Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية إعلاء السنن رسول الله عَّم، فلما رآها رحب بها قال: مرحبا بابنتى! ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها الحديث. وهذا يدل على أنه لم يكن هناك تقبيل، بل ترحيب فقط، فالظاهر أن هذه الزيادة منكرة، ولو سلم صحتها، فالجواب هو ما ذكرنا أن كون التقبيل هناك من باب المحبة والشوق أظهر، فلا حجة فيه، ومنها ما روى الترمذى وغيره عن صفوان بن عسال أن قوما من اليهود قبلوا يدى النبى معَّ، ورجليه ولا حجة لهم فيه أيضا؛ لأنه لم يكن ذلك من باب التحية أو التعظيم، بل من باب الاستحسان؛ لأنه وقع ذلك عنهم لما سألوه عن الآيات التسع وأجابهم عَ لّه عنها. ومنها ما روى أبو داود عن زارع بن عامر أنه قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا ونقبل يد النبى عَِّ ورجله، ولا حجة لهم فيه أيضا؛ لأنه لم يكن أيضا من باب التحية أو التعظيم بل من باب المحبة والشوق، کما يدل عليه قوله: فچعلنا نتبادر. ومنها ما أخرجه الترمذى وغيره عن عائشة أن رسول الله عّ لّ. دخل على عثمان بن مظعون، وهو ميت فأكب عليه وقبله ثم بكى، ولا حجة فيه أيضا، لأنه ليس من باب التحية والتعظيم، بل من باب المحبة والشوق. ومنها ما أخرجه أبو داود عن أسيد بن حضير أنه اعتنق النبى عد ◌ّد، وجعل يقبل کشحه، ولا حجة فيه أيضا؛ لأنه ليس مما نحن فيه، بل من قبيل المحبة والشوق، كما يدل عليه سياقه. بالجملة كل ما تعلق به المجوزون فى تجويز تقبيل التحية واعتناقه لا دليل لهم فيه، وكذا لا دليل منه عن جواز تقبيل التعظيم والإكرام، نعم! فيه دليل على جواز التقبيل والاعتناق على وجه المحبة والشوق والاستحسان والترحم، ولا نقول بكراهته. مَّ الِ كانوا إذا التقوا وأوضح ما يدل عليه أن الطحاوى أخرج عن الشعبى أن أصحاب النبى عدي. تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا (معانى الآثار ٣٦٢:٢). ووجه الاستدلال ظاهر؛ لأنه لو كان هذه المعانقة على وجه التحية لم يكن لاختصاصها بالقدوم من السفر وجه، فلما كان ذلك عند القدوم من السفر دون عامة اللقاء دل ذلك على أنها كانت لهيجان المحية وفرط الشوق، وهو يدل أيضا على أن ما أخرج الطحاوى عن أم الدرداء قالت: قدم علينا سلمان فقال: أين أخى؟ قلت: فى المسجد، فأتاه فلما رآه اعتنقه، محمول على القدوم من السفر لهيجان الاشتياق، فاعرف ذلك والله يتولى هداك وهدانا، وأطال ابن حجر ٤٢٢ كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية ج - ١٧ الكلام بحث التقبيل فى "فتح البارى" (٤٨:١١)، وليس فيه أيضا ما يضرنا، فافهم. بحث القيام التعظيمى والقيام للإكرام: ومما يلحق بالتقبيل والاعتناق هو القيام فنقول: القيام على أنحاء: القيام له، والقيام عليه، والقيام إليه، والقيام بين يديه. ومعنى القيام له أن يقوم الرجل فى مجلسه لقدوم شخص عنده من غير أن يمشى إليه، والقيام عليه أن يقوم خلفه وهو جالس، والقيام إليه أن يقوم من مجلسه، ويمشى إليه للتلقى، والقيام بين يديه أن يتمثل بين يديه قائما. ويستدل على جواز القيام إليه بقوله ◌ّ ◌ُّ حين قدوم سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيدكم))، ويخدشه أنه قد روى عن أبى سعيد أنه قال: فلما طلع (سعد بن معاذ) قال النبى معَّ له: ((قوموا إلى سیدکم فأنزلوه)، وسنده حسن كما صرح به ابن حجر فى "الفتح" (٤٣:١١)، وهذا يدل على أن ذلك القيام لم يكن للإكرام، بل للإعانة على النزول لكونه مريضا، ولا كلام فى مثل هذا القيام، .وفيه أن الإعانة على النزول قد یکون علی وجه الإکرام، وقد یکون علی وجه الاحتیاج، ولا دلیل فى الحديث على أنه كان على وجه الاحتياج، بل الظاهر أنه كان على وجه الإكرام؛ لأنه يبعد أن يجىء مثل هذا السيد المريض متوحدا ولا يكون معه من يعينه على الركوب والنزول مع احتياجه إليه، فالظاهر أن الأمر بالقيام إليه وإنزاله كان لإكرامه دون احتياجه إليها. وفيه أنا سلمنا أنه لم يكن للاحتياج، ولكنا لا نسلم أنه كان للإكرام؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك سرورا بقدومه وفرحا، لأنه كان حكما بين المسلمين وبين قريظة، وكان عّ لّه ينتظر قدومه ليحكم بينهم، فقدومه فى حال الانتظار كان موجبا لفرحه بقدومه، وكان ذلك الفرح هو الموجب لهذا الأمر. قال العبد الضعيف: قد وقع فى مسند عائشة عند أحمد من طريق علقمة بن وقاص عنها وفيه: قال أبو سعيد: فلما طلع قال النبى مرّ له: ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه))، وسنده حسن (فتح البارى ٤٣:١١)، وفيه أن الأمر بالقيام كان للإنزال لا لغيره ظ. ويؤيده أن سعدا كان يأتيه مرارا ولم يكن نفسه مَّ يقوم إليه ولا كان يأمر أحدا به، فدل ذلك على أنه كان ذلك لعارض مختص بذلك الوقت لا الإكرام، لأنه لا يختص بوقت دون وقت فافهم. وهذا بحث قد خفى على أهل العلم ومن الله به على والله يختص برحمته من يشاء. ٤٢٣ كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية إعلاء السنن وأما القيام عليه فاحتج له بحديث الحديبية أنه قام مغيرة على رأسه عّ لّه بالسيف، وفيه أنه كان قياما للحفظ لا على وجه الإكرام أو التعظيم، فليس هو مما نحن فيه، وقد ورد عنه النهى فى حديث جابر حيث قال: (اشتكى النبى معٍَّ فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، فلما سلم قال: إن كدتم لتفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا)). فإن قلت: إنه منسوخ بحديث إمامة النبى معَّ ◌ُّ فى مرض الموت وهو قاعد مع قيام الناس، قلنا: المقصود بالنهى هو القيام مثل قيام فارس والروم، ولم يكن قيامهم فى الصلاة مع قعود الإمام من هذا الباب حقيقة كما يدل عليه قوله: ((إن كدتم)) وإنما وقع النهى عنه سدا للذريعة، فلما علم ◌ّ منهم أنهم علموا شناعة هذا الفعل نسخ النهى الذى كان لسد الباب، وبقتی النهى عن أصل الفعل على حاله، فاعرف ذلك. وأما القيام له فيستدل له بما روى عن عائشة أن رسول الله عَّ له كان يقوم لفاطمة وفاطمة کانت تقوم له، ولا حجة لهم فیه، کما ذکرنا من