Indexed OCR Text

Pages 361-380

ج - ١٧
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
٣٦١
(جمع الفوائد ٣٠٧:١)، فهو محمول على أنه كان يغسله، حتى لا يبقى فى الثوب إلا لونه ویزول
جرمه وطيبه، والله تعالى أعلم.
ولا يبعد أن يحمل النهى عن التزعفر على التخلق بالخلوق، فإنه من طيب النساء لما روى
البزار عن أنس قال: أتى النبى معَّ ◌ُلّه قوم يبايعونه، وفيهم رجل فى يده أثر خلوق، فلم يزل يبايعهم
ويؤخره، ثم قال: ((إن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفى لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفى
ریحه»، ورجاله رجال الصحيح ("مجمع الزوائد" ١٥٦:٥).
وقد ورد فى نهى الرجال عن التخلق أحاديث كثيرة ذكرها الزيتمى فى "مجمع الزوائد"،
وأصحاب السنن وغيرهم، فالأولى حمل النهى عن التزعفر على ذلك لا على التزعفر بدون
الخلوق، فقد روى أنس وهو الراوى للنهى عن التزعفر للرجال أنه كانت للنبى معَّه ملحفة
مصبوغة بالورس والزعفران يدور بها على نسائه، فإن كانت ليلة هذه رشها بالماء
..... رواه الطبرانى، وفيه مؤمل ابن إسماعيل وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة (مجمع
الزوائد ١٢٩:٥).
قلت: مؤمل من رجال الأربعة علق له البخارى، وثقه ابن معين و جماعة، روى عنه أحمد
وإسحاق بن راهويه وابن المدينى وغيرهم، فالحديث صحيح، ولا أقل من أن يكون حسنًا لا سيما
وله شواهد ذكرها الهيثمى فى "مجمع الزوائد".
وأما ما روى عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبى عرّ، قال: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة،
الجنب والكافر والمتضمخ بالزعفران)) رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه زكريا بن يحيى بن أيوب
الضرير، ولم يعرفه الهيثمى، وبقية رجاله رجال الصحيح، خلا كثير مولى عبدالرحمن بن سمرة
وهو ثقة، فقد رواه الطبرانى عن بريدة بلفظ: قال رسول الله عّ لّه: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة:
السكران والجنب والمتخلق))، وفيه عبد الله بن حكيم وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٥٦:٥)، وفيه
ما يشعر بتصرف الرواة حيث يذكرون التزعفر مكان التخلق، هذا ما ظهر لى من تتبع الروايات فى
الباب، والمذهب ما ذكرناه عن الخلاصة أن أبا حنيفة كان يكره أن يلبس الثياب المصبوغة بالعصفر
أو الزعفران أو الورس، عملا بإطلاق قول أنس رضى الله عنه: نهى النبى عّ لّ أن يتزعفر الرجل،
ولا يخفى ما فيه من الاحتياط.
وأما ابن حزم فذهب إلى حرمة التزعفر فى البدن، قال: فإن صبغ ثيابه أو عمامته بالزعفران

٣٦٢
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
إعلاء السنن
أو زعفر لحيته فحسن، وحمل حديث أنس: نهى رسول الله عّ لّه أن يتزعفر الرجل على زعفرة
الجلد بدليل ما رواه من طريق أبى داود عن أبى موسى الأشعرى يقول: قال رسول الله عَ لّه:
((لا يقبل الله صلاة رجل فى جسده شىء من الخلوق))، قال ابن حزم: والخلوق الزعفران (٧٦:٤).
ولا يخفى ما فيه، أما أولا: فلأن فى السند جدا ربيع بن أنس، قال ابن القطان: غير
معروفين، ولم يذكرا بغير هذا الإسناد، وفيه أبو جعفر الرازى مختلف فيه، قال ابن المدينى مرة:
كان يخلط، ومرة: ثقة، وقال أحمد مرة: ليس بالقوى، ومرة: صالح الحديث، وقال ابن معين مرة:
ثقة، ومرة: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا، وقال الفلاسى: سىء الحفظ،
ولكن ابن حزم لا یبالی أن یحتج بأی سند إذا وافق غرضه، ويرد كل سند قوى إذا خالفه.
وأما ثانيًا: فلأن الخلوق طيب مركب من الزعفران وغيره تغلب عليه الحمرة مرة، والصفرة
أخرى، كما فى "عون المعبود" عن "المجمع" (١٢٨:٤)، فالنهى عن الخلوق لا يستلزم النهى عن
الزعفران مطلقًا. وأما ما ثبت فى "الصحيحين": أنه مر بّ وأى عبد الرحمن بن عوف، وبه أثر
الخلوق فلم ينكر عليه؛ فالجواب أنه مَِّ سأله ما هذه الصفرة؟ فأخبره أنه تزوج امرأة فلم ينكر
عليه؛ لأن أثر الصفرة الذى كان عليه تعلق به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، فافهمٍ،
والله تعالى أعلم، ظ.
فوائد شتى تتعلق باللبس والاستعمال
فائدة: قال النووى (فى "شرح المهذب": اتفقوا على تحريم استعمال ماء الورد من قارورة
الفضة، قال القاضی حسین فی "تعلیقه": والحیلة فى استعماله منها أن یصبه فى يده اليسرى، ثم
يصبه من اليسرى فى اليمنى ويستعمله، فلا يحرم، وكذا قال البغوى فى فتاواه: لو توضأ من إناء
فضة فصب الماء على يده، ثم صبه منها على محل الطهارة جاز، قال: وكذا لو صب الماء فى يده،
ثم شربه منها جاز، فلو صب الماء على العضو الذى يريد غسله فهو حرام؛ لأنه استعمال، وذكر
صاحب الحاوى نحو هذا فقال: من أراد التوقى عن المعصية فى الأكل من إناء الذهب والفضة،
فليخرج الطعام إلى محل آخر، ثم يأكل من ذلك المحل فلا يعصى، قال: وفعل مثل هذا الحسن
البصرى، وحكى القاضى حسين مثله عن شيخه القفال المروزى، ودليله ظاهر؛ لأن فعله هذا ترك
المعصية فلا يكون حرامًا كمن توسط أرضًا مغصوبة، فإنه يؤمر بالخروج بنية التوبة، ويكون فى
خروجه مطيعًا لا عاصيا، والله أعلم اهـ (٢٥١:١).

