجسًا بنجاسة العين يختص هذا الحكم بمن يخاف منه هذا التلويث، ولا يشمل الذين لا يخاف منهم ذلك، - كالعبيد والإماء وأهل الذمة الذين التزموا حكمنا، هذا هو التأويل الصحيح للآية الذى يدل على صحته سياق الآية والآثار، ولا دليل لمن جعل الكفر كالجنابة فى المنع من دخول المسجد مطلقًا كمالك، ولا لمن جعله كالجنابة، ثم خص الحكم بالمسجد الحرام، ويعممه سائر المساجد مع اشتراك العلة كالشافعى غير لفظ النجس الواقع فى الآية، وقد عرفت أنه لا حجة لهم فيه؛ لأن المراد منه نجاسة الاعتقاد والأفعال لا نجاسة الجسم. والعجب من الرازى(١) أنه قال: ظاهر القرآن يدل على كونهم النجاسة ، فلا يرجع عنه، إلا بدليل منفصل، ثم رد دلائل الطهارة، ورجح النجاسة، ومع ذلك قال: الآية بمنطوقها تبطل قول أبى حنيفة، وبمفهومها تبطل قول مالك، أو نقول(٢): الأصل عدم المنع، وخالفناه فى المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع فوجب أن يبقى فى غيره على وفق الأصل اهـ، ولم يدر بأن القول بنجاسة الكفار مخالف لمذهب الشافعى أيضًا؛ لأنه مصرح بطهارتهم، كما سيأتى فى الباب الآتى. فهذه الآية إن كانت مبطلة لمذهب أبى حنيفة فهى مبطلة لمذهب الشافعى أيضًا، ولو سلم (١) أقول: كيف يصح هذا القول بعد تسليم نجاسة أبدان المشركين، وكونها مانعة من دخول المسجد الحرام، واشتراك سائر المساجد معه فى وجوب التطهير عن الأنجاس؟ فتدبر. (٢) المراد به الفخر الرازى، ظ. ٤٤٣ ج - ١٧ دخول أهل الذمة المسجد الحرام ٥٧٥٧- وذكر من طريق الحسن عن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال فى قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، إلا صاحب جزية أو عبدًا لرجل من المسلمين. نجاسة الكفار عنده يبطل ... هذا من وجهين: أحدهما: أن المنع من دخول الكفار المسجد الحرام معلل بعلة النجاسة، ومعلوم أن كل مسجد مأمور بتنحية النجاسات عنها، فكيف يجوز للشافعى تخصيص الحكم بالمسجد الحرام مع عموم العلة؟ والاحتجاج بالمفهوم يبطل كل قياس. وثانيهما: أنه لما سلم هذا القائل: إن حکم المنع لا يختص بالمسجد حیث قال: إن أصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين، فكيف يصح تعليل الحكم بنجاسة المشركين؟ لأن الحرم ليس مما يؤمر بتطهيره عن البول والبراز فضلا عن تطهيره من نجاسة الكفار، فلا يستقيم مذهب الشافعى بوجه من الوجوه على تقدير القول بنجاستهم، وحينئذ يكون مذهبه أبطل من مذهب مالك، ومذهب مالك أقرب إلى النص من مذهب الشافعى، وأما مذهب أبى حنيفة فهو أصح المذاهب، كما عرفت. والعجب منه أنه نفسه صرح بأن الطهارة قد تستعمل فى إزالة الأوزاء والآثام، واحتج له بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا﴾ وهو يدل على أن النجاسة قد تستعمل فى الأوزاء والآثام، ومع ذلك هو يدعى أن الاية بمنطوقها تبطل مذهب أبى حنيفة، ولا يدرى أن أبا حنيفة يحمل النجس فى الآية على نجاسة الأوزاء والآثار بسياق الآية والآثار، فكيف تكون الآية مبطلة لقوله بمنطوقها؟ فظهر أن قول الرازى بصحة مذهب الشافعى باطل، وكذا ادعاؤه بأن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسا بنجاسة الجسم باطل، لأنه لا دليل فى القرآن على أن المراد من النجاسة هو نجاسة الجسم، بل هو ظاهر فى أن المراد منها نجاسة الآثام والأوزاء. وأعجب منه رده دلائل الطهارة بناء على توهم أن الآية صريحة فى نجاسة أبدان الكفار مع أن بناء الفاسد على الفاسد، لأنه لو سلم أن الآية صريحة فى هذا الباب، لا يحتاج إلى الاستدلال على الطهارة، وإنما مبنى الاستدلال هو أن الاية غايتها أنها محتملة للوجهين، فترجع إلى أدلة أخرى يترجح بها أحد الوجهين، فرد تلك الوجوه بالآية المتنازع فيها مصادرة، وهو عجيب من هذا الفاضل المشهور بالكلام والمناظرة، وتفصيل هذا الكلام: أنه احتج القاضى على طهارة أبدان الكفار ٤٤٤ دخول أهل الذمة المسجد الحرام إعلاء السنن ٥٧٥٨- وقال ابن جرير: حدثنى المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية عن على عن ابن عباس، قوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا إنما المشركون نجس) الآية، قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان فى قلوب المؤمنين الحزن، قال: من أين تأكلون، وقد نفى المشركون وانقطعت عنكم العير؟ فقال الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾، فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله، وروى نحوه عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد وقتادة. ..... بأن النبى معَِّ شرب من أوانى الكفار، ورده هذا الفاضل بأن القرآن أقوى من الخبر الواحد، وهذا الرد مردود لأنه مبنى على أن القرآن يدل على نجاسة أبدان الكفار، وهو أول المسألة، وكذا رده بأنه لو صح الخبر، يجب أن يكون منسوخا بهذه الآية، وهذا الرد أيضا مردود لأنه أيضا مبنى على أن القرآن يدل على نجاسة أبدان الكفار، وهو أول المسألة. واستدل القاضى أيضا بأنه لو كان الكافر نجسا بنجاسة الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام، ورده هذا الفاضل بأنه قياس فى مقابلة النص الصريح، وهذا الرد أيضا مردود بما قلنا، ورده أيضا بأن أصحاب هذا المذهب يقولون: إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر، وهذا الرد أيضا مردود لأنه هذا الجواب أيضا مبنى على تسليم نجاسة البدن بالكفر، وهو أول المسألة، ثم الشافعى الذى هو إمامه لا يوجب على الكافر الغسل بعد الإسلام ولا قبله، فلا يندفع الإيراد عنه. والموجبون للغسل عليه لا نص فى كلامهم على أنهم يوجبونه