قبل. واحتج له أيضا بحديث كعب بن مالك حيث قال فيه: فقام أبو طلحة بن عبيد الله يهرول، حتی صافحنى وهنأنی، والجواب عنه أنه لم يكن من باب القيام له، بل من باب القيام إليه، ثم لم يكن هذا من باب التعظيم، والإكرام بل من باب السرور والفرح كما يدل عليه الهرولة، واحتج له أيضا بحديث: ((قوموا إلى سيد كم))، وقد مر الجواب عنه أنه ليس من باب القيام له، بل من باب القيام إليه، ثم لا دليل فيه على أنه كان للإكرام، بل الظاهر أنه كان من باب الفرح والسرور. واحتج له أيضا بعمومات تنزيل الناس منازلهم وإكرام ذى الشيبة وتوقير الكبير، واعترض بأن القيام على سبيل الإكرام داخل فى العمومات المذكورة، لكن محل النزاع قد ثبت النهى عنه فيختص من العمومات. واحتج للنهى عنه بما روى عن أنس قال: ((لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله عَ ليه، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له مما يعلمون عن كراهته لذلك))، رواه الترمذى، وقال : حسن صحيح غريب. وأجاب عنه النووى من وجهين: أحدهما: أنه خاف عليهم الفتنة إذا أفرطوا فى تعظيمه، ولم يكره قيام بعضهم بعض، فإنه قد قام لبعضهم، وقاموا لغيره بحضرته، فلم ینکر علیهم، بل أقره وأمر به. وثانيهما: أنه كان بينه وبين أصحابه من الأنس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة ج - ١٧ كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية ٢٤؛ بالإكرام بالقيام، ورد ابن الحاج الجواب الأول أنه لم يثبت أنه كان قيامه لغيره أو قيام بعضهم لبعض على وجه الإكرام، وإنما كان لضرورة قدوم أو تهنئة أو نحو ذلك، ولو كان للإكرام لكان هو عَّ أحق بالإكرام والتوقير، لأن المنصوص على الأمر بتوقيره فوق غيره، وإن كان هذا أطرا فى حقه ففى حق غيره بالأولى. ورد الجواب الثانى بأن الصحابة العارفين بقدره وعلو منزلته كانوا أحق بإكرامه من غيرهم، فالأنس وصفاء الود داع إلى الإكرام، وليسا بمانعين عنه والحق أنه لا دليل فى الحديث على كراهة القيام للإكرام، لأن قيام الصحابة له عٍَّ كان تعظيما له وتأدبا معه، فكان أشبه بقيام الأعاجم لأمراءهم ولذا كان يكرهه له، بخلاف ما يقوم بعضهم لبعضهم للإكرام لا للتعظيم، والفرق بينهما ظاهر. واحتج للنهى أيضا بما روى عن أبى مجلز قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإنى سمعت رسول الله عرّ له يقول: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار))، رواه أبو داود والترمذى وحسنه. ولا حجة فيه أيضا لأن معاوية كان أميرا وكان قيام ابن عامر له تعظيما له من أجل إمارته، فكان هذا القيام أشبه بقيام الأعاجم ولذا كرهه معاوية، واحتج له بحديث يدل على كراهة مثل هذا القیام فلا يكون مما نحن فيه. فالحاصل أنه لا دليل فيما ذكر على كراهة القيام لمجرد الإكرام، وإنما الدليل على أن المكروه هو ما يفعل على جهة التعظيم والتأدب لكونه أشبه بقيام الأعاجم لملوكهم وأمراءهم، فالأولى أن يقال: إن مثل هذا الإكرام لم يثبت من السلف، فلو كان داخلا فى عموم نصوص التوقير والإكرام كانوا أحق بالعمل لها، وقد ثبت النهى عن التقبيل والاعتناق والانحناء فكان القيام مثله، وقد أطال ابن حجر الكلام فى هذه المسألة فى "الفتح" (٤١:١١ إلى ٤٦) بما لا يشفى الغليل إن شئت الاطلاع عليه، فراجعه. نعم! لما كان مثل هذا القيام متعارفا بين الناس، وفى نزعهم عن عادتهم حرج عظيم، بل قد يفضى إلى الحقد والعداوة والضرر والإضرار، ومع ذلك هو من المسائل الاجتهادية التى اختلف فيه العلماء لا ينبغى التشديد فيه، والإنكار على فاعله، بل ينبغى أن من غلب فى ظنه كراهته يحتاط فیه لنفسه إن لم يترتب علی تر که مفسدة. ٤٢٥ كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية إعلاء السنن بحث قيام المولد: وبما ينبغى أن يعلم أن القيام المتعارف فى المولد ليس مما نحن فيه فى شىء، ولا يدل عليه دليل، لا قوى ولا ضعيف، بل هو من مخترعات الأوهام وتسويلات النفس وتشريع جديد، فلا يصح إلحاقه بمختلفات العلماء ومجتهداتهم، هذا هو الحقيقة، وأما من لم يكن من أهل الاجتهاد والفتوى، واغتر باختلاف العلماء وظنه من المسائل الاجتهادية المختلفة بين أهل العلم من غير تشديد فيه، وإنكار على من أنكره، فينبغى أن يعذر، ولا كذلك العالم فإنه مقصر فى التدبر لغلبة الهوى، هذا هو الظاهر. وإن كان له أيضا عذر فى الحقيقة، وإن لم نطلع عليه نرجو أن يكون معذورا عند الله، وكنا معذورين فى تخطيته لعدم علمنا بالحقائق السرية، هذا هو الحق المتبع، والله أعلم. قال العبد الضعيف: لقد أجاد بعض الأحباب وأفاد غير ما فى حمله بعض الأحاديث على المحبة والشوق وبعضها على الإكرام وبعضها على التعظيم من الادعاء من غير دليل، وأحسن ما يجمع به بين ما ورد فى القيام من الأحاديث والآثار ما قاله أبو الوليد بن رشد أن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه. والثانى: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل فى نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبه بالجبابرة. والثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك. والرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجدت له نعمة فيهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها (فتح البارى ٤٣:١١). هذا هو حكم القيام لأحد والقيام إليه، وأما القيام عليه، فإن كان لمصلحة الحفظ ونحوه، فلا بأس به، وإن كان لتفخيم الشأن فهو مكروه، وأما التمثل بين يديه قائما ما دام جالسا فهو منهى عنه مطلقا لما فيه من التشبه بالأعاجم، وقال الإمام الغزالى: القيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام. وقال الإمام النووى: هذا القيام للقادم من أهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف مستحب، وقد جاءت فيه أحاديث ولم يثبت فى النهى عنه شىء صريح، وقال القاضى عياض: ليس هذا من القيام المنهى عنه إنما ذاك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمكثون قياما طول جلوسه اهـ من "شرح الشمائل" (٢: ١٣٧). ٤٢٦ إعلاء السنن باب المصافحة ٥٧٣٦- عن الأجلح عن أبى إسحاق عن البراء قال: قال رسول الله عَّه: ما من وفيه أيضا: وأما قول ابن حجر (الهيثمى): ويؤيد مذهبنا من ندب القيام لكل قادم به فضيلة نحو نسب أو علم أو صلاح، أو صداقة حديث أنه معرِّ قام لعكرمة بن أبى جهل لما قدم عليه ولعدى بن حاتم حين دخل عليه، وضعفهما لا يمنع الاستدلال بهما هنا خلافا لمن وهم فيه، لأن الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الأعمال اتفاقا، بل اجتماعا كما قاله النووى، فمدعوع، لأن الضعيف يعمل به لكن لا يستدل به على إثبات استحباب شىء، على أن القادم له حكم آخر فهو خارج عما نحن فيه مع أن المروى عن عدى بطريق الضعف ما دخلت على رسول الله عَّ له إلا قام لى أو تحرك، والمشهور: إلا أوسع لى، ولو ثبت فالوجه فيه أن يحمل على الترخص حيث يقتضيه الحال، وقد كان عدى سيد بنى طئ على حسبه فرأى تأليفه بذلك على الإسلام لما عرف من جانبه ميلا إليه، ولا يبعد أن يحمل على قيام القدوم، وقد قام لجعفر بن أبى طالب لما قدم من الحبشة، وإنما الكلام فى القيام المتعارف بين الأنام مع أن القيام، إنما استحبه العلماء الكرام لمجرد الإكرام لا للرياء والإعظام، فإنه مكروه، ولكنه صار من البلوى العامة بحيث لو تركه عالم لظالم اختل عليه النظام. والقيام بطريق التمثل كما هو شأن أكابر هذا الزمان حرام لقوله عرّ له: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار)) (١٣٦:٢). وقال المناوى فى "شرح الشمائل": نعم! ورد ما ظاهره يناقضه (أى حديث أنس كانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك)، وهو ما رواه البيهقى فى "المدخل": عن أبى هريرة أن رسول الله عَّه كان إذا أراد أن يدخل بيتا قمنا له، قال: ورواه أبو عامر عن محمد بن هلال سمع أباه يحدث عن أبى هريرة كان رسول الله مرّ لم يجلس معنا فى المسجد فيحدثنا، فإذا قام ذهبنا قياما حتى نراه قد دخل بعض بيوته اهـ، وقد يقال فى التوفيق: إنهم كانوا إذا رأوه من بعد مارا غير قاصد نحوهم لم يقوموا له أو أنه إذا تكرر قيامه وعوده إلى المجلس لم يقوموا أو أنه إذا قدم عليهم أولا قاموا وإذا انصرف قاموا اهـ (٢: ١٣٥). باب المصافحة قوله: عن الأجلح إلخ، قلت: وقال الزيلعى: الأحلج اسمه يحبى بن عبد الله أبو جحنة فيه مقال، وأخرجه أبو داود من طريق أبى بلج عن زيد أبى الحكم الغنرى عن البراء بن عازب، قال: ٤٢٧ ج - ١٧ باب المصافحة مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا، أخرجه أبو داود، وسكت عنه والترمذى، وقال: حسن غريب. قال رسول الله عَّه: إذا التقى المسلمان فتصحافحا وحمدا الله، واستغفراه غفر لهما، وسكت عنه أيضًا، وفيه أبو بلج فيه مقال أيضًا، وأخرج أبو داود أيضًا عن أنس بن مالك قال: لما جاء أهل البمن قال رسول الله عَ ليه: قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافة، ورجال إسناده ثقات، وأخرج الطبرانى عن أنس قال: كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا، وسكت عنه الحافظ فى "الفتح" (٥٠:١١). وقال كعب بن مالك: دخلت المسجد، فإذا برسول الله عَّهِ، فقام أبو طلحة بن عبيد الله فصافحنى وهنأنى، أخرجه البخارى، وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: أ كانت المصحافحة فى أصحاب النبى عَِّ؟ قال: نعم، أخرجه البخارى، وهذه آثار تدل على مشروعية المصافحة عند اللقاء، وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وهل هى باليد الواحدة أو باليدين؟ فلا نص فيه، ولكن المتوارث هو باليدين دون اليد الواحدة. وقال البخارى فى "صحيحه": صافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه، ووصله فى "تاريخه" فقال: حدثنا أصحابنا يحيى وغيره عن أبى إسماعيل بن إبراهيم قال: رأيت حماد بن زيد، وجاءه ابن المبارك بمكة فصافحه بكلتا يديه، كذا فى "الفتح" (٤٧:١١)، وقد يستدل بعضهم على أن المصافحة باليد الواحدة دون باليدين بما فى "القاموس" وغيره أن المصافحة هو الأخذ باليد، وبأنها وضع صفح الكف فى صفح الكف، وبما فى "شرح المشكاة": أن المصافحة هى الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، ولا حجة له فيها؛ لأن المراد من اليد فى هذه العبارات هو الجنس، وهو كما يصدق على الواحد يصدق على الاثنين. ويستدل أيضًا بما روى ابن عبد البر فى "التمهيد": بسند صحيح، عن عبيد الله بن بسر أنه أخرج يده، وقال: ترون يدى هذه صافحت بها رسول الله عَّ ◌ُلّه، ولا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس فيه نفى لليد الأخرى، ويمكن أن يقال: إنه إذا تصافح الرجلان باليدين كان ليد الواحدة من كل منهما بين يدى الآخر، دون الآخر فيمكن أن يكون عبيد الله بن بسر أرى تلك اليد التى كانت بين يدى رسول الله عرّ له لمزيد الاختصاص، فلا حجة فيه للمستدل، فافهم، فاندفع ما فى "عون المعبود" (٥٢٠:٤). وقد رأيت شمس الحق العظيم آبادى أو غيره رسالة فى المصافحة باليد الواحدة، ولا يحضر ٤٢٨ إعلاء السنن باب السجود لغير الله ٥٧٣٧- عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت: رسول الله عَ لّم أحق أن يسجد له قال: فأتيت النبي عَّ ◌ُّه فقلت له: إنى أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله! أحق أن يسجد لك قال: أرأيت لو مررت بقبرى أ.كنت تسجد له؟ قال: قلت: لا، قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل لهم عليهن من الحق، رواه أبو داود، كما فى "النيل" (١٢٩:٦)، وأعله بشريك القاضى وليس بصحيح، لأن شريكًا حسن الحديث. فى الآن، وظنى أنه استدل بأمثال ما استدل به صاحب "عون المعبود" فيما قلنا، يحصل الجواب عما استدل به أيضًا، ثم المصافحة باليد الواحدة من شعار أهل الباطل فى زماننا، فلا ينبغى التشبه بهم بترك ما هو المتوارث المتعارف بين المسلمين، وقد ثبت أنه صافح حماد بن زيد ابن المبارك بكلتا يديه، لم يثبت خلافه عن أحد، فلا ينبغى أن يترك سنة السلف باجتهاد هؤلاء المحدثين الجهلة. باب السجود لغير الله أقول: أحاديث الباب تدل على عدم جواز السجود لغير الله نصًا، ودلت على أنه مختص بالإله الباقى، ولا يصلح لفان نبيا كان أو وليًا، حيًا كان أو ميتًا، وفرق التعبد والتعظيم والتحية فرق باطل اخترعه الغلاة؛ لأن معاذًا لم يسجد للنبى معَِّ لاعتقاده فيه الألوهية، بل لكونه نبيا مستحقًا للتعظيم، وكذا لم يرد قيس بن سعد السجدة لرسول الله عَ لّ لاعتقاده فيه الألوهية، بل لكونه رسولا نبيا، ومع ذلك لم يرخص له رسول الله عَ ◌ّه فيه، بل أرشده إلى أن السجود تعظيم مختص بالله لا يصلح للفانى، وكذا لو أمر النبى معرّ له بسجود المرأة الزوج لم يأمر به لكونها إلهًا، بل لكونه مستحقًا للتعظيم، ومع ذلك لم يخرص فيه رسول الله عَ ليه، وبين أن هذا تعظيم مختص بالله تعالى، فلما كان السجود تعظيمًا مختصًا بالله تعالى، فمن أثبته لغيره، فقد أشركه بالله فى هذا التعظيم المختص به، فيكون مشركاً. ومن أجل هذا قال شمس الأئمة السرخسى: السجود لغير الله على وجه التعظيم كفر، وقال العينى فى "البناية": فى هذا الزمان لا يسجدون للسلطان إلا تعظيمًا وإجلالا، فلا يشك فى كفرهم، وقال المحبوبى فى "شرح الجامع الصغير": أما السجود لغير الله سبحانه وتعالى فهو كفر، إذا كان من غير إكراه، وما يفعله الجهال من الصوفية بين يدى شيخهم فحرام محض أقبح البدع، ج - ١٧ السجود لغير الله ٤٢٩ ٥٧٣٨- وعن عبد الله بن أبى أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبى عدّه فقال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافیتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت فى نفسى أن أفعل ذلك لك، فقال رسول الله عَ ليه: فلا تفعلوا فإنى لو كنت آمراً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، رواه أحمد وابن ماجة. وقال فى "النيل" (١٢٩:٦): ساقه ابن ماجة بإسناد صالح فإن أزهر بن مروان والقاسم الشيبانى صدوقان، وقال أيضًا: أخرج قصة معاذ المذكورة فى الباب البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح. وأخرجها أيضًا البزار والطبرانى بإسناد آخر وفيه بنهان بن فهم، وهو ضعيف، وأخرجها أيضًا البزار والطبرانى بإسناد آخر رجاله ثقات، وقال أيضًا: قضية السجود ثابتة من حديث ابن عباس عند البزار، ومن حديث سراقة عند الطبرانى، ومن حديث عائشة عند أحمد وابن ماجة، ومن حديث عصمة عند الطبرانى وعن غير هؤلاء، وقال بعد ذلك فهذه أحاديث فى أنه لو صلح السجود لبشر لأمرت به الزوجة لزوجها، يشهد بعضها لبعض ويقوى بعضها بعضًا. فينهون عن ذلك لا محالة، كذا فى "البناية" للعينى (٢٥٦:٤). وأما سجود التحية، فيظهر من الواقعات أنه ليس بكفر، بل هو حرام فقط، ولكن لا يظهر لى فرق بين سجود التعظيم والتحية فى كون أحدهما كفراً دون الآخر؛ لأنه كما أن تعظيم غير الله بما هو تعظيم مختص بالله تعالى شرك، فعلى كذا تحيته بما هو تعظيم مختص بالله شرك فعلى، كما لو صلى لأحد على وجه التحية فلا فرق، فإن قيل: كان سجود التحية جائزا فى الأمم السابقة، قلنا: لا نسلم أن ذلك السجود كان على هذه الهيئة؛ لأنه يجوز أن يكون على وجه الانحناء، كما فى قوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾، ولو سلم أنه كان على هذه الهيئة، فلم يكن إذ ذاك تعظيمًا مختصًا بالله تعالى، والإشراك إنما جاء من قبل الاختصاص، وإذا لا اختصاص لا إشراك، فاندفع التوهم، ثم ما يفعله الجهال بقبور الأولياء والمشايخ، ليس من جنس التحية، بل من جنس التعظيم، إذ لو كان من جنس التحية كان كالسلام والمصافحة، فلم يكن لاختصاصها بقبور الأولياء والمشايخ معنى، فلما خصوه بقبورهم ونفوسهم دل ذلك أن مقصودهم التعظيم المفرط دون التحية المشتركة بينهم، وبين غيرهم فلا يجديهم فرق التعظيم والتحية لو كان ثابتًا، فكيف إذا لم يثبت؟ فلا شك أن فعلهم ذلك كفر، وشرك عملا، والله أعلم. ٤٣٠ إعلاء السنن باب كراهة الاحتكار ٥٧٣٩- عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمراً قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من احتكر فهو خاطئ))، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرًا الذى كان يحدث هذا الحديث يحتكر (مسلم ٣١:٢)، وقال أبوداود: كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخيط والبزر. وقال ابن عبد البر وغيره: إنما كان سعيد ومعمر يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، كذا فى "عون المعبود" (٢٨٥:٣ و٢٨٦). باب كراهة التسعير ٥٧٤٠- عن أنس، قال: غلا السعر على عهد رسول الله عَّ بله، فقالوا: يا رسول الله! لو سعرت، فقال: ((إن الله هو القابض الباسط الرزاق المسعر، وإنى لأرجو أن ألقى باب كراهة الاحتکار أقول: مسألة الاحتكار مجتهد فيها بین العلماء، قال أبو داود بعد نقل حديث ابن المسيب من طريق آخر غير طريق مسلم: هذا الحديث عندنا باطل، واحتج له بأن سعيدًا كان يحتكر النوى والخبط والبذر، وقال آخرون: الحديث صحيح، ثم اختلفوا فيما بينهم فقال بعضهم: الحديث عام والاحتكار مكروه فى كل شىء يضر الاحتكار فيه بالناس لإطلاق الحديث واشتراك العلة، وقال بعضهم: كراهة الاحتكار مختصة بما هو قوت للإنسان والحيوانات كما ذهب إليه رواة الحديث: سعيد بن المسيب ومعمر، وقالوا: ليس القزر الذى يلحق الناس بالاحتكار فى غير الأقوات كالذى يحصل لهم بالاحتكار فيما هو قوت لهم أو لدوابهم؛ لأن الاحتكار فى الأقوات مفضٍ إلى تلف النفس، وليس فى غيرها كذلك، والمنهى عنه فى الحديث هو الضرر الكامل لا مطلق الضرر؛ لأن فى النهى عن الاحتكار مطلقًا ضررًا على التجار، لأن بناء التجارة على غلاء السعر، فاعتبر الضرر الكامل لا مطلق الضرر، وهو مذهب أبى حنيفة هذا هو السعر، وقال فى "الهداية": اعتبر أبو حنيفة الضرر المعهود المتعارف، وهو ضعيف؛ لأنه لا عهد ولا تعارف خلفنا بالأقوات، بل هو معهود ومتعارف فی کل شیء، كما لا يخفى. باب كراهة التسعير أقول: الحديث حجة لأبى حنيفة وغيره ممن وافقه، وخص بعضهم الكراهة بالأقوات، ولعله ٤٣١ ج - ١٧ الله عز وجل لا يطلبنى أحد بمظلمة طلمتها إياه فى دم ولا مال))، رواه