ج - ١٧
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
٣٦٣
ومثله فى "الدر المختار"، ولابن عابدين فى رد المحتار ههنا بحث نفيس، فليراجع، وي فقل عن
"الدرر": ثم قيل: ولكن ينبغى أن لا يفتى بهذه الرواية لئلا ينفتح باب استعمالها اهـ (٤٣٤:٥)،
فانظر فرار الحنفية من الحيل، وغاية مراعاتهم الأدب مع الشارع عرّ له، فأبعد الله قومًا رموا هؤلاء
الأعلام بتعليم الحيل لإبطال الأحكام، وهذه والله فرية بلا مرية، وإنما يرخصون فى الحيل للمبتلى
عند الضرورة كما رخص رسول الله عَّه لمن يريد أخذ صاعين من تمر ردىء بصاع جنيب فى أن
يبيع الردىء بدراهم أولا، ثم يشترى بها الجنيب، فهل هذا تحيل لإبطال الحكم؟ أو للتوقى عن
المعصية باتباع الأمر؟ فافهم، والله يتولى هداك، ظ.
فائدة: وفى "شرح المهذب" أيضًا: لو توضأ أو اغتسل من إناء الذهب صح وضوءه،
وغسله بلا خلاف، نص عليه الشافعى رحمه الله فى "الأم"، واتفق الأصحاب علیه، ودليله ما
ذكره المصنف فى قوله: كالصلاة فى الأرض المغصوبة، هكذا عادة أصحابنا يقيسون ما كان من
هذا القبيل على الصلاة فى الدار المغصوبة، وسبب ذلك أنهم نقلوا الإجماع على صحة الصلاة فى
الدار المغصوبة قبل مخالفة أحمد رحمه الله، ومثل هذا لو توضأ أو تيمم بماء أو تراب مغصوب أو
ذبح بسكين مغصوب، أو أقام الإمام الحد بسوط مغصوب صح الوضوء والتيمم، والذبح والحد
ويأثم، والله تعالى أعلم (١: ٢٥١).
وأغرب ابن حزم حيث قال: ومن صلى وهو يحمل شيئًا مسروقا أو مغصوبًا أو إناء فضة أو
ذهب بطلت صلاته، فإن صلى وفى كفه أو حجزته حلى ذهب يتملكه لأهله أو ليبيعه أو ثوب
حرير كذلك، أو دنانير فصلاته تامة، وكذلك لو صلى وفى فيه دينار أو لؤلؤة يحرزهما بذلك
فصلاته تامة (٧١:٤)، وله نحو ذلك نظائر كثيرة قد شذبها عن الأمة جمودا على الظاهر يذهب به
ذلك كل مذهب، والله المستعان، ظ.
؟
فائدة: وفى "شرح المهذب" أيضًا: يكره استعمال أوانى المشركين وثيابهم لما روى أبو
ثعلبة الخشنى رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إنا بأرض أهل الكتاب، ونأكل فى آنيتهم
فقال: ((لا تأكلوا فى آنيتهم إلا إن لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها))، رواه البخارى
ومسلم وغيرهما نحوه، ولأنهم لا يجتنبون النجاسة فكره لذلك، فإن توضأ من أوانيهم نظرت؛
فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء؛ لأن النبى معَّ ته توضأ من مزادة مشتركة،
رواه الشيخان فى حديث طويل من رواية عمران بن حصين، وتوضأ عمر رضى الله عنه من جرة

٣٦٤
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
إعلاء السنن
نصرانى أو نصرانية رواه الشافعى والبيهقى بإسناد صحيح، وعلقه البخارى، ولأن الأصل فى
أوانيهم الطهارة، وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح
الوضوء؛ لأن الأصل فى أوانيهم الطهارة، والثانى: لا يصح؛ لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما
يتدين المسلمون بالماء الطاهر، فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.
قال النووى: قال أصحابنا: المتدينون باستعمال النجاسة، وهم الذين يعتقدون ذلك دينًا،
وفضيلة هم طائفة من المجوس يرون استعمال أبوال البقر، وأخثائها قربة وطاعة، قال الماوردى: وممن
يرى ذلك البراهمة (أى مشركوا الهند)، وأما الذين لا يتدينون فكاليهود والنصارى قال: وهذا
الذى ذكرناه من الحكم بطهارة أوانى الكفار وثيابهم (من غير المتدينين بالنجاسة) هو مذهبنا
ومذهب الجمهور من السلف، وحكى أصحابنا عن أحمد وإسحاق نجاسة ذلك اهـ ملخصا
(٢٦٤:١١).
تغريقاً
قلت: ولم أر فى كتب القوم تقريبًا بين من يتدين بالنجاسة من الكفار، ومن لا يتدين بها،
ولكن الفرق بينهم هو الحق، ولا يأباه قواعدنا، بل تساعده، فتنبه لذلك فإن أكثر الناس عن هذا
غافلون، ولكن فى عدهم أهل الكتاب من الذين لا يتدينون بالنجاسة نظرًا؛ لأنهم يستحلون شرب
الخمر، وأكل الخنزير، وهما من الطاهرات عندهم لا من القاذورات، وإذا كان كذلك فهم فى
التدين بالنجاسة كالمجوس والبراهمة سواء، فافهم. ظ
فائدة: أفضل ألوان الثياب البيض لحديث ابن عباس رضى الله عنهما: أن رسول الله معد له
قال: ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم))، رواه أبو داود
والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، وعن سمرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صَ لّهِ:
((البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم))، رواه النسائي والحاكم فى "المستدرك"،
وقال: حديث صحيح، وقال مالك فى "الموطأ": إنه بلغه أن عمر قال: إنى لأحب أن أنظر إلى
القارئ أبيض الثياب (جمع الفوائد ٣٠٦:١)، وعن أم سلمة رضى الله عنها قالت: كان أحب
الثياب إلى رسول الله مَّ ◌ُّه القميص (أى بالنسبة إلى الخياطة)، رواه أبو داود والترمذى، وقال:
حديث حسن.
وعن أنس رضى الله عنه قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله عَّ ◌ُّه الجرة (أى بالنسبة
إلى انسجام نسجها وإحكام صنعتها)، رواه مسلم (والبخارى أيضا)، والجرة برود مخطط من

ج - ١٧
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
٣٦٥
قطن، أو كتان، ويكون أحمر غالبًا (وفى "شرح الشمائل" : نوع من برود اليمن بخطوط حمر،
وربما كانت بزرق سميت حبرة؛ لأنها تزين وتجر، والتجبير التحسين، وفيه دليل على استحباب
لبس الحبرة، وعلى جواز لبس المخطط قال ميرك: وهو مجمع عليه، وقال ابن حجر الهيثمى: وهو
فى الصلاة مكروه اهـ (وهو محل بحث ١١٥:١)، ويستحب ترك الترفع فى اللباس تواضعًا لله،
ويستحب أن يتوسط فيه، ولا يقتصر على ما يزدرى به لغير حاجة ولا مقصود شرعى، ومما يدل
للطرفين حديث معاذ بن أنس أن رسول الله عَ لَّه قال: ((من ترك اللباس تواضعًا لله تعالى وهو يقدر
عليه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أى حلل الإيمان شاء
يلبسها))، رواه الترمذى، وقال: حديث حسن، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله عَّ له: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، رواه الترمذى، وقال: حديث حسن،
كذا فى "شرح المهذب" (٤٥٤:٤).
قلت: هذا فى حق من كان متسببًا متكسيا يهيئ له لباسه باختياره، وأما من كان متوكلا
على الله تاركًا للأسباب، فليلبس مما آتاه الله من المباح شرعًا رفيعًا كان أو وضيعًا، فقد ثبت أنه مێآل.
لبس من الثياب الفاخرة أيضًا، ففى سنن أبى داود عن عبد الله بن عباس قال: لقد رأيت على
رسول الله مّل أحسن ما يكون من الحلل، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصفهانى بإسناد صحيح عن
جابر بن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد ابن سيرين، وعليه جبة صوف وإزار
صوف وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد، وقال: أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون: قد
لبسه عيسى ابن مريم، وحدثنى من لا أتهم أن النبى معَّ ◌ُلّه قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسنة
نبينا أحق أن تتبع ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره
فيتحرونه ويمتنعون من غيره وكذلك يتحرون زيًا واحدًا من الملابس ويتحرون رسومًا وأوضاعا
وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا، وليس المنكر إلا التقيد بها والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها.
والصواب أن أفضل الطرق طريق رسول الله عَّه التى سنها وأمر بها ورغب فيها، وداوم عليها،
وهى أن هديه فى اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس من الصوف تارة والقطن تارة، والكتان تارة،
ولبس البرود واليمانية والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء
والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة، وتركها تارة أهـ من "زاد المعاد" (٣٦:١).
وقال القارى فى "شرح الشمائل": إن السلف لما رأوا أهل اللهو يتفاخرون بالزينة والملابس