علیه لنجاسته، بل يوجبونه لنصوص أخر مستقلة فى هذا الباب، فلا حجة له فى هذا الإيجاب، ولو سلم فمنشأ استدلال المستدل هو ظنه أن الذى ألزمه لا يلتزمه عاقل، فلما ظهر أن هناك عقلاء يلتزمون هذا اللازم فيقال لهم: إنه يلزم عليه أن يتنجس مسلم بنجاسة الكفر إلى أن يغتسل، فإن لم يغتسل إلى شهر كأن نجسا إلى شهر، وإن لم يغتسل إلى سنة كان نجسا إلى سنة، وهو بعيد غاية البعد، وهو منافٍ أيضا لقولهم: إن المؤمن لا يتنجس، وأبعد منه زوال نجاسة الكفر بالماء دون الإسلام مع أن المعقول هو أن يكون الإسلام موجبا للطهارة عن نجاسة الكفر، لأن الكفر موجب للنجاسة، والإسلام مزيل للكفر الموجب للنجاسة، ومزيل موجب النجاسة هو المطهر كالماء الغاسل للقذر. فينبغى أن يكون الإسلام مطهرا دون الماء؛ لأن الماء غير مؤثر فى زوال الكفر، ولذا لا يطهر ج - ١٧ دخول أهل الذمة المسجد الحرام ٤٤٥ الكافر مع استعمال الماء، والاغتسال فى حالة كفره عند القائلين بنجاسة الكفار، ولما كان الماء غير مزيل لنجاسة الكفر لم يكن نجاسة الكفر بنجاسة البدن، بل بنجاسة الأوزاء والآثام، فالقول بكونها نجاسة بدنية زائلة بالماء دون الإسلام قول باطل. وأغرب منه أنه قال هذا الفاضل: إن قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ يدل على أن المشرك نجس، والمسلم ليس بنجس؛ لأن كلمة "إنما" للحصر، وقال: إنه يبطل قول أبى حنيفة بنجاسة أعضاء المحدث، وهو باطل من وجوه: الأول: أنا سلمنا أن كلمة "إنما" للحصر، ولكن لا يلزم منه حصر النجاسة فى المشرك لأن معناه ليس المشركون إلا نجسا، ولا يتجاوزون من النجاسة إلى الطهارة، وليس معناه أنه ليس النجس إلا المشركون، حتى يلزم عدم نجاسة المسلم. والثانى: أنه لو فرض صحة ما قال، يلزم أن لا يكون المسلم المتلطخ بالبول والبراز نجسا؛ لأن كونه نجسا منافٍ للحصر المذكور، وكذا يلزم أن لا يكون المسلم الذى أسلم من الشرك، ولم يغتسل بعد نجس عندهم؛ لأنه لو كان نجسا لاختل الحصر، واللازم باطل، فالملزوم مثله. والثالث: أن هذا الاعتراض مبنى على أن المراد من النجس فى الآية هو النجاسة البدنية، وهو أول المسألة، وأغرب منه أنه استدل على طهارة أعضاء المحدث بقوله عدّ له: ((إن المؤمن لا ينجس))، وبقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، ومع ذلك هو يمنع الجنب من دخول المسجد، ويبيح للكافر دخوله، فإن كان ذلك لأن الجنب أقوى نجاسة من الكافر يبطل قوله لطهارة أعضاء المحدث بناء على الحديث والآية، وإن كان ذلك لأن الجنب طاهر، والكافر نجس يكون الحاصل أن النجس أحق بدخول المسجد من الطاهر، وحينئذ يلزمه نفسه ما ألزمه أبا حنيفة بقوله: إن المياه التى استعملها المشركون فى أعضاءهم بقيت طاهرة مطهرة، والمياه التى استعملتها أكابر الأنبياء فى أعضائهم نجسة نجاسة غليظة. وهذا من العجائب؛ لأنه إن كان ما ألزمه أبا حنيفة من العجائب، فما لزمه نفسه من أعجب العجائب، كما لا يخفى مع أنه لا عجب فى قول أبى حنيفة أصلا، لأن الحکم یدور مع السبب، فلو وجد السبب فى نبى ولم يوجد فى كافر يوجد الحكم فى نبى، ولا يوجد فى كافر، كما لو جامع نبى يجب عليه الغسل، ويمنع من دخول المسجد بدون الغسل، ولو لم يجامع كافر أو مسلم فاسق لا يجب عليه الغسل، ولا يمنع من دخول المسجد، ولو تلطخ يد نبی بالبول، وأدخل يده فى الماء يحكم بنجاسة الماء، ولو غسل كافر يده، ثم أدخل الماء لا يحكم بنجاسة الماء، فعد أمثال هذا ٤٤٦ دخول أهل الذمة المسجد الحرام إعلاء السنن من العجائب من عجائب أفهام هؤلاء الأعلام، بخلاف إباحة دخول المسجد للكافر النجس، وعدم إباحته للمؤمن الطاهر الجنب، ولو كان نبيا، فإنه قلب الموضوع وعكس الأحكام، هذا وقد بقی فی كلامه عجائب رأينا تركها أحرى؛ لأن العاقل إذا أحاط بما قلنا، يقدر على ردها وإبطالها، والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم. قال العبد الضعيف: قد تقدم الكلام فى المسألة فى أحكام المساجد من هذا الكتاب، وفى أحكام أهل الذمة منه أيضا، فليراجع، وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذى يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار، فلذلك سماهم نجسا، والنجاسة فى الشرع تنصرف على وجهين: أحدهما: نجاسة الأعيان، والآخر: نجاسة الذنوب. وكذلك الرجس والرجز ينصرف على هذين الوجهين فى الشرع، قال الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، وقال فى وصف المنافقين: ﴿فأعرضوا عنهم إنهم رجس﴾، فسماهم رجسا كما سمى المشركين نجسا (ولم يثبت أن النبى معَّ له من المنافقين من دخول المسجد قط). وقد أفاد قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ منعهم عن دخول المسجد إلا لعذر إذا كان علينا تطهير المساجد من الأنجاس، وقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، قد تنازع أهل العلم معناه، فقال مالك والشافعى: لا يدخل المشرك المسجد الحرام، وقال مالك: ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمى يدخل إلى الحاكم فى المسجد للخصومة، وقال الشافعى: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، وقال أصحابنا: يجوز للذمى دخول سائر المساجد (أى بإذن المسلمين لا بدون إذنهم لقوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾، وهو يدل على أن على المسلمين إخراجهم منها، إذا دخلوها بلا استئذان لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها، قاله الجصاص (١: ٦١) أيضا. وإنما معنى الآية على أحد وجهين: إما أن يكون النهى خاصا فى المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة، وسائر