الخمسة إلا النسائى، وصححه الترمذى، وابن حبان، وقال الحافظ: إسناده على شرط مسلم (منتقى مع النيل ٨٤:٥). باب بيع العصير والعنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ٥٧٤١- عن أنس، قال: لعن رسول الله عَ لّه فى الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشترى لها، والمشتراة له، رواه الترمذى وابن ماجة، وقال الحافظ فى "التلخيص": رجاله ثقات. قاس ذلك على الاحتكار، وهو قياس فاسد، لأن ضرر الاحتكار يسرى إلى حياة الإنسان والحيوان، بخلاف ضرر عدم التسعير، فإن ضرره يسرى إلى المال فقط، والقياس الصحيح أن يقال: إن الشارع اعتبر فى التجارة ضرر النفس، ولم يعتبر ضررًا دونه، كما يدل عليه تجويز الاحتكار فى غير الأقوات، وليس فى ترك التسعير غير ضرر المالى فقط، وهو موجود فى التسعير أيضًا، لأن فى التسعير ضرر التجار، كما فى تركه ضرر للمشترين، فلا يعتبر مطلقًا، لا فى الأقوات، ولا فى غيرها فقط، والله أعلم. قال العبد الضعيف: ولو أفضى ترك التسعير إلى تلف العوام من المفلسين لتعدى أرباب الأموال فى غلاء السعر، فلا بأس بتسعير الإمام بمشورة أهل الرأى؛ لأن ضرر ترك التسعير حينئذ كضرر الاحتكار سواء، وقال مالك: على الإمام التسعير عام الغلا رأى يجب عليه ذلك، ولم يشترط التعدى الفاحش، وبه يظهر الفرق بين المذهبين، كما فى "رد المحتار" (٣٩٤:٥). باب بيع العصير والعنب ممن يعلم أنه يتخذهما خمرا أقول: أجاز أبو حنيفة بيع العنب والعصير ممن يعلم أنه يتخذهما خمرا، فأورد عليه أنه خالف الحديث، وأجيب عنه بأن حديث أنس لا تعرض فيه هذا البيع فكيف المخالفة؟ وأورد عليه بأنه عَِّ لعن الشارب، ومن تسبب للشرب كالبائع والمشترى والحامل والعاصر، فينبغى أن تكون بائع العصير المذكور كذلك لأنه متسبب، ويجاب عنه بأنا نعلم أن ليس كل متسبب ملعونا، وإلا لكان غارس الكروم والمؤجر لأرضه لغرس الكروم كذلك مع أنه ليس كذلك، وإذ ليس كل متسبب ملعونا على الإطلاق، فينبغى أن يقال: إن فيه تفصيلا، وهو أنه إن قصد بهذه أفعال المعصية ٤٣٢ بيع العصير والعنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا إعلاء السنن ٥٧٤٢- وأخرج الطبرانى فى الأوسط: من طريق محمد بن أبى خيثمة عن بريدة بلفظ: من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودى أو نصرانى أو ممن يتخذه خمرًا فقد تقحم النار على لضرة، حسنه الحافظ فى بلوغ المرام، (نيل الأوطار ١٤:٥). يكون آثما، وإلا لا، والحديث محمول على قصد المعصية، ألا ترى أن النبى معَ ◌ّ لعن حامل الخمر والمحمول إليه مع أنه ليس هذا على الإطلاق؛ لأنه لو حمل الخمر إلى القاضى فى قضية لا يكون الحامل ملعونا، ولا المحول إليه، وأما حديث بريدة فهو كأنه صريح فى قصد المعصية كما يدل عليه قوله: ((حبس إلخ))، فلا حجة للمورد فى الحديث. فإن قلت: مباشرة البيع بعد العلم بأنه يتخذه خمرا قصد للمعصية، قلت: كلا! لأن قصد المعصية هو أن يبيعه منه ليتخذه خمرا، لا البيع ممن يعلم أنه يتخذه خمرا بدون قصد أن يتخذه خمرا، فلا إشكال. بقى ههنا بحث: وهو أنه لو باع أحد سلاحا من أهل الفتنة بدون أن يقصد أن يستعملوه فى الفتنة، ينبغى أن لا يكون آثما، وأجيب عنه بالفرق بين العصير والسلاح، بأن المعصية تقوم بعين السلاح بخلاف العصير، فإنها لا تقوم بعينه، بل بعد التغيير، ويرد عليه أولا أن اتخاذ الخمر أيضا معصية، وهى قائمة بعين العصير فلا فرق، وثانيا: بأن المؤثر هو قصد المعصية، ولا دخل لكون المعصية قائما بعينه، فلا يفيد هذا الفرق. وأجيب عنه أيضا بأن بيع العصير سبب محض لاتخاذ الخمر، وبيع السلاح من أهل الفتنة سبب فى معنى العلة؛ لأنهم لا يتمكنون من القتال بدون السلاح، ويرد عليه أن الذى يتخذ الخمر لا يمكنه أيضااتخاذها بدون العصير، فينبغى أن يكون هذا أيضا سببا فى معنى العلة، فما الفرق؟ ويجاب عنه أيضا بأن العصير ليس المقصود منه اتخاذ الخمر، فاتحاذ الخمر منه ينسب إلى سوء اختيار الفاعل، بخلاف السلاح فإنه موضوع للقتال، فيكون بيع السلاح من أهل الفتنة بمعنى أمرهم بأن يقاتلوا به، وليس كذلك بيع العصير، وهذا هو الفرق. ويرد عليه إذا سلمنا السلاح موضوع للقتال، كما أن المزامير موضوعة للهو، ولكنه ليس موضوعا لقتال أهل العدل بخصوصه، فصرفهم إياه إلى قتال أهل العدل يكون منسوبا إلى سوء اختيارهم كاتخاذ الخمر فلا فرق، والحق أن ههنا فرقا ذوقيا، وهو أنه لو علم السلطان من أحد أنه يبيع السلاح من أهل الفتنة يعاقبه، وإن أنكر قصد المعصية بخلاف من يبيع العنب والعصير من اليهود والنصارى، فإنه لا يؤاخذه به مع العلم، بأنهم يتخذون الخمر، وإن لم يمكن تعبير ذلك الفرق بألفاظ بعينها، ونظير بيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا حمل خمر الذمى بالأجرة، ج - ١٧ بيع العصير والعنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ٤٣٣ وهو جائز إذا لم يقصد به المعصية؛ لأن الحمل غير موضوع للشرب بعينه، وكذا تعمير الكنيسة والبيعة إذا لم يقصد به المعصية، لأنهما فى أنفسهما بيتان لا تختصان بالعبادة، فصرفهم إلى العبادة من سوء اختيارهم، وكذا إجارة البيت من أهل الذمة إذا لم يقصد بها المعصية؛ لأن البيت غير موضوع للمعصية، ولا قصدها المؤجر، بل قارنها المعصية لسوء اختيارهم، فإن قلت: إنه قال محمد فى "الجامع الصغير": إنه لا بأس عند أبى حنيفة أن تؤاجر بيتك ليتخذ فيه بيت نار، أو كنيسة أو بيعة أو يباع الخمر فيه بالسواد، وفيه تصريح بقصد المعصية. قلت: لا تصريح فيه بقصد المعصية، لأن اللام فيه ليس للغرض الذى يكون حاملا على الفعل، بل للغاية التى تترتب على الفعل سواء قصدها أو لم يقصدها، وعلى هذا لا يرد ما فى الذصرة والمحيط وغيرها أنه لو استأجر الذمى من المسلم بيعة ليصلى فيها، فإن ذلك لا يجوز لأنه استأجرها ليصلى فيها، وصلاة الذمى معصية عندنا، وطاعة فى زعمه، وأى ذلك اعتبرنا كانت الإجارة باطلة؛ لأن الإجارة على ما هو طاعة أو معصية لا تجوز، وكذا إذا استأجر المسلم من المسلم بيتا ليصلى فيه، وكذا إذا استأجر ذمى من ذمى