٣٦٦
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
إعلاء السنن
أظهروا لهم برثاثة ملابسهم حقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون، والآن قد قست القلوب ونسى
ذلك المعنى واتخذ الغافلون رثاثة الهيئة حيلة على جلب الدنيا، ووسيلة إلى حب أهلها، فانعكس
الأمر وصار مخالفهم فى ذلك مطيعًا لله متبعًا لرسوله وللسلف، ومن ثم قال العارف بالله أبو
الحسن الشاذلى رحمه الله لذى رثاثة أنكر عليه جمال هيئة: "يا هذا! هيئتى هذه تقول: الحمد لله،
وهيئتك هذه تقول: أعطونى من دنياكم شيئًا لله"، وههنا مزلفة لقوم مصعدة لآخرين فى الفعل.
والترك حيث لا بد للسالك فيهما من تصحيح النية، وإخلاص تلك الطوية فلا يلبس افتخارًا ولا
يترك بخلا واحتقارًا، فإنه ورد فى الحديث: ((البذاذة من الإيمان))، وكان عّ يتجمل للوفود اهـ
ملخصا (١١٩:١)، ظ.
. فائدة: يحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل على الكعبين للخيلاء، ويكره لغير الخيلاء،
نص عليه الشافعى، وصرح به الأصحاب، ويستدل له بالأحاديث الصحيحة المشهورة، منها
حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم
القيامة))، قال أبو بكر رضى الله عنه: ((يا رسول الله! إن إزارى يسترخى إلا أن أتعاهده، فقال رسول
الله ێله: إنك لست ممن يفعله خيلاء))، رواه البخارى، وروى مسلم بعضه، وفى الصحيحين عن
أبى هريرة عن النبى عَّ ◌ُّه قال: ((لا ينظر الله يوم القيامة من جر إزاره بطرا))، وفى البخارى عنه عن
النبى معَّه قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار فى النار)).
وفى "سنن أبى داود" بإسناد صحيح: عن أبى سعيد عن النبى عرّ ◌ُله: ((إزرة المسلم إلى نصف
الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو فى النار)).
وفى "سنن أبى داود" بإسناد صحيح: على شرط الشيخين عن أبى هريرة أن رسول
الله عَّ رأى رجلا يصلى مسبلا إزاره، فأمره أن ينصرف ويتوضأ، وقال: ((إنه كان يصلى مسبلا
إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل»، والأحاديث فى ذلك كثيرة، والإسبال فى العمامة، وهو
إرسال طرفها إرسالا فاحشًا كإسبال الثوب لحديث ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى معَّه قال:
(الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، رواه أبو
داود والنسائى بإسناد صحيح، كذا فى "شرَح المهذب" (٤٥٧:٤).
قلت: قد روى الطبرانى بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر أنه ظلّ عمم عبد الرحمن بن
عوف، فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها، ثم قال: هكذا يا ابن عوف! فاعتم، فإنه أعرب

ج - ١٧
٣٦٧
باب الفرق
٥٦٨٣- عن ابن عباس أن رسول الله عَّ له كان يسدل شعره، وكان المشركون
يفرقون شعورهم، وكان رسول الله عَ لّي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه
بشىء، ثم فرق رسول الله عَّ له بعد ذلك، أخرجه النسائي، وأخرج البخارى نحوه.
وأحسن الحديث (مجمع الزوائد ١٢٠:٥)، وفيه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ ليه:
((عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة وأرخوها خلف ظهور كم))، رواه الطبرانى، وفيه عيسى بن
يونس، قال الدار قطنى: مجهول، وذكر الذهبى هذا الحديث فى ترجمة يحيى بن عثمان بن صالح
المقرئ شيخ الطبرانى، ومع ذلك فقد وثقه اه، ظ.
باب الفرق
أقول: الحديث دليل على استحباب الفرق، وهو مذهب الحنفية، ومعنى الحديث أنه عَ ليه
رأى أهل الكتاب أقرب من الإسلام فآثر زيهم على زى أهل الشرك، ثم لما نهى عن التشبه باليهود
والنصارى، ورأى فى السدل تشبهًا بهم تركه، واختار الفرق، فإن قلت: إن فيه تشبهًا بالمشركين،
فکیف آثر التشبه بهم على تشبه اليهود والنصارى؟
قلت: ليس فيه تشبها بالمشركين؛ لأنه زى مشترك بينه وبين المشركين؛ لأنه كان زيًا لقوم
هو عَّ منهم، فلما صار زيًا مشتركا بينه وبين المشركين لم يكن مختصا بهم، فلم يكن اختياره
تشبها بالمشر كين بخلاف زى أهل الكتاب، فإنه لم يكن مشتر كا بينه وبين أهل الكتاب، فيكون
اختياره تشبهًا بهم، واختار ذلك فى أول الأمر، لأنه لم يكن منهيًا عن التشبه بهم إذ ذاك.
وقال ابن حجر: وكان السر فى ذلك أن أهل الأوثان أبعد من الإيمان من أهل الكتاب، ولأن
أهل الكتاب يتمسكون بشريعة فى الجملة، فكان يحب موافقتهم ليتألفهم ولو أدت موافقتهم إلى
مخالفة أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه، والذين حوله واستمر أهل الكتاب على
كفرهم تمحضت المخالفة لأهل لكتاب اهـ (فتح ٣٠٥:١٠)، ولا يخفى ما فيه لأن هذا موقوف على
ثبوت أن هذا کان بعد إسلام أهل الأوثان ممن معه، وممن حوله، ولم يثبت بعد، ثم الحدیث يدن
على أن ذلك لم يكن للتألف، بل لكونهم أهل کتاب، فدعوى التألف من غير دليل.
وما قال بعض الأكابر تعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر استئلافًا لقلوبهم إلى الإسلام،
وموافقة لهم؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا من دينهم، فيكون من الله سبحانه وتعالى، وأما فعل
٤