المساجد؛ لأنهم لم تكن لهم ذمة، و کان لا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، وهم مشركوا العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج، ولذلك أمر النبى معَّه بالنداء يوم النحر فى السنة التى حج فيها أبو بكر أن لا يحج بعد العام مشرك، فنبذ أبو ٤٤٧ ج - ١٧ باب دخول المشركين المسجد ٥٧٥٩- عن أبى هريرة قال: ((بعث رسول الله عَ ل خيلا قبل نجد فجاءت برجل بكر إلى الناس فلم يحج فى العام الذى حج فيه النبى عَّي مشرك (وهذا مما اشتهر وتواتر، لا ينكره منكر). وفى ذلك دليل على المراد بقوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، ويدل عليه قوله تعالى فى نسق التلاوة: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾، وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج، لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التى كانت تكون فى مواسم الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج، ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج، والوقوف بعرفة والمزدلفة، وسائر أفعال الحج، وإن لم يكن فى المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع (اتفاقا مع كونهم ممنوعين من الحج)، ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد لغير الحج، لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما فى سائر المشركين، وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا فى ذلك دون قرب المسجد لجواز دخول الذمى مكة ومنى والمزدلفة ونحوها للحاجة، والذى فى الآية النهى عن قرب المسجد فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه. ثم ذكر الآثار فى دخول وفد ثقيف المسجد النبوى، وأن أبا سفيان كان يدخله، وكان قدوم وفد ثقيف بعد نزول البراءة، (وقد وقع فى مرسل الحسن التصريح بأنه معلّم قال حين قيل له: ((إنهم مشركون))، ((إن الأرض لا ينجسها شىء))، أخرجه ابن أبى شيبة عنه بسند رجاله رجال الجماعة، وقد علمنا بطريق أبى داود أن الحسن رواه عن عثمان بن أبي العاص عن النبى معَّه، وقال البزار: إنه سمع منه، فزالت علة الإرسال كما أشرنا إلى ذلك فى "الجزء الخامس" من هذا الكتاب. قال: فإن قيل: لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك؛ لما روى عن على: لا يدخل الحرم مشرك، قيل له: إن صح هذا اللفظ، فالمراد أن لا يدخله للحج، وقد روى فى أخبار عن على: أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك، وكذلك فى حديث أبى هريرة، فثبت أن المراد دخول الحرم للحج اهـ، ملخصا (٨٩:٣). باب دخول المشركين المسجد أقول: دلت هذه الأحاديث على أن نجاسة الكفر غير مانعة من دخول المسجد، وهى ليست ٤٤٨ دخول المشركين المسجد إعلاء السنن من بنى حنيفة يقال له: "ثمامة بن أثال" سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سوارى المسجد)) الحديث، رواه البخارى (الصحيح للبخارى ٦٦:١). ٥٧٦٠- وعن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله على كلّه أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، الحديث أخرجه أبو داود، وسكت عنه. من النجاسات الحكمية أو الحقيقية البدنية، بل هى من نجاسات الآثام والأوزار، ونجاسة الآثام هى المرادة فى قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، فلا تعارض بين الآية والأحاديث، حتى يمكن القول بكونها منسوخة بالآية، لا سيما إذا كانت رواية الحسن مشيرة إلى أن قصة وفد ثقيف متأخرة من نزول الآية، ومنع المشركين من المسجد الحرام ليس لشركهم، وكونهم نجسا لأن نجاسة الآثام غير مانعة من دخول المسجد، بل لأنهم كانوا يرتكبون الأفعال القبيحة فيه بظنها عبادة فمنعهم من الدخول قطعا لتلك الأفعال عنه، لا لأن نفس دخولهم ممنوع، هذا هو مذهب أبى حنيفة، وقال الشافعى: لا بأس أن يبيت المشرك فى كل مسجد إلا المسجد الحرام، قال: الله تعالى يقول: ﴿إِنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، فلا ينبغى لمشرك أن يدخل الحرم بحال، وقال أيضا: ولا تنجس الأرض بممر حائض ولا جنب ولا مشرك ولا ميتة لأنه ليس فى الأحياء من الآدميين نجاسة (١)، وأكره للحائض أن تمر فى المسجد، وإن مرت به لم تنجسه. واحتج بجواز بيتوتة المشرك فى المسجد بخبر عثمان بن أبى سليمان، وقال: أخبرنا إبراهيم ابن محمد عن عثمان بن أبى سليمان أن مشركى قريش أتوا المدينة فى فداء أسراهم، كانوا يبيتون فى المسجد منهم جبير بن مطعم، قال جبير: فكنت أسمع قرأة النبى معَّهِ، كذا فى " كتاب الأم" (٤٦:١)، وهذا نص من الشافعى على طهارة المشرك، وجواز دخوله كل مسجد سوى المسجد الحرام وفناءه، ويعلم منه أنه حمل النجاسة فى قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ على نجاسة الآثام دون نجاسة الأبدان، ويؤيده أنه أجاز الوضوء بماء المشرك. وقال فى "الأم": لا بأس بالوضوء من ماء المشرك، ويفضل الوضوء ما لم يعلم فيه نجاسة لأن للماء طهارة عند من كان وحيث كان حتى تعلم نجاسة خالطة، وقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب توضأ من ماء نصرانية فى جرة نصرانية (كتاب الأم ٧:١). (١) هذا دليل مختص بالجنب والحائض والمشرك، ولم يتعرض لدليل عدم تنجس الأرض بمرور الميتة، والعلة فيه أن مجرد ملاقة النجس رطبا كان أو يابسا لا يوجب النجاسة، وإنما الموجب بها هو قيام النجاسة، وليس ذلك فى مرور الميتة. ٤٤٩ ج - ١٧ دخول المشركين المسجد ٥٧٦١- وأخرجه أبو داود فى مراسيله عن الحسن أن وفد ثقيف أتوا رسول الله عَّ ◌ُلّه، فضرب لهم قبة فى مؤخر المسجد لينظروا إلى صلاة المسلمين، فقيل له: يا رسول الله! أتنزلهم المسجد وهم مشركون؟ فقال: إن الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم (زيلعى ٣٠٤:٢). فاندفع ما توهم الرازى من نجاسة المشرك، وظنه مذهب الشافعى مصرح بخلافه، وحصل الاتفاق بين أبى حنيفة والشافعى فى أن المشرك ليس بنجس نجاسة الجسم، ونجاسته نجاسة الإثم فقط، وفى أن هذه النجاسة ليست بمانعة من دخول المسجد كالجنابة والحيض والنفاس، ولكن بقى الاختلاف بينهما فى أن النهى عن دخول المشرك الحرم عام لكل مشرك أو خاص بمن يخاف عليه ارتكاب الأفعال الكفرية فيه، فمشى الشافعى على الظاهر، وقال بعموم النهى، وقال أبو حنيفة بخصوص النهى بناء على الدقة، وسياق الآية والآثار، وهو الأقوى، كما عرفت. وقال فى "المغنى" لابن قدامة: الادمى طاهر، وسوره طاهر، سواء كان مسلما أم كافرا عند عامة أهل العلم (المغنى ٤٣:١)، وقال فى الفنى" أيضًا: أما الحرم فليس لهم دخوله بحال، وأما مساجد الحل فليس لهم دخولها بغير إذن المسلمين، فإن أذن لهم فى دخولها جاز فى الصحيح من المذهب، وفيه رواية أخرى: ليس لهم دخولها بحال (المغنى ١: ٦١٦ و ٦١٧ ملخصا). ويظهر منه أن أحمد أيضا موافق لأبى حنيفة فى طهارة أبدان الكفار، وفى دخول المساجد فى الصحيح من المذهب، وأما مخالفته فهو كمخالفة الشافعى، وأما اشتراط الإذن فليس فيه مخالفة لأبى حنيفة ولا للشافعى فإنهما لا يجعلان للذمى حقا فى الدخول بحيث لا يحتاج إلى الإذن، بل مسألة الإذن متفق عليها، كما لا يخفى. وأما مسألة النجاسة فلم أطلع عليها فى مذهب مالك، نعم! قال فى "المدونة": قال مالك: لا يصلى فى ثياب أهل الذمة التى يلبسونها، قال: وأما بالسجن فلا بأس به، قال: مضى الصالحون على هذا، وفيه أيضا: قال ابن القاسم: قلت لمالك: إذا أسلم النصرانى هل عليه الغسل؟ قال: نعم! قلت لابن القاسم: متى يغتسل أقبل أن يسلم، أو بعد أن يسلم؟ قال: ما سألته إلا ما أخبرتك، ولكن أرى أن هو اغتسل للإسلام، وقد أجمع على أن يسلم، فإن ذلك يجزئه لأنه إنما أراد بذلك الغسل لإسلامه. قلت: فإن أراد أن يسلم وليس معه ماء أيتيمم أم لا؟ قال: نعم يتيمم. قلت: لا تحفظه عن مالك؟ قال: لا! ولكن هذا رأيى، والنصرانى عندى جنب، فإذا أسلم ٤٥٠ دخول المشركين المسجد إعلاء السنن اغتسل أو يتيمم، فإن تيمم ثم أدرك الماء فعليه الغسل. قال ابن القاسم: وإذا تيمم النصرانى للإسلام نوى بتيممه ذلك تيمم الجنابة أيضا، قال: وكان مالك يأمر من أسلم من المشركين بالغسل اهـ (مدونة ١: ٤٠ و٤١)، وفيه أيضا: قال مالك: لا يتوضأ بسور النصرانى، ولا بما أُدخل يده فيه. وقال: لا بأس بسور الحائض والجنب وفضل وضوئهما إذا لم يكن فى أيديهما نجس اهـ (مدونة ١٤:١). ولا حجة فى هذه التصريحات على نجاسة الكافر لأن إيجاب الغسل عند الإسلام يحتمل أن يكون من واجبات الإسلام غير متفرع على نجاسة الكافر، لأن هذا الغسل واجب عند أحمد أيضا مع أنه غير قائل بنجاسته، وأما عند جواز الوضوء بسوره أو بما أدخل يده فيه وعدم جواز الصلاة فى ثوبه، فيحتمل أن يكون مبنيا على عدم توقيه من النجاسات فى الأغلب، لا علی کونه نجسا للكفر، فلا دليل فى هذه التنصيصات على نجاسة الكافر. وأما منعه الكافر عن المساجد كلها فلا دليل فيه على نجاسته أيضا، لأنه يحتمل أن يكون ذلك لکونه جنبا عنده، کما صرح به ابن القاسم، ومتی لم یعلم مبنی مذهبه لا یمکن الكلام معه، فینبغی تحقیق مبنی مذهبه من کتب مذهبه من تصريحاته. وما قال ابن العربى: إن قوله: ﴿إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ دليل على أنهم لا يقربون مسجدا سواه لأن العلة وهى النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة فى المسجد، فتعدت العلة إلى كل موضع محترم بالمسجدية (أحكام القرآن ٣٧٤:١). ففيه أنا لا ننكر مطلق النجاسة، وإنما الكلام فى تعيين نوعها، وظاهر أنها ليست من قبيل نجاسة الأعيان، لأن الشارع أباح تملك الكفار وتمليكهم، والانتفاع بهم بالاستخدام والنكاح والوطئ والاعتناق والمباشرة والتقبيل وغير ذلك من الأمور التى تدل على طهارة أعيانهم كالمسلمين بالضرورة، ولا من قبيل نجاسة الجنب والحائض والنفساء لأنهم لا يمنعون من دخول الحرم، والكفار ممنوعون منه، فدل ذلك على أنه من قبيل الآثام، وهى غير مانعة من دخول المسجد أو الحرم إلا أن المشركين منعوا من دخول الحرم لأنهم كانوا يرتكبون فيه المحرمات بظنها طاعة. فلا يقاس كل دخول ليس فيه هذه العلة، فافهم. أقول: وبعد هذا التحرير اتفق لى مطالعة كتاب "الدر الثمين والمورد العين فى شرح المرشد العين على الضرورى من علوم الدين" للشيخ محمد بن أحمد مبارة المالكى، فتحققت منه أن ج - ١٧ دخول المشركين المسجد ٤٥١ الكافر ليس بنجس عند مالك أيضا، بل هو طاهر، ووجوب الغسل عليه عند الإسلام مختلف فیه بينهم. فقال ابن الحاجب ومن معه: إن الغسل لا يجب على الكافر عند الإسلام إلا إذا كان جنبا، وليس هذا إلا غسل الجنابة. وقال بعضهم: إن هذا الغسل واجب عليه جنبا كان، أو غيره لكن لا لنجاسة بل تعبدا، وجعل هذا القول شاذا فى شرح خططه "السداد والرشد على نظم مقدمة ابن رشد"، فتلخص منه أن القول بنجاسة الكافر مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، إذا علمت هذا فاسمع نص الكتابين. وقال فى "الدر الثمين" فى بيان الأشياء الظاهرة: ومنه (أى من الطاهر) الحى ودمعه وعرقه ولعابه ومخاطه وبيضه، ولو كان يأكل النجاسة على المشهور، ولو كان هذا الحى كلبا، أو خنزيرا على المشهور فيهما اهـ (ص٧٥). وقال فيه أيضا فى بيان الأشياء النجسة: ومن