بيتا ليصلى فيه اهـ ملخصا؛ لأن هذا إذا كان المقصود عليه، هو منفعة الصلاة، وما نحن فيه المعقود عليه فيه هو نفس المنفعة مطلقا، لا الصلاة بخصوصه، فلا تعارض، فاندفع ما فى "نتائج الأفكار" أن الفرق بين تلك المسائل، ومسألتنا هذه فى الحكم والدليل مشكل جدا، فليتأمل، هذا ما تحقق لنا فى هذا البحث، والله أعلم. قال العبد الضعيف: قد تقدم فى باب الإجارات اختلاف الروايات عن الإمام فى هذا الباب، فروى عنه جواز بيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا، وقيل: يكره لإعانته على المعصية، وزاد القهستانى معزيا للخانية أنه يكره بالاتفاق، وبيع أمر وممن يلوط به لا يجوز عنده، ؛ کذا فى "الدر مع الشامية" (٣٨٦:٥) وإذا كان كذلك فما فى بعض الروايات عنه من الجواز محمول على صحة البيع قضاء، وكذا ما روى عنه أنه لا بأس بإجارة الدار ممن يتخذها كنيسة أو بيعة، معناه صحتها قضاء، وإن الأجرة تحل للمؤجر، ولانزاع فى كراهتها دیانة، فافهم. فإن الروايات قد اختلفت عن الإمام، فقال: بجواز بعض هذه الإجارات والبيوع من هذا الجنس، وبكراهة بعضها، وحرمة البعض من نظائرها، والجمع بينها بما ذكرناه أولى، فإن القول بجوازها مطلقا مخالف لحديث بريدة المذكور فى المتن، فلا بد من القول بكراهة أمثال هذه العقود ديانة، والذى أدين إليه به أن أبا حنيفة الإمام لم ينف الكراهة ديانة قط، وإنما قال بصحة العقد قضاء فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ. ٤٣٤ إعلاء السنن. باب بیع دور مکة وإجارتها ٥٧٤٣- أخبرنا أبو حنيفة عن عبيد الله بن أبى زياد عن أبى نجيح عن عبد الله بن عمرو عن النبى عَ ليه، قال: ((من أكل من أجور بيوت مكة شيئًا فإنما يأكل نارًا)). ٥٧٤٤- وأخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا عبيد الله بن أبى زياد عن أبى نجيح عن عبد الله بن عمرو عن النبى معَّه، أنه قال: ((إن الله حرم مكة فحرام بيع رباعها، وأكل ثمنها)»، رواهما محمد فی "کتاب الآثار". باب بيع دور مکة وإجارتها أقول: المسألة مختلف فيها بين العلماء، فقال أبو حنيفة ومحمد بالكراهة، وقال أبو يوسف والشافعى بالجواز، وذكر البيهقى فى المعرفة ثنا الحاكم بسنده عن إسحاق بن راهويه قال: كنا بمكة ومعى أحمد بن حنبل، فقال لى أحمد يوما: تعال أريك رجلا لم تر عيناك مثله يعنى الشافعى، فذهبت معه فرأيت من إعظام أحمد للشافعى، فقلت له: إنى أريد أن أسأله عن مسألة، قال: هات، فقلت للشافعى: يا أبا عبد الله! ما تقول فى أجور بيوت مكة؟ قال: لا بأس به. قلت: وكيف؟ وقد قال عمر: يا أهل مكة! لا تجعلوا على دور كم أبوابا لينزل البادى حيت شاء، وكان سعيد بن جبير ومجاهد ينزلان ويخرجان ولا يعطيان أجرًا، فقال: السنة فى هذا أول بناء، قلت: أو فى هذا سنة؟ قال: نعم، قال رسول الله عَّه: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ لأن عقيلا ورث أبا طالب، ولم يرثه على ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين، فلو كانت المنازل بمكة لا تملك كيف كان يقول: وهل ترك لناء ثقيل منزلا، وهى غير مملوكة؟ قال: فاستحسن ذلك أحمد، وقال: لم يقع هذا بقلبى، فقال إسحاق للشافعى: أليس قد قال الله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾؟ فقال له الشافعى: اقرأ أول الآية: ﴿والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾، إذ لو كان كما تزعم لما جاز لأحد أن ينشد فيها ضالة، ولا ينحر فيها بدنة، ولا يدع فيها إلا روات، ولكن هذا فى المسجد خاصة، قال: فسكت إسحاق، انتهى (زیلعی ٣٠٢:٢). وقال السهيلى فى "روض الأنف": قد اشترى عمر بن الخطاب الدور بين الناس الذين ضيقوا الكعبة وألصقوا دورهم بها، ثم بدلها وبنى المسجد الحرام حول الكعبة، ثم كان عثمان فاشترى دوراً بأغلى ثمن، وزاد فى سعة المسجد، وفى هذا دليل على أن رباع مكة مملوكة لأهلها بيعًا وشراء إذا شاءوا اهـ (زيلعى ٣٠٢:٢). ٤٣٥ ج - ١٧ بیع دور مكة وإجارتها وقال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغى أن تباع الأرض، فأما البناء فلا بأس به، وقال أيضا: كان أبو حنيفة يكره أجور بيوتها فى الموسم، وفى الرجل يعتمر ثم يرجع، فأما المقيم والمجاور فلا يرى بأخذ ذلك منهم بأسا (كتاب الآثار ص٥٦). قلت: قال ابن القطان وغيره: وهم أبو حنيفة فى رفع الحديث، وإنما هو موقوف على ابن عمرو، ورواه موقوفا عيسى بن يونس ومحمد بن ربيعة عن عبيد الله بن أبى زياد عن ابن نجيح عن ابن عمرو، وهوطعن ساقط لأنه لم يتفرد به أبو حنيفة بل تابعه عليه أيمن بن نابل عن عبيد الله بن أبى زياد عن أبى نجيح عن عبد الله بن عمرو عند الدار قطنى فى آخر كتاب الحج، وأبو حنيفة أجل من كل من وقفه، فلو تفرد بالرفع لكان حجة لأن الحكم للرافع إذا كان ثقة، فکیف وهو إماممتبع؟ و کیف ولم ينفرد بالرفع؟ ولا يعارضه الرواية موقوفا لأن الراوى قد يفتى وقد يروى فاندفع الطعن. ورواه أيضا الحاكم فى "المستدرك": من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقال: صحيح الإسناد، وجعل طريق أبى حنيفة شاهدًا عليه، وأعله الدار قطنى بإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وقال: ضعيف، وكذا أعله به ابن القطان وابن عدى والعقيلى، ولكن لا ضير، فإن الضعيف يصلح شاهدًا، وأخرجناه نحن للاستشهاد لا للاحتجاج. وقال الطحاوى: حديث ((هل ترك لنا عقيل منزلا؟" أصح إسنادًا من حديث عبد الله بن عمرو وأرجح نظرًا، لأن البقعة التى الناس فيها سواء لا يمكن أحد أن يبنى فيه بيتًا أو دارًا كالمسجد الحرام ومنى وعرفات، ولما كانت مكة فما تغلق عليه الأبواب، ومما تبنى فيه المنازل كانت صفتها صفة المواضع التى يجرى عليها الأملاك، ويقع فيها المواريث ملخصًا (معانى الآثار ٣٢٤:٢). قلت: هذه حجج المجوزين، والجواب عنه أنك قد عرفت من نص محمد فى "كتاب الآثار": أن فى دور مكة جهتين: جهة البناء، وجهة العرصة، وهى مملوكة من جهة البناء، وغير مملوكة من جهة العرصة، فيصح بيعها، وإجارتها من جهة كونها مملوكة، ويجرى فيها المواريث من تلك الجهة، ولا يصح