٣٦٨
باب الفرق
إعلاء السنن
المشركين فليس فيه احتمال أن يكون من الله تعالى، وهذا فى أول الإسلام، فلما أظهر الله الإسلام
صرح بمخالفتهم اهـ، ففيه أن دعوى الاستئلاف لا دليل عليه، واحتمال كونه من الله تعالى
مشترك، لأن فى المشركين أيضًا كان بعض آثار دين إبراهيم كالحج وغيره، فلا يصح قوله: أما فعل
المشركين فليس فيه احتمال أن يكون من الله تعالى، وقوله: فلما أظهر الله الإسلام صرح
بمخالفتهم، مبنى على دعوى الاستئلاف وكونه بعد ظهور الإسلام وكل منهما ليس بثابت، ولو
كان الاستئلاف كان مشتركًا كإعطاء الزكاة للمشركين المؤلفة قلوبهم، وإلما ظهور الإسلام، فلما
كان هذه الموافقة لاحتمال أن يكون السدل من الله دون الفرق، فما الوجه فى ترك السدل واختيار
الفرق بعد ظهور الإسلام؟ فالصواب هو ما قلنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قول بعض الأكابر هذا راجع إلى ما قاله الحافظ فى "الفتح" سواء،
والحق أن رسول الله عَ ليه كان يحب موافقة أهل الكتاب بدأ مقدمه المدينة تألفًا لهم، يدل على
ذلك ما رواه الطبرى فى "تفسيره" : حدثنا ابن حميد ثنا يحيى بن واضح أبو تميلة ثنا الحسين بن
واقد عن عكرمة ح وعن يزيد النحوى عن عكرمة والحسن البصرى قالا: أول ما نسخ من القرآن
القبلة، وذلك أن النبى ◌ّ هر كان يستقبل صخرة بيت المقدس، وهى قبلة اليهود، فاستقبلها
النبى معَّ له سبعة أشهر ليؤمنوا به ويتبعوه ويدعو بذلك الأميين من العرب الحديث، حدثنى المثنى بن
إبراهيم ثنا ابن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع فى قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، قال
الربيع: قال أبو العالية: إن نبى الله عَّ خير أن يوجه وجهه حيث شاء، فاختار بين المقدس لكى
يتألف أهل الكتاب، فكانت قبلة ستة عشر شهرا، وهو فى ذلك يقلب وجهه فى السماء، ثم وجهه
الله إلى البيت الحرام (٤:٢).
الأول: مرسل صحيح قد تابع فيه يزيد النحوى الحسين بن واقد، والثانى: مرسل حسن،
وكان تحويل القبلة قبل وقعة بدر بشهرين، فالظاهر أنه عّ لّه وافق أهل الكتاب فى بعض شأنهم فى
هذه المدة، فلما استقر أمره بالمدينة، وأيده الله بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم بعد العداوة
والأحسن التى كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا
نفوسهم دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم،
وتابعه هذا الحى من الأنصار على النصرة له، ولمن اتبعه وآوى إليهم من المسلمين من هاجر إلى الله
ورسوله أذن الله له حينئذ فى قتال من يليه من المشركين، فخرج رسول الله مَ ◌ّه غازيًا فى صفر

ج - ١٧
باب الفرق
٣٦٩
على رأس اثنى عشر شهرًا من مقدمه المدينة، واستعمل عليها سعد بن عبادة حتى بلغ ودان، وهى
غزوة الأبواء يريد قريشيًا وبنى ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ويلقى كيدًا، ووادعته فيها بنو ضمرة،
ثم بعث عدة سرايا قبل بدر، ثم كانت وقعة بدر، وهى البطشة الكبرى، سماها الله فى القرآن يوم
الفرقان، التقت فيه الفئتان: إحداهما: حزب الله، وأخرى: حزب الشيطان، فئة تقاتل فى سبيل الله،
وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، فظهر بها أمر الله واشتدت
بها شوكة حزب الله، فلم يبق بعد ذلك حاجة إلى تأليف اليهود الذين كانوا حول المدينة لما ألقى
الله فى قلوبهم الرعب، فأمر رسول الله عّ لّه بمخالفتهم فى زيهم، وعاداتهم وترك موافقتهم فيما
كان وافقهم فيه قبل وقعة بدر لحكمة التأليف، وحكم أخرى قد أحاط الله بها.
وأما قول الحافظ: وتبعه فى ذلك بعض الأكابر أنه معدّية. وافق أهل الكتاب فى بعض شأنهم،
لأن أهل الكتاب كانوا يتمسكون بشريعة فى الجملة، وأهل الأوثان أبعد من الإيمان من أهل الكتاب
اهـ، فإن ذلك إنما يستقيم لو كان عَ لّه وافقهم فى شىء قبل النبوة، وأما بعد ما خلع الله علیه حلل
النبوة وتوجه بتاج الرسالة، وأنزل عليه الكتاب والميزان لم يكن به حاجة قط إلى اتباع قوم كانوا
يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كتاب الله، بل كان عليه أن يتبع ما يوحى إليه أو يعمل برأيه
فيما لم يوح إليه، وإذا عمل فى أمر برأيه، وأقره الله عليه كان ذلك من دين الله وشريعته التى
اصطفاها له.
وأما ما روى معمر عن الزهرى: وكان إذا شك فى أمر لم يؤمر فيه بشىء صنع ما يصنع
أهل الكتاب، فهو مقيد بمقدمه المدينة، يدل على ذلك أول الحديث، كما فى "فتح البارى"
(٣٠٤:١٠)، فهو محمول على ما قلنا: إنه كان يصنع ما صنع أهل الكتاب تألفًا لهم، وإلا لم يكن
لتقييده بقدومه المدينة معنى، فإن أهل الكتاب كانوا أهدى من المشركين قبل الهجرة وبعدها،
فتفريقه الشعر بمكة وسدله إياه بالمدينة لم يكن لكونه رأى أهل الكتاب أقرب من الإسلام،
والمشركين أبعد منه، وإنما كان ذلك لأجل تأليف يهود المدينة فحسب، يدل على ذلك عدم موافقته
للنصارى فى شىء مع أنهم كانوا أهدى من اليهود، وأقرب إلى الإسلام منهم، ولكنهم لم يكونوا
بالمدينة، فلم يكن به حاجة إلى تألفهم، فقول بعض الأحباب: إن الفرق لم يكن من زيه عّلّه من
حيث كونه أهدى منهم، بل كان ذلك من زيه لأجل قومه إلخ، كلام لا يصدر عن عاقل ولا يتفوه
بمثله إلا جاهل عن مقام النبوة غافل، فإن كان ما فعله مرّ له وأقره الله عليه فهو شرع ودين، وكذا

٣٧٠
باب الفرق
إعلاء السنن
قوله: إن دعوة الاستئلاف لا دليل عليه، باطل، فقد روينا ما يدل عليه، وقوله: إن احتمال كونه من
الله تعالى مشترك إلخ بناء الفاسد على الفاسد.
وقوله: إن كونه بعد ظهور الإسلام، ليس بثابت، مردود بمعرفتنا وقت تحويل القبلة،
وحبه عَِّ الرجوع إلى حاله الأول عن موافقة أهل الكتاب فيما وافقهم، فالظاهر أن ذلك هو
الوقت الذى أمر فيه بمخالفة اليهود والنصارى وترك موافقتهم، وكان ذلك بعد ظهور الإسلام،
واستقرار أمر النبى عّ لّه بالمدينة، وظهوره عليها، وعلى ما حولها حتما، كما لا يخفى على من
مارس وقائع الأيام، واطلع على تاريخ الإسلام.
وأما قوله: إن الاستئلاف كان مشتركًا كإعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم من المشركين، ففيه
أن الاستئلاف الذى نحن بصدده لم يكن مشتركًا، وأما تأليف الأقوام ببذل الأموال وإلانة الجانب
لهم، فهو بمعزل عما نحن فيه، ولكن بعض الأحباب يتخبط فى فقه الحديث خبط عشواء.
وقال عياض: سدل الشعر إرساله، وكذا الثوب، والفرق تفريق الشعر بعضه من بعض،
وكشفه عن الجبين، قال: والفرق سنة؛ لأنه الذى استقر عليه الحال، والذى يظهر أن ذلك وقع
بوحى لقول الراوى فى أول الحديث: ((إنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فیما لم يؤمر فیه بشىء))،
فالظاهر أنه فرق بأمر من الله حتى ادعى بعضهم فيه النسخ، ومنع السدل واتخاذ الناصية، وحكى
ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وتعقبه القرطبى بأن الظاهر أن الذى كان عٍَّ يفعله، إنما هو لأجل
استئلافهم، فلما لم ينجع فيهم أحب مخالفتهم، فكانت مستحبة لا واجبة عليه.
وأما توهم النسخ فى هذا، فليس بشىء لإمكان الجمع، بل يحتمل أن لا يكون الموافقة
والمخالفة حكمًا شرعيًا إلا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السدل منسوخًا لصار إليه الصحابة أو
أكثرهم، والمنقول عنهم أن منهم من كان يفرق، ومنهم من كان يسدل ولم يعب بعضهم على
بعض، وقد صح أنه كانت له عّ لّ لمة، فإن انفرقت فرقها وإلا تركها، فالصحيح أن الفرق مستحب
لا واجب، وهو قول مالك والجمهور.
قلت: وقد جزم الحازمى بأن السدل نسخ بالفرق واستدل برواية معمر بلفظ: ثم أمر بالفرق
ففرق، وكان الفرق آخر الأمرين وهو ظاهر، وقال النووى: الصحيح جواز السدل والفرق اهـ من
"فتح الباري" (٣٠٥:١٠) ملخصا.
وفى "شرح الشمائل" للمناوى: وإنما آثر فيه محبة ما فعله أهل الكتاب على فعل المشركين