النجس أيضا ميتة بنی آدم، وقال ابن رشد: الصحيح طهارته. وقد ذكر عياض عن بعض المتأخرين التفرقة ينجس الكافر (أى بالموت)؛ ولا ينجس المسلم، وقصر بعضهم الخلاف على المسلم. قال: وأما الكافر فلا يختلف فى نجاسته (أی بعد الموت)، وأنكره بعضهم (ص٧٧). وفيه أيضا: اعلم أن لابن الحاجب فى موجبات الغسل صنيعا يخالف صنيع الناظم (أى ابن عاشر) لأنه قال: موجبات الغسل أربعة: الجنابة، وانقطاع الحيض، والنفاس، والموت، والرابع الإسلام، لأنه جنب على المشهور، وقيل: تعبدا، وعليه ولو لم تتقدم له جنابة. وقال القاضى إسماعيل: يستحب، وإن كان جنبا لحب الإسلام، ولزم الوضوء، ثم قال: ولم يذكر الناظم الموجب الرابع وهو الإسلام بناء على المشهور، كما تقدم فى كلام ابن الحاجب من أن غسل الكافر إذا أسلم، إنما هو للجنابة التى تقدمت له، وإنه إذا أسلم، ولم تتقدم له جنابة لا يجب عليه غسل، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى ذكره لاندراجه فى الإنزال ومغيب الحشفة أهـ (ص١١٨-١١٩). وقال فى "شرح الخطط": إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل إن حصل منه ما يوجبه كالجنابة من الرجل أو الجنابة والحيض والنفاس من امرأة على المشهور، والشاذ وجوبه على من أسلم صغيرا كان أو كبيرا لأنه تعبد اهـ (ص١٠٤). ٤٥٢ إعلاء السنن باب جواز إنزاء الحمير على الخيل ٥٧٦٢- حدثنا أبو كريب ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا موسى بن سالم أبو جهضم عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله عَّ ◌ُّه عبدا مأمورا، ما اختصنا دون الناس بشىء إلا بثلاث، أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزئ حمارا على فرس))، رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحیح وقال: وهم فيه الثوری فرواه عن أبی جهضم عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس، والصحيح ما رواه إسماعيل بن علية وعبد الوارث بن سعيد عن أبى جهضم عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ابن عباس، ونقله عن البخارى. باب جواز إنزاء الحمير على الخيل قوله: "حدثنا أبو كريب" قلت: قال الطحاوى: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا حماد وسعيد ابنا زيد عن أبى جهضم موسى بن سالم عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس، فذكر الحديث المذكور (معانى الآثار ٢: ١٧٥)، ورواه فى (ص١٥٨) فقال: حدثنا ربیع المؤذن قال: ثنا ◌ُسد ح وحدثنا أحمد بن داود قال: ثنا سلیمان بن حرب قالا: ثنا حماد بن زيد عن ابن جهضم عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ابن عباس، فذكر الحديث المذكور، وقال فى (ص ١٦١): حدثنا ابن أبى داود قال: ثنا أبو عمر الموض قال: ثنا المرجى هو ابن رجا قال: ثنا أبو جهضم قال: حدثنى عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس، فذكر الحديث، وقال فى آخره: قال: فلقيت عبد الله ابن الحسن وهو يطوف بالبيت فحدثته، فقال: صدق، كانت الخيل قليلة فى بنى هاشم فأحب أن تكثر فيهم اهـ، فلا أدرى أهذا تصحيف من الناسخ أم اختلاف من الرواة فى اسم شيخ أبى جهضم، والله أعلم. وهذا الحديث يدل على أن النهى من إنزاء الحمير على الخيل كان مختصا ببنى هاشم، وسائر الناس كانوا مرخصين فيه، والظاهر من تأويل عبد الله بن الحسن أن هذا النهى لبنى هاشم لم يكن للتحريم بل لقلة الخيل فيهم، ولكن الذى يظهر من حديث على أن الأمر ليس كما زعم عبد الله بن الحسن لأنه روى عن النبى معَّه علة غير ما قال عبد الله، لأنه قال: "أهديت لرسول الله عد اله بغلة، فقلنا: يا رسول الله! لو أنزينا الحمر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه، فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " أخرجه أبو داود، وسكت عليه هو والمنذرى، وقال الشوكانى: رجال أبى داود ثقات، ٤٥٣ ج - ١٧ باب إخصاء الحيوانات ٥٧٦٣- عن ابن عباس، قال: ((إن النبى معَّ ◌ُلّه نهى عن صبر الروح، وعن إخصاء البهائم نهيا شديدًا))، قال فى "النيل" (٧: ٣٠٠): أخرجه البزار بإسناد صحيح. ٥٧٦٤- وعن ابن عمر، قال: "نهى رسول الله عّ لّه عن إخصاء الخيل والبهائم، ثم قال ابن عمر: وفيها نماء الخلق"، رواه أحمد. وهو يدل على أن النهى لم يكن لقلة الخيل بل لأن هذا الفعل غير لائق بهم، لأنهم من أهل بيت النبوة والعلم، والمناسب بحالهم هو أفعال الأنبياء وأولى العلم دون أفعال الذين لا يعلمون وإن كان مباحا، وكما أن ترك الإسباغ فى الوضوء مباح ولكنه غير مناسب بحالهم، فأمرهم بالاهتمام به ولم يأمر غيرهم بذلك بل ندبهم وأرشدهم إليه فقط. ومعنى قوله: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" أنه يفعل ذلك من لا يعلم أنه من الأفعال الخسيسة الغير المناسبة بشأن الأشراف والسادة، وبهذا يثبت التوافق بين حديث ابن عباس وعلى، ويثبت رخصة إنزاء الحمير على الخيل لبنى هاشم وغيرهم، كما هو مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد، ولا يبقى فيهما حجة لمن حرم هذا الفعل وكرهه، ولا يحتاج إلى الاستدلال على الجواز بركوب النبى معَّ ◌ُلّ البغلة واقتناءها، وبقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾، حتى يرد عليه أنهما يدلان على جواز الركوب دون جواز الإنزاء، والقول بأن حل الركوب داع إلی الإنزاء ممنوع لأنه منتقض باستخدام ولد الزنا والانتفاع به، لأنه حلال ولیس بداع إلى الزنا، فالصحيح هو ما قلنا، لأن حديث ابن عباس وعلى الذين احتج لهما المخالفون على الحرمة هما الحجتان على الحلة، كما عرفت، فاعرف ذلك. باب إخصاء الحيوانات