بيعها وإجارتها من جهة كونها غير مملوكة، ولا يجرى فيها المواريث من تلك الجهة، وحينئذ يندفع التعارض من بين الأحاديث والآثار، لأن ما يثبت منه صحة البيع والإجارة، وجريان المواريث يحمل على بيع الأبنية، وإجارتها، وجريان المواريث فيها، وما يثبت ٤٣٦ بیع دور مكة وإجارتها إعلاء السنن ٥٧٤٥ - وأخرج ابن أبى شيبة، وقال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد، قال: قال رسول الله عَّ له: ((مكة حرام حرمها الله، لا تحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها))، كذا فى "الزيلعي" (٣٠٢:٢)، وهو مرسل صحيح، والمرسل حجة عندنا لا سيما إذا تأيد بالمرفوع. ٥٧٤٦- وأخرج الدار قطنى عن معاوية بن هشام ثنا سفيان عن عمر بن سعيد عن عثمان بن أبى سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن علقمة بن نضلة الكنانى، قال: كانت بيوت مكة تدعى على عهد رسول الله عّ لّه وأبى بكر وعمر بالسوائب لا تباع، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن (زيلعى ٣٠٣:٢)، ورجاله ثقات، واختلف فى أنه مسند أو مرسل للاختلاف فى علقمة هل هو صحابى أو تابعى، وأيا ما كان فالحديث حجة، فقد أخرجه ابن ماجة بسند على شرط مسلم. وأخرجه الدارقطنى وغيره، وعلقمة هذا صحابى كذا ذكر علماء هذا الشأن، وإذا قال الصحابى مثل هذا الكلام كان مرفوعا (الجوهر النقى ٣٥:٥). منه عدم جواز هذه الأمور يحمل على النهى عن بيع العرصة وإجارتها، وجريان المواريث فيها، وحينئذ لا يحتاج إلى دفع التعارض بترجيح حديث بيع عقيل منزله بناء على وراثته من أبيه من جهة الإسناد، كما ارتكبه الطحاوى، هذا إذا سلم هذا الترجيح ولو منعنا هذا الترجيح لم يكن لقائله حجة يثبت به دعواه. وأما ترجيح صحة البيع من جهة النظر، ففيه أنه لا دليل فيما قاله على صحة البيع وجريان الميراث، لأنه قاس ذلك على المسجد الحرام، وعرفة، ومنى، وقال: إنه لو أراد أحد أن ينبى فى تلك المواضع بناء أو يحتجر منها موضعا يمنع منه، لأن الناس فى تلك المواضع سواء، فلو كان أرض مكة أيضًا كذلك منع الناس من البناء فيها، واحتجار موضع منها أيضًا، وإذ ليس كذلك دل ذلك على أن أرض مكة مملوكة لسكانها. والجواب عنه أن المسجد الحرام موضوع للعبادة، وجواز بناء الدور فيها مخل بذلك الغرض، وكذلك أرض عرفة موضوعة لعبادة الوقوف، وجواز بناء الدور فيها مخل بهذا الغرض، وكذلك أرض منى موضوعة للنحر والحلق والرمى، وجواز البناء فيها مخل بهذا الغرض، بخلاف أرض مكة، فإنها ليس بموضوعة لنسك مختص بها بحيث بخل إجازة البناء بها بذلك النسك، ٤٣٧ ج - ١٧ بیع دور مکة وإجارتها ٥٧٤٧- وقال عبد الرزاق فى مصنفه: أخبرنا ابن جريج، قال: كان عطاء ينهى عن الكراء فى الحرم. ٥٧٤٨- وأخبرنى أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن تبوب دور مكة لأن ينزل الحاج فى عرصاتها. بل معظم الغرض منها تعميرها لغرض حفظ مصالح البيت وحجاجه، فهى كفناء المسجد المعد مصالح المسجد، فلا يمنع الناس من بناء الدور فيها بل يؤمرون به، فبناء الدور فيها لا يدل على كونها مملوكة للبانيين، نعم، الأبنية مملوكة لهم يصح بيعها وإجارتها، ويجرى المواريث فيها دون العرصة، ولما كان الدور ذات جهتين قال أبو حنيفة: يكره إجارتها من الحجاج والمعتمرين رعاية لجانب الأرض، وقال أيضًا: إنه لا يكره إجارتها من غيرهم رعاية لجانب البناء، وقال فى البيع: إن بيع البناء جائز دون بيع العرصة، وهو مذهب محمد، كما صرح به نفسه فى "كتاب الآثار"، كما عرفت، وهو الأقوى من حيث الدليل، ونسب فى "الشامية" جواز بيع أرض مكة إلى الصاحبين، وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة، ولا أدرى من أين نقلوه، ومحمد مصرح فى "كتاب الآثار" بخلافه. وروى الكرخى عن أبى يوسف أنه كره إجارة دور مكة فى الموسم، وهو لا يستقيم على أصله، لأنه يجعل الأرض والبناء مملوكًا لصاحب الدار، فكيف يكره له إجارتها؟ وأعجب منه أنهم أفتوا بجواز بيع أرض مكة، وقالوا: به يعمل، مع أنه مرجوح من حيث الدليل أيضًا، فتنبه له. قال العبد الضعيف: روی أبو عبيد فى الأموال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدی عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! ألا تبنى لك بيتًا أو بناء يظلك من الشمس - تعنى بمكة؟- فقال: لا إنما هى مناخ من سبق (ص ٦٥)، وهذا سند حسن فإن إبراهيم بن مهاجر من رجال مسلم، والأربعة صدوق، وأم يوسف بن ماهك اسمها مسيكة، قال ابن خزيمة: لا أحفظ عنها راوياً غير ابنها لا أعرفها بعدالة ولا جرح (تهذيب ٤٥١:١٢)، فهى مستوردة ومثلها حجة عندنا فى القرون الفاضلة. قال أبو عبيد: حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن عطاء أنه کره الکراء بمكة، حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الناس ينهى عن كراء بيوت مكة، حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبى سليمان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير مكة أن لا يدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرًا، فإنه لا يحل لهم. ٤٣٨ بیع دور مكة وإجارتها إعلاء السنن - ٥٧٤٩- وقال أيضا: أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة! لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادى حيث شاء (زيلعى ٣٠٢:٢)، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه نهى أن تغلق دور مكة دون الحاج، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغًا، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: الحرم كله مسجد، وحدثنا أبو إسماعيل -يعنى المؤدب- عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرم كله مسجد (ص٦٦ و٦٧)، أى أن الحرم كله فناء المسجد، واذكر ما أسلفناه فى كتاب الوقف من قول عمر: أنتم نزلتم على الكعبة، ولم تنزل الكعبة عليكم إنما هو فناؤها، ذكره الأزرقى وأبو الحسن الماوردى كما فى تاريخ مكة لابن ظهيرة الحافظ المحدث، وذكره البلاذرى فى "الفتوح": عن ابن سعد عن الواقدى، وقال عمر ذلك