٣٧١
إعلاء السنن
باب جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب
٥٦٨٤- عن خالد بن دريك عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على
لتمسك أولئك ببقايا شرائع الرسل، وهؤلاء وثنيون لا مستند لهم إلا ما وجدوا عليه آباءهم (وفيه
رد على بعض الأحباب حيث قال: إن فى المشركين أيضًا كان بعض آثار دين إبراهيم كالحج وغيره
اهـ، فإن ذلك إنما كان من غير مستند من النقل، وإنما كانوا يتبعون ما وجدوا عليه آبائهم، وليس
ذلك من التمسك بالشريعة فى شىء، واذكر ما أوردنا على هذا الوجه من قبل)، قال: أو كان
لاستئلافهم كما تألفهم باستقبال قبلتهم، ذكره النووى وغيره (وهذا الوجه هو الأولى)، ورد
الشارع لهذا بأن المشركين أولى بالتألف غير مرضى إذ هو مَّه قد حرص أولا على تألفهم، ولم
يأل جهدا فى ذلك، وكلما زاد ازدادوا نفورًا، فأحب تألف أهل الكتاب ليجعلهم عونًا على قتال
من أبی واستکبر من عباد الوثن.
قال القرطبى: حبه لموافقتهم كان فى أول الأمر عند قدومه المدينة فى الوقت الذى كان
يستقبل قلبتهم ليتألفهم حتى يصبغوا إلى ما جاء به، فلما تألفهم ولم يدخلوا فى الدين وغلبت
عليهم الشقوة ، ولم ينفع فيهم ذلك أمر بمخالفتهم فى أمور كثيرة کقوله: «إن اليهود والنصارى
لا يصبغون فخالفوهم)) اهـ ملخصا (٨٠:١)، وهذا عين ما قلته، فلله الحمد الموافقة. وقال النووى
فى "شرح المهذب" فى حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((صنفان من أهل النار
لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات
مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من
مسيرة كذا وكذا)) رواه مسلم، ومعنى مائلات: أى عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، مميلات: أى
يعلمن غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: يمشين متبخترات مميلات لأكنافهن، وقيل: مائلات يمتشطن.
المشطة الميلاء هى مشطة البغايا:
المشطة الميلاء وهى مشطة البغايا، ومميلات يمشطن غيره من تلك المشطة اهـ (٤: ٤٧٠)،
قلت: وقد عمت المشطة الميلاء فى زماننا فى الرجال، والنساء جميعًا أخذوها من النصارى،
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ظ.
باب جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب عند عدم خوف الفتنة
أقول: احتج فقهاءنا بهذه الآثار على جواز النظر إلى الوجه والكفين، ووجه الاستدلال
أن الآثار المذكورة تدل على أنه يجوز كشف هذه الأعضاء للمرأة ولما جاز كشفها لها جاز النظر

٣٧٢
ج - ١٧
جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب
رسول الله عَّ وعليها ثياب شامية رقاق، فأعرض عنها ثم قال: ما هذا يا أسماء! إن
المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه،
أخرجه البيهقى فى "سننه" (٢٢٦:٢)، وقال: قال أبو داود: هذا مرسل، خالد بن
دريك لم يدرك عائشة، قلت: المرسل عندنا حجة لا سيما إذا تأيد بأقوال الصحابة.
٥٦٨٥- وعن حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، قال: ما فى الكف
والوجه، رواه البيهقى (٢٢٥:٢).
قلت: فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز ضعفه الأئمة، وقال ابن حجر فى
"التقريب": ضعيف إلا أنه لم يتفرد به بل تابعه عليه مسلم الملائى، فرواه عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس فى تفسير الآية المذكورة: الكحل والخاتم، أخرجه البيهقى أيضا،
وضعفه الأئمة، وقال ابن حجر فى "التقريب" : إنه ضعيف - إلا أنه يتقوى السند
بجموع الطريقين، وقد روى هذا عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أيضا- كما
أخرجه البيهقى أيضًا، وفيه خصيف، وقد ضعفه أئمة، ووثقه آخرون، كما فى
"التهذيب"، و به یتقوی طریق سعيد بن جبير.
إليها للرجال كما يدل عليه قوله عّ لأسماء: ((لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا))، وقول ابن
عباس: فهذا تظهر فى بيتها لمن دخل عليها، إلا عند خوف الفتنة لقوله تعالى: ﴿قل المؤمنين يغضوا
من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾، و ﴿قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجهن﴾، ولقوله عليه السلام: ((العينان تزنيان)) وغيره إلا القاضى والشاهد والخاطب، فإنه يباح
لهم النظر عند خوف الفتنة أيضًا، لأن المصلحة متيقن والمفسدة محتمل، ثم المصلحة لا تترتب
بدون النظر، والمفسدة ممكن دفعها بالقصد والاختيار، فيغلب المصلحة المفسدة، ثم النبى عّ لّه قد
أباح النظر للخاطب كما هو مذكور فى كتب الحديث، ولا يخفى أن نظر الخاطب لا يخلو عن
شهوة، فالحاكم والشاهد أولى لأنهما أبعد من الشهوة من الخاطب، كما لا يخفى ...
ثم اعلم أنه قد حدث فى هذا الزمان وأحداث سفهاء الأحلام كالذين مرقوا من الدين، كما
يمرق السهم من الرمية، بل أشد مروقا منهم، كما لا يخفى على من قابل سيرة هؤلاء السفهاء
بسيرة أولئك المارقين، فظنوا أن الحجاب المتعارف للنساء فى زماننا مخالف للدين، لأن الشرع أباح