قوله: "عن ابن عباس" إلخ: وقال فى "النيل" (٣٠٠:٧): فى سنده عبد الله بن نافع، وهو ضعيف، وصححه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٨٣:٢) موقوفا على ابن عمر، وأوله بأن المنهى عنه هو الإخصاء القاطع للنسل بأن يخصى كل ذكر، وأما إخصاء البعض فلا. ثم روى الإخصاء عن السلف، وقال: حدثنا على بن شيبة قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه "أنه أخصى بغلا له"، ورواه أيضا ابن أبى عمران عن عبد الله بن عمر عن سفيان كذلك، وقال أيضا: حدثنا ابن أبى عمران قال: ثنا عبيد الله قال: ثنا سفيان عن ابن ٤٥٤ إعلاء السنن باب عيادة اليهودى والنصرانى ٥٧٦٥- عن أنس: ((أن غلاما ليهود كان يخدم النبى عّ لّهِ فمرض، فأتاه النبى عَّمِ يعوده، فقال: أسلم، فأسلم)). ٥٧٦٦- وقال سعيد بن المسيب عن أبيه: ((لما حضر أبو طالب جاءه النبى عَّيه)، رواه البخارى فى "صحيحه" (٨٤٤:٢). طاوس" أن أباه أخصى جملا له"، وقال أيضا: حدثنا ابن أبى عمران قال: ثنا عبيد الله ثنا سفيان عن مالك بن سحنون عن عطاء قال: لا بأس بإخصاء الفحل إذا خشى عضاضة معانى الآثار (٣٨٣:٢). وقال الشوكانى فى "النيل" (٣٠١:٧): قول ابن عمر: "فيها نماء الخلق" أى زيادة أشار إلى أن الخصاء مما تنمو به الحیوانات، ولکن لیس کل ما کان جالبا للنفع یکون حلالا بل لا بد من عدم المانع وإيلام الحيوان ههنا مانع لأنه إيلام لم يأذن به الشارع بل نهى عنه اهـ، وفيه نظر. أما أولا: فلأن قول ابن عمر: "وفيها نماء الخلق" إشارة إلى علة النهى عن الإخصاء ومعناه أنه نهى عن الإخصاء لأنه قاطع للنسل، وليس معناه ما فهمه الشو کانی، لأنه لا يناسب النهى عن الإحصاء، بل یناسب إباحته، کما لا يخفى. وأما ثانيا: فلأنا سلمنا أن فيه إيلاما للحيوان، ولكن ليس كل إيلام منهيا عنه بل المنهى عنه هو الإيلام الذى لا يكون فيه غرض صحيح، والإخصاء ليس كذلك لأن فيه إما جلب منفعة التسمين وتطييب اللحم، وإما دفع مضرة العض وغيره. وأما نهيه عَّ ◌ُلّه عنه فقد عرفت أن المراد منه هو الإخصاء القاطع للنسل، كما أشار إليه ابن عمر لا كل إخصاء، ولو كان كل إخصاء منهيا عنه لكان الذبح منهيا عنه بالأولى، كما لا يخفى، فلما جاز إتلاف نفسه للمنفعة، أو دفع المضرة جاز إتلاف عضوه بالأولى، هذا هو النظر الصحيح، فتدبر، والله أعلم. باب عيادة اليهودى والنصرانى أقول: الحديثان مشتملان على العيادة والتبليغ، ولذا اختلف العلماء فقال بعضهم: المقصود هو العيادة، والتبليغ تابع، فقال بجواز عيادة اليهودى والنصرانى، وقال بعضهم: المقصود هو التبليغ والعيادة تابع، فقال بعدم جواز مجرد العيادة، وقال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين ج - ١٧ ٤٥٥ لم يقاتلوكم فى الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾، ولا يخفى أن العيادة نوع من أنواع البر، فينبغى أن تجوز، وهو مذهبنا، والله أعلم. باب الدعاء بقوله: اللهم إنى أسألك بمقعد العز من عرشك أقول: كره أئمتنا هذا الدعاء، وروى عن أبى يوسف جوازه، واحتج له صاحب "الهداية" بأنه روى لهن مسعود هذا الدعاء عن النبى معَّ ◌ُلّه، وأورد عليه العينى بأن ابن الجوزى أورده فى "الموضوعات"، وقال: إنه موضوع بلا شك، وإسناده مخبط، كما ترى، وفى إسناده عمر ابن هارون، قال ابن معین: فیه كذاب. وقال ابن حبان: يروى عن الثقات المعضلات، ويدعى شيوخا لم يرهم، وقد صح عن النبى معَّ النهى عن القراءة فى السجود اهـ، وقال السيوطى فى "اللآلئ المصنوعة" بعد نقل كلام ابن الجوزى: عمر روى له الترمذى وابن ماجة، وقال فى "الميزان": كان من أوعية العلم على ضعفه، وكثرة مناكيره، وما أظنه ممن يتعمد الباطل (اللآلئ ٣٦:٢). تحقيق حكم ابن الجوزى على الأحاديث بالوضع: أقول: مراد ابن الجوزى من قوله: "إنه موضوع" أن نسبة الحديث إلى النبى عّ لّ خطأ، وهو لا يتوقف على كون الراوى متهما بالكذب والوضع، فإن الثقة قد ينسب إلى النبى عّ لّه ما ليس من حديثه خطأ لا عمدا، فيكون موضوعا على اصطلاح ابن الجوزى، وإن لم يكن كذلك على اصطلاح غيره، فلا يرد عليه ما أورده السيوطى، وبهذا التحقيق يندفع كثير من تعقبات السيوطى وابن حجر وأمثالهما عليه لأن منشأ تلك التعقبات هو حمل كلامه على ما هو المتعارف عندهم فى معنى الموضوع، وقد علمت أن مراده غير ذلك، كما لا يخفى على من تتبع كلامه، وقد يكون مستنده فى هذا الحكم هو الذوق الصحيح، وقد يكون غيره، فلا يستقيم رد كلامه بتوثيق الرواة، والذين لم يتنبهوا لهذه الدقيقة جعلوه من المتشددين فى الحكم بالوضع، وردوا كلامه بما لا طائل تحته، فاعرف ذلك. ثم أورد له السيوطى طريقا أخرى، وقال: قال ابن عساكر: قرأت بخط أبى الفتيان عمر بن عبد الكريم الدهستانى: أنبأنا أبو الرضى الحسن بن الحسين بن جعفر بن أحمد بن داود بن المطهر التنوخى أخبرتنا آمنة بنت الحسن بن إسحاق بن بلبل، حدثنا أبى العاصى أبو سعيد الحسن حدثنا أبو ٤٥٦ تحقيق حكم ابن الجوزى على الأحاديث بالوضع إعلاء السنن عبيد الله محمد بن شيبة الوليد بن سعيد بن خالد بن يزيد بن تميم بن مالك حدثنا أحمد بن أبى الحوارى حدثنا عبد الكريم بن يزيد الغسانى عن أبى الحارث الحسين عن أبيه الحسن بن يحيى الحسنى عن ابن جريج عن ابن أبى رباح عن أبى هريرة، وساق الحديث، ولم یتکلم علی إسناده، وعندى أنه موضوع، ولم أطلع على ترجمة رجال هذا الإسناد إلى ابن جريج غير ابن الحوارى، وهو ثقة، وظنى أن آفته الحسن بن إسحاق بن بلبل لأنه وصفته ابنته بالعصيان، وهو يدل على أنه لم يكن ثقة. والله أعلم. ولما ثبت أن الحديث موضوع فما روى عن أبى يوسف لا يكون مبنيا على