حين أبى بعض أهل مكة من بيع دورهم حين أراد عمر توسيع المسجد الحرام، فهدم عمر دورهم ووضع أثمانها فى خزانة الكعبة، ففى قوله: أنتم نزلتم على الكعبة، ولم تنزل الكعبة عليكم إنما هو فناءها، دليل لأبى حنيفة ظاهر فى أن أرض مكة كلها فناء الكعبة لا يجوز بيعها، وإنما تباع الأبنية فقط، وفى "الدر المختار مع الشامية": جاز بيع بناء بيوت مكة وأرضها بلا كراهة، وبه قال الشافعى، وبه يفتى (عينى)، وقد مر فى الشفعة وفى البرهان: لا يكره بيع أرضها كبنائها، وبه يعمل، وفى "مختارات النوازل" لصاحب "الهداية": لا بأس يبيع بناءها وإجارتها، لكن فى الزيلعى وغيره يكره إجارتها، وفى "التاتارخانية" و"الوهبانية": قال أبو حنيفة: أكره إجارة بيوت مكة فى أيام الموسم، وكان يفتى لهم أن ينزلوا عليهم فى دورهم لقوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾، ورخص فيها فى غير أيام الموسم اهـ، فليحفظ. قلت: وبهذا ظهر الفرق والتوفيق اهـ، قال ابن عابدين: أما إجارة البناء فجائزة اتفاقًا لأنه ملك لمن بناه كمن بنى فى أرض الوقف له بيعه (إنقانى). وأما إجارة الأرض فجزم به فى "الكنز"، وهو قولهما وإحدى الروايتين عن الإمام؛ لأنها مملوكة لأهلها لظهور آثار الملك فيها، وهو الاختصاص بها شرعًا، وقد مر أن الفتوى على وجوب الشفعة فى دور مكة، وهو دليل على ملكية أرضها، كما مر بيانه، وفى غاية البيان ما يدل أن كراهة إجارة بيوتها أيام الموسم هو قولهما أيضًا حيث نقل عن تقريب الإمام الكرخى ما نصه: روى هشام عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه كره إجارة بیوت مكة فى الموسم، ورخص فى غيره، و كذا قال أبو يوسف. ٤٣٩ بيع دور مكة وإجارتها ج - ١٧ وهذه أسانيد صحيحة، فالحديث حجة لتقوى بعض طرقها ببعض. وقال هشام: أخبرنى محمد عن أبى حنيفة أنه كان يكره کراء بيوت مكة فى الموسم، ويقول لهم أن ينزلوا علیهم فى دورهم إذا کان فیہا فضل، وإن لم یکن فلا، وهو قول محمد اهـ، فأفاد أن الكراهة فى الإجارة وفاقية، وكذا قال فى الدر المنتقى: صرحوا بكراهتها من غير ذكر خلاف، وبحمل الكراهة على أيام الموسم يظهر الفرق بين جواز البيع دون الإجارة، وحاصله: أن كراهة الإجارة لحاجة أهل الموسم اهـ ملخصا (٣٨٧:٥). قلت: هذا هو الموافق لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: يا أهل مكة! لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل الهادى حيث شاء، وهو الذى نهى عنه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنهما أهل مكة، ولم ينكر عليهما أحد فيما علمنا. وأما حرمة بيع أرضها فلم يرد إلا فى حديث مجاهد مرسلا، وفى لفظ من حديث عبد الله ابن عمرو، ورواه أبو حنيفة بلفظ آخر ليس فيه إلا النهى عن الإجارة، فيحتمل أن يكون الإجارة هو المراد بالبيع؛ لكون الآثار يفسر بعضها بعضًا، ويحتمل أن يكون الإجارة والبيع كلاهما منهياً عنه، جمع الراوى بينهما فى لفظ، واقتصر على أحدهما فى لفظ، ولعل ذلك هو منشأ اختلاف الروايات عن أئمتنا فى جواز المنع وكراهته، ولم يختلف أقوالهم فى كراهة الإجارة أيام الموسم، والله تعالى أعلم. وبهذا اندفع ما قاله بعض الأحباب ولفظه: وأعجب منه أنهم أفتوا بجواز بيع أرض مكة، وقالوا: به يعمل، مع أنه مرجوح من حيث الدليل اهـ، فإنه لم يتنبه لما فيه من الاحتمال، وهو يضر الاستدلال، وقال البلاذری فی "الفتوح": حدثنى محمد بن سعد عن الواقدى قال: كان يتخاصم إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فى أجور الدور بمكة، فيقضى بها على من اكتراها، وهو قول مالك وابن أبى ذئب، قال: وقال ربيعة وأبو الزناد: لا بأس بأكل كراء بيوت مكة، وبيع رباعها، وقال الواقدى: رأيت ابن أبى ذئب يأتيه كراء داره بمكة بين الصفا والمروة. وقال الليث بن سعد: ما كان من دار فأجرها طيب لصاحبها، فأما القاعات والسكك والأفنية والخرابات فمن سبق نزل ذلك بغير كراء، وأخبرنى أبو عبد الرحمن الأودى عن الشافعى بمثل ذلك، وقال سفيان بن سعيد الثورى: كراء بيوت مكة حرام، وكان يشدد فى ذلك. وقال الأوزاعى وابن أبى ليلى وأبو حنيفة: إن إكراها فى أيام الحج فالكراء باطل، وإن كان فى غير ليالى الحج، وكان المكترى مجاورًاً أو غير ذلك فلا بأس، وقال بعض أصحاب أبى يوسف: ٤٤٠ إعلاء السنن باب كراهة تعشير المصاحف ونقطها ٥٧٥٠- حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: جردوا القرآن، وحدثنا سهل بن يوسف عن حميد الطويل عن معاوية بن قرة عن أبى المغيرة عن ابن مسعود، فذكره. ٥٧٥١- وحدثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبى الزهراء عن عبد الله بن مسعود، قال: جودوا القرآن ولا تلحقوا به ما ليس منه، أخرجها ابن أبى شيبة. ٥٧٥٢- وأخرج الطبرانى من طريق مسروق عن ابن مسعود أنه كان يكره. التعشير فى المصحف. ٥٧٥٣- وقال أبو عبيد: كان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف (زيلعى ٣٠٤:٢) ملخصًا. كراءها حل طلق، وإنما يستوى العاكف والبادي فى الطواف بالبيت اهـ (ص١٥). وبهذا اندفع ما أورده بعض الأحباب على الكرخى، فإن القول بحل كرائها فى أيام الحج، ليس من قول أبى يوسف، بل من قول بعض أصحابه، وجعله الأرض والبناء ملكًا لصاحب الدار لا ينفى هذه الكراهة، فإن كراهة الإجارة لحاجة أهل الموسم، وحاجتهم إلى الانتفاع بها، دون تلکها، فافهم، ظ. باب كراهة تعشير المصاحف ونقطها · أقول: احتج أصحابنا بهذه الآثار على كراهة تعشير المصاحف ونقطها، ولعل الحكمة فيه أن فى التعشير إلحاقًا بالقرآن ما ليس منه، فينبغى التحرز منه للاحتياط، وفى النقط إخراج لبعض القراءات لأنه لو كتب "يعلمون" بدون النقط، يمكن أن يقرأ بالياء والتاء، وبعد النقط يتعين أحدهما، وكذا لو كتب: "ملك يوم الدين"، يمكن أن يقرأ مالك يوم الدين بالألف وملك يوم الدين بدون الألف، وبعد الإعراب يتعين أحدهما، ولكن المتأخرين استحسنوا التعشير والنقط فراراً من أشد المفسدتين إلى أهونهما؛ لأن فى إهمال التعشير، والنقط تعسير لقراءة القرآن على الناس، وفيه إضاعة لها، والله أعلم.