٣٧٣
جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب
إعلاء السنن
٥ ٥٦٨٦- وأخرج ابن جرير عن على (لعله ابن داود القنطرى) عن عبد الله (ابن
صالح) عن معاوية (ابن صالح) عن على (ابن أبى طلحة) عن ابن عباس قوله: ﴿لا يبدين
زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، قال: والزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الأكف
والخاتم، فهذا تظهر فى بيتها لمن يدخل من الناس عليها، ورجال هذا السند ثقات إلا أن
عليًّا لم يسمع من ابن عباس، بل قال ابن حجر: بينهما مجاهد فهذا السند هو أمثل
الأسانيد، ويعتمد البخارى كثيرا على هذا السند من غير تصریح به، كما صرح به ابن
حجر فى "التهذيب".
٥٦٨٧- وعن عقبة بن عبد الله الأصم عن عطاء بن أبى رباح عن عائشة قال: ما
ظهر منها الوجه والكفان، أخرجه البيهقى، وفيه عقبة بن عبد الله الأصم ضعفه الأئمة
إلا أنا أخرجناه للاستشهاد.
للنساء كشف الوجه والكفين للأجانب، وأباح للرجال النظر إليهن، فيكون حبسهم النساء فى
البيوت وحجبهن عن عيون الرجال ظلمًا لهن، لا سيما إذا كان ذلك مضرًا بصحتهن وموجبا
لهلاكهن، مع أن النساء قد كن يحضرن الصلوات والغزوات والأعياد، ويخرجن لحوائجهن فى
زمن النبي ◌ِّه، ولم يأمر هن النبى معَ ◌ّ بالاحتجاب، بل أمر الرجال أن لا يمنعوا إماء الله المساجد،
وأمرهن بحضور العيد، إلى غير ذلك، وقالوا كل ذلك تقليدًا للنصارى وتأثرا بتعليماتهم وإيثارا
لأوضاعهم على أوضاع المسلمين، لا لخطأ فى الاجتهاد، وأما تمسكهم بالنصوص، فليس بشبهة
عرضت لهم، بل لتشكيك العوام الجهلة فقط.
والجواب عنه أن لا تعارض بين جواز كشف الوجه، والنظر ووجوب الاحتجاب، لأن
جواز كشف الوجوه، والنظر مبنى على الضرورة، ودفع الحرج، وحكم الاحتجاب مبنى على
خوف الفتنة وسد بابها، ولا تعارض بين الحکمین عند اختلاف الجهتين، فافهم.
وفى زمن النبى معَّر كانت الضرورة غالبة لعموم الفقر وشدة الاحتياج إلى الخروج،
والفتنة مغلوبة لغلبة الصلاح، فلذلك لم يأمر النبى معَّ له عامة النساء بالاحتجاب فى زمته، وفى
زماننا الذى هو شر القرون غلبت الفتنة، وشاع الفساد بحيث لا يؤمن على كثير من المحتجبات
والمستورات، واضمحلت الضرورات للكشف، فلذلك شدد المسلمون فى الاحتجاب، فقياس
زماننا الذى هو شر القرون على زمان النبى ◌ّ الذى هو خير القرون قياس للضد على الضد،

ج - ١٧
جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب
٣٧٤
٥٦٨٨- وقال البيهقى فى "السنن": روينا عن أنس مثل ما روى عن ابن عباس،
وروينا عن ابن عمر أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان، وروينا معناه عن عطاء بن
أبى رباح وسعيد بن جبير، وهو قول الأوزاعى (سنن كبرى ٢٢٦:٢ و٢٢٧).
قلت: لم أطلع على سند رواية أنس وابن عمر، أما عطاء وغيره، فالروايات عنهم
مذكورة فى تفسير ابن جرير.
٥٦٨٩- قال ابن جرير: حدثنا على بن سهل قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا أبو
عمرو (هو الأوزاعى) عن عطاء فى قول الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر
منها﴾، قال: الكفان والوجه.
٥٦٩٠- وقال أيضًا: حدثنى ابن عبد الرحيم البرقى قال: ثنا عمر بن أبى سلمة
قال: سئل الأوزاعى عن قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، قال: الكفين
والوجه.
٥٦٩١- وقال أيضًا: حدثنا عمرو بن عبد الحميد الأيلى قال: ثنا مروان عن مسلم
الملائى عن سعيد بن جبير أن ما ظهر منها: الكحل والخاتم.
وهو من عجائب القياس.
ثم إن النبى عّ لّ، وإن لم يأمر النساء بالاحتجاب حتمًا بالنظر إلى الضرورة لكنه لم يكن
غافلا عن سد الفتنة مع ضعفها ضعفا "شديدًا" ، بل كان يهتم بسدها اهتمامًا بليغًا، لأنه بلغ قوله
تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾، ﴿قل للمؤمنات يغضضن من
أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من
زینتهن﴾، وقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ إلى غير ذلك، وأوعد الزانيين والزانيات
بأنواع الوعيدات، وأقام الحدود عليهم، وجعل النظر بالشهوة زنا العين، ونهى الرجال أن يخلوا
بالنساء، وأمر النساء أن لا يخرجن متزينات متطيبات، وأمر الرجال أن لا يتفرقوا من الصلاة قبل أن
ينصرف النساء، وندب النساء إلى ترك الخروج للصلاة فضلا عن غيرها يجعل صلاتهن فى بيوتهن
خيرًا من صلاتهن فى المسجد إلى غير ذلك من الأمور، بخلاف هؤلاء السفهاء المارقين المقلدين
للنصارى، فإنهم يسعون فى ضد تلك الأمور بحيث لا يتركون حاجزًا عن الزنا والفجور، فكيف
يقيسون أنفسهم بنفس رسول الله عد اله.

٣٧٥
جواز كشف المرأة وجهها و كفيها للأجانب
إعلاء السنن
٥٦٩٢- وقال أيضًا: حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان عن
عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير فى قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا
ما ظهر منها﴾ قال: الوجه والكف. وحدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا مروان
ابن معاوية عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المکی عن سعيد بن جبير مثله (تفسير
ابن جبير ٩٣:١٨ و ٩٤).
ثم إن النبى معَّ إن لم يأمر النساء بالاحتجاب حتمًا فلم ينههن عنه أيضًا، بل ندبهن إلى
الاحتجاب كما قد ذكرنا، بخلاف هؤلاء السفهاء، فإنهم ينهون عنه أشد النهى، ويقبحونه أشد
التقبيح، فكيف يقال: إنهم يقتدون بأفعال النبى مرّله، ثم سلمنا أن الفقهاء جوزوا كشف الوجه،
والكف للمرأة عند الأجانب، ولكن لم يجوزوا كشف الزائد عليهما، وسلمنا أنهم جوزوا النظر
إلى وجه المرأة وكفها، ولكن لم يجوزوا المس، وإن كان بلا شهوة، ولم يجوزوا النظر بالشهوة،
وهؤلاء السفهاء لا يتقيدون بهذه القيود، بل يجعلون نسائهم كنساء النصارى فى اللباس،
والأفعال، فكيف يقال: إنهم يترخصون برخصة الفقهاء.
بالجملة جل غرضهم التشبه بالنصارى، والاحتجاج بالنصوص القرآنية والحديثية والفقهية
لمجرد التلبيس على العوام الجهلة، فكن على حذر من قولهم وفعلهم، ولا تغتر بتسويلاتهم
وتلبيساتهم، فإنهم لا يألونكم خبالا، والله يتولى هدانا وهداك.
ومما يدل أيضا على بطلان حجة هؤلاء السفهاء أن نساء النبى عّ لّه كن مأمورات بالحجاب،
وبحرمة النظر بالنظر إلى التعارض، وهو كون ترك الكشف والنظر أطهر لقلوبهم وقلوبهن مع أن
وجوههن وأكفهن أيضًا لم تكن عورة كسائر النساء، وهذا دليل على أنه لا تعارض بين مسألة
جواز كشف الوجوه، ووجوب الاحتجاب، لأنه لو كان بينهما تعارض لم يجتمعا فى نساء
النبى عّ لّه، ولكنهما يجتمعان، فلا يكون بينهما تعارض.
فإن قلت: لا نسلم الاجتماع لأن القاضى عياض صرح بأن فرض الحجاب مما اختصصن به،
فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك فى شهادة ولا غيرها،
ولا إظهار شخوصهن، وإن کن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز کما نقله عنه ابن حجر
فى "الفتح" (٤٠٨:٨)، وهو صريح فى عدم جواز كشف الوجه واليدين لهن مطلقًا، فكيف
الاجتماع؟