الرواية المذكورة، بل هو مبنى على الاجتهاد كالقول بعدم الجواز، وحينئذ يكون المسألة بكلا طرفيها اجتهادية غير مستندة إلى النص، فتنبه له. وقال العبد الضعيف: قد جبل بعض الأحباب على دعوى التفرد بتحقيقاته كأن السيوطى وابن حجر وغيرهما لم يكونوا يعرفون أن المحدث قد یحکم على الحدیث بالوضع بذوقه، كلا! قد عرفوا ذلك، ولم يكونوا كما زعم بعض الأحباب غافلين ولا متغافلين، وقد عرفوا أيضا أن المحدث إذا حكم بالوضع بذوقه لم يقل: "فيه فلان كذاب" أو نحوه بل يقول: "أشهد أنه موضوع على رسول الله عَّه، ولا أدرى من الآفة فيه"، وأما إذا حكم بالوضع بقوله: "إن فلانا كذا"، فهو تصريح منه بأنه قد حكم بالوضع لأجل هذا الراوى لا غير فيتعقبونه بأن قد وثقه فلان، وأخرج له من أصحاب السنن فلان، أى فلا يصح الحكم بالوضع لأجله، وقد عرفوا أيضا أن الموضوع يكون تارة موضوعا فى نفسه، وتارة يوضع على النبى معَ ◌ّر، وهى كلام غيره، كما ذكره السيوطى نفسه فى آخر اللآلى (٢٥١:٢)، وإذا كان كذلك يقول الناقد: "رفعه باطل" أو "موضوع رفعه" و"إنما هو من کلام فلان". وأما إذا أطلق الوضع فلا يراد إلا أنه موضوع فى نفسه، ومن أجل ذلك عد ابن الجوزى من المتشددين لأنه قد يطلق الوضع على أحاديث جياد حسان بل على أحاديث قد أخرجها الشيخان لمجرد وصولها إليه بسند فيه كذاب، كما يدل على ذلك صنيعه، فإنه يذكر بعد كل حديث أن فيه فلانا وهو كذا، ولو لم يفعل ذلك، وقال: هو فى ذوقى باطل موضوع، وإن كان رجاله ثقات لم يعد من المتشددین، فافهم. وأما قول بعض الأحباب فى طريق ابن عساكر: "إن آفته الحسن بن إسحاق بن بلبل لأن ج - ١٧ تحقيق حكم ابن الجوزى على الأحاديث بالوضع ٤٥٧ ابنته وصفته بالعصيان" إلخ، فما أبعده من ذوق الفن والمعرفة بالأسانيد، فإن الجرح بمثل ذلك غير معروف لم يذكره أحد فى ألفاظ الجرح، ويبعد من بنت الرجل أن تحدث عنه وتجرحه بما لم يجر عادة المحدثين بالجرح بمثله، والظاهر أن قد وقع التصحيف فى هذا اللفظ من الناسخين أو العاصى لقب لأبيها، وقد ذكر السمعانى فى "الأنساب": العاضى بالضاد المعجمة نسبة إلى العاض، وهو بطن من الأزد، والعاصمى: نسبة إلى عاصم، وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه، فلا يبعد أن يكون فى الأصل "العاصمى أو العاضى" بالمعجمة، سقطت منه نقطة فصار العاصى، وكان على بعض الأحباب أن يجيب بما قاله الفقهاء أنه خبر واحد فيما يخالف القطعى، وهو تنزيه الحق تعالى عن مثله، والمتشابه إنما يثبت بالقطعى، فالحق أن مثله لا ينبغى أن يطلق إلا بنص قطعى أو باجماع قوى وكلاهما منتف، فالوجه المنع والاحتياط فى الامتناع، كذا فى الدر مع الشامية (٥: ٣٩٠). وظنى أن أبا حنيفة ومحمدا رحمهما الله كرها إطلاقه نظرا إلى المفسدة لما فيه من إيهام تعلق عزه تعالى بالعرش، والعرش حادث، وما يتعلق به يكون حادثا ضرورة، والله تعالى متعالى عن تعلق عزه بالحادث سبحانه، بل عزه قديم لأنه صفته، وجيمع صفاته قديمة قائمة بذاته لم يزل موصوفا بها فى الأزل، ولا يزال فى الأبد، وأجازه أبو يوسف نظرا إلى صحة الكلام بالتأويل لو جعل العز صفة للعرش لأن العرش موصوف فى القرآن بالمجد والكرم والعظمة، فكذا بالعز، ولا يشك أحد أنه موضع الهيبة والجلال، ومحط أنوار الرحمة والجمال، ومحل إظهار القدرة على الكمال، وإن كان الله تعالى مستغنيا عنه، وكانت القدرية والمجسمة والزنادقة قد أخرجوا رؤوسهم ورفعوا لواء البدعة فى آخر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية، فرأى أبو حنيفة منع العوام عن مثل هذه الكلمات كيلا يتشبت به أهل الأهواء فيضلوا به السفهاء، فلما خمدت فتنتهم فى عهد المهدى وكان مولعا بقتل الزنادقة واستئصالهم أجاز أبو يوسف الدعاء بهذه الكلمات نظرا إلى ورودها فى الأثر، وصحتها بالتأويل الذى مر ذكره. ونظيره ما قالوا فى "أنا مؤمن إن شاء الله"، فإنهم كرهوا ذلك وإن قصد التبرك دون التعليق لما فيه من الإيهام، ولا ريب أن الدعاء بمثل هذه الكلمات ليس بواجب شرعا، بل غاية ما فيه الجواز على تقدير ثبوت الأثر، وقد أجمعوا على ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس فيقعوا فى أشد منه، كما بوب عليه البخارى، واحتج له بحديث عائشة قالت: قال النبى معد له: ((يا عائشة! لولا قومك حديث عهدهم بالكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين)) الحديث. ومن هذا ٤٥٨ إعلاء السنن باب اللعب بالنرد والشطر نج وأمثالهما ٥٧٦٧- عن بريدة: ((أن النبى عَّم قال: من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده فى لحم الخنزير ودمه))، أخرجه مسلم فى "صحيحه" (٢٤٠:٢). الباب ما قاله فى "الدر": إنه كره قوله: "بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك" أو "بحق البيت" لأنه لاحق للخلق على الخالق تعالى اهـ، وهذا لم يخالف فيه أبو يوسف بخلاف المسئلة السابقة كما أفاده الإتقانى، وفى "التاتر خانية": وجاء فى الآثار ما دل على الجواز اهـ (رد المحتار ٣٩١:٥). قلت: وهو مبنى أيضا على ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، فيقعوا فى أشد منه، والفقيه من عرف أهل زمانه، فافهم، والله تعالى أعلم. باب اللعب بالنرد والشطر نج وأمثالهما أقول: الحديث نص فى حرمة اللعب بالنرد، ويقاس عليه الشطرنج، وهذا القياس مأثور عن السلف أيضا، قال البيهقى فى "شعب الإيمان": أخبرنا أبو الحسين (على بن محمد) بن بشران ثنا الحسين بن صفوان ثنا عبد الله بن أبى الدنيا ثنا على بن الجعد ثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر أنه قال للقاسم بن