ج - ١٧
جواز كشف المرأة وجهها وكفيها للأجانب
٣٧٦
قلنا: مطلق عدم جواز الكشف الذى هو لازم لفرضية الحجاب هو الذى قال به القاضى،
ونحن لا ننكره بل نتبعه، وجواز الكشف الذى قلنا به الجواز بالنظر إلى كونها غير عورة مع قطع
النظر عن فرضية الحجاب للعارض، ولم ينفه القاضى، لأنه ليس فى كلامه تعرض لكونها عورة، أو
غير عورة، فلا منافاة بين ما قلنا، وبين ما قال القاضى: وكيف يقول أحد بكون وجوه أمهات
المؤمنين وأكفهن عورة غير مباحة النظر لكونها عورة، لأن الدلائل التى يستدل بها على كون
الوجه، والكفين غير عورة ومباحة النظر كجواز الكشف فى الصلاة، وقوله تعالى: ﴿لا یبدین
زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ إلى غير ذلك عامة شاملة لأمهات المؤمنين وغيرهن، لا يقال: خصهن آية
الحجاب لأنا نقول: التخصيص فرع التنافى ولا تنافى، فكيف التخصيص؟
فحاصل ما قال القاضى: إن فرض الحجاب على وجه خاص، وهو عدم جواز كشف الوجه
والكفين فى الشهادة وغيرها، وعدم إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات من غير حاجة إلى البراز
من خصائص أمهات المؤمنين، ولا يثبت لسائر النساء، لأن الحجاب لم يفرض عليهن بعبارة النص،
وإنما يؤمرن بالاحتجاب بدلالة النص، والأصول الثانية من النصوص بخلاف أمهات المؤمنين، فإنه
فرض عليهن الحجاب بالنص، ثم عامة النساء يجوز لهن كشف الوجه عند الشهادة وغيرها، ولا
يجوز ذلك لأمهات المؤمنين مع اشتراكهن فى عدم كون الوجه والكفين عورة، وجواز الكشف
والنظر بهذا الاعتبار، لأن عدم جواز الكشف فى حق سائر النساء لعارض مفارق، وهو الشهوة
غير المغلوبة بالمصلحة، فإن تحقق عدم الشهوة من الجانبين أو كانت المصلحة غالبة على المفسدة كما
فى الكشف والنظر للشهادة أو للقاضى أو الخاطب جاز، وإلا فلا، بخلاف أمهات المؤمنين فإنهن
مأمورات بالحجاب مطلقًا لعارض لازم، وهو كون ترك الكشف والنظر أطهر لقلوبهم وقلوبهن،
كما قال الله تعالى: ﴿ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ لأن الأطهرية للقلوب لا تنفك عن ترك
الكشف والنظر، فلا يجوز لهن الكشف والنظر مطلقًا.
ثم عامة النساء يجوز لهن إظهار شخوصهن مع ستر أبدانهن، ولا يجوز ذلك لأمهات
المؤمنين لما ذكر، وأنت تعلم أنه ليس منه ما يوافق هوى هؤلاء الأحداث السفهاء المخترعين، وبهذا
التفصيل تبين أن ما يزعم بعض أولئك السفهاء أن الحجاب كان من مختصات أمهات المؤمنين،
فلا يشرع لغيرهن مغترًاً بقول القاضى: إن فرض الحجاب مما اختصصن به زعم باطل، لأنك
قد عرفت أن المختص بهن هو فرض الحجاب بالنص على وجه مخصوص دون شرعية الحجاب

٣٧٧
إعلاء السنن
باب جواز النظر إلى المخطوبة
٥٦٩٣- عن مغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبى عَّ له: ((انظر إليها فإنه
أحرى أن يؤدم بينكما))، أخرجه النسائي، والترمذى وحسنه (زيلعى ٢٨٩:٢).
مطلقًا، فإنه عام لهن ولغيرهن.
ثم اعلم أن عدم جواز كشف الوجه والكفين لأمهات المؤمنين فى الشهادة وغيرها بلا
خلاف مما تفرد به القاضى، ولم نر ذلك لغيره لا نفيًا ولا إثباتًا، فإن صح النقل فقد ذكرنا تحقيقه،
وإلا فلا حاجة إلى الجواب، لأن الإيراد ساقط من الأصل، بالجملة ما ادعينا من عدم المنافاة بين
مسألة جواز الكشف والنظر، وبين مسألة الحجاب، ومسألة الحجاب ثابت على كلا التقديرين
سواء جاز كشف الوجه والكفين فى الشهادة وغيرها كسائر النساء أولا.
فإن قلت: إن جاز لهن الكشف فى الشهادة وغيرها كسائر النساء فما الفرق بينهن وبين
سائر النساء؟ قلنا أولا: إنه لا حاجة إلى الفرق فى كل حكم، ألا ترى أن قبل نزول الحجاب
لم یکن فرق بينهن وبين سائر النساء فى جواز الكشف، فإن لم يكن فرق بينهن، وبين سائر النساء
بعد نزول الحجاب فى الحجاب لم يكن قادحاً فى مزيتهن.
وثانيًا: أن الفرق غير منحصر فى هذا، بل له وجوه أخرى، وهى أن الله تعالى خصهن
بالخطاب دون سائر النساء، بل جعلهن تابعات لهن بالنظر إلى علة الحكم، وهذا يدل على شدة
الاعتناء بشأنهن، وكان حكم الحجاب قطعًا فى حقهن دون سائر النساء، وكان مراعاة الحجاب
أشد فى حقهن دون سائر النساء، وقد أمرن بالحجاب فى وقت كان الخير فيه غالبًا والشر مغلوبًا،
بخلاف سائر النساء فإنهم أمرن به حين شاع الشر وذاع، فهذه وجوه ثبت بها المزية لهن على
سائر النساء، فلا حاجة لإثباتها إلى القول بعدم جواز الكشف مطلقًا من غير دليل، نعم، إن ثبت
الإجماع كما يظهر من كلام القاضى، أو قام الدليل على ما قال يحكم به للدليل، لا لمجرد إثبات
المزية، ويمكن الاستدلال عليه بإطلاق الحكم، وبقوله تعالى: ﴿ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾:
كما أشرنا إليه سالفًا، ولكنه لا يخلو عن ضعف، ولا حاجة لنا إلى مزيد تحقيق الكلام فى هذا
الباب، وتنقيحه لأنه لا يتعلق لنا به غرض، كما لا يخفى.
باب جواز النظر إلى المخطوبة
أقول: الأحاديث المذكورة نص فى الباب إلا أن هذا النظر مخصوص بماهو ليس بعورة

ج - ١٧
جواز النظر إلى المخطوبة
٣٧٨
٥٦٩٤- وعن أبى هريرة قال: خطب رجل امرأة من الأنصار فقال له رسول الله
عٍَّ: ((اذهب فانظر إليها فإن فى أعين الأنصار شيئا))، أخرجه مسلم (زيلعى ٢٨٩:٢).
٥٦٩٥- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عّ لّه: ((إذا خطب أحدكم
المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل))، فخطبت جارية فكنت
أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعانى إلى نكاحها، أخرجه أبو داود (زيلعى ٢٨٩:٢)،
وحسنه ابن حجر فى "الدراية"، وعلله ابن القطان بأن واقد بن عبد الرحمن لا أعرفه.
قلت: أخرجه أبو داود فقال: حدثنا مسدد نا عبد الواحد بن زياد نا محمد بن
إسحاق عن داود بن حصين عن واقد بن عبد الرحمن يعنى ابن سعد بن معاذ عن جابر
ابن عبد الله فذكر الحديث، وأخرجه الحاكم من طريق عمر بن على بن مقدم فقال:
ثنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ
فذكر الحديث بعينه. وكذا أخرجه أحمد من طريق يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق
(مسند ٣٦٠:٣).
فدل ذلك على أن واقد بن عبد الرحمن هو واقد بن عمرو بأن يكون لأبی واقد
اسمان: عبد الرحمن وعمرو، أو يكون قوله: عبد الرحمن خطأ من عبد الواحد.
والصحيح ما قال عمر بن على وغيره، وإن كان غيره، كما قال ابن حبان فى
"الثقات" وابن القطان فى "كتابه"، فلا يقدح فى الرواية جهالة واقد بن عبد الرحمن،
لأنه لم يتفرد به بل تابعه عليه واقد بن عمرو، كما ذكرنا من رواية الحاكم، وواقد بن
عمرو ثقة عند ابن القطان أيضا، كما صرح هو به فى كتابه الذى نقل عنه الزيلعى،
فاندفع الطعن، فافهم.
كالوجه والكفين، ولا يجوز النظر إلى ما هو عورة. ولا يتقيد بعدم الشهوة، لأن نظر الخاطب لا
يخلو عن شهوة كما لا يخفى، لكن لا ينوى به قضاء الشهوة بل إقامة السنة ومعرفة أنها تصلح
للنكاح أم لا. فإن قلت: قد وقع فى حديث جابر أنه قال عّ لّه: ((إن استطاع أن ينظر إلى ما يدعو
إلى نكاحها فليفعل)). وما يدعو إلى النكاح أعم من الوجه والكفين.
قلنا: ليس المراد التعميم بل المقصود منه الإشارة إلى أن هذا النظر للضرورة، فينبغى أن
لا يتجاوز حد الضرورة، والضرورة تندفع بالنظر إلى الوجه والكفين، فلا ينبغى أن يتجاوزهما.

٣٧٩
جواز النظر إلى المخطوبة
إعلاء السنن
٥٦٩٦- وعن أنس أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فقال النبى عدّ له: ((اذهب
فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما))، رواه ابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى
"مستدركه"، وقال: على شرط الشيخين (زيلعى ٢٨٩:٢).
٥٦٩٧- وعن محمد بن سلمة قال: خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت
إليها فى نخل لها فقيل: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله عَ ليه؟ فقال: سمعت
رسول الله عّ لّه يقول: إذا ألقى الله فى قلب امرئ منكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر
إليها، رواه ابن حبان فى "صحيحه" (زيلعى ٢٨٩:٢).
٥٦٩٨- وعن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إذا خطب
أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها))، رواه الطبرانى وإسحاق بن راهويه (زيلعى
٢٨٩:٢)، وعزاه ابن تيمية فى "المنتقى" لأحمد، وقال الشوكانى: سكت عنه الحافظ
فى "التلخيص"، وقال فى مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح (نيل ١٥:٦).
وللمناقشة فيه مجال ولكنه لا يضر، لأن المسألة اجتهادية والاجتهاديات لا يخلو عن المناقشات،
فما اطمأن إليه قلب المجتهد هو الحجة فى حقه وحق من تبعه.
قال فى "النيل": هو أى اختصار جواز النظر على الوجه والكفين مذهب الأكثر، وقال
داود: يجوز النظر إلى جميع البدن، وقال الأوزاعى: ينظر إلى مواضع اللحم اهـ بمعناه (نيل
١٦:٦)، وحجة داود ظاهر الأحاديث لأن النظر فيها غير مقيد بالوجه والكفين، بل مطلق. ولم
نطلع على حقيقة قول الأوزاعى وعلى حجته، وقد عرفت أن المسألة اجتهادية والحجة فيها ظن
المجتهد، والله أعلم.
ثم اعلم أن القاضى والشاهد مقيس على الخاطب بقياس الأولوية، فلما جاز النظر للخاطب
جاز للقاضی والشاهد بالأولى، كما لا يخفى.
قال العبد الضعيف: وحجة الجمهور قول جابر: "فخطبت جارية فكنت أتخبأ" والراوى
أعرف بمعنى ما رواه، فدل على أنه لا يجوز له أن يطلب من أوليائها أن يحضروها بين يديه لما فى
ذلك من الاستخفاف بهم، ولا يجوز ارتكاب مثل ذلك لأمر مباح ولا أن ينظر إليها بحيث تطلع
على رؤيته لها من غير إذنها، لأن المرأة تستحى من ذلك ويثقل نظر الأجنبى إليها على قلبها لما
جبلها الله على الغيرة، وقد يفضى ذلك إلى مفاسد عظيمة كما لا يخفى، وإنما يجوز له أن يتخبأ

ج - ١٧
٣٨٠
باب حرمة الخلوة مع الأجنبية
٥٦٩٩- عن جابر قال: قال رسول الله عَّ له: ((ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا
أُن یکون ناکحًا أو ذی مخرم)).
٥٧٠٠- وعن عقبة بن عامر أن رسول الله عَّ له قال: ((إياكم والدخول على
النساء))، فقال رجل: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت))، رواه مسلم
(١٥:٢ و٢١٦).
لها وينظر إليها خفية، ومثل هذا النظر يقتصر على الوجه والكف والقدم لا يعدوها إلى مواضع
اللحم ولا إلى جميع البدن، والله أعلم، ظ.
باب حرمة الخلوة بالأجنبية
أقول: الأحاديث نص فى الباب إلا أن حديث جابر الذى رواه مسلم يوهم اختصاص الحكم
بالثيب، ويزيح هذا الوهم الروايات التى بعدها لأنها ليس فيها هذا القيد، ثم قال النووى: قال
العلماء: إنما خص الثيب لكونها التى يدخل عليها غالبا، وأما البكر فحصولة منصونة فى العادة
مجانبة للرجال أشد مجانبة فلم يحتج إلى ذكر، أو لأنه من باب التنبيه لأنه إذا نهى عن الثيب الذى
يتساهل الناس فى الدخول عليها فى العادة فالبكر أولى اهـ (مسلم ٢: ٢١٥).
وما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قام رسول الله عَ ليه على المنبر فقال:
(لا يدخلن رجل بعد يومى هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان))، فقال النووى: مؤول بحمله
على جماعة يبعد مواطاتهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك اهـ، ولى ههنا
إشكال وهو أن سبب ورود هذا القول كما هو مذكور فى صدر الحديث أن نفرا من بنى هاشم
دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق، وهی تحته يومئذ، فرآهم فكره ذلك فذ کر
ذلك لرسول الله عَ ليه وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله عرّ ◌ُّه: ((إن الله فد برأها من ذلك ثم قام
على المنبر فقال لا يدخلن ... )) إلخ، ويعلم منه أن أبا بكر رضى الله عنه رأى عند أسماء نفرا من بنى
هاشم لا رجلا واحدا وإنه قد رابه ذلك، وإن رسول الله عَّ له إنما قال ما قال لسد باب مثل هذه
الريبة، وإذا كان الأمر كذلك يشكل عليه أنه كيف يندفع الريبة من كون الرجل أو الرجلين مع
الداخل مع أن نفرا من بنى هاشم دخلوا على أسماء ولم يكف هذا لدفع الريبة. فإن قلت: لعلهم
كانوا ممن لا يبعد موالاتهم على الفاحشة.