محمد: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال: ((كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو الميسر)) اهـ. وقال أحمد فى "الزهد": ثنا ابن نمير حدثنا حفص عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد قال: ((كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر)) اهـ (نصب الراية ٣٠٧:٢). وقال ابن كثير فى "إرشاده": روى البيهقى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال: هو من المیسر، وقال ابن كثير: هو منقطع جيد اهـ. وروى عن ابن عباس وابن عمر وأبى موسى الأشعرى وأبى سعيد وعائشة أنهم كرهوا ذلك، وروى عن ابن عمر أنه شر من النرد. وأخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم عن على أنه قال: "النرد والشطرنج من الميسر"، وأخرج عنه عبد بن حميد أنه قال: "الشطرنج ميسر العجم"، وأخرج عنه ابن عساكر أنه قال: "لا يسلم على أصحاب النردشير والشطرنج"، كذا فى "النيل" (٣١٠:٣). قلت: من شاهد حال أهل الشطرنج لا يشك فى صحة هذا القياس، ومن قال: إن فيه فائدة، وهى معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد فأشبه السبق والرمى يلزمه القول بكونه مندوبا كالسبق ٤٥٩ ج - ١٧ باب وقوع الفأرة فى السمن ٥٧٦٨- حدثنا محمد بن جعفر ثنا معمر أنا ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبی هريرة قال: سئل رسول الله عَّ ◌ُله عن فأرة وقعت فى سمن، فماتت، قال: ((إن كان جامدا فخذوها وما حولها، ثم كلوا ما بقى، وإن كان مائعا فلا تأكلوه)) (مسند أحمد ص٢٣٣). والرمى، وهو خلاف الإجماع. وأما قوله: "إن فيه فائدة" فإن سلم فلا شك أن فى الميسر فائدة أيضا قال الله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، فلما لم يجز الميسر لكون إثمه أكبر من نفعه فكذلك الشطرنج، لأن مضرته أعظم من نفعه، وهو الإلهاء عن ذكر الله وعن الصلاة، كما لا يخفى على من جرب أحوال أهل الشطرنج. فَأعرف ذلك، والله يتولى هداك. قال العبد الضعيف: وقد مر فى أبواب الشهادة من كتاب القضاء أن الشافعى رحمه الله کره الشطرنج أيضا، ولكنه جعله دون النرد، فلم يرد شهادة من لعب بالشطرنج إذا كان ذلك لا يلهيه عن الصلاة وغيرها من الفرائض والواجبات، وهذه شرطية لا وجود لمقدمها إلا نادرا، والنادر كالمعدوم، ومبنى الأحكام على غالب الأحوال، والغالب أنه كالنرد، أو شر منه، والله أعلم. باب وقوع الفأرة فى السمن أقول: روى أبو داود عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا وقعت الفأرة فى السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه)) (سنن أبى داود ١٨١:٢)، واحتج به الشوكانى فى "النيل" (٣٨٣:٨) على عدم جواز الانتفاع به فى شىء، وقال: يحتاج من أجاز الانتفاع به فى غير الأكل كالشافعية أو أجاز بيعه كالحنفية إلى الجواب عن الحديث، فإنهم احتجوا به فى التفرقة بين الجامد والمائع. وأما الاحتجاج بما عند البيهقى من حديث ابن عمر بلفظ: ((إن كان السمن مائعا انتفعوا به ولا تأكلوه))، وعنده من رواية ابن جريج مثله، فالصحيح أنه موقوف، وعند البيهقى أيضا عن ابن عمر فى فأرة وقعت فى زيت فقال: "استصبحوا به، وادهنوا به أومكم" وهذا السند على شرط الشيخين لأنه من طريق الثورى عن أيوب عن نافع عنه إلا أنه موقوف اهـ. قلت: هو احتجاج فاسد لأن رواية أحمد عن أبى هريرة باللفظ المذكور فى المتن مفسرة ٤٦٠ إعلاء السنن باب كراهة اتخاذ الکلب للتلھی ٥٧٦٩- عن سالم عن أبيه، قال: قال النبى معَّ ◌َّه: ((من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط))، رواه ابن أبى شيبة بسند صحيح، وقال: ذكر أن أبا حنيفة، قال: لا بأس باتخاذه. لرواية أبى داود، ولإتحاد المعنى عزاه فى "المنتقى" لأحمد وأبى داؤد كليهما مع اختلاف لفظيهما، فلما ثبت اتحاد الروايتين فى المعنى، وظهر أن معنى قوله: "فلا تقربوه" أن لا تقربوه بالأكل اندفع احتجاج الشوكانى بلفظ: "لا تقربوا" على عدم جواز الانتفاع منه بشىء، ومما يبطل احتجاجه أن ليس المنهى عنه هو مطلق القرب أى قرب كان بالاتفاق، لأنه لو قام قريبا منه أو جعله فى ظرف آخر أو أراقه لا يكون منهيا عنه بالاتفاق مع أن فى هذه الأفعال قربا منه، فإذا بطل الإطلاق فلا بد للمنع من البيع والاستصباح وغيرهما من دليل آخر، فبطل الاستدلال بهذا الحديث. هذا هو حال هؤلاء المدعين للاجتهاد فى الاجتهاد، ولا يستحيون من تقديم اجتهادهم على اجتهاد الأئمة بل على اجتهاد الصحابة، وهل هذا إلا جهل وسفه، أعاذنا الله منه. قال العبد الضعيف: وقد تقدم الكلام فى المسألة فى أبواب البيوع أيضا، فتذكر. فوائد شتى تتعلق بباب الخطر والإباحة: فائدة: لا يكره خرقة لوضوء أو مخاط أو عرق لو لحاجة، ولو للتكبر يكره (عابدين)، قال ابن عابدين هذا هو ما صححه المتأخرون لتعامل المسلمين. وذكر فى غاية البيان عن أبى عيسى الترمذى أنه لم يصح فى هذا الباب شىء أى من كراهة وغيرها، وقد رخص قوم من الصحابة ومن بعدهم التمندل بعد الوضوء، وتمامه فيه (٣٥٦:٥). قلت: روى الترمذى والحاكم عن عائشة قالت: كانت لرسول الله عّ لّل خرقة ينشف بها بعد الوضوء، قال العزيزى: قال الشيخ: حديث حسن لغيره، وفيه أنه لا يكره التنشيف بعد الوضوء، بل ظاهره أنه مطلوب اقتداء به معّ، قال المناوى: وكرهه جمع تمسكا بخبر ميمونة أتته بمنديل فرده، وجمع عياض بأن الخرقة كانت لضرورة التنشيف بها لنحو برد، ورد المنديل لمعنى رآه فيه أو تواضعا اهـ (١٤٣:٣). وقال ابن العربى: اختلف العلماء فى هذه المسئلة على ثلاثة أقوال: أنه جائز فى الوضوء والغسل، قاله مالك والثورى، (وهو قولنا معشر الحنفية).